← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

وقال الثوري [¬١] عن السدي، عن مرة، عن عبد الله قال (٧٣): ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلًا بعدن أبين [¬٢] همَّ [أن يقتل] [¬٣] رجلًا بهذا البيت لأذاقه [الله من العذاب الأليم] [¬٤]. وكذا قال الضحاك بن مزاحم. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: "إلحاد فيه" لا والله، وبلى والله، وروى عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مثله (٧٤). وقال سعيد بن جبير (٧٥): شتم الخادم ظلم فما [¬٥] فوقه. وقال سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن [¬٦] مهران، عن ابن عباس (٧٦) في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، [قال] [¬٧]: [تجارة] [¬٨]، الأمير فيه. وعن ابن عمر (٧٧): بيع الطعام إلحاد.

стр. 4412

وقال حبيب [¬١] بن أبي ثابت (٧٨): ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، قال: المحتكر بمكة. وكذا قال غير واحد. وقال ابن أبي حاتم (٧٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان [¬٢]، حدثني موسى بن باذان، عن يعلى بن أمية، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى [¬٣] بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير؛ قال: قال ابن عباس في قول الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله، ﷺ ، بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم [¬٤] هرب إلى مكة، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني: بميل عن الإسلام. وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإِلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما همَّ أصحاب الفيل على تخريب البيت، أرسل الله عليهم ﴿طَيرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أي: دمَّرهم وجعلهم عبرة ونكالًا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله، ﷺ ، قال: "يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسف بأولهم وآخرهم" الحديث. وقال الإمام أحمد (٨٠): حدثنا محمد بن كناسة، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إياك والإِلحاد في حرم

стр. 4413

الله، فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت". فانظر لا [تكن هو] [¬١]. وقال أيضًا (٨١): حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثنا سعيد بن عمرو؛ قال: أتى [عبدُ الله بن عمرو عبدَ الله بن الزبير] [¬٢]، وهو جالس في الحجر فقال: يابن الزبير، إياك والإلحاد في الحرم! فإني أشهد [¬٣] لسمعت رسول الله، ﷺ ، يقول [¬٤]: "يحلها ويحل به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها". قال: فانظر لا تكن هو. لم [¬٥] يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين. ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد [¬٦] غير الله وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه. واستدل به كثير ممن قال إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله، كما ثبت في الصحيح (٨٢) عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أولُ؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس". قلت: كم

стр. 4414

بينهما؟ قال: "أربعون سنة" وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار، بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقال تعالى هاهنا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾، أي: ابنه على اسمي وحدي، ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ﴾، قال قتادة (٨٣) ومجاهد (٨٤): من الشرك، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، ﴿الْقَائِمِينَ﴾، أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما [¬١] لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم. وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، أي: ناد في الناس داعيًا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك [¬٢] ببنائه، فذكر أنه قال: يارب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال [¬٣]: ناد وعلينا البلاغ. فقام على مقامه -وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس- وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد [¬٤] اتخذ بيتًا فحجوه. فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، و [من] [¬٥] كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك. هذا مضمون ما روي عن ابن عباس (٨٥).

стр. 4415

ومجاهد (٨٦) وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من [¬١] السلف، والله أعلم. أوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة [¬٢]. وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيًا، لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم. [وقال وكيع، عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما آسي علي شيء، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾] [¬٣]. والذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله، ﷺ ، فإنه حج راكبًا مع كمال قوّته، ﵇. وقوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ يعني: طريق [¬٤]، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾. وقوله: ﴿عَمِيقٍ﴾ أي: بعيد. قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان

стр. 4416

والثوري وغير واحد. وهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾، فليس أحد من أهل الإِسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار. ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ قال ابن عباس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، قال: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما [¬١] يصيبون من منافع البُدْن والربح والتجارات. وكذا قال مجاهد، وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] [¬٢] عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، قال شعبة [وهشيم عن أبي بشر، عن سعيد] [¬٣]، عن ابن عباس (٨٧)، ﵄ الأيام المعلومات: أيام العشر. وعلقه البخاري عنه بصيغة [الجزم به] [¬٤]، ويروى مثله عن أبي موسى الأشعري ومجاهد (٨٨) وقتادة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وعطاء الخراساني وإبراهيم النخعي وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل. وقال البخاري (٨٩): حدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم

