سفيان، عن الأعمش، عن مسلم -هو البطين- عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: لما أخرج النبي، ﷺ ، من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنَّ. قال ابن عبَّاس: فأنزل الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنَّه سيكون قتال.
و [¬١] رواه الإِمام أحمد (١٥٤)، عن إسحاق بن [¬٢] يوسف الأزرق، به، وزاد: قال ابن عبَّاس: وهي أول آية نزلت في القتال.
ورواه التِّرمِذي والنَّسائي في التفسير من سننيهما (١٥٥) وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد التِّرمِذي: ووكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، به. وقال التِّرمِذي: حديث [¬٣] حسن. وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عبَّاس.
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوَ جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، [وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ والآيات في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: وقد فعل] [¬٤].
وإنَّما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر
стр. 4447
عددًا، فلو أَمَر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين [¬١] لشق عليهم، [ولهذا لما بايع أهل] [¬٢] يثرب ليلة العقبة رسول الله، ﷺ ، وكانوا نيفًا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى- ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله، ﷺ : "إني لم أومر بهذا". فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شَذَر مَذَر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسول الله، ﷺ ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومعقلًا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.
قال العوفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه.
﴿إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب، إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة [إلى ما] [¬٣] في نفس الأمر، وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ لهذا [] [¬٤] لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:
لاهُمّ لولا أنت ما اهتَدَينا … ولا تَصَدّقْنا ولا صَلَّينا
فأنزلَنْ سَكينَةً علينا … وثبت الأقدام أن لاقينا
أن الآلى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنةً أبينا
فيوافقهم رسول الله، ﷺ ، ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا، قال [¬٥]: "أبينا"، يمد بها صوته.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف.
стр. 4448
﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾، وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله [ابن عباس] [¬١] ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم.
وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس.
وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق.
﴿وَبِيَعٌ﴾ وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضًا. قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم.
وحكى ابن جرير [¬٢] عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود. ومجاهد إنما قال: هي الكنائس. والله أعلم.
وقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس. وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود. وهم يسمونها صَلُوتًا.
وحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق. وأما المساجد فهي للمسلمين.
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فقد قيل: الضمير في قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ عائد إلى المساجد، لأنها [¬٣] أقرب المذكورات.
و [¬٤] قال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرًا.
وقال ابن جرير: الصواب: لهدمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. و [¬٥] قال بعض العلماء: هذا ترقٍّ من الأقل إلى الأكثر، إلى أن ينتهي إلي المساجد، وهي أكثر عمارًا وأكثر عبادًا، وهم ذوو [¬٦] القصد [¬٧] الصحيح.
стр. 4449
وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته [¬١] خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾
قال ابن أبي حاتم: حدثنا [¬٢] أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني [¬٣]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فأخرجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا [¬٤]: ربنا الله، ثم مُكنًّا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي.
وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد، ﷺ .
وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ … ﴾ الآية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم علي الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم علي الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم [¬٥] بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة، ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها.
وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
стр. 4450
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقال [¬١] زيد بن أسلم: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: وعند الله ثواب ما صنعوا.
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾
يقول تعالى مسليًا نبيه محمدًا [¬٢]، ﷺ ، في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾، أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
﴿فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي [¬٣] لهم.
ذكر بعض السلف أنه كان بين [¬٤] قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى. وبين إهلاك الله له أربعون سنة.
وفي الصحيحين (١٥٦) عن أبي موسى، عن رسول الله، ﷺ ، أنه
стр. 4451
قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ [إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾، أي: كم من قرية أهلكتها ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ] [¬١]﴾ أي: مكذبة لرسولها ﴿فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال الضحاك: سقوفها، أي: قد [¬٢] خربت منازلها، وتعطلت حواضرها.
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: لا يستقى منها ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.
﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال عكرمة: يعني المبيض بالجص.
وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك.
وقال آخرون: هو المنيف المرتفع.
وقال آخرون: هو [¬٣] الشديد المنيع الحصين.
وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال ﵎: ﴿أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: بأبدانهم وتفكرهم [¬٤] أيضًا، وذلك كافٍ، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار:
حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا [¬٥] جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: أن يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، و [¬٦] سح في الأرض، ثم [¬٧] اطلب الآثار والعبر، حتى تتخرق النعلان، وتكسر العصا.
