أَنْفُسُهُمْ] [¬١]﴾ إلى آخر الآية، قال: فدعاه النبي ﷺ ؛ فقال: "اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا" فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له في الخامسة: "ولعنة اللَّه عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميها به من الزنا"، ففعل ثم دعاها [¬٢] رسول اللَّه ﷺ فقال: "قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا" فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: "وغضب اللَّه عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا" قال [¬٣]: فلما [كان في] [¬٤] الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما وقال: "انظروه، فإن جاءت به جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطًا [] [¬٥] قضئ (*) العينين فهو لهلال بن أمية" فجاءت به آدم [¬٦] جعدًا حمش [¬٧] الساقين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لولا ما نزل فيهما من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن".
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت، والفرية التي غار اللَّه لها ولنبيه ﷺ ، فأنزل اللَّه تعالى براءتها صيانة لعرض رسول اللَّه ﷺ : فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم -يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة: عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلموا به وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبًا من شهر حتى نزل القرآن، وسياق [¬٨] ذلك في الأحاديث الصحيحة.
وقال الإِمام أحمد (٣٧): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري قال: أخبرني سعيد
стр. 4552
ابن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد [¬١] وعيت عن كل [واحد منهم] [¬٢] الحديث الذي حدثني، [وبعض حديثهم] [¬٣] يصدق بعضا: ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه. قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول اللَّه ﷺ ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من [غزوه] [¬٤]، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل [¬٥]، فلمست صدري، فإذا عقد [¬٦] من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فحملوا [¬٧] هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أنى فيه. قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن [¬٨] ولم يغشهن اللحم؛ إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة [¬٩] الهودج [حين رفعوه وحملوه] [¬١٠]، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها [¬١١] داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت [أن القوم سيفقدونني] [¬١٢]، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني [¬١٣] فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرَّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان قد رآني، قبل [أن يضرب عليَّ] [¬١٤] الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى [¬١٥] أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي
стр. 4553
الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا [¬١] شهرًا، والناس يفيضون في قول أهل الإِفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يرييني في وجعي أني لا أعرف [¬٢] من رسول اللَّه ﷺ [اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول اللَّه ﷺ ، [¬٣] فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذلك الذي [¬٤] يرييني، ولا أشعر بالشر حتى [¬٥] خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطع قبل المناصع -وهو متبرزنا- ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه [في البرية] [¬٦]، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد المطلب [بن عبد مناف] [¬٧]، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المضلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم [أم مسطح] [¬٨] قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها (**)، ففالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئسما قلت! تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت [¬٩]: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال: قلت: وماذا قال: قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل [¬١٠] على رسول اللَّه ﷺ فسلَّم [¬١١] ثم قال: "كيف تيكم؟ " [قلت] [¬١٢]: أتأذن بي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي [¬١٣] رسول اللَّه ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه؛ ما [¬١٤] يتحدث الناس [¬١٥]؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فواللَّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت [¬١٦]: سبحان اللَّه،
стр. 4554
أو قد تحدث الناس بها؟ فالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت [¬١]: فدعا رسول اللَّه ﷺ [علي بن أبي طالب] [¬٢]، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما [¬٣] ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول اللَّه ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال [¬٤]: يا رسول اللَّه؛ هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالب فقال: [] [¬٥]؛ لم يضيق اللَّه عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر، قالت: فدعا رسول اللَّه ﷺ بريرة فقال: " أي بريرة؛ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة" فقالت له [¬٦] بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه [¬٧] (*) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول اللَّه ﵌ [من يومه] [¬٨] فاستعذر من عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في [أهل بيتي] [¬٩]، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول اللَّه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من [¬١٠] الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك [¬١١]. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته [¬١٢] الحمية، فقال لسعد بن معاذ [¬١٣]! كذبت لعمر اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله [¬١٤]، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر اللَّه لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ [قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ ] [¬١٥] يخفضهم حتى سكتوا، وسكت رسول اللَّه ﷺ .
стр. 4555
قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. قالت [¬١]: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي [¬٢]، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول اللَّه ﷺ ، فسلم ثم [¬٣] جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول اللَّه ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد، يا عائشة؛ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللَّه، ثم [¬٤]، توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف [بذنب لم] [¬٥]، تاب، تاب اللَّه عليه" قالت: فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت [¬٦] لأبي: أجب عني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وصطم فقال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه ﷺ . فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ . قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ [¬٧] كثيرًا من القرآن-: والله لقد [عرفت أنكم قد] [¬٨] سمعتم بهذا الحديث [¬٩]، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم إني بريئة- لا تصدقوني، [ولئن اعترفت بأمر -واللَّه يعلم أني منه بريئة- تصدقوني، فوالله ما] [¬١٠] أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قالت: ثم تحولت، فاضطجعت [¬١١] على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن اللَّه تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللَّه فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن أن يرى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها. قالت: فواللَّه [¬١٢] ما رام رسول اللَّه ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللَّه تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق [في اليوم الشاتي] [¬١٣] من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول اللَّه ﷺ وهو يضحك فكان [¬١٤] أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري يا
стр. 4556
عائشة، أما اللَّه فقد برأك" قالت [¬١]: فقالت لي أمي: ترمي إليه، فقلت: واللَّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللَّه هو الذي أنزل براءتي وأنزل اللَّه ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [العشر الآيات كلها، فلما أنزل اللَّه هذا في] [¬٢] براءتي، قالت: فقال [¬٣] أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح [بن أثاثة] [¬٤] لقرابته منه وفقره-: واللَّه لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة. فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ - إلى قوله [¬٥]- ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى [¬٦] واللَّه إني لأحب أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: واللَّه [¬٧] لا أنزعها منه أبدًا.