стр. 4417

البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ ، قال: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه". قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء [¬١] ". ورواه الإمام أحمد (٩٠)، وأبو داود (٩١)، والترمذي (٩٢)، وابن ماجة (٩٣)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح، وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر. قلت: وقد تقصيت هذه الطرق وأفردت لها جزءًا على حدته. فمن ذلك ما قال الإمام أحمد (٩٤): حدثنا عفان، أنبأنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن، [من هذه الأيام] [¬٢] العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". وروي من وجه آخر، عن مجاهد، عن ابن عمر، بنحوه. وقال البخاري (٩٥): وكان ابن عمر، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق [¬٣] في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. وقد روى أحمد (٩٦) عن جابر مرفوعًا، أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. وقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ وفي سنن أبي داود (٩٧): أن رسول

стр. 4418

الله، ﷺ ، كان يصوم هذا العشر. وهذا العشر مشتمل علي يوم عرفة، الذي ثبت في صحيح مسلم (٩٨) عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله، ﷺ ، عن صيام يوم عرفة؟ فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية". ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله (٩٩). وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله [¬١] كثير علي عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذاك، من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه. وقيل: ذاك [¬٢] أفضل لاشتماله على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر. وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل. وبهذا يجتمع فحمل الأدلة، والله أعلم. (قول ثان: في الأيام المعلومات) قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده. ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه. (قول ثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن عجلان، حدثني نافع، أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

стр. 4419

هذا إسناد صحيح إليه، وقاله السدي. وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القولَ والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، يعني به ذكر الله عند ذبحها. (قول رابع) أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة. وقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم، كما فصلها تعالى في سورة الأنعام، وأنها [¬١]: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، استدل بهذه الآية من ذهب إلي وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله، ﷺ ، لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسى من مرقها (١٠٠). وقال عبد الله بن وهب: [قال لي مالك: أحب أن كل من أضحيته؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال ابن وهب] [¬٢]: وسألت الليث فقال لي مثل ذلك. وقال سفيان الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، قال: كان المشركون لايأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل، ومن شاء لم يأكل. وروي عن عطاء ومجاهد نحو ذلك.

стр. 4420

قال هشيم: عن حصين، عن مجاهد في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: هي كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ [¬١] الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق منها بالنصف، بقوله في هذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾، فجزأها [¬٢] نصفين: نصف للمضحي، ونصف للفقراء. والقول الآخر أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به، لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وسيأتي الكلام عليها عندها إن شاء الله وبه الثقة. وقوله: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، قال عكرمة: هو المضطر الذي عليه البؤس [¬٣]: الضعيف [¬٤]. وقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده. وقال قتادة: هو الزّمِن. وقال مقاتل بن حيان: هو الضرير. وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو وضع الإحرام [¬٥] من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك. وهكذا روى عطاء ومجاهد عنه، وكذا قال عكرمة ومحمد بن كعب القرظي [] [¬٦]. وقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال: التفث: المناسك. وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني [¬٧]: نحر ما نذر من أمر البُدن. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج. وقال إبراهيم بن ميسرة، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: الذبائح. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: كل نذر إلى أجل.

стр. 4421

وقال عكرمة: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قال: نذر الحج. [وكذا روى الإمام أحمد وابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: نذور الحج] [¬١]. فكل من دخل الحج [¬٢] فعليه من العمل فيه: الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، على ما أمروا به. وروي عن مالك [نحو هذا] [¬٣]. وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ قال مجاهد: يعني الطواف الواجب يوم النحر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة، قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول [¬٤] الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا [¬٥] بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق [¬٦]. قلت: وهكذا صنع رسول الله، ﷺ ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت. وفي الصحيح (١٠١) عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفّف عن المرأة الحائض. وقوله: ﴿بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، فيه مستَدَلّ [¬٧] لمن [ذهب إلى أنه يجب] [¬٨] الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت، حين قصرت بهم النفقة. ولهذا طاف رسول الله، ﷺ ، من وراء الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين، لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، ولهذا قال ابن أبي حاتم (١٠٢): حدثنا أبي، حدثنا ابن [¬٩] أبي عمر العدني [¬١٠]، حدثنا سفيان، عن هشام بن حجر،

