← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وآله وسلم فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ " قالوا: اللَّهُمَّ؛ نعم. فقال النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ اشهد" (٣٠٤). وقال الأعمش: عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير [¬١] مولى ابن عباس. عن [عبد الله] [¬٢] بن عباس: أن إسرائيل كقولك: عبد الله (٣٠٥). وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك، أن [¬٣] فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم [¬٤] من عبودية آل فرعون. وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب. قلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾. يعني: في زمانهم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (٣٠٦)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه، [وقال تعالى] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. قال: بعهدي الذي أخذت في [¬٥] أعناقكم للنبي محمد ﷺ إذا [¬٦] [جاءكم أوف بعهدكم، أي:] [¬٧] أنجز لكم ما وعدتكم [¬٨] عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم. [وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. الآية.

стр. 457

وقال آخرون هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة، أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع الشعوب، والمراد به محمد ﷺ ، فمن اتبعه غفر الله له ذنبه، وأدخله الجنة، وجعل له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ ] [¬١]، وقال أبو العالية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده دين [¬٢] الإسلام أن يتبعوه. وقال الضحاك (٣٠٧): عن ابن عباس ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرضَ [¬٣] عنكم وأدخلكم الجنة. وكذا قال السدي، والضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس. وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فاخشون، قاله أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي أنزل بكم ما أنزلت [¬٤] بمن كان قبلكم من آبائكم من النّقمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره. وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول، ﷺ ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، والله [يهدي من] [¬٥] يشاء إلى [صراط مستقيم] [¬٦]. ولهذا قال ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني به القرآن الذي أنزله على محمد [ ﷺ ] النبي الأمي العربي، بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله تعالى، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول [يا معشر أهل الكتاب؛ آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم، يقول] [¬٧] لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.

стр. 458

وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذلك] [¬١]. قال ابن عباس (٣٠٨): ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم. و [¬٢] قال أبو العالية: يقول ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ . [يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه] [¬٣]. وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس. واختار ابن جرير أن الضمير في قوله ﴿بِهِ﴾ عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾. وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد [ ﷺ ] [¬٤] ومن كفر بمحمد ﷺ ، فقد كفر بالقرآن. وأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإنّ يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك (٣٠٩): أنبأنا [¬٥] عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن هارون بن يزيد [¬٦] قال: سئل الحسن - يعني البصري- عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها. وقال ابن لهيعة (٣١٠): حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وإن آياته كتابه الذي أنزله [¬٧] إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا

стр. 459

وشهواتها. وقال السدي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول لا تأخذوا طمعًا [¬١] قليلًا ولا [¬٢] تكتموا اسم الله لذلك الطمع وهو الثمن. وقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا بن آدم؛ عَلِّمْ مجانًا كما عُلِّمْتَ مجانًا. [وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس؛ لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب. وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة (٣١١) ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا (لم يُرَحْ رائحة الجنة) [¬٣] يوم القيامة". فأمّا تعليم العلم بأجرة؛ فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد (٣١٢) في قصة اللديغ "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله". وقوله في قصة المخطوبة: "زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن" (٣١٣). فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، فسأل عنه رسول الله، ﷺ ، فقال: "إن أحببت أن تطوَّق بقوس من نار فاقْبَلْه" فتركه.

стр. 460

رواه أبو داود (٣١٤) وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا (٣١٥)، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء، منهم أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأمَّا إذا كان من أوّل الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم. وقوله] [¬١] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٣١٦): حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو

стр. 461

إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن طلق بن حبيب قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله] [¬١]، على نور من الله [تخاف عقاب الله] [¬٢]. ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه [¬٣] من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه [¬٤] من تلبيس [¬٥] الحق بالباطل وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك: عن ابن عباس (٣١٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ لا [¬٦] تخلطوا [الحق بالباطل والصدق بالكذب] [¬٧]. وقال أبو العالية: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدّوا النصيحة لعباد الله من أمّة [¬٨] محمد ﷺ . ويروى [¬٩] عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه. وقال قتادة ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [] [¬١٠] ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، [وأنتم تعلمون] [¬١١] أنّ دين الله الإسلام، وأنّ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله. وروي عن الحسن البصري نحو ذلك. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (٣١٨)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير،