قالت عائشة: وكان رسول اللَّه ﷺ يسأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري [¬٨]، ما [¬٩] علمت أو ما [¬١٠] رأيت؟ " فقالت: يا رسول اللَّه؛ أحمي سمعي وبصري، واللَّه ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها اللَّه تعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.
أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (٣٨) من حديث الزهري.
وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂ وحدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن عمرة عن عائشة بنحو ما تقدم، واللَّه أعلم.
ثم قال البخاري (٣٩)، وقال أبو أسامة، عن هشام بن عروة قال [¬١١]: أخبرني أبي عن عائشة ﵂ قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به. قام رسول اللَّه
стр. 4557
ﷺ في خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: "أما بعد، أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، وايم الله، ما علمت على أهلي من سوء] [¬١] وأبنوهم بمن، والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل [¬٢] بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي" فقام سعد بن محاذ [¬٣] الأنصاري فقال [¬٤]: ائذن [لي يا رسول الله أن أضرب] [¬٥] أعناقهم، فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت [¬٦]! أما والله لو كانوا [¬٧] من الأوس، ما أحببت أن تضرب أعناقهم. حتى كان أن يكون بين الأوس والخزرح شر في المسجد وما علمت. فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت: تعس مسطح! فقلت [لها: أي أم؛ تسبين ابنك؟ فسكت] [¬٨] ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح! [فقلت لها: أي أم؟ تسبين ابنك؛ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح!] [¬٩]. فانتهرتها. فقالت: والله ما أسبه إلا فيك. فقلت: في أي شأني؟ قالت: فبقرت (*) لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله. فرجعت إلى بيتي، كأن الذي خرجت له لا أجد منه [¬١٠] قليلًا ولا كثيرًا، ووعكت، وقلت لرسول الله ﷺ : أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ. فقالت [أمي] [¬١١]: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها ما [¬١٢] بلغ مني، [فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه والله لقل ما كانت امرأة قط حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا حسدنها، وقيل فيها. فقلت] [¬١٣]: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، ورسول الله ﷺ ، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه ﵁ فقال [¬١٤]: أقسمت عليك أي [¬١٥] بنية إلا [ما] [¬١٦] رجعت
стр. 4558
إلى بيتك. فرجعت، ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي فسأل عني خادمي، فقالت: [يا رسول الله، لا] [¬١]، والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له. فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط. قالت عائشة ﵂ فقتل شهيدًا في سبيل الله.
قالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله ﷺ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، يا عائشة؛ إن كنت قارفت سوءًا أو [¬٢] ظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده" قالت: وقد [¬٣] جاءت امرأة من الأنصار فهي [¬٤] جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا فوعظ رسول الله ﷺ فالتفتّ إلى أبي فقلت له: "أجبه] [¬٥]. قال: فماذا أقول؟ فالتفتّ إلي أمي فقلت: [أجيبيه] [¬٦]. قالت: ماذا أقول؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فوالله إن قلت لكم: إني لم أفعل -والله يشهد إني لصادقة- ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم، وإن قلت لكم: إني قد فعلت -والله يعلم أني لم أفعل- لتقولن قد باءت [به] [¬٧] على نفسها، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا -والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه- إلا أبا يوسف حين قال ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ وأنزل الله على رسوله ﷺ من ساعته فسكتنا فرفع عنه، وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه، ويقول: "أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك" قالت: وكنت [¬٨] أشد ما كنت غضبًا، فقال لي أبواي: قومي إليه [¬٩]، فقلت: لا والله لا أقوم إليه [ولا أحمده] [¬١٠]، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فعصمها [¬١١] الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا، وأما أختها حمنة
стр. 4559
بنت جحش فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم فيه: مسطح وحسان بن ثابت، و [¬١] المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو [¬٢] الذي كان [¬٣] يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت: فحلف [¬٤] أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [¬٥]، يعني: أبا بكر ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يعني: مسطحًا، إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله يا ربنا، إنا لنحب [¬٦] أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع.
هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقًا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أسامة [أحد الأئمة الثقات. وقد رواه ابن جرير (٤٠) في تفسيره عن سفيان بن وكيع عن أبي أسامة] [¬٧] به مطولًا مثله أو نحوه.
ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة ببعضه.
وقال الإِمام أحمد (٤١): حَدَّثَنَا هشيم [] [¬٨] أخبرنا عمر [¬٩] بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري من السماء، جاءني النبي ﷺ فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله لا نحمدك.
وقال الإمام أحمد (٤٢): حدثني ابن أبي عدي، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر عن، عمرة عن عائشة قالت: لما نزل عذري، قام رسول الله ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم.
وأخرجه أهل السنن الأربعة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.
стр. 4560
فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها [¬١].