стр. 4422

عن رجل، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، طاف رسول الله، ﷺ ، من ورائه. وقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، قال [¬١]: لأنه أول بيت وضع للناس. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمن نوح. وقال خصيف: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط. وقال ابن أبي نجيح وليث، عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يُسلّطوا عليه. وكذا قال قتادة. وقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك. وقال عبد الرزاق (١٠٣)، عن معمر، عن الزهري [¬٢]، عن ابن [¬٣] الزبير؛ قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة. وقال الترمذي (١٠٤): حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار" وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن سهل النجاري [¬٤]، عن عبد الله بن صالح، له. وقال: إن كان صحيحًا. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" ثم رواه من وجه آخر عن الزهري مرسلًا. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا

стр. 4423

قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ يقول تعالى: هذا الذي [¬١] أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك، وما لفاعلها من الثواب الجزيل. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. أي: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. أي: فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات. قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال: الحرمة: مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وكذا قال ابن زيد. وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾. أي: أحللنا لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة ولا صائبة ولا وصيلة ولا حام. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ أي: من تحريم ﴿الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ … ﴾ الآية. قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة. وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ "من" هاهنا لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ومنه شهادة الزور، وفي الصحيحين (١٠٥) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ". قلنا: بلى، يا رسول الله: قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين". وكان متكئًا فجلس فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور". فما [¬٢] زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.

стр. 4424

وقال الإمام أحمد (١٠٦): حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خُرَيم قال: قام رسول الله، ﷺ ، خطيبًا فقال: "يا أيها الناس؛ عَدَلت شهادة الزور إشراكًا بالله" -ثلاثًا- ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن مروان [¬١] بن معاوية، به، ثم قال: غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلف عنه في روايته [¬٢] هذا الحديث، [ولا نعرف لأيمن] [¬٣] بن خريم سماعًا من النبي، ﷺ . وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٠٧): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العصفري [¬٤]، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك [¬٥] الأسدي قال: صلى رسول الله، ﷺ ، الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: "عَدَلت شهادة الزور الإشراك [¬٦] بالله ، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشْرِكِينَ﴾ ". وقال سفيان الثوري: عن عاصم بي أبي النجُود [¬٧]، عن وائل بن ربيعة، عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية.

стр. 4425

وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾. أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدًا إلى الحق، ولهذا قال: ﴿غَيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾. ثم ضرب للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ﴾ أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾؛ أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء (١٠٨): " إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحًا من هناك". ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه. وقد ضرب تعالى للمشرك مثلًا آخر في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. الآية. ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ يقول تعالى: هذا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. أي: أوامره ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام. وقال أبو أمامة بن سهل [¬١]: كنا نسمن الأضحية بالبرية [¬٢]، وكان المسلمون يسمنون. رواه البخاري (١٠٩). وعن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ ، قال [¬٣]: "دم عفراء أحب إلى

стр. 4426

الله من دم سوداوين". رواه أحمد وابن ماجة (١١٠). قالوا: والعفراء هي: البيضاء بياضًا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضًا؛ لما ثبت في صحيح البخاري (١١١) عن أنس: أن رسول الله، ﷺ ، ضحّى بكبشين أملحين أقرنين. وعن أبي سعيد (١١٢): أن رسول الله ﷺ ، ضحى بكبش أقرن فحيل [¬١]، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد. رواه أهل السنن، [وصححه الترمذي، أي] [¬٢]: بكبش أسود [¬٣] في هذه الأماكن. [وفي] [¬٤] سنن ابن ماجة (١١٣)، عن أبي رافع: أن رسول الله، ﷺ ، ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوين. قيل: هما الخَصِيان. وقيل: هما [¬٥] اللذان رُضّ خصياهما ولم يقطعهما. والله أعلم.