стр. 462

عن ابن عباس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا [¬١] عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك. وقال مجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني: محمدًا، ﷺ . [(قلت): ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا، ويحتمل أن يكون منصوبًا، أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق، أي: في حال كتمانكم الحق ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المُفْضِي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق؛ لتروّجوه عليهم، والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل [¬٢]. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمرهم أن يصلوا مع النبي ﷺ [﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي ﷺ ] [¬٣] ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمّة محمد ﷺ ، يقول: كونوا معهم ومنهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٣١٩): [وآتوا الزكاة] [¬٤] يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص. وقال وكيع عن أبي جناب [¬٥] (٣٢٠)، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: ما يوجب الزكاة، قال: مائتان فصاعدًا. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن، في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها [¬٦] وبالصلاة.

стр. 463

وقال ابن أبي حاتم (٣٢١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي، عن الحارث العُكلي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: صدقة الفطر. [وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة. وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة، وأُبسط ذلك في كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد] [¬١]. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يقول تعالى كيف يليق بكم -يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر- وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون [¬٢] بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصَّر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا [¬٣] من رقدتكم، وتتبصروا [¬٤] من عمايتكم؟ وهذا كما قال عبد الرزاق (٣٢٢) عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون؛ فعيرهم الله . وكذلك قال السدي. وقال ابن جريج: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهلُ الكتاب والمنافقون، كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، وَيَدَعون العمل بما يأمرون به الناس؛ فعيرهم الله بذلك، [فمن أمر بخير] [¬٥] فليكن أشدّ الناس فيه مسارعة. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [¬٦]- عن ابن عباس ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تتركون أنفسكم ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوّة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم أي وأنتم تكفرون بما

стр. 464

فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون [¬١] ما تعلمون من كتابي (٣٢٣). وقال الضحاك (٣٢٤): عن ابن عباس في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم؟ وقال أبو جعفر بن جرير (٣٢٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجَرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني عن أبي قلابة في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: قال أبو الدرداء ﵁: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. والغرض: أنّ الله تعالى ذمّهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ بل على تركهم له، فإن الأمرَ بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن [الواجب و] [¬٢] الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾. فكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أنّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف،

стр. 465

وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها. والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، [قال مالك: عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما، ما أمر أحد بالمعروف، ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، مَنْ ذا الذي ليس فيه شيء؟ (قلت):] [¬١] ولكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية؛ لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (٣٢٦): حدَّثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسن بن علي المعمري، قالا: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا علي بن سليمان الكلبي، حدَّثنا الأعمش، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَثَل العالِم الذي يُعلِّم الناس الخير ولا يعمل به؛ كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه". هذا حديث غريب من هذا الوجه. حديث آخر، قال الإمام أحمد بن حنبل (٣٢٧) في مسنده [¬٢]: حدَّثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد -هو ابن جدعان- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "مررت ليلة أسري بي على قوم شفاهُهم تُقْرضُ بمقاريض من نار. قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمّتك [¬٣] من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون

стр. 466

الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟ ". ورواه عبد بن حميد في مسنده (٣٢٨) وتفسيره عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، به [¬١]. ورواه ابن مردويه في تفسيره (٣٢٩)، من حديث يونس بن محمد المؤدب والحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة به، وكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، به [¬٢]. ثم قال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدَّثنا مكي بن إبراهيم، حدَّثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد، عن ثمامة، عن أنس؛ قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطاء أمّتك، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم". وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٣٣٠)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أيضًا من حديث هشام الدستوائي، عن المغيرة -يعني ابن حبيب ختن مالك بن دينار [- عن مالك بن دينار] [¬٣]، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: لما عُرج برسول الله ﷺ مرّ بقوم تُقرض شفاهُهم فقال: "يا جبريل! مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمّتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم؛ أفلا يعقلون؟ ". حديث آخر، قال الإمام أحمد (٣٣١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدَّثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: قيل لأسامة، وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: [ألا] [¬٤] إنكم تُرَون أني لا أكلمه، ألا أسمعكم! إني لأكلمه [¬٥] فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا -لا أحب أن أكون أوّل منٍ افتتحه، والله لا أقول لرجل إنك خير الناس وإن كان عليّ أميرًا- بعد أن [¬٦] سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٧]. قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: "يُجاء بالرجل يوم