وقد روي من حديث أمها أم رومان ﵂ فقال الإمام أحمد (٤٣): حَدَّثَنَا علي بن عاصم، أخبرنا حصين، عن أبي وائل، عن مسروق، عن أم رومان؛ قالت: بينا أنا عند عائشة إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار؛ فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنّه كان فيمن حدث الحديث، قالت [عائشة] [¬٢] وأي حديث [¬٣]؟ قالت: كذا وكذا. قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قالت [¬٤]: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم. فخرت عائشة ﵂ مغشيًّا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض. قالت: فقمت فدثرتها. قالت: وجاء النبي ﷺ قال [¬٥]: "ما [¬٦] شأن هذه؟ " قلت: يا رسول الله؛ آخذتها حمى بنافض قال: "فلعله في حديث تحدث به" قالت: فاستوت له [¬٧] عائشة قاعدة فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه [¬٨] ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قالت: وخرج [¬٩] رسول الله ﷺ وأنزل [¬١٠] الله عذرها، فرجع رسول الله ﷺ معه أبو بكر [فدخل فقال: يا عائشة؛ "إن الله تعالى قد أنزل عذرك" فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو بكر، تقولين هذا لرسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، قالت: وكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر [¬١١] فحلف [أبو بكر] [¬١٢] أن لا يصله فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخر الآية قال [¬١٣] أبو بكر: بلى، فوصله.
стр. 4561
تفرّد به البخاري دون مسلم من طريق حصين، وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، وعن محمَّد بن سلام، عن محمَّد بن فضيل -كلاهما- عن حصين به (٤٤). وفي لفظ أبي عوانة: حدثتني أم رومان، وهذا صريح في سماع مسروق منها وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي، ولك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمان [¬١] النبي ﷺ .
قال الخطيب: وقد كان مسروق ورسله، فيقول: سئلت أم رومان، ويسوقه، فلعل بعضهم كتب: سئلت بألف. فاعتقد [¬٢] الراوي أنها سألت فظنه متصلًا، قال الخطيب: وقد رواه البخاري، كذلك ولم تظهر له علته. كذا قال والله أعلم. [ورواه بعضهم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود عن أم رومان فالله أعلم] [¬٣].
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ أي: بالكذب والبهت والافتراء ﴿عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة منكم ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ أي: يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين ﵂ حيث أنزل الله تعالى براءتها في القرآن العظيم ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ولهذا لما دخل عليها ابن عباس ﵁ وعنه [¬٤] وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري، فإنك زوجة رسول الله ﷺ وكان يحبك، ولم يتزوّج بكرًا غيرك، ونزلت [¬٥] براءتك من السماء (٤٥).
وقال ابن جرير في تفسيره (٤٦): حدثني محمَّد بن عثمان الواسطي، حَدَّثَنَا جعفر بن عون، عن المعلى بن عرفان، عن محمَّد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب ﵄ فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء قال وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في [كتاب الله] [¬٦]، حين حملني صفوان [¬٧] بن المعطل على
стр. 4562
الراحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة؛ ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت [¬١]: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت كلمة المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي: لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه.
﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قبحه الله ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير واحد.
وقيل: [بل] [¬٢] المراد به حسان بن ثابت. وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري بما قد يدل على إيراد [¬٣] ذلك، لما كان لإِيراده كبير فائدة، فإنه كان [¬٤] من الصحابة الذين كان لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره [¬٥]؛ أنه كان يذب عن رسول الله ﷺ بشعره [¬٦]، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ : "هاجهم وجبريل معك" (٤٧).
وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنت عند عائشة ﵂ فدخل حسان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج، قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني يدخل عليك، وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت [¬٧]: وأي عذاب أشد من العمى -وكان قد ذهب بصره- لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم. ثم قالت: إنّه كان ينافح عن رسول الله ﷺ ، وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا [¬٨] يمتدحها به فقال:
حصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
стр. 4563
فقالت: أما أنت فلست كذلك، وفي رواية: لكنك لست كذلك (٤٨).
وقال ابن جرير (٤٩): حَدَّثَنَا الحسن بن قزعة، حَدَّثَنَا سلمة بن علقمة، حَدَّثَنَا داود عن عامر، عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشعر [¬١] أحسن من شعر حسان، ولا [¬٢] تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان بن الحارث [¬٣] بن عبد المطلب:
هجوت [¬٤] محمدًا فأجيب [¬٥] عنه … وعند الله في ذاك الجزاء
فإنّ أبي ووالده وعرضي … لعرض محمَّد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفء؟ … فشرّكما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء
فقيل: يا أم المؤمنين؛ أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء. قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت؛ أليس قد أصابه عذاب [¬٦] عظيم، أليس [¬٧] قد ذهب بصره وكنع [¬٨] بالسيف؟ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي [¬٩] حين بلغه عنه [¬١٠] أنه يتكلم في ذالك فعلاه بالسيف، وكاد أن يقتله.
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾
هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة ﵂ حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السوء [¬١١] وما ذكر من شأن الإِفك، فقال تعالى: ﴿لَوْلَا﴾
стр. 4564
يعني [¬١]: هذا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: ذلك الكلام أي [¬٢] الذي رميت به أم المؤمنين ﵂ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا﴾ أي: قاسوا [¬٣] ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولين و [¬٤] الأحرى.
وقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ﵄ كما قال الإمام محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار: أن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري [¬٥] قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂ قال: نعم، و [¬٦] ذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا، والله ما كنت لأفعلَه. قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلما نزل القرآن ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ … ﴾ الآية أي: كما قال أبو أيوب وصاحبته (٥٠).
وقال محمَّد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي حبيب، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، ليذلك الكذب أفكنت -يا أم أيوب-[فاعلة ذلك] [¬٧]؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة والله خير منك. فلما نزل [¬٨] القرآن، وذكر أهل الإفك، قال الله : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ يعني: أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما [¬٩] قال:
ويقال: إنما قالها أبي بن كعب.