стр. 4427

وكذا روى أَبو داود، وابن ماجة (١١٤) عن جابر: ضحَّى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين موجوءين. وعن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله، ﷺ ، أن نستشرف (*) العين والآذان [¬١]، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة [ولا شرقاء ولا خرقاء] [¬٢]. رواه أحمد (١١٥) وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي، ولهم عنه (١١٦)، قال: نهى رسول الله، ﷺ ، أن يضحى بأعضب القرن والأذن. وقال سعيد بن المسيب: [المعضب: المنصف] [¬٣] فأكثر. وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العضب؛ فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها. وعند الشافعي: أن التضحية [¬٤] بذلك مجزئة، لكن تكره. وقال أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث. وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ، وإلَّا أجزأ. والله أعلم. وأما المقابلة: فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها. والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولًا. قاله الشافعي. والخرقاء: هي التي خرقت [¬٥] السمة أذنها خرقًا مدوّرًا [¬٦]، والله أعلم. وعن البراء قال: قال رسول الله، ﷺ : "أربع لا تجوز في الأضاحي:

стр. 4428

العوراء البيِّن عَوَرها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة [¬١] (*) التي لا تنقي (**) ". رواه أحمد (١١٧) وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي، وهذه العيوب تنقص اللحم؛ لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشَّافعي وغيره من الأئمة -كما هو ظاهر الحديث- واختلف قول الشَّافعي في المريضة مرضًا يسيرًا على قولين. وروى أَبو داود (١١٨)، عن عتبة بن عبد السلمي: أن رسول الله، صلى الله عليه

стр. 4429

وسلم، نهى عن المصْفَّرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيَّعة، والكسراء [¬١]. فالمصفرة قيل: الهزيلة. وقيل: المستأصلة الأذن. والمستأصلة: المكسورة القرن. والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم ولا تَتْبَع لضعفها. والكسراء [¬٢]: العرجاء. فهذه العيوب كلها مانعة [من الإِجزاء، فإن طرأ العيب] [¬٣] بعد تعيين الأضحية، فإنه لا يضر عيبه عند الشَّافعي خلافًا لأبي حنيفة. وقد روى الإمام أحمد (١١٩)، عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشًا [أضحي به] [¬٤]، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي، ﷺ ، فقال: "ضح به".

стр. 4430

ولهذا جاء في الحديث: أمرنا رسول الله، ﷺ ، أن نستشرف العين والأذن. أي: أن تكون الهدية أو [¬١] الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد (١٢٠) وأَبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبًا [فأعطي بها ثلاثمائة دينار] [¬٢]، فأتى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدْنًا؟ قال: "لا [¬٣]، انحرها إياها". وقال الضحَّاك، عن ابن عبَّاس: البدن من شعائر الله. [وقال محمد بن أبي [¬٤] موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن: من شعائر الله] [¬٥]. وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت. وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، أي: لكم في البدن منافع؛ من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال مقسم، عن ابن عبَّاس [في قوله] [¬٦]: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: ما لم تسمَّ بدنًا. وقال مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: الركوب واللبن

стр. 4431

والولد، فإذا سميت [¬١] بدنة أو هديًا ذهب ذلك [كله. وكذا قال] [¬٢] عطاء، والضحاك، وقَتَادة، وعطاء [¬٣] الخراساني، وغيرهم. وقال آخرون: بل له أن يُنْتَفَعُ بها وإن كانت هديًا، إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين (١٢١) عن أنس: أن رسول الله، ﷺ ، رأى رجلًا يسوق بَدَنةً قال: "اركبها". قال: إنها بدنة! قال: "اركبها ويحك". في الثانية أو الثالثة. وفي رواية لمسلم (١٢٢)، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "اركبها بالمعروف إذا ألجئتَ إليها". وقال شعبة، عن زهير بن أبي ثابت الأعمى، عن المغيرة بن حَذْف، عن عليّ: أنَّه رأى رجلًا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن [¬٤] ولدِها، فاٍ ذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها. وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾. أي: مَحِل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق -وهو الكعبة- كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبًا، والله أعلم] [¬٥]. وقال ابن جريج، عن عطاء قال [¬٦]: كان ابن عبَّاس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل، قال الله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾

стр. 4432

يخبر تعالى أنَّه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: [﴿وَلِكُلِّ [¬١] أُمَّةٍ] [¬٢] جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. قال: عيدًا. وقال عكرمة: ذبحًا. وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكًا غيرها. وقوله [¬٣]: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. كما ثبت في الصحيحين (١٢٣) عن أنس قال: أتى رسول الله، ﷺ ، بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما. وقال الإمام أحمد بن حنبل (١٢٤): حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين، عن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود -وهو نفيع [¬٤] بن الحارث- عن زيد بن أرقم قال: قلت -أو قالوا-: يا رسول الله؛ ما هذه الأضاحي؟ قال: "سنة أبيكم إبراهيم". قالوا [¬٥]: ما لنا منها؟ قال: "بكل شعرة حسنة". قالوا: فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة". وأخرجه الإمام أَبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به. وقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾، أي: معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء، ونسخ بعضها بعضًا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. ولهذا قال: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾. أي: أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته. ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، قال مجاهد: المطمئنين. وقال الضحاك وقَتَادة: المتواضعين. وقال

стр. 4433

السدي: الوجلين [¬١]. وقال عمرو بن أوس [¬٢]: [المخبتون] [¬٣]: الذين لا يَظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال الثَّوري [¬٤]: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله، المستسلمين له. وأحسن ما يفسر بما بعده، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: خافت منه قلوبهم ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ أي: من المصائب. قال الحسن البصري: والله لتصبرُّن أو لتهلكَّنَّ. ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ قرأ الجمهور - بالإضافة - السبعةُ (*)، وبقيةُ العشرة أيضًا، وقرأ ابن [¬٥] السَّمَيقَع [¬٦]: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ بَالنصب. وقال الحسن البصري: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ (**)، وإنما حذفت النون هاهنا تخفيفًا، ولو حذفت للإِضافة لوجب خفض الصلاة، وقيل [¬٧] على سبيل التخفيف [¬٨] فنصبت أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم [¬٩] من أداء فرائضه. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. أي: وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم [¬١٠] وأرقائهم وقراباتهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى خلق الله مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات [¬١١] المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله، كما تقدم تفسيره في سورة براءة. ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا

стр. 4434

لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ يقول تعالى ممتنًا على عباده فيما خلق لهم من البدن، وجعلها من شعائره، وهو أنَّه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى، كما قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ الآية. قال ابن جريج: قال عطاء في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قال: البقرة والبعير. وكذا رُوي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري. وقال مجاهد: إنما البدن من الإبل. قلت: أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين، أصحهما: أنَّه يطلق عليها ذلك شرعًا كما صح في الحديث. ثم جمهور العلماء على أنَّه تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم (١٢٥)، من رواية جابر بن عبد الله [وغيره] [¬١] قال: أمرنا [¬٢] رسول الله، ﷺ ، أن نشترك في الأضاحي: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. [وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة] [¬٣]. وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النَّسائي وغيرهما (١٢٦)، فالله أعلم. وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾ أي: ثواب في الدار الآخرة. وعن سليمان بن يزيد الكعبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن، سول الله، ﷺ ، قال: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى الله من إراقة [¬٤] الدم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع [من] الأرض، فطِيبوا بها نفسًا". رواه ابن ماجة، والتِّرمِذي

стр. 4435

وحسنه (١٢٧). وقال سفيان الثَّوري: كان أَبو حاتم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟ فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾. وعن ابن عبَّاس (١٢٨) قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما أنفقت الورق [¬١] في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد". رواه الدارقطني في سننه. وقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها. وقال مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾ قال: أجر ومنافع. وقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾، وعن [المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن] [¬٢] جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله، ﷺ ، عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه، فقال: "بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا [¬٣] عني وعمن لم يضحِّ من أمَّتي". رواه أحمد، وأَبو داود، والتِّرمِذي (١٢٩).

стр. 4436

وقال محمد بن إسحاق (١٣٠)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عبَّاس، عن جابر قال: ضحى رسول الله، ﷺ ، بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته". ثم سمى الله وكبر وذبح الذبائح [¬١]. وعن عليّ بن الحسين، عن أبي رافع: أن رسول الله، ﷺ ، كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أمر [¬٢] بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: "اللهم هذا عن أمتي جميعها، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ". ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: "هذا عن محمده وآل محمد". فيُطعمهما [¬٣] جميعًا المساكين [¬٤]، ويأكل هو وأهله منهما [¬٥]. [رواه أحمد وابن ماجة (١٣١)] [¬٦]. وقال الأعمَش: عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾، قال: قيامًا على ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى، يقول: باسم الله، والله أكبر، اللهمَّ منك ولك. وكذلك روى مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عبَّاس نحو هذا.