و [¬٨] قال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: [أحي قلبك بالمواعظ] [¬٩]، ونوّره بالفكر، وموته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلله [بالموت وقرره بالفناء] [¬١٠]، وبصره فجائع [¬١١] الدنيا،
стр. 4452
وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره [ما أصاب] [¬١] من كان قبله، وسر [¬٢] في ديارهم وآثارهم وانظر [¬٣] ما فعلوا، وأين حلوا وعم انقلبوا [أي: فانظروا] [¬٤] ما حل بالأمم المكذبة من النقم [¬٥] والنكال، ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي: فيعتبرون بها، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن سارة [¬٦] الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:
يا مَنْ يُصيخُ إلى داعي الشقاء وقد … نادى به الناعيان: الشيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم تُرى … في رأسك الواعيان: السمع والبصر؟
ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل … لم يهده الهاديان: العين والأثر
لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الـ … أعلى ولا النيران: الشمس والقمر
ليرحلن عن الدنيا وإن كرها … فراقها الثاويان: البدو والحضر
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾
يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، أي: هؤلاء الكفار المكذبون الملحدون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾.
وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، أي: الذي قد وعد، من إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإِكرام لأوليائه.
قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا
стр. 4453
عمرو، هل [¬١] يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا. فذكر آية وعيد، فقال له: [أمن المعجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤمًا] [¬٢] وعن الإيعاد كرمًا، أو ما سمعت قول الشاعر:
لا يرهب ابن العم منى [¬٣] سطوتي … ولا [أختتى من] [¬٤] سطوة المتهدد [¬٥]
فإني وإن أوْعَدتُهُ أو [¬٦] وعدتُه … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، أي: هو تعالى لا يَعجَل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
قال ابن أبي حاتم: ثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم [¬٧]: خمسمائة عام".
ورواه الترمذي والنسائي (١٥٧) من حديث الثوري عن محمد بن عمرو، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه ابن جرير (١٥٨)، عن أبي هريرة موقوفًا فقال: حدثني يعقوب، ثنا ابن علية، ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن سُمَير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار [¬٨] نصف يوم. [قلت: وما نصف يوم؟] [¬٩] قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وقال أبو داود (١٥٩) في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا
стр. 4454
أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأرجو أن لا تَعْجِزَ أمتي عند [¬١] ربها أن يؤخرهم نصف يوم". قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان [¬٢]، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض.
ورواه ابن جرير (١٦٠)، عن ابن بشار [¬٣]، عن ابن مهدي. وبه قال مجاهد وعكرمة.
ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب "الرد على الجهمية".
وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم [¬٤]-محمد بن الفضل- حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلمَ قال: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، وجعل أجل الدنيا سنة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع، فمثل [¬٥] ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها، ففي آية لحظة [¬٦] ولدت كان تمامًا.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾
يقول تعالى لنبيه، ﷺ ، حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه به: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، أي: إنما أرسلني اللَّه إليكم نذيرًا لكم
стр. 4455
بين يدي عذاب شديد، وليس إليّ من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله؛ إن شاء عجَّل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، و ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: آمنت [¬١] قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسنأتهم.
قال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فهو: الجنة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [¬٢] قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي، ﷺ . وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين.
وقال ابن عباس: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مراغمين.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وهي النار الحارة الموجعة، الشديد [¬٣] عذابها ونكالها، أجارنا الله منها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾
وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنًّا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة
стр. 4456
ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله، ﷺ ، بمكة "النجم"، فلما بلغ هذا الموضع: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن [¬١] ترتجى" قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. فسجد وسجدوا، فأنزل الله [هذه الآية] [¬٢]: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [¬٣].
و [¬٤] رواه ابن جرير (١٦١)، عن بندار، عن غندر، عن شعبة به نحوه. وهو مرسل.
وقد رواه البزار في مسنده (١٦٢)، عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، الشك في الحديث- أن النبي، ﷺ ، قرأ بمكة سورة "النجم" حتى انتهى [¬٥] إلى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، وذكر بقيته. ثم قال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإِسناد. تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وإنما يروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، [عن ابن عباس] [¬٦].
ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي مرسلًا. وكذا رواه ابن جرير (١٦٣)، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلًا أيضًا.
وقال قتادة: كان النبي، ﷺ ، عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه: "وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى". فحفظها المشركون، وأجرى الشيطان أن النبي، ﷺ ، قد قرأها، فَزَلت [¬٧] بها ألسنتهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ … ﴾ الآية، فدحر الله الشيطان.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق
стр. 4457
المسيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت "سورة النجم"، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل [¬١] الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: "وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي [¬٢] التي ترتجى". وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت [¬٣] بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه. فلما بلغ رسول الله، ﷺ ، [آخر النجم] [¬٤]، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا كبيرًا، فرفع على كفه ترابًا فسجد عليه، فعجب الفريقان [] [¬٥] كلاهما من جماعتهم في السجود، لسجود رسول الله ﷺ ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين -ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين- فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين -عثمان بن مظعون وأصحابه- وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله، ﷺ ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحُدِّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعًا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه الله من الفرية، وقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، فلما بين الله قضاءه، وبرّأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم. وهذا أيضًا مرسل.
وفي تفسير ابن جرير (١٦٤) عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه.
стр. 4458
وقد رواه الإِمام أبو بكر البيهقي في كتابه: "دلائل النبوة" فلم يجز به موسى بن عقبة. ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.
قلت: وقد ذكرها محمَّد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، فالله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهما بينحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالًا: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى [] [¬١] أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﵌، وليس كذلك في نفس الأمر، بل [¬٢] إنما كان من صنيع الشيطان، لا من رسول الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله أعلم.
وهكذا تنوّعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته، وقد تعرض القاضي عياض ﵀ في كتاب "الشفاء" لهذا وأجاب بما حاصله.
وقوله: ﴿إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، هذا فيه تسلية له -صلوات الله وسلامه عليه- -أي: لا يهيدنك ذلك [¬٣] فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.
قال البخاري: قال ابن عباس: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ وإذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان، ويحكم الله آياته.
قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقال مجاهد: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾] [¬٤] يعني: إذا قال:
ويقال: ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته [¬٥]، ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾: يقولون ولا يكتبون [¬٦].
قال البغوي (١٦٥): وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله ﴿تَمَنَّى﴾، أي: تلا وقرأ كتاب الله، ﴿أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته. قال الشاعر في عثمان [حين
стр. 4459
قتل] [¬١]:
تمنى كتاب الله أول ليلة … وآخرها لاقى حمام المقادر
وقال الضحاك: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾: إذا تلا. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، وقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ﴾ حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع.
قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أي: فيبطل الله ما ألقى الشيطان.
وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.
وقوله: [﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية ﴿حَكِيمٌ﴾] [¬٢]، أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامّة، والحجة البالغة، ولهذا قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: شك وشرك، وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح، وإنما كان من الشيطان.
قال ابن جريج: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ [مَرَضٌ﴾ هم] [¬٣] المنافقون، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم [¬٤] المشركون.
وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾، أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع، الذي [¬٥] يفرقون به [¬٦] بين الحق والباطل، المؤمنون [¬٧] بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه، وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾، أي: يصدّقوه وينقادوا له، ﴿فَتُخْبِتَ [¬٨] لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾،
стр. 4460
أي: تخضع وتذل [له قلوبهم] [¬١]، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إن الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم [¬٢] الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار أنهم لا يزالون ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾، أي: في شك وريب من هذا القرآن. قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير.
وقال سعيد بن جبير وابن زيد: ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما [¬٣] ألقى الشيطان.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ قال مجاهد: فجأة. وقال قتادة: ﴿بَغْتَةً﴾ بغت القومَ [¬٤] أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم [¬٥] وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.
وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾، قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر. وكذا قال [مجاهد، و] [¬٦] إلخ عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد، واختاره ابن جرير.
وقال عكرمة ومجاهد [في رواية عنهما] [¬٧]: هو يوم القيامة لا ليلة لهم. وكذا قال الضحاك والحسن البصري.
وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو
стр. 4461
المراد، ولهذا قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ﴾ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا [¬١]، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لهم النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كفرت قلوبهم بالحق، وجحدوا به، وكذبوا به، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين [¬٢].
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾
يخبر تعالى عمن خرج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وطلبًا لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله، ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾، أي: الجهاد، ﴿أَوْ مَاتُوا﴾، أي: حتف أنفهم [¬٣] أي: من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، أي: ليُجْريَنّ عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ أي: الجنة. كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾. فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال هاهنا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم قال:
стр. 4462
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾، أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: يحلم ويصفح، ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه، وتوكلهم عليه، فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم. وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن شريح، عن ابن الحارث -يعني: عبد الكريم- عن ابن عقبة -يعني: أبا عبيدة بن عقبة- قال: حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان -يعني: الفارسي ﵁ فقال: إني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "من مات مرابطًا، أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن [¬١] من [¬٢] الفتّانين" واقرءوا إن شئتم: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيم﴾.
وقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام، أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كتاب بـ "رودس"، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله، ﷺ ، فمر بجنازتين؛ إحداهما قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا قتيل في سبيل الله تعالى. فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ حتى آخر الآية.
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن [¬٣] المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا [¬٤] سلامان [¬٥] بن عامر الشعباني، أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين؛ أحدهما: "أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا
стр. 4463
أَوْ مَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلًا ترضاه، ورزقت رزقًا حسنًا، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.
ورواه [¬١] ابن جرير (١٦٦)، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن [¬٢] سلامان بن عامر قال: كان فضالة بـ "رودس" أميرًا على الأرباع، فخرج بجنازتي [¬٣] رجلين؛ أحدهما قتيل، والآخر متوفى … فذكر نحو ما تقدم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج [¬٤]: أنها نزلت في سرية من الصحابة، لقوا جمعًا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم [¬٥] المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى [¬٦] المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم، ﴿إِنَّ [¬٧] اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾
يقول تعالى منبهًا على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ … ﴾ الآية. ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا، و [من] [¬٨] هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار -كما في الشتاء- وتارة يطول النهار ويقصر الليل -كما في الصيف.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى
стр. 4464
عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم.
ولما بيَّن أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، أي: الإِله الحق، الذي [¬١] لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو [¬٢] السلطان العظيم، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضرًّا ولا نفعًا.
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقال: ﴿[] [¬٣] الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير [¬٤] الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه وعَزَّ وَجَلَّ عما يقول [¬٥] الظالمون علوًّا كبيرًا.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾
وهذا أيضًا من الدلالة على قدرته وعطم سلطانه، فإنه [¬٦] يرسل الرياح فتثير سحابًا، فيمطر على الأرض الجُرُز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء قحلة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.
وقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿[ثُمَّ خَلَقْنَا] [¬٧] النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾
стр. 4465
الآية، وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل شيئين أربعين يومًا، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا هاهنا قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، أي: خضراء بعد [يبسها ومحوله] [¬١].
وقد ذكر عن بعض أرض [¬٢] الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء [¬٣] فالله أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصّل إلى كل منه قسطًا [¬٤] من الماء فينبته به، كما قال لقمان [لابنه] [¬٥]: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]، وقال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [] [¬٦] وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ … ﴾ الآية، ولهذا قال أمية بن أبي الصلت -أو زيد لن عمرو بن نفيل- في قصيدته:
وقُولا له من يُنْبِتُ الحبَّ في الثرى … فيصبِحُ منه البَقْلُ يهتزُّ رابيا
ويخرجُ منه حبَّه في رءوسه … ففي ذاك آياتٌ لمن كان واعيا
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وعبيد [¬٧] لديه.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: من حيوان وجماد، وزروع وثمار، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، أي: من إحسانه وفضله وامتنانه، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾، أي [¬٨]: بتسخيره وتسييره [¬٩]، أي: في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه.
стр. 4466
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾، أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته، يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ كقوله: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ ومعنى الكلام: كيف تجعلون [مع الله] [¬١] أندادًا وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾، أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا يذكر فأوجدكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾، أي: جحود.
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَينَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾
يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكًا.
قال ابن جرير: يعني لكل أمة نبي منسكًا. قال: وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإِنسان ويتردد إليه، إما لخير أو شر. قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك؛ لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها.