وقوله تعالى: ﴿[ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا] [¬١٠]﴾ أي: هلا ظنوا الخير، فإن أم المؤمنين أهله وأولى به، هذا ما يتعلق بالباطن، ﴿وَقَالُوا﴾ أي: بألسنتهم: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي: كذب ظاهر على أم المؤمنين ﵂ فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت
стр. 4565
الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولو [¬١] كان هذا الأمر فيه ريبةٌ لم يكن هكذا [¬٢] جهرة، ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رءوس الأشهاد،، بل كان [يكون هذا] [¬٣] لو قدر - خفية مستورًا، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة [¬٤]، والصفقة الخاسرة.
قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هذا ﴿جَاءُوا عَلَيهِ﴾ أي: على ما قالوه ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على [¬٥] صحة ما جاءوا به ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حكم الله كذبة [¬٦] فاجرون.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أيها الخائضون في شأن عائشة؛ بأن قَبِلَ توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من قضية الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه، كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين، كعبد الله بن أبي ابن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه، وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقًا مشروطا بعدم التوبة، أو ما يقابله [¬٧] من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي: يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا: سمعته من فلان وقال فلان: كذا، وذكر بعضهم كذا.
وقرأ آخرون: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ [¬٨] بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وفي صحيح البخاري (٥١) عن عائشة أنها كانت
стр. 4566
تقرؤها كذلك، وتقول: هو من وَلْقِ القول [¬١] يعني: الكذب الذي يستمر صاحبه فيه [¬٢]، تقول العرب: ولق فلان في السير إذا استمر فيه، والقراءة الأولين أشهر، وعليها الجمهور، ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة [عن عائشة أنها كانت تقرأ (إذ تَلِقْونه) وتقول: إنما هو ولق القول - والولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة] [¬٣]: هي أعلم به من غيرها.
وقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: تقولون ما لا تعلمون.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرًا سهلا، ولو لم تكن زوجة النبي ﷺ لما كان هينًا، فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة [نبيه و] [¬٤] رسوله ما قيل، [فإن الله ] [¬٥] يغار لهذا، وهو لا يقدّر على زوجة نبي من أنبيائه ذلك، حاشا وكلا، ولما [لم يكن ذلك] [¬٦] فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء، زوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟! ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
وفي الصحيحين (٥٢): " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد مما [¬٧] بين السماء والأرض". وفي رواية "لا يلقي لها بالا".
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾
стр. 4567
هذا تأديب آخر بعد الأول: الأمر بالظن خيرًا أي: إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة، فأولى ينبغي الظن بهم خيرًا، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك -وسوسة أو خبالًا- فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن [¬١] رسول اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل". أخرجاه في الصحيحين (٥٣).
وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي ما ينبغي لنا أن نتفوّه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي: سبحان اللَّه أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله!
ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي: ينهاكم اللَّه متوعدًا أن يقع منكم ما يشبه هذا ﴿أَبَدًا﴾، أي: فيما يستقبل، ولهذا [¬٢] قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم تؤمنون باللَّه وشرعه، وتعظمون رسوله ﷺ ، فأما من كان متصفًا بالكفر [فذاك له] [¬٣] حكم آخر.
ثم قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يوضح لكم الحكم [¬٤] الشرعية، والأحكام القدرية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾
وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئًا من الكلام السيئ فقام بذهنه [منه شيء وتكلم به] [¬٥] فلا يكثر منه، ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالحد. وفي الآخرة بالعذاب ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فردوا الأمور إليه ترشدوا.
стр. 4568
وقال الإمام أحمد (٥٤): حَدَّثَنَا محمد بن بكر، حَدَّثَنَا ميمون بن أبي محمد المرئي [¬١]، حَدَّثَنَا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "لا تؤذوا عباد اللَّه، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب [¬٢] عورة أخيه السلم طلب اللَّه عورتَه حتى يفضحَه في بيتِه".
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾
يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لولا هذا، لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رءوف بعباده، رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية [¬٣]، وطهر من طهر منهم، بالحد الذي أقيم عليهم [¬٤].
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ يعني: طرائقه ومسالكه وما يأمر به ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح [عبارة وأبلغها وأوجزها] [¬٥] وأحسنها.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾: عمله، وقال عكرمة: نزغاته. وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان. وقال أبو مجلز: النذور في المعاصي من خطوات الشيطان.
وقال [¬٦] مسروق: سأل رجل ابن مسعود؛ فقال: إني حرمت أن آكل طعامًا فقال: هذا من نزغات الشيطان: كَفِّرْ عن يمينِك وكُلْ.
стр. 4569
وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: وهذا من نزغات الشيطان، وأفتاه أن يذبح كبشًا.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا حسان بن عبد اللَّه المصري، حَدَّثَنَا السري بن يحيى، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع؛ قال: غضبت على امرأتي فقالت [¬١]: هي يوم يهودية، ويوم نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد اللَّه بن عمر؛ فقال: إنما هذه من نزغات الشيطان. وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يؤمئذ أفقه امرأة بالمدينة، وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي: لولا هو يرزق لمن [¬٢] يشاء التوبة [] [¬٣] والرجوع إليه، ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها وما فيها من أخلاق رديئة، كل بحسبه - لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرًا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه، ويضل من يشاء، وبرديه في مهالك الضلال والغي.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده، عليم بهم، من يستحق منهم الهدى والضلال.