стр. 467

القيامة، فيلقى في النار، فتندلق [¬١] (٣٣٢) به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه". ورواه البخاري ومسلم، من حديث سليمان بن مهران [¬٢] الأعمش، به نحوه (٣٣٣). [وقال أحمد: حدَّثنا سيار بن حاتم، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يعافي الأمّيين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء" (٣٣٤). وقد ورد في بعض الآثار: "إنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرّة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة، عن النبي ﷺ قال: "إنّ أناسًا

стр. 468

من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل" (٣٣٥). ورواه من حديث الطبراني (٣٣٦)، عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي، عن زهير بن عباد الرواسي، عن أبي بكر [الدَّاهري] عبد الله بن حكيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن الوليد بن عقبة فذكره] [¬١]. وقال الضحاك: عن ابن عباس (٣٣٧): أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عني المنكر، قال أوَبَلَغتَ ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تُفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هنّ؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. أَحْكَمْتَ هذه؟ قال: لا. قال فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ] [¬٢]﴾ أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. رواه ابن مَرْدُويه في تفسيره. وقال الطبراني (٣٣٨): حدَّثنا عبدان بن أحمد، حدَّثنا زيد بن الحريش، حدَّثنا عبد الله بن خِرَاش، عن العوام بن حوشب، عن المسيب بن رافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ : "من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال، أو دعا إليه". [إسناده فيه ضعف. وقال إبراهيم النخعي إني لأكره القصص لثلاث آيات؛ قوله تعالى:

стр. 469

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله إخبارًا عن شعيب ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ [¬١]﴾. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾. يقول تعالى آمرًا عبيده، فيما يؤملون من خير الدنيا [والآخرة] [¬٢] بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما [قال مقاتل] [¬٣] بن حَيَّان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، والصلاة. فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد. [قال القرطبي وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر، كما نطق به الحديث] [¬٤]. وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن جُرَيّ بن كليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ قال: "الصوم نصف الصبر" (٣٣٩). وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها فعل الصلاة.

стр. 470

و [¬١] قال ابن أبي حاتم (٣٤٠): [حدثني أبي حدَّثنا] [¬٢] عبيد الله بن حمزة بن إسماعيل، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: الصبر صبران؛ صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله. قال [¬٣]: وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر. وقال ابن المبارك: عن ابن لَهِيعة، عن مالك بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: الصبر: اعتراف العبد لله بما أصيب [¬٤] فيه، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد، لا يُرى منه إلا الصبر. وقال أبو العالية في قوله تعالى [¬٥]: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال [¬٦]: على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله. وأما قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية. وقال الإمام أحمد (٣٤١): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي قال: قال عبد العزيز أخو [¬٧] حذيفة -قال حذيفة- يعني ابن اليمان ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى. ورواه أبو داود، [عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار كما

стр. 471

سيأتي] [¬١]. وقد رواه ابن جرير (٣٤٢) من حديث ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. [ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة -ويقال: أخي حذيفة- مرسلًا عن النبي ﷺ . وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي: قال عبد العزيز قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى (٣٤٣). حدَّثنا [عبد الله] [¬٢] بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًّا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله، ﷺ ، يصلي ويدعو حتى أصبح (٣٤٤)] [¬٣]. قال ابن جرير: وروي عنه ﵊ أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه فقال له: "أشكنب [¬٤] دّرْدْ" [ومعناه: أيوجعك بطنك! قال نعم] [¬٥]. قال: "قم فصل فإن الصلاة شفاء" (٣٤٥).

стр. 472

قال ابن جرير (٣٤٦): وقد حدَّثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدَّثنا ابن عُلَيَّة، حدَّثنا عيينة [¬١] بن عبد الرحمن، عن أبييه، أن ابن عباس نُعِي إليه أخوه قُثَم [¬٢]، وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾. وقال سُنَيد [¬٣]: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال: إنهما مَعونتان على رحمة اللَّه، والضمير في قوله ﴿وإنها لكبيرة [¬٤]﴾ عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير. ويحتمل أن يكون عائدًا على ما يدل [¬٥] عليه الكلام وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى: في قصة قارون ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب إلا خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم وما يُلَقَّاها إلا الذين صبروا [وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا] [¬٦]، وما يلقاها، أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم. وعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة﴾ أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين، و [¬٧] قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس يعني المصدقين بما أنزل اللَّه. وقال مجاهد: المؤمنين حقًّا، وقال أبو العالية: إلا على الخاشعين: الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: إلا على الخاشعين، يعني به: المتواضعين. وقال الضحاك: ﴿وإنها لكبيرة﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده. وهذا يشبه ما جاء في الحديث: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره اللَّه عليه" (٣٤٧).