стр. 4437

وقال ليث: عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث. وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه. وقال الضحاك: تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث. وفي الصحيحين (١٣٢) عن ابن عمر: أنَّه أتى على رجل قد أناخ بَدَنتَه وهو ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيَّدة، سنة أبي القاسم، ﷺ . وعن جابر (١٣٣): أن رسول الله، ﷺ ، وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها. رواه أَبو داود. وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، أن [سالم بن] [¬١] عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن، وانحَرْ من شقها الأيسر. وفي صحيح مسلم (١٣٤)، عن جابر في صفة حجة الوداع قال فيه: فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثًا وستين بدنة، جعل يطعنها بحربة في يده. وقال عبد الرزاق (١٣٥): أخبرنا معمر عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود: (صوافن) أي: معقولة [¬٢] قيامًا. وقال سفيان الثَّوري: عن منصور، عن مجاهد: من قرأها: (صوافن) قال: معقولة. ومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾، قال: تصف بين يدي.

стр. 4438

وقال طاوس، والحسن، وغيرهما (**): (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَيَ) يعني: خالصة لله (* * *)، وكذا رواه مالك عن الزُّهْريّ. وقال عبد الرحمن بن زيد: (صوافي) ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامها [¬١]. وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني سقطت إلى الأرض. وهو رواية عن ابن عبَّاس، وكذا قال مقاتل بن حيان. وقال العوفي عن ابن عبَّاس: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يعني: نحرت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: ماتت. وهذا القول هو مراد ابن عبَّاس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتَّى تموت وتبرد حركتها، وقد جاء في حديث مرفوع: "ولا تُعجِلُوا النفوس أن تَزْهَقَ" (١٣٦). وقد رواه الثَّوري في جامعه (١٣٧)، عن أيوب، عن يحيى بن أبي [¬٢] كثير، عن فرافصة الحنفي، عن عمر بن الخطاب أنَّه قال ذلك، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح [¬٣] مسلم (١٣٨): " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أَحدكم شفرته، وليُرِحْ ذبيحته". وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة". ورواه [¬٤] أحمد وأَبو داود والتِّرمِذي وصححه (١٣٩).

стр. 4439

وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، قال بعض السلف [¬١]: قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة. وقال مالك: يستحب ذلك. وقال غيره: يجب. وهو وجه لبعض الشَّافعية. واختلف [¬٢] في المراد بالقانع والمعتر؛ فقال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿الْقَانِعَ﴾: المستغني بما أعطيته وهو في بيته. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يتعرض لك، ويلم بك أن تعطيه من اللحم، ولا يسأل. وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿الْقَانِعَ﴾: المتعفف، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: السائل. وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه. وقال ابن عبَّاس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو الذي يقنع [¬٣] إليك ويسألك. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك و [¬٤] يتضرع ولا يسألك. وهذا لفظ الحسن. وقال سعيد بن جبير: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو السائل. ثم قال: أما سمعت قول الشَّمَّاخ: لمال [¬٥] المرء يصلحه فيغنى … مفاقره أعف من القنوع قال: يغني من السؤال. وبه قال ابن زيد. [وقال زيد بن] [¬٦] أسلم: ﴿الْقَانِعَ﴾: المسكين الذي يطوف. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الصديق والضعيف [¬٧] الذي يزور. وهو رواية عن عبد الله بن زيد أيضًا. وعن مجاهد أيضًا: ﴿الْقَانِعَ﴾: جارك الغني [الذي يبصر ما يدخل بيتك] [¬٨] ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك من الناس. وعنه أن القانع: هو الطامع، والمعتر: هو الذي يعتر [¬٩] بالبدن من غني أو فقير. وعن عكرمة نحوه، وعنه: ﴿الْقَانِعَ﴾: أهل مكة. واختار ابن جرير أن ﴿الْقَانِعَ﴾ هو السائل، لأنَّه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال،