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ من الألية [وهي الحلف] [¬٤]، أي: لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي: الطول والصدقة والإحسان ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: الجدة ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين، وهذا [¬٥] في غاية الترفق [¬٦] والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ أي: عما تقدم منهم من الأساءة والأذى، وهذا [¬٧] من حلمه تعالى وكرمه، ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم.
стр. 4570
وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة، بعد ما قال في عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث، فلما أنزل اللَّه براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب اللَّه على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه -شرع ﵎ وله الفضل والمنة- يعطف الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له؛ إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁ وكان من المهاجرين في سبيل اللَّه، وقد ولق ولقة تاب اللَّه عليه منها، وضرب الحد عليها. وكان الصديق ﵁ معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: كان [¬١] الجزاء ممن جنس العمل، فكما تغفر [ذنب من أذنب] [¬٢] إليك [يغفر اللَّه] [¬٣] لك، وكما تصفح يصفح [¬٤] عنك، فعند ذلك قال الصديق: بلى، والله أنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: واللَّه لا أنزعها منه أبدًا. في مقابلة ما كان قال: واللَّه لا أنفعه بنافعة أبدًا؛ فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁[وعن بنته] [¬٥].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾
هذا وعيد من اللَّه تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات [¬٦]، خرج مخرج الغالب [] [¬٧]، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵄.
وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به [الذين ذكروا] [¬٨] في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، واللَّه أعلم.
стр. 4571
وقوله [¬١]: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة ﵂ فقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن خراش، عن العوام، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ نزلت في عائشة خاصة.
و [¬٢] كذا قال مقاتل بن حيان، وقد ذكره ابن جرير عن عائشة فقال (٥٥): حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة الضبي، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: رميت بما رميت به وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينا رسول اللَّه ﷺ جالس عندي؛ إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استبرى جالسًا يمسح على وجهه، وقال: "يا عائشة؛ أبشري! " قالت: فقلت [¬٣]: بحمد اللَّه لا بحمدك، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ - حتى قرأ [¬٤]- ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
هكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها، وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها كغيرها، ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله، واللَّه أعلم.
وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط: المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ … ﴾ الآية يعني: أزواج النبي ﷺ ، رماهن أهل النفاق فأوجب اللَّه لهم اللعنة والغضب، وباءوا بسخط من اللَّه، فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ، ثم نزل بعد ذلك ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله [¬٥] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأنزل اللَّه الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل، والشهادة ترد.
وقال ابن جرير: (٥٦) حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه
стр. 4572
الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا … ﴾ الآية. قال: في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ ، وهي مبهمة وليست لهم توبة، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا … ﴾ الآية. قال: فجعل لهؤلاء توبة و [¬١] لم يجعل لمن قذف أولئك توبة. قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر به [¬٢] سورة النور.
فقوله: وهي مبهمة؛ أي: عامة في تحريم قذف كل محصنة، ولعنته في الدنيا والآخرة.
وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة، ومن صنع مثل هذا أيضًا اليوم في المسلمات فله ما قال اللَّه تعالى، و [¬٣] لكن عائشة كانت [إمامًا في] [¬٤] ذلك.
وقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثني عمي، حَدَّثَنَا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول اللَّه وما هن؟ قال: "الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
أخرجاه في الصحيحين (٥٧) من حديث سليمان بن بلال به.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥٨): حَدَّثَنَا محمد بن عمرو بن خالد الحذاء الحراني، حدثني أبي ح [¬٥]. وحَاثَنَا أبو شعيب الحراني، حَدَّثَنَا جدي أحمد بن أبي شعيب، حَدَّثَنَا موسى بن أعين [¬٦]، عن ليث، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: "قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة".
و [¬٧] قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن
стр. 4573
أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنهم -يعني المشركين- إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد فيجحدون، فيختم على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون اللَّه حديثًا.
وقال ابن جرير (٥٩) وابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد- عن رسول ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال له [¬١]: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا. فيقال: احلفوا فيحلفون ثم [يصمهم اللَّه، فتشهد] [¬٢] عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار".
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا أبو شيبة إبراهيم بن [¬٣] عبد اللَّه بن أبي شيبة الكوفي، حَدَّثَنَا منجاب بن الحارث التميمي [¬٤]، حَدَّثَنَا أبو عامر الأسدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن [] [¬٥] عبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو الفقيمي، عن الشعبي، عن أنس بن مالك، قال: كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: "تدرون [¬٦] مم أضحك؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "من مجادلة العبد لربه [يوم القيامة] [¬٧]، يقول: يارب، ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى؛ فيقول: لا أجيز علي [إلا شاهدًا من نفسي] [¬٨]. فيقول: كفى بنفسك اليوم [عليك شهيدًا] [¬٩]، وبالكرام عليك شهودًا [¬١٠]، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي! فتنطق بعمله، ثم يخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا! فعنكنَّ كنت أناضل".
وقد رواه مسلم (٦٠) والنسائي جميعًا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبيه، عن عبد اللَّه
стр. 4574
الأشجعي، عن سفيان الثوري به، ثم قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي، وهو حديث غريب، واللَّه أعلم، هكذا قال:
وقال قتادة: ابن آدم، واللَّه إن عليك لشهودًا، غير [متهمة من] [¬١] بدنك، فراقبهم واتق اللَّه في سرك [¬٢] وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، والظُلْمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو باللَّه حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: ﴿دِينَهُمُ﴾؛ أي: حسابهم، وكل ما في القرآن دينهم أي: حسابهم، وكذا قال غير واحد.
ثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة، وقرأ ما بعض السلف في مصحف أبيّ بن كعب: (يومئذ يوفيهم اللَّه الحق دينهم).
وقوله ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي: وعده ووعيده، وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾
قال ابن عباس: الخبيثات [¬٣] من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطبون من الرجال للطيبات من القول. قال: ونزلت في عائشة وأهل الإِفك.
وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن بن أبي الحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك واختاره ابن جرير، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما [¬٤] نسبه أهل النفاق إلى عائشة [من كلام] [¬٥] هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات [¬٦] من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.
стр. 4575
وهذا أيضًا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان اللَّه [¬١] ليجعل عائشة زوجة لرسول اللَّه ﷺ إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له [¬٢]، لا شرعًا ولا قدرًا؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هم بُعداء عما يقوله أهل الإِفك والعدوان ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: عند اللَّه في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول اللَّه ﷺ في الجنة.
و [¬٣] قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن مسلم، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا عبد السلام بن حرب. عن يزيد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار؛ قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد اللَّه فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة [¬٤] اليوم تكلم [¬٥] اليوم بكلامٍ أعجبني، فقال عبد اللَّه: أن الرجل المؤمن يكون في قلبه [الكلمة غير الطيبة] [¬٦] تتجلجل في صدره [ما تستقر حتى يلفظها] [¬٧]، فيسمعها الرجل عنده يتلها فيضمها إليه، وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه، ثم قرأ عبد اللَّه ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.
ويشبه هذا ما رواه الإِمام أحمد (٦١) في المسند مرفوعًا: "مثل الذي يسمع الحكمة [¬٨] ثم لا يحدث إلا بشرّ ما سمع، كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم، فقال: [اجْزِرْني] [¬٩] شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم".
وفي الحديث الآخر: "الحكمة ضالة المؤمن من [¬١٠] حيث وجدها أخذها" (٦٢).
стр. 4576
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾
هذه آداب شرعية أدب اللَّه بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، [أمر اللَّه المؤمنين] [¬١] أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا [أي: يستأذنوا] [¬٢] قبل الدخول ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن [ثلاثًا] [¬٣]، فإن أذن له وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح (٦٣) أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد اللَّه بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له. فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك؛ قال: ما رجعك [¬٤]؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا [¬٥] استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف". فقال عمر [¬٦]: لتأتين [¬٧] على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا. فذهب إلى ملإ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر؛ فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك؛ فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
وقال الإمام أحمد (٦٤): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس أو غيره: أن رسول اللَّه ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: "السلام عليك ورحمة اللَّه". فقال سعد: وعليك السلام ورحمة اللَّه. ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا ورد عليه سعد ثلاثًا، ولم يسمعه؛ فرجع النبي ﷺ فاتبعه
стр. 4577
سعد فقال: يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي! ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك؛ وأردت أن أستكثر من [سلامك ومن] [¬١] البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيبًا، فأكل نبي الله، فلما فرغ قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون! ".
وقد روى أبو داود (٦٥) والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن قيس بن سعد -هو ابن عبادة- قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: "السلام عليكم ورحمة الله". فرد سعد ردًّا خفيًّا. قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ؟ فقال: دعه [¬٢] يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله ﷺ : "السلام عليكم ورحمة الله". فرد سعد ردًّا خفيًّا. ثم قال رسول الله ﷺ : "السلام عليكم ورحمة الله". ثم رجع رسول الله ﷺ واتبعه سعد. فقال: يا رسول الله، إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردًّا خفيًّا لتكثر علينا من السلام. قال [¬٣]: فانصرف معه [رسول الله ﷺ وأمر له سعد بغسل، فاغتسل، ثم ناوله بملحفة مصبوغة] [¬٤] بزعفران أو ورس فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: "اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". قال: ثم أصاب رسول الله ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه [¬٥] سعد حمارًا قد وطيء عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ ، فقال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ ، قال قيس: فقال رسول الله ﷺ : "اركب" فأبيت فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف" قال: فانصرفت.
وقد رُوي هذا من وجه آخر، فهو حديث جيد قوي، والله أعلم.
ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن
стр. 4578
الباب عن يمينه أو يساره؛ لما رواه أبو داود (٦٦): حَدَّثَنَا مؤمّل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حَدَّثَنَا بقية، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بسر [¬١] قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول [¬٢]: "السلام عليكم السلام عليكم". وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. تفرد [¬٣] به أبو داود.
وقال أبو داود (٦٧) أيضًا: حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير ح. قال أبو داود: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل - قال عثمان: سعد - فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب - قال عثمان: مستقبل الباب - فقال له النبي ﷺ : "هكذا عنك -أو هكذا؛ فإنما الاستئذان من النظر".
وقد رواه أبو داود الطالسي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ رواه أبو داود (٦٨) من حديثه.
وفي الصحيحين (٦٩) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن امرءًا اطلع عليك بغير إذن، فحذفته [¬٤] بحصاة؛ ففقأت عينه ما كان عليك من جناح".
وأخرج الجماعة (٧٠) من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب فقال: "من ذا؟ ". قلت [¬٥]: أنا. قال: "أنا أنا؟ ". كأنه كرهه. وإنما كره ذلك؛ لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بـ"أنا" فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.
стр. 4579
وقال العوفي عن ابن عباس: الاستئناس: الاستئذان. وكذا قال غير واحد. وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ قال: إنما هي خطأ من الكاتب ﴿حَتَّى تَسْتَأْذِنوا [¬١] وَتُسَلِّمُوا﴾.