стр. 473

وقال ابن جرير: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة اللَّه، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضاء اللَّه، العطمة إقامتها إلا على [الخاشعين، أي] [¬١] المتواضعين للَّه [¬٢] المستكينين [¬٣] لطاعته المتذللين من مخافته. هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامّه لهم ولغيرهم. واللَّه أعلم. وقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم أبيه راجعون﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي: وإنّ الصلاة أو الوَصَاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظون أنهم ملاقو ربهم، أي: [يعلمون أنهم محشورون] [¬٤] إليه يوم القيامة معروضون [¬٥] عليه، وأنهم إليه راجعون، أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فِعلُ الطاعات وترك المنكرات. فأما قوله: ﴿يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ فقال [¬٦] ابن جرير، ﵀: العرب قد تسمي اليقين ظنًّا، والشك، ظنًّا، نطر تسميتهم الظلمة "سُدْفة" [¬٧]، والضياء "سُدْفة" [¬٨]، والمغيث "صارخًا"، والمستغيث "صارخًا"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه، كما قال دريد بن الصِّمة: فقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّجٍ [¬٩] … سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِيِّ [¬١٠] المسرَّدِ [¬١١]

стр. 474

يعني بذلك تيقنوا بألفي [¬١] مدجج [¬٢] يأتيكم، وقال عَمِيرة [¬٣] بن طارق: بأن [¬٤] تغتزوا قومي وأقعُدَ فيكم … وأجعلَ مني الظنَّ غيبًا [¬٥] مرجَّما يعني وأجعل مني اليقين غيبًا [¬٦] مرجمًا، قال والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أنّ الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية؛ ومنه قول اللَّه تعالى ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾، ثم قال [ابن جرير (٣٤٨)] [¬٧]. حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد قال: كل ظنّ في القرآن يقين، أي: ظننت وظنوا. وحدثني المثنى (٣٤٩)، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن [¬٨] أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن فهو علم، وهذا سند صحيح. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ قال: الظن هاهنا يقين. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية. وقال سُنَيد: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ [علموا أنهم ملاقوا ربهم] [¬٩] كقوله ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ يقول: علمت. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (قلت): وفي الصحيح (٣٥٠) أنّ اللَّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: "ألم أزوِّجك، ألم

стр. 475

أكرمك، ألم [¬١] أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس (٣٥١) وتربع (٣٥٢) " فيقول: بلى. فيقول اللَّه تعالى [¬٢]: "أفظننت أنك ملاقيَّ؟ " [فيقول: لا] [¬٣]. فيقول اللَّه: "اليوم أنساك كما نسيتني"، وسيأتي مبسوطًا عند قوله تعالى: ﴿نسوا اللَّه فنسيهم﴾ [إن شاء اللَّه تعالى] [¬٤]. يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧) يذكرهم تعالى بسالف [¬٥] نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم و [¬٦] على سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين﴾. وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عَالم من كان في ذلك الزمان؛ فإنّ لكل زمان عالمًا. ورُوي عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأنّ هذه الأمّة [¬٧] أفضل منهم لقوله تعالى: خطابًا لهذه الأمّة: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم﴾ وفي المسانيد [¬٨] والسنن، عن معاوية بن حَيدَة [¬٩] القُشَيري (٣٥٣) قال: قال

стр. 476

رسول اللَّه ﷺ "أنتم تُوفُونَ سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه". والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس﴾. [وقيل: المراد تفضيل بنوع مَا من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا، حكاه الرازي، وفيه نظر. وقيل إنهم فُضِّلوا على سائر الأم لاشتمال أمّتهم على لأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره، وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشتمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات اللَّه وسلامه عليه.] [¬١] وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) لما ذكرهم تعالى بنعمه أولًا، عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال ﴿واتقوا يومًا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ أي: لا يغنى أحد عن أحد، كما قال ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وقال ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ وقال ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا﴾ فهذه أبدغ المقامات أنّ كلًّا من الوالد وولده لا يغنى أحدهم عن الآخر شيئًا. وقوله تعالى: ﴿ولا يقل منها شفاعة﴾ يشي: من [¬٢] الكافرين، كما قال: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ وكما قال عن أهل النار: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾. وقوله تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ وقال ﴿إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾. وقال ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا [مأواكم النار هي مولاكم] [¬٣]﴾ الآية، فأخبر تعالى أنهم إن [¬٤] لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا اللَّه يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا، كما قال تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ وقال ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾.

стр. 477

[قال سنيد: حدّثني حجاج، حدّثني ابن جريج، قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: بدل، والبدل الفدية، وقال السدّي: أمّا عدل فيعدلها من العدل، يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تُقُبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم] [¬١]، وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿ولا يؤخذ [¬٢] منها عدل﴾ يعني: فداء. قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك. وقال عبد الرزاق أنبأنا [¬٣]، الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ في حديث طويل: قال: والصرف والعدل التطوّع والفريضة (٣٥٤). وكذا قال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ. وهذا القول غريب هاهنا [¬٤]، والقول الأوّل أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديث يقوّيه، وهو ما قال ابن جرير: حدّثني نجيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيبم، حدَّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عَمْرو بني قيس المُلائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام -أحسن عليه الثناء- قال: قيل: يا رسول الله، ما العدل؟ قال: "العدل الفدية" (٣٥٥). وقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال ﴿فما له من قوّة ولا ناصر﴾ أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذٌ، [ولا يخلصه منه أحد] [¬٥]، ولا يجيره منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾ وقال ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ وقال ﴿ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾ وقال ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون اللَّه قربانا آلهة بل ضلوا

стр. 478

عنهم﴾ الآية. وقال الضحاك (٣٥٦) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ ما لكم اليوم لا تَمانَعُون منا، هيهات! ليس ذلك لكم اليوم. قال ابن جرير: وتأويل قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بَطَت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحعكم إلى [الجبار العدل] [¬١] الذي لا ينفع لديه الشفعاء ولا [¬٢] النصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾. وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَينَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم؛ ﴿إذ نجيناكم من آل فرعون [يسومونكم سوء العذاب] [¬٣]﴾، أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇، وقد كانوا يسومونكم، أي ورردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون -لعنه اللَّه- كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها: أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال: بل تحدث سمَّاره عنده بأن بنى إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم، يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في [حديث الفُتُون،] [¬٤] كما سيأتي في موضعه، [في سورة طه،] [¬٥] إن شاء اللَّه تعالى، فعند ذلك أمر فرعون -لعنه اللَّه- بقتل كل ذَكَر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها. وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه، كما قال ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾، وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة والعونة والتأييد. [ومعنى يسومونكم: يولونكم قاله أبو

стр. 479

عبيدة. كما يقال: سامه خطة خسف، إذا أولاه إياها. قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملْكُ سام الناسَ خَسْفًا … أبَينا أن نُقِرَّ الخسْفَ فينا وقيل: معناه يديمون عذابكم. كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي. وإنما قال هاهنا: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في قوله: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ وأما في سورة إبراهيم: فلما قال: ﴿وذكرهم بأيام اللَّه﴾ أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك: ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والاُيادي علي بني إسرائيل] [¬١]. وفرعون عَلَمٌ على كل من ملك مصر، كافرًا [من العماليق وغيرهم] [¬٢]، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا، وكذلك كسرى لمن [¬٣] ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافرًا، [والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطيموس لمن ملك الهند] [¬٤]، ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن [¬٥] موسى ﵇ الوليد بن مصعب [بن الريان] [¬٦]، وقيل: مصعب بن الريان، [فكان من سلالة عمليق بن الاُود بن إرم بن سام بن نوح وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من إصطخر] [¬٧]، وأيَّاما كان فعليه [¬٨] لعنة اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وفي ذلكم بلاءمن ربكم عظيم﴾. قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل [¬٩] فرعون، بلاءلكم من ربكم عطم، أي: نعمة عطمة عليكم في ذلك. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (٣٥٧) قوله تعالى: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال: نعمة. وقال مجاهد: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال: نعمة. من ربكم عظيمة، وكذا [¬١٠] قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم، وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال

стр. 480

تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾، وقال ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات [لعلهم ويرجعون] [¬١]﴾. قال ابن جريو: وأكثر ما يقال في الشر: بلوته أبلوه بَلَاء، وفي الخير أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى: جَزَى الله بالإحسان ما فَعَلا يكُمْ … وأبلاهما خَيْرَ البلاء الذي يَبْلُو قال فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد: فأنعم اللَّه عليهما خير النعم التي يَخْتَبِرُ بها عباده. [وقيل: المراد بقوله ﴿وفي ذلكم بلاء﴾ إشارة الى ما كانوا فيه من العذاب المهين، من ذبح الأبناء واستحياء النساء. قال القرطبي: وهذا قول الجمهور ولفظه بعد ما حكى القول الأول، ثم قال: وقال الجمهور الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان] [¬٢]. وقوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم، فقرقنا بكم البحر، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا كما سيأتي في مواضعه، ومن أبسطها ما [¬٣] فى سورة الشعراء [إن شاء اللَّه] [¬٤]. ﴿فأنجيناكيم﴾. أي خلصناكم منهم، وحجزنا يينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون، ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ فى إهانة عدوكم. قال عبد الرزاق (٣٥٨): أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن عمرو بن ميمون الأَوْدي في قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ الى قوله ﴿وأنتم [¬٥] تنظرون [¬٦]﴾. قال لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تبعوهم حتى تصيح الديكة. قال فواللَّه ما صاح ليلتئذ [¬٧] ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فَذُبحت، ثم قال لا أفرغ من كبدها [¬٨] حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط، فلم يفرغ من كبدها [¬٩] حتى اجتمع اليه ستمائة ألف من القبطِ، [ثم سار] [¬١٠] فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون أين أمَرَ [¬١١]

стр. 481

ربك؟ قال أمامك. يضير إلِى البحر. فأقحم [¬١] يوشع فرسَه في البحر حتى بلغ الغَمْرَ، فذهب به الغمر، ثم رجع، فقال أين أمَرَ [¬٢] ربك يا موسى؟ فواللَّه ما كذبتَ، ولا [¬٣] كذِبتَ، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى: ﴿أن اضوب بعصاك البحر﴾ فضربه ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ - يقول مثل الجبل- ثم سار موسى ومن معه، وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾. وكذلك قال غير واحد من السلف، كما سيأتي بيانه في موضعه، وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد (٣٥٩): حدّثنا عفان، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أيوب، عن عبد اللَّه بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: "ما هذا اليوم الذي تصومون". قالوا هذا يوم صالح، هذا يوم نجى اللَّه عزَّ وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم [¬٤]، فصامه موسى ﵇. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: "أنا أحق بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصومه. وروى هذا الحدثحا البخاريُّ ومسلمٌ والنسائي وابن ماجة (٣٦٠)، من طرق، عن أيوب السختياني، به نحو ما تقدم. وقال أبو يعلى الموصلي: حدّثنا أبو الرييع، حدّثنا سلام- يعني ابن سليم- عن زيد العَمّيّ، عن يزيد الرقاشى، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "فلق اللَّه البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء" (٣٦١). وهذا ضعيف من هذا الوجه بم فإن زيدًا العمّيّ فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.

стр. 482

﴿أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾ يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ قيل: إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون، وإنجائهم من البحر. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. [وقيل: الواو زائدة، والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان، وهذا غريب. وقيل: عطف عليه، وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول الشاعر: وقَدَّمَتِ الأدِيمَ لراقشيه … فألفى قولها كذبا ومينا وقال الآخر: ألَا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ … وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ والبعدُ فالكذب هو المين، والنأي هو البعد. وقال عنترة: حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقادم عَهْدُه … أقْوَى وأقْفَرَ بعدَ أُمِّ الهيثم فعطف الإقفار على الأقواء وهو هو] [¬١]. ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾

стр. 483

هذه صفةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل [¬١]، قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، حين قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾. الآية. قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾. وقال أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. أي إلى خالقكم. قلت: وفي قوله هاهنا ﴿إِلَى [¬٢] بَارِئِكُمْ﴾ تنبيه على عظَم جرمهم. أي فتوبوا إلى الذي خلقكم، وقد عبدتم معه غيره. وقد [¬٣] روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم (٣٦٢)، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الورّاق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل [من لقي [¬٤]] [¬٥] من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن. فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على [¬٦] ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول. وهذا قطعة من حديث الفُتُون، وسيأتي في سورة طه بكماله، إن شاء الله. وقال ابن جرير (٣٦٣): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا [¬٧] إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾،

стр. 484

قال: أمر موسى قومه - عن [¬١] أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، قال [¬٢]: واحتبى الذين عبدوا [¬٣] العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظُلّة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظُلّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وقال ابن جريج (٣٦٤): أخبرني القاسم [بن أبي بَزَّة] [¬٤]: أنه سمع سعيد بن جُبَير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل [¬٥] بعضهم بعضًا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل. وأن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه. [وروي عن علي ﵁ نحو ذلك] [¬٦]. وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل فجعله لِحَيِّهم توبة وللمقتول شهادة. وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حنْدس (٣٦٥)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك. وقال السدّي: في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل منهم [¬٧] سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقيةَ البقيةَ؛ فأمرهم أن يلقوا [¬٨] السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقال الزهري: لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم، قالوا [¬٩]: يا نبي الله؛ ادع الله لنا، وأخذوا بعضُديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم

стр. 485

بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما من قُتل منهم [¬١] فحيٌّ عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسُرَّ بذلك موسى وبنو إسرائيل. رواه ابن جرير (٣٦٦) بإسناد جيد عنه. وقال ابن إسحاق لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال [¬٢]: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى نَصبر لأمر الله، فَأمَرَ موسى: من لم يكن عَبَدَ العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ [عليهم القومُ] [¬٣] السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وَبَهَشَ [¬٤] (٣٦٧) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، فتاب الله [¬٥] عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين [¬٦] رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا يا موسى؛ ما من توبة؟ قال بلى، ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ﴾. الآية. فاخترطوا السيوف والجِرَزَة [¬٧] (٣٦٨) والخناجر والسكاكين. قال: وبعث عليهم ضبابة. قال فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو [¬٨] لا يدري. قال ويتنادون فيها [¬٩]، رحم الله عبدًا صبر نفسه [¬١٠] حتى يبلغ الله رضاه، قال فقتلاهم شهداء، وتِيبَ على أحيائهم ثم قرأ ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾

стр. 486

يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانية (٣٦٩). وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانية، أي: حتى نرى الله (٣٧٠). وقال قتادة والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي عيانًا. وقال أبو جعفر. عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال [¬١] فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا. وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة: صيحة من السماء. وقال السدي في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة [¬٢]: نار. وقال عروة بن رُوَيم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال فصُعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثم بُعث هؤلاء وصُعق هؤلاء. وقال السدي: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب؛ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحي الله إلى موسى: أنّ هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوار [¬٣] رجلٌ رجلٌ، ينظر بعضهم إلى بعض: كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقال الربيع بن أنس: كان موتُهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة. وقال ابن جرير (٣٧١): حدثنا محمد بن حميد، حدَّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحَرَّق العجل وذرّاه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا

стр. 487

إلى الله وتوبوا [إلى الله] [¬١] مما صنعتم، واسألوه [¬٢] التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهِّروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وَقَّتَهُ له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى؛ اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم ادنوا - وكان موسى إذا كلمه الله [¬٣] وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطع أحد من بني آدم أن ينظر إليه - فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سَفِهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، و [¬٤] اخترت منهم سبعين [¬٥] رجلا، الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدّقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ فلم بزل موسى يناشد ربه ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. هذا سياق محمد بن إسحاق. وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل [¬٦] بعضهم لبعض [¬٧]-كما أمرهم الله [¬٨] به - أمر اللهُ موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية. [وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله

стр. 488

دعوته. وهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ؛ فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه، كيف يناله هؤلاء السبعون. القول الثاني في الآية] [¬١]: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم - فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله؛ فيه أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطع الله علينا ويقول [¬٢]: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؛ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من اللَّه، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصَعَقَتهم فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا [¬٣]: أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم. [وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق. والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح، والله أعلم] [¬٤]. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ لما ذكر تعالى ما [¬٥] دفعه عنهنم من [¬٦] النقم، شرع يذكرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم،

стр. 489

فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة، سُمي بذلك، لأنه يَغُمّ السماء أي: يواريها ويسترها. وهو السحاب الأبيض، ظُلّلوا به في التيه ليقيهم حرّ الشمس، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفُتُون قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام. و [¬١] قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس، وأبي مِجْلَز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس، وقال الحسن وقتادة: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾: كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس. وقال ابن جرير [¬٢]: قال آخرون: وهو غمام أبرد من هذا وأطيب. وقال ابن أبي حاتم (٣٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نَجيِح، عن مجاهد ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم. وهكذا رواه ابن جرير (٣٧٣)، عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة. وكذا رواه الثوري، وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (٣٧٤). وكأنه يريد - والله أعلم - أنه ليس من زيِّ هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرًا، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو [¬٣] الذي يأتي الله فيه في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [¬٤]﴾ وهو الذي جاءت فهه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: وكان معهم في التّيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المنّ ما هو؟ فقال علي ابن أبي طلحة: عن ابن عباس: كان المنّ ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا (٣٧٥).