فإن كان كما قال من أن المراد: لكل أمة نبي جعلنا منسكًا، فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾، أي: هؤلاء المشركرن، وإن كان المراد: لكل أمة جعلنا منسكًا جعلًا قدريًّا، كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، أي: فاعلوه فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما
стр. 4467
أنت عليه من الحق، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود.
وهذه كقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾ ولهذا قال: [﴿اللَّهِ [¬١] يَحْكُمُ بَينَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾. وهذه كفوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَينَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَينَنَا وَبَينَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَينَنَا وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.
يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السماوات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم (١٦٧)، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وفي السنن (١٦٨) من حديث جماعة من الصحابة: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلي يوم القيامة".
стр. 4468
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال [¬١]: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو علي العرش ﵎: اكتب. فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلي يوم تقوم الساعة. فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلي يوم القيامة، فذلك قوله للنبي، ﷺ : ﴿[أَلَمْ تَعْلَمْ] [¬٢] أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
وهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضًا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك، علي الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصى باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علمًا، وهو سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا، وعبدوا من دون الله ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، يعني: حجة وبرهانًا، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: ولا علم لهم فيما اختلفوه وائتفكوه، وإنما هو أمر [¬٣] تلقوه عن آبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سوّل لهم الشيطان وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يحل بهم من العذاب والنكال.
ثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا ذكرت لهم آيات [¬٤] القرآن، والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق
стр. 4469
وصدق ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا﴾، أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة [من القرآن] [¬١]، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿قُلْ﴾، أي: يا محمد، لهؤلاء: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تُخَوِّفون [¬٢] به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب [¬٣] الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم.
وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: وبئس النار منزلًا ومقيلًا ومرجعًا وموئلًا ومقامًا، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾
يقول تعالى منبهًا على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، أي: لما يعبده الجاهلون بالله الشركون به، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، أي: أنصتوا وتفهموا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد، علي أن يقدروا علي خلق ذباب واحد، ما قدروا علي ذلك. كما قال الإمام أحمد (١٦٩):
حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة -رفع الحديث- قال: "ومن أظلم ممن خلق خلقًا [¬٤] كخلقي! فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة".
وأخرجه صاحبا الصحيح (١٧٠)، من طريق [¬٥] عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق
стр. 4470
كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا [¬١] شعيرة".
ثم قال تعالى أيضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك، عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئًا [¬٢] من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنفذه منه، لما قدرت على ذلك. هذا، والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: [﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.
قال] [¬٣] ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب. واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق. وقال السدي وغيره: ﴿الطَّالِبُ﴾: العابد، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الصنم.
ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره، من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾، أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
وقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يُمانَع ولا يُغالب؛ لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾
يخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لا بلاغ رسالاته، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر
стр. 4471
لجنابهم، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
اختلف [¬١] الأئمة ﵏ في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر، عن النبي، ﷺ : "فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما".
وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾، أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم علي سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع.
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم [¬٢] بشيء فشق عليكم إلا جعل لكم فرجًا ومخرجًا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تحب في الحضر أربعًا، وفي السفر تقصر إلي ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالًا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر [إلى القبلة] [¬٣] وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلي غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال ﵇: "بعثت
стр. 4472
بالحنيفية السمحة" (١٧١) وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: "بشرا ولا تنفرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا" (١٧٢) والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، يعني: من [¬١] ضيق.
وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال ابن جرير: نصب علي تقدير: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: من ضيق، بل وسَّعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم. [قال: ويحتمل أنه منصوب علي تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم] [¬٢].
قلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية. وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾، قال الإمام عبد الله بن المبارك: عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الله وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يعني: القرآن. وكذا قال غيره.
قلت [¬٣]: وهذا هو الصواب، لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم علي ما جاء به الرسول، ﷺ ، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى علي هذه الأمة بما نوَّه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى علي الأحبار والرهبان،
стр. 4473
فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل هذا القرآن، ﴿وَفِي هَذَا﴾، وقد قال النسائي (١٧٣) عند تفسير [¬١] هذه الآية:
أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام، أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي [¬٢] جهنم". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: "نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها: المسلمين، المؤمنين، عباد الله".
وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ من سورة البقرة، ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا﴾، أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطًا، عدولًا [¬٣]، خيارًا، مشهودًا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لأن جميع الأم معترفة يومئذ [بسيادتها وفضلها] [¬٤] علي كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد علي هذه الأمة أنه بلغها ذلك. وقد تقدم الكلام علي هذا عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾. وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته.
وقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة: وهو الإحسان إلي خلق الله، بما أوجب للفقير على الغنى، من إخراج جزء نزر [¬٥] من ماله في السَّنَة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾، أي: اعتضدوا بالله واستعينوا [واتكلوا] [¬٦] عليه وتأيدوا به ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: حافظكم وناصركم، ومظفركم علي أعدائكم، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾، [يعني: نعم [¬٧] الولي] [¬٨]، ونعم الناصر من الأعداء.
стр. 4474
قال وهيب بن الورد [¬١]: يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبتَ أذكرك إذا غضبتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمتَ فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم.
والله تعالى أعلم، وله الحمد والمنة، والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة، في سائر الأفعال والأقوال.
هذا [¬٢] آخر تفسير سورة الحج، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبة وسلم وشرف وكرم، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين [] [¬٣].
стр. 4475
سورة المؤمنون
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْو مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾
قال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم قال: أملي عَليَّ يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبدٍ القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل [¬١] علي رسول الله ﷺ الوحي، يسمع عند وجهه كدوي النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه، فقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر [علينا، وارض عنا] [¬٢] وأرضنا" ثم قال: "لقد أنزلت عليَّ عشر آيات، مَنْ أقامهن دخل الجنة". ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم العشر.
وكذا رواه [¬٣] الترمذي في تفسيره [¬٤]، والنسائي في الصلاة، من حديث عبد الرزاق به، وقال الترمذي [¬٥]: منكر، لا نعرف أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه.
стр. 4476
وقال النسائي في تفسيره (٢): أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر، عن أبي عمران، عن يزيد بن بابَنُوس قال: قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين! كيف كان خُلُق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، فقرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى انتهت إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ .
стр. 4477
وقد رُوي عن كعب الأحبار، ومجاهد، وأبي العالية، وغيرهم: لما خلق الله جنة عدن، وغرسها بيده، نظر إليها، وقال لها: تكلمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال كعب الأحبار: لِما أعد لهم من الكرامة فيها. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه.
وقد رُوي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، فقال أبو بكر البزار (٣): حدثنا محمَّد بن المثنى، حدثنا [أبو] [¬١] المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وغرسها، وقال لها تكلمي: فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك، منزلَ الملوك!.
ثم قال (٤): وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري [¬٢]، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "خلق الله الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها [¬٣] المسك". قال أبو بكر البزار [¬٤]: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث: "حائط الجنة لبنة ذهب، ولبنة
стр. 4478
فضة، وملاطها المسك، فقال لها: تكلمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك".
ثم قال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا علي بن فضل، وليس هو بالحافظ، وهو شيخ متقدم الموت.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥): حدثنا أحمد بن علي حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "لما خلق الله جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت، [ولا أذن سمعت] [¬١]، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ".
بقية: -عن الحجازيين- ضعيف.
وقال الطبراني (٦): حدثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد بن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس يرفعه: "لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلّى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا (٧): حدثنا محمَّد بن المثنى البزار، حدثنا محمَّد بن زياد الكلبي، حدثنا يعيش بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من دُرّة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زَبَرجَدَة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي. قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
стр. 4479
الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقال الله: وعزتي وجلالي، لا يجاورني فيك بخيل". ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: قد فازوا وسعدوا، وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف.
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿خَاشِعُونَ﴾: خائفون، ساكنون. وكذا رُوي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهرى. وعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع: خضوع القلب. وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح.
وقال محمَّد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم.
قال ابن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضًا مرسلًا: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية.
والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرَّغ قلبَه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "حُبب إليَّ الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة" (٨).
وقال الإمام أحمد (٩): حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، [عن رجل من أسلم، أن رسول الله ﷺ قال: "يا بلال، أرحنا بالصلاة] [¬١] ".
стр. 4480
[وقال الإمام أحمد أيضًا (١٠): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد] [¬١]، أن [عبد الله بن محمَّد بن الحنفية] [¬٢] قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية، ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح. فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة".