стр. 4440

﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ من الاعترار، وهو: الذي يتعرض لأكل اللحم. وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وفي الحديث الصحيح (١٤٠) أن رسول الله، ﷺ ، قال للناس: "إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم". وفي رواية (١٤١): " فكلوا وادخروا وتصدقوا". وفي رواية: "فكلوا وأطعموا وتصدقوا". والقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف؛ لقوله في الآية المتقدمة: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. ولقوله في الحديث: "فكلوا وادخروا وتصدقوا". فإن أكل الكل؛ فقيل: لا يضمن شيئًا؛ وله قال ابن سريج من الشَّافعية. وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها. وقيل: يضمن نصفها. وقيل: ثلثها. وقيل: أدنى جزء منها. وهو المشهور من مذهب الشَّافعي. وأما الجلود ففي مسند أحمد (١٤٢)، عن قَتَادة بن النعمان في حديث الأضاحي: "فكلوا [¬١] وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها". ومن العلماء من رخص في ذلك، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم. [مسألة] عن البراء بن عازب (١٤٣) قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك [¬٢] فقد أصاب سنتتا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله [¬٣] لأهله، ليس هو من النسك في شيء". أخرجاه.

стр. 4441

فلهذا قال الشَّافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت الأضحى إذا طلعت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك، لما جاء في صحيح مسلم: "وأن لا تذبحوا حتَّى يذبح الإِمام" (١٤٤). وقال أَبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر، إذ لا صلاة عيد عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتَّى يصلي الإِمام، والله أعلم. ثم قيل: لا يشرع الذبح إلَّا يوم النحر وحده. وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار، لتيسر الأضاحي عندهم [¬١]، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه [¬٢] قال سعيد بن جبير. وقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع [¬٣]. وقيل: ويومان بعده، وبه قال الإِمام أحمد. وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده. وبه قال الشَّافعي، لحديث جبير بن مطعم: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "وأيام التشريق كلها ذبح" (١٤٥). رواه أحمد وابن حبان. وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة. وبه قال إبراهيم النخعي، وأَبو سلمة بن [عبد الرحمن] [¬٤] وهو قول غريب. وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، يقول تعالى: من أجل هذا ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ، أي: ذللناها لكم، أي: جعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)

стр. 4442

وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا، لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرازق، [لأنه لا] [¬١] يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه. وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها [¬٢]، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا محمد بن أبي حمَّاد، حدَّثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإِبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله، ﷺ : فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه. كما جاء في الصحيح (١٤٦): " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم [¬٣] ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" وما جاء في الحديث: "إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض" (١٤٧). كما تقدم الحديث. رواه ابن ماجة، والتِّرمِذي وحسنه عن عائشة مرفوعًا. فمعناه [¬٤] أنَّه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم. وقال وكيع: عن [يحيى] [¬٥] بن مسلم - أبي [¬٦] الضحاك -: سألت عامرًا الشعبي عن جلود الأضاحي؟ فقال: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾، إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق.

стр. 4443

وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾. أي: من أجل ذلك سخر لكم البدن، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه، وما يحبه وما يرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: وبشر يا محمد؛ المحسنين. أي: في عملهم، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع لهم، المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ريه . [مسألة] وقد ذهب أَبو حنيفة ومالك والثوري [إلى القول] [¬١] بوجوب الأضحية على من ملك نصابًا، وزاد أَبو حنيفة اشتراط الإِقامة أيضًا، واحتج لهم بما رواه أحمد (١٤٨) وابن ماجة بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعًا: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا". على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل. وقال ابن عمر: أقام رسول الله، ﵌، عشر سنين يضحي. رواه التِّرمِذي (١٤٩). وقال الشَّافعي وأحمد: لا تجب الأضحية، بل هي مستحبة؛ لما جاء في الحديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (١٥٠). وقد تقدم أنَّه ﵇ ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم. وقال أَبو سريحة: كنت جارًا لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما. وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار.

стр. 4444

وقد روى الإِمام أحمد وأهل السنن (١٥١)، وحسنه التِّرمِذي، عن مخنف بن سليم أنَّه سمع رسول ﷺ يقول بعرفات: "على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها الرجَبيَّة [¬١] " وقد تكلم في إسناده. وقال أَبو [¬٢] أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله، ﷺ ، يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون [حتَّى تباهى] [¬٣] الناس [فصار كما ترى] [¬٤]. رواه التِّرمِذي (١٥٢) وصححه، وابن [¬٥] ماجة. وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. رواه البخاري. فأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم (١٥٣) عن جابر أن رسول الله، ﷺ قال: "لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن يعسر [¬٦] عليكم؛ فتذبحوا جذعة من الضأن". ومن هاهنا ذهب الزُّهْريّ إلى أن الجذع، لا يجزئ وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس، وهما غريبان، وقال الجمهور: إنما يجزئ الثنيُّ من الإِبل والبقر