стр. 490

وقال مجاهد: المنّ صمغة. وقال عكرمة: المنّ شيء أنزله الله عليهم مثل: الطل، يشبه [¬١] الرُّبّ الغليظ. وقال السدي: قالوا: يا موسى؛ كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط [¬٢] على شجرة [¬٣] الزنجبيل. وقال قتادة: كان المنّ ينزل عليهم [¬٤] في محلتهم سُقُوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق حتى إذا كان يوم سادسه - ليوم [¬٥] جمعته - أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخَص فيه لأمر [¬٦] معيشته ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية. وقال الربيع بن أنس: المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وقال وهب بن منبه - وسئل عن المنّ - فقال: خُبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النَقيِّ. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد [¬٧] بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المنّ. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه العسل. ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال. فرأى الله أنهم بِمَضِيع … لا بذي مَزْرَع ولا مَثْمُورا فسناها عليهمُ غاديات … وتَرى مُزْنهم خلايا وخورا عسلا ناطفًا وماء فراتًا … وحليبًا ذا بهجة مرمورا فالناطف: هو السائل، والحليب المرمور: الصافي منه. والغرض أنّ عبارات المفسرين متقاربة في شرح المنّ؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب. والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كَدٌّ، فالمن المشهور إن أُكل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده،

стр. 491

والدليل على ذلك قول البخاري (٣٧٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن [¬١] عمرو بن حُرَيث عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال النبي، ﷺ : "الكمأة (٣٧٧) من المنّ (٣٧٨)، وماؤها شفاء للعين". وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به. وأخرجه الجماعة (٣٧٩) في كتبهم؛ إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم، عن الحسن العُرَني، عن عَمرو بن حريث، به (٣٨٠). وقال الترمذي (٣٨١): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، ومحمود بن غيلان قالا حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". تفرد بإخراجه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب، [لا نعرفه إلا من حديث محمد

стр. 492

ابن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر، عنه،] [¬١] وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر. كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره (٣٨٢)، من طريق آخر، عن أبي هريرة، فقال: حدَّثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدَّثنا أسلم بن سهل، حدَّثنا القاسم بن عيسى، حدَّثنا طلحة بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين". وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا [السلمي الواسطى] [¬٢]، يكنى: بأبى محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب. قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (٣٨٣). ثم قال الترمذي [¬٣]: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جُدَري الأرض، فقال نبي الله ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم". وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار، به (٣٨٤). وعنه، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به (٣٨٥). وعن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط (٣٨٦).

стр. 493

وروى [¬١] النسائي أيضًا وابن ماجة [¬٢] [من حديث] [¬٣] محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجة (٣٨٧). وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع [¬٤] منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الاعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٨٨). وروي، عن شهر [بن حوشب] [¬٥]، عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد (٣٨٩): حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم". وقال النسائي في الوليمة أيضًا: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة،

стр. 494

[عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٠). ثم رواه أيضًا [] [¬١] ابن ماجة من طرق عن الأعمش] [¬٢] عن أبي بشر، عن شهر عنهما، به (٣٩١). وقد رويا [¬٣]-أعني النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. زاد النسائي جابر [¬٤]، عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٢). ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صواب، عن عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، كابن ماجة. وقال ابن مَرْدُويه أيضًا حدَّثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت [¬٥]

стр. 495

فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". وأخرجه النسائي، عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به (٣٩٣) ثم [¬١] رواه أيضًا، عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان [¬٢]، عن الأعمش، به. وكذا رواه النسائي (٣٩٤)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى [¬٣]. وقد روي من حديث أنس بن مالك ﵁ كما قال ابن مردويه. حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا [¬٤] في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه [¬٥] الكمأة. فقال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم" (٣٩٥). وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي (٣٩٦) من طريقه شيئًا من هذا، والله أعلم. وروي عن شهر، عن ابن عباس، كما رواه النسائي أيضًا في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز [¬٦]، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عبد الله بن عباس [عن النبي] [¬٧]، ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٧).
следующие страницы →