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْو مُعْرِضُونَ﴾، أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك -كما قاله بعضهم-والمعاصي [¬٣]-كما قاله آخرون- وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾ قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقذهم [¬٤] عن ذلك.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة ها هنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية [¬٥] مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
وقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ها هنا زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ وكقوله: ﴿وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ على أحد القولين في تفسيرها.
وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم
стр. 4481
التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي: غير الأزواج والإِماء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، أي: المعتدون.
وقال ابن جرير (١١): حدثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة -أن امرأة اتخذت مملوكها [¬١]، وقالت: تأولت آية من كتاب الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁ فقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ : تأولتْ آية من كتاب الله على غير وجهها. قال: فغرب العبد وجز رأسه، وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم.
هذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في أول تفسير سورة المائدة، وهو ها هنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.
وقد استدل الإِمام الشافعي ﵀ ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾، قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور (١٢) حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين [¬٢]، ويدخلهم النار أول الداخلين، [إلا أن يتوبوا] [¬٣]، فمن تاب، تاب الله عليه: ناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره". هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، أي: إذا ائتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين، الذين قال
стр. 4482
فيهم النبي ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (١٣).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، أي: يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله".
أخرجاه في الصحيحين (١٤). وفي مستدرك الحاكم قال: "الصلاة في أول وقتها" (١٥).
وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يعني: مواقيت الصلاة، وكذا قال أبو الضحى، وعلقمة بن قيس، وسعيد بن جبير، وعكرمة. وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها.
وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها، كما قال رسول الله ﷺ : "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" (١٦).
ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة، والفعال الرشيدة، قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وثبت في الصحيحين (١٧) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سألتم الله الجنة
стр. 4483
فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تَفَجَّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن.
وقال ابن أبي حاتم (١٨): حدثنا أحمد بين سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ["ما منكم] [¬١] من أحد إلا وله فزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ ".
وقال ابن جريج: عن ليث، عن مجاهد: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبنى بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة، ويبنى بيته الذي في النار. ورُوي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم (١٩)، عن أبي بردة بن أبي موسى [عن أبيه] [¬٢]، عن النبي ﷺ قال: "يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى". وفي لفظ له: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقول [¬٣]: هذا فكاكك من النار". فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو -ثلاث مرات- أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ ، قال: فحلف له.
قلت: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾.
وكقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية: هي [¬٤] الفردوس. وقال بعض السلف: لا يسمى البستانُ فردوسًا إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.
стр. 4484
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن ابتداء خلق الإِنسان من سلالة من طين، وهو آدم ﵇، خلقه الله من صلصال من حمإ مسنون.
وقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: ﴿مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ﴾. قال: صفوة الماء. وقال مجاهد: ﴿مِنْ سُلَالةٍ﴾ أي: من مني آدم. وقال ابن جرير: إنما سمي آدم طينًا لأنه مخلوق منه. وقال قتادة: استل آدم من الطين. وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإن آدم ﵇ - خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمإ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا قسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيب، وبين ذلك". وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
стр. 4485
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ هذا الضمير عائد على جنس الإِنسان، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، أي: ضعيف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، أي: مدة معلومة وأجل معين، حتى استحكم، وتنقل من حال إلى حال، وصفة إن صفة، ولهذا قال ها هنا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾، أي: ثم [¬١] صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل، وهو ظهره -وترائب المرأة- وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة فصارت علقة حمراء على شكل العلقة، مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي قطعة كالبضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾، يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين، بعظامها وعصبها وعروقها.
وقرأ آخرون: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ قال ابن عباس: وهو عظم الصلب.
وفي الصحيح (٢١) من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل جسد ابن آدم يبلى إلا عَجْبُ الذنب، منه خلق، ومنه [¬٢] يركب". ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، [أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار خلقا آخر] [¬٣]، ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر -يعني ابن كثير مولى بني هاشم- حدثنا زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا تمت النطفة [¬٤] أربعة أشهر، بُعث [¬٥] إليها ملك [¬٦] فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، يعني: [نفخنا فيه] [¬٧] الروح. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه [نفخ] [¬٨] الروح.