وهكذا رواه [¬٢] هشيم عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، [به. وروى معاذ [¬٣] بن سليمان، عن جعفر بن إياس] [¬٤] عن سعيد، عن ابن عباس بمثله، وزاد: وكان ابن عباس يقرأ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْذِنوا وَتُسَلِّمُوا﴾ وكان يقرأ على قراءة أبيّ بن كعب ﵁ وهذا غريب جدا عن ابن عباس.
وقال هشيم: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود: ﴿حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنوا﴾ وهذا أيضًا رواية عن ابن عباس وهو اختيار ابن جرير.
وقد قال الإِمام أحمد (٧١): حَدْثَنَا روح، حَدَّثَنَا ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان: أن عمرو بن أبي صفوان أخبره: أن كلدة بن الحنبل أخبره: أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ وجداية وضغابيس [¬٥] والنبي ﷺ بأعلى الوادي قال: فدخلت [عليه] ولم أسلم ولم أستأذن. فقال النبي ﷺ "ارجع فقل: السلام! عليكم أأدخل؟ ". وذلك بعد ما أسلم صفوان [¬٦]، ورواه أبو داود والترمذي، والنسائي من حديث ابن جريج به (٧٢)، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه.
стр. 4580
وقال أبو داود (٧٣): حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن منصور، عن ربعي. قال: حَدَّثَنَا [¬١] رجل من بني عامر استأذن علي النبي ﷺ وهو في بيته فقال: أألج؟ [¬٢] فقال النبي ﷺ لخادمه: "اخرج إلى هذا، فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ ". فسمعه الرجل. فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل.
وقال هشيم: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو [¬٣] بن سعيد الثقفي: أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج؟ أو أنلج؟ فقال النبي ﷺ لأمة له -يقال لها: روضة-: "قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له: يقول: السلام عليكم أأدخل؟ " فسمعها [¬٤] الرجل فقالها؛ فقال: "ادخل".
وقال الترمذي (٧٤): حَدَّثَنَا الفضل بن الصباح، حَدَّثَنَا سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "السلام قبل الكلام".
ثم قال الترمذي (٤): عنبسة ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث.
وقال هشيم (٧٥): قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد أذاه الرمضاء؛ فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت وهو يراوح [¬٥] بين قدميه قال: قوله: ادخل. قالت: ادخل. فدخل.
[وقال ابن] [¬٦] أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو نعيم الأحول، حدثني خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة يستأذنَّ [¬٧] [على
стр. 4581
عائشة] [¬١]، فقلت [¬٢]: ندخل؟ قالت [¬٣]: لا، قلن [¬٤] لصاحبتكن: تستأذن [¬٥]. فقالت: السلام عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
وقال هشيم (٧٦): أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. وقال [¬٦] أشعث عن عدي بن ثابت: أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها ولا [¬٧] والد، ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال. قال: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا [غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا]﴾ [¬٨].
وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵁ قال: ثلاث آيات جحدها الناس؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قال ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا. قال: والإذن [¬٩] كله قد [¬١٠] جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم. فرددت عليه [¬١١] ليرخص لي فأبى، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن. قال: فراجعته أيضًا فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال [¬١٢]: قلت: نعم. [] [¬١٣] قال: فاستأذن.
قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عورتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك.
وقال ابن جريج عن الزهري: سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإِذن [¬١٤] على أمهاتكم.
стр. 4582
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا. وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها [¬١] به [¬٢] لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.
وقال أبو جعفر بن جرير (٧٧): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن زينب ﵂ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة [¬٣] أن يهجم منا على أمر يكرهه: إسناده صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان الواسطي، حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي هبيرة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس تكلم ورفع صوته.
وقال مجاهد: حتى تستأنسوا قال: تنحنحوا أو تنخموا.
وعن الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه. ولهذا جاء في الصحيح (٧٨) عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقًا. وفي رواية: "ليلًا يتخونهم".
وفي الحديث الآخر (٧٩): أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارًا فأناخ بظاهرها وقال "انتظروا حتى ندخل عشاء -يعني آخر النهار- حتى تتمشط الشعثة وتستحد المغيبة".
وقال ابن أبي حاتم (٨٠): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد الرحمن
стр. 4583
ابن سليمان، عن واصل بن السائب، حدثني أبو سورة [¬١] ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله؛ هذا السلام فما الاستئناس؟ قال "يتكلم الرجل [¬٢] بتسبيحة أو [¬٣] تكبيرة أو [¬٤] تحميدة ويتنحنح، فيؤذن أهل البيت". هذا حديث غريب.
وقال قتادة في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [قال] [¬٥] هو [¬٦] الاستئذان [ثلاثًا] [¬٧]. [قال: وكان يقال] [¬٨]: الاستئذان ثلاثا. فمن لم يؤذن له فيهنَّ [¬٩] فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.
وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول: حييت صباحًا! وحييت مساء! وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت [ونحو ذلك] [¬١٠]؛ فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في ستر [¬١١] وعفة وجعله [نقيًّا نزيهًا] [¬١٢] من الدنس والقذر والدرن، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
وهذا الذي قاله مقاتل حسن؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ﴾ يعني الاستئذان، خير لكم، بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [أي: إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ﴿فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾] [¬١٣] أي: رجوعكم أزكى وأطهر لكم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
стр. 4584
وقال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن استأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
وقال سعيد بن جبير [﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ أي] [¬١]: لا تقفوا على أبواب الناس.
وقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ثم نسخ واستثنى فقال: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري. وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك. واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾
هذا أمر من الله تعالى لعباده [¬٢] المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا [إلى] [¬٣] ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضُّوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه (٨١) من حديث يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جده [] [¬٤] جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري.
وكذا رواه الإِمام أحمد، عن هشيم، عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي
стр. 4585
والنسائي من حديثه أيضًا، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم فقال: "أطرق بصرك". يعني انظر إلى الأرض، والصرف أعم؛ فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم.
وقال أبو داود (٨٢): حَدَّثَنَا إسماعيل بن موسى الفزاري، حَدَّثَنَا شريك، عن أبي ربيعة الأيادي عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعليّ: "يا عليّ، لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة".
ورواه الترمذي من حديث شريك، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه.
وفي الصحيح (٨٣) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا يا رسول الله؛ لا [¬١] بد لنا من مجالسنا نتحدث [¬٢] فيها، فقال رسول الله ﷺ : "إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه". قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غض البصر وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".
وقال أبو القاسم البغوي: حَدَّثَنَا طالوت بن عباد، حَدَّثَنَا فضيل [¬٣] بن جبير، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٤]: "اكفلوا لي بستٍّ [¬٥] أكفل لكم بالجنة، إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتُمِنَ فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، وغضوا [¬٦] أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم" (٨٤).
وفي صحيح البخاري (٨٥): " من يكفل لي ما بين لحييه و [ما بين] [¬٧] رجليه أكفل له الجنة".
стр. 4586
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وقد ذكر الطرفين فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.
ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: النظر سهام سمّ [¬١] إلى القلب. ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾. وتارة يكون بحفظه من النظر إليه؛ كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن (٨٦) " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك". ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأتقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نورًا في بصيرته، ويروى: في قلبه.
وقد [¬٢] قال الإِمام أحمد (٨٧): حَدَّثَنَا عتاب، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة [أول مرة] [¬٣] ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها".
وروي هذا مرفوعًا عن ابن عمر وحذيفة (٨٨) وعائشة ﵃ ولكن في إسنادها ضعف؛ إلا أنها في الترغيب ومثله يتسامح فيه.
стр. 4587
وفي الطبراني (٨٩) من طريق عبيد الله بن زحر [¬١] عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا: "لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم".
وقال الطبراني (٩٠): حَدَّثَنَا أحمد بن زهير التستري، قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكير، حَدَّثَنَا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [¬٢] كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
وفي الصحيح (٩١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه". و [¬٣] رواه البخاري تعليقًا ومسلم مسندًا من وجه آخر بنحو ما تقدم [¬٤].
وقد قال كثير من السلف: أنهم كانوا ينهون أن يُحِدَّ الرجل نظره [¬٥] إلى الأمرد، وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم؛ لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرًا جدًّا.
وقال ابن أبي الدنيا (٩٢): حَدَّثَنَا أَبو سعيد المدني، حَدَّثَنَا عمرو [¬٦] بن سهل المازني،
стр. 4588
حدثني عمر بن محمد بي صهبان [¬١]، عن صفوان بن سليم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل عين باكية [¬٢] يوم القيامة إلَّا عينًا غضت عن محارم الله، وعينًا سهرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ".
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾
هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة [¬٣] ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة، كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخيل [¬٤]، وتبدو صدررهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا! فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية.
فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أي: عما [¬٥] حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن؛ ولهذا ذهب [كثير من العلماء إلى] [¬٦] أنَّه لا يجوز للمرأة أن
стр. 4589
تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا. واحتج كثير منهم بما رواه أَبو داود والتِّرمِذي (٩٣) من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدثه أن أم سلمة حدثته أنَّها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه - وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب - فقال رسول الله ﷺ : "احتجبا منه". فقلت: يا رسول الله؛ أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو عمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ". ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث حسن صحيح.
وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح (٩٤) أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتَّى ملت ورجعت.
وقوله [¬١]: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قال [¬٢] سعيد بن جبير: عن الفواحش. وقال قَتَادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا. وقال أَبو العالية: كل آية أنزلت [¬٣] في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الآية ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أن لا يراها أحد. قال: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: و [¬٤] لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلَّا ما لا يمكن إخفاؤه. قال [¬٥] ابن مسعود: كالرداء والثياب. يعني على ما كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. [ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال] [¬٦] بقول [¬٧] ابن مسعود الحسن من ابن سيرين وأَبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، وأبي [¬٨] الشعثاء والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أَبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص
стр. 4590
عن عبد الله قال [¬١] في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة القرط والدملوج والخلخال [¬٢] والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان؛ فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، [وزينة يراها الأجانب] [¬٣] وهي الظاهر من الثياب.
وقال الزهري: [لا يبدين] [¬٤] لهؤلاء الذي سمى الله ممن لا تحل [¬٥] له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم.
وقال مالك عن الزُّهْريّ: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال.
ويحتمل أن ابن عبَّاس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أَبو داود في سننه (٩٥):
حَدَّثَنَا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني [¬٦] قالا: حَدَّثَنَا الوليد عن سعيد بن بشير عن قَتَادة عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا". وأشار إلى وجهه وكفيه، لكن قال أَبو داود وأَبو حاتم الرازي: هذا [¬٧] مرسل. خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني المقانع يعمل لها ضيقات ضاربات على [صدور النساء] [¬٨] لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾ وقال في هذه الآية الكريمة ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمر جمع خمار، وهو ما يخمر [¬٩]، أي: يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع.