← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

يكون مقهورًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: عما يقول الظالون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوًا كبيرًا. ﴿عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، أي: يعلم [ما يغيب] [¬١] عن المخلوقات وما يشاهدونه، ﴿فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تقدس وتنزه وتعالى وعزَّ وجلَّ [عما يقول الظالمون والجاحدون] [¬٢]. ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ يقول تعالى آمرًا [نبيه محمدًا ﷺ ] [¬٣] أن يدعو [¬٤] بهذا الدعاء عند حلول النقم: ﴿رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾، أي: إِنْ [¬٥] عاقبتهم -وإني شاهدٌ ذلك- فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٤٧) والترمذي وصححه: "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون". وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾، أي: لو شئنا لأريناك ما نحل [¬٦] بهم من النقم والبلاء والمحن. ثم قال مرشدًا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة، وبغضه محبة، فقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾، وهذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: ما يلهم هذه الوصية أو هذه [¬٧] الخصلة أو الصفة ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾،

стр. 4517

أي: على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ أمره الله [¬١] أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف. وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" (٤٨). وقوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾، أي: في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور، وذلك مَطْرَدَة للشياطين، عند الأكل والجماع والذبح، وغير ذلك من الأمور؛ ولهذا روى أبو داود (٤٩) أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت". وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: "بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامه من غضبه. وعقابه، ومن شر عاده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون" (٥٠). قال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا - لا يعقل أن يحفظها - كتبها له فعلقها في عنقه، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق، وقال الترمذي: حسن غريب. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾ يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت، من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى،

стр. 4518

وقيلهم عند ذلك، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا؛ ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته؛ ولهذا قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾، وقال تعالى: ﴿[يوم يأتي تأويله] [¬١] يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قَالُوا [¬٢] رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون؛ عند الاحتضار، ويوم النشور، ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار، وهم في غمرات [العذاب في] [¬٣] الجحيم. وقوله هاهنا: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ وكلا: حرف ردع وزجر، أي: لا نجيبه إلى ما طلب، ولا نقبل منه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي: لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم. ويحتمل أن يكون ذلك [علة لقوله] [¬٤] ﴿كلا﴾، أي: لأنها كلمة، أي: سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه، وقولٌ لا عمل [¬٥] معه، ولو رد لما عمل صالحًا، ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.

стр. 4519

وقال محمد بن كعب القرظى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قال: فيقول الجبار: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾. وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿كلا﴾: فإنما يقول: كذب. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: كان العلاء بن زياد يقول: ليُنْزِلْ أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة الله وقال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا باللَّه. وعن محمد بن كعب القرظي نحوه. وقال أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل - يعني ابن عياض - عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: إذا وضع -يعني: الكافر- في قبره، فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: رب، ارجعون أتوب وأعمل صالحًا. قال: فيقال: قد عُمّرت ما كنت مُعَمرًا. قال: فيضيق عليه قبره، قال: فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحيَّاتها وعقاربها (٥١). وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو [¬١] بن عليّ، حدثني سلمة بن تمام، حدثنا عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور! تدخل عليهم في قبورهم حيات سود -أو: دُهْم- حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: ﴿ومن ورائهم﴾ يعني: أمامهم. وقال مجاهد: البرزخ: الحاجز [¬٢] بين الدنيا والآخرة. وقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم.

стр. 4520

وقال أبو صخر: البرزخ: المقابر، لا هم في الدنيا ولاهم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون. وفي قوله تعالى: ﴿ومن ورائهم برزخ﴾ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال تعالى: ﴿من ورائهم جهنم﴾ وقال: ﴿ومن ورائه عذاب غيظ﴾. وقوله تعالى: ﴿إلى يوم يبعثون﴾، أي: يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: "فلا يزال معذبًا فيها" أي: في الأرض. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور ﴿فلا أنساب بينهم﴾، أي: لا تنفع الأنساب يومئذ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: ﴿ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم﴾، أي: لا يسأل القريب عن قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره وهو أعز الناس عليه - كان - في الدنيا ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾. وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه. قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرًا؛ ومصداق ذلك في كتاب الله: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام أحمد (٥٢): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أم بَكر بنت المسور بن مَخْرَمة، عن عبيد [¬١] الله بن أبي رافع، عن المسور -هو

стр. 4521

ابن مخرمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فاطمة بضعة مني، [يقبضني ما يقبضها] [¬١]، وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير [¬٢] نسبي وسببي وصهري". وهذا الحديث له أصل في الصحيحين (٥٣) عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: "فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذينى ما آذاها". وقال الإمام أحمد (٥٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير، عن عبد الله بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول على هذا المنبر: "ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه؟ بلى والله، إن رحمى موصولة في الدنيا والآخرة، وإني -أيها الناس- فرط لكم إذا جئتم. قال رجل: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان، [وقال أخوه: أنا

стр. 4522

فلان بن فلان] [¬١]. فأقول لهم: أما النسب فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى". وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه ﵁ أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي" (٥٥). رواه الطبراني (٥٦)، والبزار، والهيثم بن كليب، والبيهقي، والحافظ الضياء في "المختارة" وذكر أنه أصدقها أربعين ألفا إعظاما وإكرامًا ﵁. فقد روى الحافظ ابن عساكر (٥٧) في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ من طريق أبي القاسم [¬٢] البغوي، حدثنا سليمان بن عمر [¬٣] الأقطع، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر، سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ "كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري". وروى فيها (٥٨) من طريق عمار بن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو مرفوعًا: "سألت ربي أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إليَّ أحد منهم؛ إلا كان معي في الجنة، فأعطاني ذلك". ومن حديث عمار بن سيف، عن إسماعيل عن عبد الله بن عمرو [¬٤].

стр. 4523

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة. وقال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: ثقلت سيئاته على حسناته ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خابوا وهلكوا، وباءوا [¬١] بالصفقة الخاسرة. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٥٩): حدثنا إسماعيل بن أبي [¬٢] الحارث، حدثنا داود بن المحُبَّر، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك يرفعه قال: " [إن لله ملكًا موكلًا] [¬٣] بالميزان، فيؤتى بابن آدم فيوقف بين يدي [¬٤] الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا". إسناده ضعيف، فإن داود بن المحبر ضعيف [¬٥] متروك. ولهذا قال تعالى: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها، دائمون، مقيمون لا [¬٦] يظعنون. ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كما قال تعالى: ﴿وتغشى وجوههم النار﴾ وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال [¬٧]: "إن جهنم لما سيق لها [¬٨] أهلها يلقاهم لهبها ثم تلفحهم لفحة فلم [¬٩] يبق لهم لحم إلا سقط على العرقوب".

стр. 4524

وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان، حدثنا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القطان، حدثنا سعد [¬١] بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: "تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم". وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: عابسون. وقال الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه. وقال الإمام أحمد (٦٠): أخبرنا علي بن إسحاق أخبرنا عبد الله -هو ابن المبارك ﵀ أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾، قال: تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخى شفته السفلى حتى تضرب [¬٢] سرته". ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك به، وقال: حسن غريب. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ

стр. 4525

(١٠٧) قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ هذا تقريع من الله، [تعالى لأهل النار وتوبيخ لهم] [¬١] على ما ارتكبوه [¬٢] من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم [¬٣] الكتب، وأزلت شبهكم، ولم يبق لكم حجة تدلون بها [¬٤]؛ كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿فسحقًا لأصحاب السعير﴾ ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها. ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ أي: ردَّنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ إلى قوله: ﴿فالحكم لله العلي الكبير﴾ أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحَّده المؤمنون. ﴿قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾ هذا جواب من الله تعالى للكفار، إذا سألوا الخروج من النار، الرجعة إلى هذه الدار. يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي، قال العوفي عن ابن عباس: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن

стр. 4526

المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت دعوتهم - والله - على مالك ورب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة [¬١]، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. وقال [ابن أبي حاتم] [¬٢] أيضًا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحدًا -يعني من جهنم- غيَّر وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل [من المؤمنين] [¬٣] فيشفع فيقول: يا رب؛ فيقول الله: من عرف أحدًا فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحدًا، [فيناديه الرجل: يا فلان] [¬٤]، أنا فلان. فيقول: ما أعرفك! قال [¬٥]: فعند ذلك يقولون [¬٦]: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فعند ذلك يقول الله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار [¬٧]، فلا يخرج منهم أحد [¬٨]. ثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي، وتضرعهم إليّ ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي: حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ أي: من صنيعهم وعبادتهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ أي: يلمزونهم استهزاء. ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: على أذاكم لهم، واستهزائكم بهم [¬٩] ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [أي جعلناهم هم الفائزون] [¬١٠] بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة [¬١١] من النار.

стр. 4527

﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ يقول تعالى منبهًا لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة اللَّه تعالى، وعبادته وحد [¬١]، ولو صبروا في مدة الدنيا الفصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ أي: الحاسبين ﴿قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ أي: مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيّئ، [ولا استحققتم] [¬٢] من اللَّه سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعته وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان، عن أيفع بن عبد الكلاعي، أنه سمعه يخطب الناس، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم! رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أهل النار، كم بكم في الأرض عدد سنين؟ قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم! ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين": وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد، ولا إرادة منكم، ولا حكمة لنا؟! [وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا، كما خلقت البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة، وإقامة أوامر اللَّه ] [¬٣] ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: لا تعودون في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ يعني هملا [¬٤]. وقوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تقدس أن يخلق شيئًا عبثًا، فإنه الملك الحق،

стр. 4528

المنزه عن ذلك ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فذكر العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم أي: حسن المنظر بهي الشكل؛ كما قال تعالى: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن سليمان -شيخ من أهل العراق- أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها [¬١] عمر بن عبد العزيز؛ أن حمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، [أيها الناس] [¬٢] فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل اللَّه فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقى [عبدٌ أخرجه اللَّه من رحمته] [¬٣]، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدًا إلا من حذر هذا [¬٤] اليوم وخافه، وباع نافذًا بباق، و [¬٥] قليلًا بكثير، وخوفًا بأمان؟ ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين، حتى تردوا إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى اللَّه قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم، فاتقوا اللَّه عباد اللَّه قبل انقضاء مواثيقه، ونزول الموت بكم، ثم رفع [¬٦] طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله. وقال ابن أبي حاتم: ثنا يحيى بن نصير [¬٧] الخولاني، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي [¬٨] هبيرة، عن حنش بن عبد اللَّه، أن رجلًا مصابًا مر به على [¬٩] عبد اللَّه بن مسعود، فقرأ في أذنه هذه الآية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ حتى ختم السورة فبرأ، [فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ ] [¬١٠]، فقال رسول اللَّه ﵌: "بماذا قرأت في أذنه؟ " فأخبره، [فقال له: "إنها إذا قرئت في أذنه أحرقته] [¬١١] "، ثم قال رسول اللَّه ﵌: "والذي نفسي بيده، لو أن رجلا موقنًا قرأها على جبل لزال".

стр. 4529

وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه، قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ في سرية، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا. وقال ابن أبي حاتم أيضًا (٦١): حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حدثنا أبو المسيب سلمة بن سلام، حدثنا بكر بن خنيس [¬١]، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد اللَّه بن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى. اللَّه عليه وسلم: "أمان أمتي [¬٢] من الغرق إذا ركبوا في السفن [¬٣]: باسم اللَّه الملك الحق، وما قدروا اللَّه حق قدره، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون، بسم اللَّه مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم". ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾ يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك باللَّه ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾، أي: لا دليل له على قوله، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: اللَّه يحاسبه على ذلك. ثم أخبر ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة. قال قتادة: ذكر لنا أن نبي اللَّه ﷺ قال لرجل: "ما تعبد؟ " قال: أعبد اللَّه وكذا وكذا، حتى عد أصناما، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟ " قال: اللَّه [قال: "فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ " قال: اللَّه ، [¬٤] قال: "فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه؟ " قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه أم حسبت أن يغلب عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تعلمون ولا يعلمون". فقال [¬٥] الرجل [بعد] [¬٦] ما

стр. 4530

أسلم: لقيت رجلًا خصمني. هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندًا (٦٢) عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول اللَّه ﷺ نحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ﴾ هذا إرشاد من اللَّه تعالى إلى هذا الدعاء، فالغفر إذا أطلق معناه: محوه الذنب، وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يسدده وووفقه في الأقوال والأفعال. آخر تفسير سورة المؤمنون * * *

стр. 4531

تفسير سورة النور وهي مدينة ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ يقول تعالى: هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ فيه تنبيه إلى [¬١] الاعتناء بها، ولا ينفي ما عداها ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قال مجاهد وقتادة: أي: بينا الحلال والحرام، والأمر والنهي والحدود. وقال البخاري: ومن قرأ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: فرضناها عليكم، وعلى من بعدكم، ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: مفسرات واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [] [¬٢] هذه الآية الكريمة فيها حكم الزانى في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرًا وهو الذي لم يتزوج، أو محصنًا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، فأمّا إذا كان بكرًا لم يتزوج، فإن حده [جلد مائة] [¬٣]، كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يغرب عامًا [عن بلده] [¬٤] عند جمهور العلماء، خلافا لأبي حنيفة ﵀؛ فإن عنده: أن التغريب إلى رأي الإِمام، أن شاء غرّب، وإن شاء لم يغرب. وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين (١) من رواية الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول اللَّه ﷺ فقال أحدهما: يا رسول اللَّه؛ أن ابني [] [¬٥] كان عسيفًا -يعني: أجيرًا- على هذا، فزنا بامرأته، فافتديت [] [¬٦] منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم؛ فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم؛ فقال

стр. 4532

رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". فغدا عليها فاعترفت فرجمها. وفي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرًا لم كزوج، فأما أن كان محصنًا [وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل] [¬١] فإنه يرجم. كما قال الإِمام مالك: حدثني محمد [¬٢] بن شهاب، عن [¬٣] عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود: أن ابن عباس أخبره: أن عمر ﵁.- قام: فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس؛ فإن اللَّه تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب اللَّه؛ فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها اللَّه، فالرجم في كتاب اللَّه حق على [] [¬٤] من زنى إذا أحصن من الرجال و [] [¬٥] النساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف. أخرجاه في الصحيحين (٢) من حديث مالك مطولًا. وهذه [¬٦] قطعة منه فيها مقصودنا ها هنا. وروى الإِمام أحمد (٣) عن هشيم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس، حدثني عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن ناسًا يقولون: ما بال الرجمُ وفي كتاب اللَّه [] [¬٧] الجلد، وقد رجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ولولا أن يقول [قائلون أو يتكلم متكلمون] [¬٨]: أن عمر زاد في كتاب اللَّه ما ليس منه [¬٩] لأثبتُّها كما نزلت [] [¬١٠].

стр. 4533

وأخرجه النسائي من حديث عبيد اللَّه بن عبد اللَّه [] [¬١]. وقد روى الإِمام [¬٢] أحمد (٤) أيضًا عن هشيم، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فذكر الرجم، فقال: [إنا لا نجد من الرجم بدًّا] [¬٣] لا تخد عن عنه، فإنه حد من حدود اللَّه تعالى، ألا وإن رسول اللَّه ﷺ قد رجم، ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: [زاد عمر] [¬٤] في كتاب اللَّه ما ليس فيه؛ لكتبت في ناحية في [¬٥] المصحف: وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان: أن رسول اللَّه صلن اللَّه عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده، ألا وإنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم وبالدجال وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا. وروى أحمد (٥) أيضًا عن يحيى القطان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم … " الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد، عن عمر، وقال: صحيح. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن عمر الفواري، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا ابن عون، عن محمد هو ابن سيرين قال: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان، وفينا زيد، فقال زيد: كنا نقرأ: (الشيخ [¬٦] والشيخة [إذا زنيا] [¬٧] فارجموهما ألبتة)، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب؛ فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ؛ قال: فذكر كذا وكذا، وذكر الرجم، فقال: يا رسول اللَّه، اكتبني آية الرجم، قال: "لا أستطيع الآن" هذا أو نحو ذلك.

стр. 4534

وقد رواه النسائي (٦) [عن] [¬١] محمد بن المثني، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن كثير بن الصلت، عن زيد بن ثابت به [¬٢]، وهذه طرق كلها متعددة متعاضدة [¬٣]، ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها، وبقي حكمها معمولًا به، [وللَّه الحمد] [¬٤]. وقد أمر رسول اللَّه ﷺ برجم هذه المرأة، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير، لما زنت مع الأجير، ورجم رسول اللَّه ﷺ ماعزًا والغامدية، وكل هؤلاء لم ينقل عن [¬٥] رسول اللَّه ﷺ أنه [¬٦] جلدهم قبل الرجم، وإنما وردت الأحاديث [الصحاح] [¬٧] المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم، وليس فيها ذكر الجلد، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏ وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية والرجم للسنة، كما رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما أتى بشراحة، وكانت قد زنت وهي محصنة، فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، ثم قال: جلدتها بكتاب اللَّه، ورجمتها بسنة رسول اللَّه ﷺ . وقد روى الإِمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن الأربعة من حديث قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد اللَّه الرقاشي عن عبادة بن الصامت (٧) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خذوا عني، خذوا غني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة [¬٨]، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".

стр. 4535

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم اللَّه، لا ترجموهما [وترثوا لهما] [¬١] في شرع اللَّه، وليس المنهى عنه الرأفة الطيعية [على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم] [¬٢] على ترك الحد، فإنه لا [¬٣] يجوز له ذلك. قال مجاهد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: إِقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان، فتقام ولا تعطل، وكذا رُوي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد جاء في الحديث: "تعافوا الحدود فيما بينكم، لما بلغني من حد فقد وجب" (٨) وفي الحديث الآخر: "لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا" (٩). وقيل المراد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح. قال عامر الشعبي: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: رحمة في شدة الضرب، وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح، وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه، والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم والجلد. يعني: في إقامة الحد وفي شدة الضرب. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا عمرو بن عبد اللَّه الأودي، حَدَّثَنَا وكيع، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد [¬٤] اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها. قال نافع: أراه قال: و [¬٥] ظهرها. قال: قلت: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: يا بني؛ ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن اللَّه لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ أي: فافعلوا ذلك، أقيموا [¬٦]

стр. 4536

الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحًا؛ ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في المسند (١٠) عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول اللَّه؛ إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها فقال: "ولك في ذلك أجر". وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا [¬١] بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما؛ فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة إذا كان الناس حضورًا. قال الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: علانية، ثم قال علي بن أبي طلحة [عن ابن عباس] [¬٢] ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: الرجل فما فوقه، و [¬٣] قال مجاهد: الطائفة: [رجل] [¬٤] إلى الألف، وكذا قال عكرمة، ولهذا قال الإمام أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد. وقال عطاء بن أبي رباح اثنان، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكذا قال سعيد بن جبير ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [قال: يعني الرجلين فصاعدًا، وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعدًا، وقال عبد الرزَّاق: حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾] [¬٥]، قال الطائفة أربعة نفر فصاعدًا؛ لأنه لا يكون شعهادة في الزنا دون [¬٦] أربعة شهداء فصاعدًا وبه قال الشافعي.

стр. 4537

وقال ربيعة: خمسة، وقال الحسن البصري: عشرة، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي: نفر من المسلمين؛ ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالًا. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، حَدَّثَنَا بقية قال: سمعت نصر بن علقمة [] [¬١] في قوله تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذلك ليُدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة. ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية [أو مشركة أي] [¬٢]: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ أي: عاص بزناه ﴿أو مشرك﴾ لا يعتقد تحريمه، قال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ قال: ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا. وقد رُوي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد؛ نحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ أي: تعاطيه، والتزويج بالبغايا أو تزويج العفائف [بالفجار من الرجال] [¬٣]. و [¬٤] قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بين جبير، عن ابن عباس ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ قال: حرم الله الزنا على المؤمنين. وقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدم في ذلك فقال: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ وقوله ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ الآية، ومن ها هنا ذهب الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف

стр. 4538

على المرأة البغي، ما دامت [¬١] كذلك حتى [¬٢] تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال الإِمام أحمد (١١): حَدَّثَنَا عارم، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان؛ قال: قال أبي: حَدَّثَنَا الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلًا من المسلمين [¬٣] استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن رسول الله ﷺ ، أو ذكر له أمرها قال: فقرأ عليه رسول الله ﷺ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال النسائي (١٢): أخبرنا عمرو بن علي [¬٤]، حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن يتزوجها فأنزل الله ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال [¬٥] الترمذي (١٣): حَدَّثَنَا عبد بن حميد، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلًا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه واعد [¬٦] رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت [¬٧] الحائط؛ فلما انتهت إليّ عرفتني [¬٨]؛ فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد؛ فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة. قال: فقلت [¬٩] يا عناق؛ حرم الله الزنا، فقالت [¬١٠]: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني

стр. 4539

ثمانية وسلكت [¬١] الخندمة [¬٢] فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت فيه فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسى، فأعماهم [¬٣] الله عني، قال: ثم رجعوا، ورجعت [¬٤] إلى صاحبي فحملته، وكان رجلا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإِذخر [¬٥]، ففككت عنه أكبله [¬٦]، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ ؛ فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقًا، أنكح عناقًا - مرتين - فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد عليّ شيئًا حتى نزلت ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [فقال رسول الله ﷺ : "يا مرثد! الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك] [¬٧] فلا تنكحها". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد [¬٨] رواه أبو دارد رالنسائي في كتاب النكاح من سننيهما (١٤) من حديث عبيد الله بن الأخنس به. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مسدد أبو الحسن، حَدَّثَنَا عبد الوارث، عن حبيب المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله". وهكذا أخرجه أبو داود (١٥) في سننه عن مسدد، وأبي معمر [] [¬٩]- عبد الله بن عمرو - كلاهما عن عبد الوارث به. وقال الإِمام أحمد (١٦): حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن

стр. 4540

عمر بن الخطاب، عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار -مولى ابن عمر- قال: أشهد لسمعت سالمًا يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث. وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى". ورواه النسائي (١٧) عن عمرو بن علي الفلاس، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري، عن عبد الله بن يسار به. وقال الإمام أحمد أيضًا (١٨): حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الوليد بن كثير، عن قطن بن وهب، عن عويمر بن الأجدع، عمن حدثه، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق [] [¬١]، والديوث الذي يقر في أهله الخبث". وقال أبو داود الطيالسي في مسنده (١٩): حدثني شعبة، حدثني رجل من آل سهل بن حنيف، عن محمد بن عمار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة ديوث" يستشهد به لما قبله من الأحاديث. وقال ابن ماجة (٢٠): حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا سلَّام بن سوار، حَدَّثَنَا كثير بن سليم، عن الضحاك بن مزاحم، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٢]: "من أراد أن يلقى الله طاهرًا مطهرًا فليتزوج الحرائر" في إسناده ضعف. قال [¬٣] الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتاب [¬٤] "الصحاح في اللغة": الديوث: القُنذُع وهو الذي لا غيرة له.

стр. 4541

فأما الحديث الذي رواه الإِمام أبو عبد الرحمن النسائي (٢١) في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير -وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس- عبد الكريم رفعه إلى [¬١] ابن عباس، وهارون لم يرفعه - قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال [¬٢]: إن عندي امرأة [] [¬٣] من أحب الناس إليّ وهي لا تمنع يد. لامس قال: "طلقها". قال: لا صبر لي عنها، قال: "استمتع بها". ثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون أثبت منه وقد أرسل الحديث وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. قلت: وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب، تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى، كما قال النسائي، لكن قد رواه النسائي (٢٢) في كتاب الطلاق عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسندًا، فذكره. [فهذا] [¬٤] بهذا الإِسناد رجاله [¬٥] على شرط مسلم؛ إلا أن النسائي بعد روايته له قال: "وهذا خطأ والصواب مرسل. ورواه غير النضر على الصواب". وقد رواه النسائي (٢٣) أيضًا وأبو داود عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فذكره. وهذا إِسناد [¬٦] جيد. وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له كما تقدم عن النسائي، ومنكر [¬٧] كما قال الإِمام [¬٨] أحمد: هو حديث منكر، وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع

стр. 4542

سائلًا، وحكاه النسائي في سننه عن بعضم فقال: وقيل: سخية تعطى، وردّ هذا بأنه لو كان المراد لقال [¬١]: لا تردّ يد ملتمس، وقيل: المراد إن سجيتها لا ترد يد لامس، [لا أن] [¬٢] المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة فإن رسول الله ﷺ لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها؛ فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثًا، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره [¬٣] رسول الله ﷺ بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها، لأن محبته لها محفقة ووقوع [¬٤] الفاحشة منها متوهم [¬٥]، فلا يصار إلى الضرر العاجل، لتوهم الآجل، والله أعلم. قالوا: فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، كما قال الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة [¬٦]-مولى ابن عباس ﵁ قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال [¬٧] له: إني كنت ألم بامرأة آتى منها ما حرم الله علي، فرزق الله من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية [] [¬٨]. فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها فما كان من إثم فعليَّ. وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة. قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال: كان يقال: نسختها التي بعدها ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ قال: كان يقال: الأيامي من المسلمين. و [¬٩] هكذا رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الناسخ والمنسوخ" له، عن سعيد بن المسيب (٢٤). ونص على ذلك أيضًا الإِمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀.

стр. 4543

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، وليس في هذا نزاع بين العلماء، فأما إن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله رُدَّ [¬١] عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فأوجب على القاذف إذا لم يقم بينة [¬٢] على صحة ما قاله [¬٣] ثلاثة أحكام: (أحدها) أن يجلد ثمانين جلدة، (الثاني) أنه تردّ شهادته دائمًا [¬٤]، (الثالث) أن يكون فاسقًا ليس بعدل، لا عند الله ولا عند الناس، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا [فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] [¬٥]﴾. واختلف [¬٦] العلماء في هذا الاستثناء، هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط؛ فترفع التوبةُ الفسقَ فقط، ويبقى مردود الشهادة دائمًا وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ وأما [¬٧] الجلد: فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصر، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين، وجماعة من السلف أيضًا، وقال الإِمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة ويبقى مردود الشهادة أبدًا، وممن ذهب إليه من السلف: القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل [شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه بأنه [¬٨] قد قال البهتان، فحينئذ تقبل] [¬٩] شهادته والله أعلم. ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

стр. 4544

(٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج، وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله وهو أن يحضرها إلى الإِمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، إنه لمن الصادقين، أي: فيما رماها به من الزنا ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي [¬١] وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها ويتوجه عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب [¬٢] إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ولهذا قال ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فخصها بالغضب [كما] أن الغالب أن الرجل لا يتجشم [¬٣] فضيحة أهله ورميها بالزنا، إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه. ثم ذكر تعالى [لطفه بخلقه ورأفته بهم وشرعه لهم] الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لحرجتم [¬٤] ولشق عليكم كثير من أموركم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [] [¬٥]: على عباده، وإن كان [] [¬٦] بعد الحلف والأيمان المغلظة ﴿حكيم﴾ فيما يشرعه، ويأمر به وفيما ينهى عنه، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها وفيمن نزلت فيه [¬٧] من الصحابة. قال الإِمام أحمد (٢٥): حَدَّثَنَا يزيد، أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ

стр. 4545

ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ قال سعد بن عبادة - وهو سيد الأنصار ﵁: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ " فقالوا: يا رسول الله! لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوّج امرأة قط [إلا بكرًا، وما طلق امرأة قط] [¬١] فاجترأ رجل منا أن يتزوّجها من شدّة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله؛ إني لأعلم أنها حق [¬٢]، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء فوالله [] [¬٣] لا آتي بهم حتى يقضي حاجته!! قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاءً، فوجد عند أهله رجلًا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندها رجلًا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتدّ عليه، واجتمعت [] [¬٤] الأنصار، وقالوا [¬٥]: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. وقال هلال: يا رسول الله؛ إني [¬٦] قد أرى ما اشتدّ عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق. فوالله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ [¬٧] أنزل الله على رسوله ﷺ الوحي، وكان إذا نزل [¬٨] عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد [¬٩] وجهه، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية، فسري عن رسول الله ﷺ فقال: "أبشر يا هلال، فقد [¬١٠] جعل الله لك فرجًا ومخرجًا" فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي فقال رسول الله ﷺ : "أرسلوا إليها" فأرسلوا إليها فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وذكرهما [¬١١] وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كذب. فقال رسول الله ﷺ : "لاعنوا بينهما" فقيل لهلال: اشهد،

стр. 4546

فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما [كان في] [¬١] الخامسة قيل له: يا هلال؛ اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل [للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة] [¬٢]: اتقى الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى [أن لا بيت لها عليه] [¬٣]، ولا قوت لها، من أجل أنهما يتفرقان [¬٤] من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: "إن جاءت به أصيهب [أريسح حمش] [¬٥] الساقين (*) فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو الذي رميت به". فجاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين فقال رسول الله ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن". قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر وكان يدعى لأمه ولا يدعي لأب. ورواه أبو داود (٢٦) عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرًا. ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، فمنها ما قال البخاري (٢٧): حدثني محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن هشام بن