стр. 4445

والمعز، والجذع من الضأن، فأما الثني من الإِبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر [ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل:] [¬١] ما له ثلاث و [¬٢] دخل في الرابعة. ومن المعز ما له سنتان [¬٣]. وأما الجذع من الضأن؛ فقيل [¬٤]: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، [وقيل: ثمانية أشهر] [¬٥] وقيل: ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم، والجذع شعر ظهره نائم، قد انعدل صدعين، والله أعلم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ يخبر تعالى أنَّه يَدْفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال: والكفر [¬٦]: الجحد للنعم، فلا يعترف بها. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ قال العوفي، عن ابن عبَّاس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة. وقال غير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية، وقاله مجاهد والضحاك وقَتَادة وغير واحد. وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدَّثنا إسحاق بن يوسف، عن

стр. 4446

سفيان، عن الأعمش، عن مسلم -هو البطين- عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: لما أخرج النبي، ﷺ ، من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنَّ. قال ابن عبَّاس: فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنَّه سيكون قتال. و [¬١] رواه الإِمام أحمد (١٥٤)، عن إسحاق بن [¬٢] يوسف الأزرق، به، وزاد: قال ابن عبَّاس: وهي أول آية نزلت في القتال. ورواه التِّرمِذي والنَّسائي في التفسير من سننيهما (١٥٥) وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد التِّرمِذي: ووكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، به. وقال التِّرمِذي: حديث [¬٣] حسن. وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عبَّاس. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوَ جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، [وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ والآيات في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: وقد فعل] [¬٤]. وإنَّما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر

стр. 4447

عددًا، فلو أَمَر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين [¬١] لشق عليهم، [ولهذا لما بايع أهل] [¬٢] يثرب ليلة العقبة رسول الله، ﷺ ، وكانوا نيفًا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى- ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله، ﷺ : "إني لم أومر بهذا". فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شَذَر مَذَر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسول الله، ﷺ ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومعقلًا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾. قال العوفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه. ﴿إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب، إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة [إلى ما] [¬٣] في نفس الأمر، وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ لهذا [] [¬٤] لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون: لاهُمّ لولا أنت ما اهتَدَينا … ولا تَصَدّقْنا ولا صَلَّينا فأنزلَنْ سَكينَةً علينا … وثبت الأقدام أن لاقينا أن الآلى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنةً أبينا فيوافقهم رسول الله، ﷺ ، ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا، قال [¬٥]: "أبينا"، يمد بها صوته. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف.

стр. 4448

﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾، وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله [ابن عباس] [¬١] ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس. وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق. ﴿وَبِيَعٌ﴾ وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضًا. قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم. وحكى ابن جرير [¬٢] عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود. ومجاهد إنما قال: هي الكنائس. والله أعلم. وقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس. وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود. وهم يسمونها صَلُوتًا. وحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق. وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فقد قيل: الضمير في قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ عائد إلى المساجد، لأنها [¬٣] أقرب المذكورات. و [¬٤] قال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرًا. وقال ابن جرير: الصواب: لهدمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. و [¬٥] قال بعض العلماء: هذا ترقٍّ من الأقل إلى الأكثر، إلى أن ينتهي إلي المساجد، وهي أكثر عمارًا وأكثر عبادًا، وهم ذوو [¬٦] القصد [¬٧] الصحيح.

стр. 4449

وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته [¬١] خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا [¬٢] أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني [¬٣]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فأخرجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا [¬٤]: ربنا الله، ثم مُكنًّا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي. وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد، ﷺ . وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم علي الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم علي الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم [¬٥] بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة، ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها. وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 4450

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال [¬١] زيد بن أسلم: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: وعند الله ثواب ما صنعوا. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ يقول تعالى مسليًا نبيه محمدًا [¬٢]، ﷺ ، في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾، أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات. ﴿فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي [¬٣] لهم. ذكر بعض السلف أنه كان بين [¬٤] قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى. وبين إهلاك الله له أربعون سنة. وفي الصحيحين (١٥٦) عن أبي موسى، عن رسول الله، ﷺ ، أنه
следующие страницы →