стр. 4547

حسان، حدثني عكرمة، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ : "البينة أو حد في ظهرك" فقال: يا رسول اللَّه! إذا رأى أحدنا على [¬١] امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل [¬٢] النبي ﷺ يقول [¬٣]: "البينة وإلا حد في ظهرك" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن اللَّه ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ -فقرأ حتى بلغ- ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم، فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: "إن [¬٤] اللَّه يعلم [¬٥] أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " ثم قامت فشهدت، فلما كان عند [¬٦] الخامسة وقفوها وقالوا: [إنها موجبة] [¬٧]. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ : "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين، خدلَّج الساقين فهو لشريك بن سحماء" فجاءت به كذلك. فقال النبي ﷺ : "لولا [¬٨] ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن". انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الزيادي، حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حَدَّثَنَا صالح -وهو ابن عمر- حَدَّثَنَا عاصم -يعني ابن كليب- عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فلم نزل يردده حتى أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ قرأ حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما، فقال: "إن اللَّه تعالى قد أنزل فيكما" فدعا الرجل فقرأ عليه فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له: كل شيء أهون عليك من لعنة اللَّه، ثم أرسله، فقال: لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم [دعا بها] [¬٩] فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن [¬١٠] الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها فوعظها وقال: ويحك! كل شيء أهون من غضب اللَّه، ثم أرسلها فقالت: غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما واللَّه لأقضين بينكما قضاءً

стр. 4548

فصلًا". قال: فولدت فما رأيت مولودًا بالمدينة أكثر [¬١] غاشية (٥) منه، فقال: "إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا" فجاءت به يشبه الذي قُذفت به. وقال الإِمام أحمد (٢٨): حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سمعتَ سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟ -في إمارة ابن الزبير- فما دريت ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا [¬٢] أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال: سبحان اللَّه، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على [¬٣] مثل ذلك؟ فسكت فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك، أتاه فقال الذي سألتك عنه قد ابتليت به؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فبدأ بالرجل فوعظه، وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك، ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت المرأة [¬٤]: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب. قال: فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما. رواه النسائي (٢٩) في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به. وأخرجاه في الصحيحين (٣٠) من حديث سعيد بن جبير عن [ابن عباس]. وقال الإِمام أحمد (٣١): حَدَّثَنَا يحيى بن حماد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأعمش، عن

стр. 4549

إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا [فقتله] [¬١] قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟!. واللَّه لإِن أصبحت صالحًا [¬٢] لأسألن رسول اللَّه ﷺ . قال: فسأله، فقال: يا رسول اللَّه! إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا [فقتله] [¬٣] قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم احكم، قال: فأنزلت [¬٤] آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من [¬٥] ابتلي به. انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن سليمان بن مهران ابن الأعمش به. وقال الإِمام أحمد أيضًا (٣٢): حَدَّثَنَا أبو كامل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنَا ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال: جماء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال [¬٦]: سل رسول اللَّه ﷺ : أرأيت رجلًا وجد رجلًا مع امرأت، فقتله أيقتل به، أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول اللَّه ﷺ فعاب رسول اللَّه ﷺ المسائل، قال: فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت! إنك لم تأتني بخير، سألت رسول اللَّه ﷺ فعاب المسائل، فقال عويمر: واللَّه [¬٧] لآتين رسول اللَّه ﷺ فلأسألنه. فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيها. قال: فدعا بهما ولاعن [¬٨] بينهما. قال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول اللَّه لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ فصارت سنة المتلاعنين. وقال رسول اللَّه ﷺ "أبصروها؛ فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة [¬٩] فلا أراه إلا كاذبًا" فجاءت به على النعت المكروه. أخرجاه في الصحيحين (٣٣) وبقية الجماعة إلا الترمذي. من طرق عن الزهري به.

стр. 4550

[ورواه البخاري (٣٤) أيضًا من طرق عن الزهري به، فقال: حَدَّثَنَا سليمان بن داود أبو الربيع، حَدَّثَنَا فليح، عن الزهري، عن سهل بن سعد، أن رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه [أرأيت رجلًا رأى مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فأنزل اللَّه تعالى فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن، فقال له رسول اللَّه ﷺ "قد قضي فيك وفي امرأتك" قال: فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول اللَّه ﷺ ففارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين. وكانت حاملًا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها. ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض اللَّه لها] [¬١]. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٣٥): حَدَّثَنَا إسحاق بن الضيف، حَدَّثَنَا النضر بن شميل، حَدَّثَنَا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كنت فاعلا به؟ " قال: كنت واللَّه فاعلًا به شرًّا، قال: "فأنت يا عمر؟ " قال: كنت والله فاعلًا، كنت أقول: لعن اللَّه الأعجز فإنه [¬٢] خبيث. قال: فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا النضر بن شميل، عن يونس بن أبي إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع مرسلًا، فاللَّه أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى (٣٦): حَدَّثَنَا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حَدَّثَنَا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لأول لعان كان في الإسلام: أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعته [¬٣] إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك" فقال: يا رسول اللَّه؛ إن اللَّه يعلم إني لصادق ولينزلن اللَّه عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد. فأنزل اللَّه آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا

стр. 4551

أَنْفُسُهُمْ] [¬١]﴾ إلى آخر الآية، قال: فدعاه النبي ﷺ ؛ فقال: "اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا" فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له في الخامسة: "ولعنة اللَّه عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميها به من الزنا"، ففعل ثم دعاها [¬٢] رسول اللَّه ﷺ فقال: "قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا" فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: "وغضب اللَّه عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا" قال [¬٣]: فلما [كان في] [¬٤] الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما وقال: "انظروه، فإن جاءت به جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطًا [] [¬٥] قضئ (*) العينين فهو لهلال بن أمية" فجاءت به آدم [¬٦] جعدًا حمش [¬٧] الساقين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لولا ما نزل فيهما من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن". ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت، والفرية التي غار اللَّه لها ولنبيه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى براءتها صيانة لعرض رسول اللَّه ﷺ : فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم -يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة: عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلموا به وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبًا من شهر حتى نزل القرآن، وسياق [¬٨] ذلك في الأحاديث الصحيحة. وقال الإِمام أحمد (٣٧): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري قال: أخبرني سعيد

стр. 4552

ابن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد [¬١] وعيت عن كل [واحد منهم] [¬٢] الحديث الذي حدثني، [وبعض حديثهم] [¬٣] يصدق بعضا: ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه. قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول اللَّه ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من [غزوه] [¬٤]، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل [¬٥]، فلمست صدري، فإذا عقد [¬٦] من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فحملوا [¬٧] هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أنى فيه. قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن [¬٨] ولم يغشهن اللحم؛ إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة [¬٩] الهودج [حين رفعوه وحملوه] [¬١٠]، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها [¬١١] داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت [أن القوم سيفقدونني] [¬١٢]، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني [¬١٣] فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرَّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان قد رآني، قبل [أن يضرب عليَّ] [¬١٤] الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى [¬١٥] أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي

стр. 4553

الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا [¬١] شهرًا، والناس يفيضون في قول أهل الإِفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يرييني في وجعي أني لا أعرف [¬٢] من رسول اللَّه ﷺ [اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول اللَّه ﷺ ، [¬٣] فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذلك الذي [¬٤] يرييني، ولا أشعر بالشر حتى [¬٥] خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطع قبل المناصع -وهو متبرزنا- ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه [في البرية] [¬٦]، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد المطلب [بن عبد مناف] [¬٧]، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المضلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم [أم مسطح] [¬٨] قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها (**)، ففالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئسما قلت! تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت [¬٩]: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال: قلت: وماذا قال: قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل [¬١٠] على رسول اللَّه ﷺ فسلَّم [¬١١] ثم قال: "كيف تيكم؟ " [قلت] [¬١٢]: أتأذن بي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي [¬١٣] رسول اللَّه ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه؛ ما [¬١٤] يتحدث الناس [¬١٥]؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فواللَّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت [¬١٦]: سبحان اللَّه،

стр. 4554

أو قد تحدث الناس بها؟ فالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت [¬١]: فدعا رسول اللَّه ﷺ [علي بن أبي طالب] [¬٢]، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما [¬٣] ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول اللَّه ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال [¬٤]: يا رسول اللَّه؛ هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالب فقال: [] [¬٥]؛ لم يضيق اللَّه عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر، قالت: فدعا رسول اللَّه ﷺ بريرة فقال: " أي بريرة؛ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة" فقالت له [¬٦] بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه [¬٧] (*) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول اللَّه ﵌ [من يومه] [¬٨] فاستعذر من عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في [أهل بيتي] [¬٩]، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول اللَّه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من [¬١٠] الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك [¬١١]. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته [¬١٢] الحمية، فقال لسعد بن معاذ [¬١٣]! كذبت لعمر اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله [¬١٤]، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر اللَّه لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ [قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ ] [¬١٥] يخفضهم حتى سكتوا، وسكت رسول اللَّه ﷺ .

стр. 4555

قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. قالت [¬١]: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي [¬٢]، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، فسلم ثم [¬٣] جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول اللَّه ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد، يا عائشة؛ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللَّه، ثم [¬٤]، توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف [بذنب لم] [¬٥]، تاب، تاب اللَّه عليه" قالت: فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت [¬٦] لأبي: أجب عني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وصطم فقال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه ﷺ . فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ . قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ [¬٧] كثيرًا من القرآن-: والله لقد [عرفت أنكم قد] [¬٨] سمعتم بهذا الحديث [¬٩]، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم إني بريئة- لا تصدقوني، [ولئن اعترفت بأمر -واللَّه يعلم أني منه بريئة- تصدقوني، فوالله ما] [¬١٠] أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قالت: ثم تحولت، فاضطجعت [¬١١] على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن اللَّه تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللَّه فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن أن يرى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها. قالت: فواللَّه [¬١٢] ما رام رسول اللَّه ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللَّه تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق [في اليوم الشاتي] [¬١٣] من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول اللَّه ﷺ وهو يضحك فكان [¬١٤] أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا
следующие страницы →