الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح (٢٠): " إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل".
قال أبو داود الطيالسي (٢١): حدثنا أبو حُرَّة [¬١]، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي عليَّ من ورْدي شيء، فأحببت أن أتمه -أو قال: أقضيه- وتلا هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾.
[وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾] [¬٢] يقول: من فاته شيء من الليل [أن يعمله] [¬٣]، أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل. وكذا قال عكرمه وسعيد بن جبير والحسن
وقال مجاهد وقتادة: ﴿خِلْفَةً﴾، أي: مختلفين، هذا بسواده، وهذا بضيائه.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾
هذه صفات عباد الله المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي بسكينة ووقار من غير جبرية (*) ولا استكبار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ [¬٤] تَبْلُغَ الْجِبَال طُولً﴾ فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح ولا أشر ولا بطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من البضائع (**) وتصنعًا [¬٥] ورياءً، فقد كان سيد ولد
стр. 4692
آدم، ﷺ ، إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابًّا يمشي رُوَيدًا، فقال: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدّرة، وأمره أن يمشي بقوة. وإنما المراد بالهَوْن هاهنا: السكينة والوقار، كما قال رسول الله ﷺ (٢٢): " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وَأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". وقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن يحيى [¬١] بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: إن المؤمنين قوم ذُلُل [¬٢]، ذلت منهم -والله- الأسماعُ والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء [¬٣]، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله، ما أحزنهم حزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، إنه [¬٤] من لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعْ نفسهُ على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب، فقد قل علمه وحَضَر عذابهُ.
وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، أي: إذا سَفه عليهم الجهال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله، ﷺ ، لا تزيده [¬٥] شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
وقال الإمام أحمد (٢٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مُقَرّن المُزَني قال: قال رسول الله، ﷺ [وسبّ رجلٌ رجلًا عنده - قال: فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام، قال: فقال رسول الله ﷺ ، [¬٦]: "أما إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل [¬٧] أنت، وأنت أحق به. وإذا قال له عليك السلام، قال: لا، بل عليك وأنت
стр. 4693
أحق به". إسناد [¬١] حسن ولم يخرجوه.
وقال مجاهد: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، يعني قالوا: سدادًا.
وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفًا من القول.
وقال الحسن البصري: [﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، قال: حلماء لا يجهلون] [¬٢]، وإن جُهِلَ عليهم حلموا، يصاحبون [¬٣] عباد الله نهارهم [بما تسمعون] [¬٤]. ثم [ذكر أن ليلهم] [¬٥] خير ليل.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، أي: في عبادته وطاعته، كما قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، أي: ملازمًا دائمًا، كما قال الشاعر:
إن يعذب يكن غرامًا وإن يعـ … ـط جزيلًا فإنه لا يبالي
ولهذا قال الحسن في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: كل شيء يصيب ابن آدم و [¬٦] يزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات والأرض. كذا قال سليمان التيمي.
وقال محمد بن كعب: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، يعني: ما نعموا في الدنيا؛ إن سأل الله الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، أي: بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيل مقامًا.
قال ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال: إذا طُرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له [¬٧]: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسًا من سُمّ الأساود (*) والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة،
стр. 4694
[والعصب على حدة] [¬١] والعروق على حدة.
وقال أيضًا [¬٢]: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عُبيد بن عمير؛ قال: إن في النار لجبابًا (*) فيها حيات أمثال البخت (**)، وعقارب أمثال البغال الدُّلم (* * *)، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت شفاههم [¬٣] وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت. وقال الإمام أحمد (٢٤): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام -يعني ابن مسكين [¬٤]- عن أبي ظلَال، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي، ﷺ ، قال: "إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان! يا منان! فيقول الله لجبريل: اذهب فأتني [¬٥] بعبدي هذا. فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى ربه، ، فيخبره، فيقول الله : ائتني به فإنه في مكان كذا وكذا. فيجيء به فيوقفه على ربه ، فيقول له [¬٦]: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب، شر مكان وشر مقيل، فيقول: ردوا عبدي. فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ [¬٧] أخرجتني منها أن تردني فيها! فيقول: دعوا عبدي".
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، ﴿وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، كما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.
стр. 4695
[وقال] [¬١] الإمام أحمد (٢٥): حدثنا عصام بن خالد، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن ضمرة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "من فقه الرجل رفقه في معيشته". [لم] [¬٢] يخرجوه.
وقال أحمد أيضًا (٢٦): حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين [¬٣] بن عبد العزيز العَبدي، حدثنا إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما عال من اقتصد". [لم] [¬٤] يخرجوه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار (٢٧): حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم [بن محمد] [¬٥] ابن ميمون، حدثنا سعيد بن حكيم، عن مسلم بن حبيب، عن بلال -يعني العبسي- عن حذيفة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في العبادة". ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة ﵁.
وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سَرَفٌ.
وقال غيره: السرف: النفقة في معصية الله.
وقال الحسن البصري: ليس في [¬٦] النفقة في سبيل الله سرفٌ [¬٧].
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
стр. 4696
الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾
قال الإِمام أحمد (٢٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: سُئل رسول الله، ﷺ : أي الذنب أكبر؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعَم معك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.
وهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري عن أبي معاوية، به.
وقد أخرجه البخاري ومسلم (٢٩)، من حديث الأعمش ومنصور -زاد البخاري: وواصل- ثلاثتهم عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم … ؟ الحديث، طريق غريب.
وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري -يعني ابن إسماعيل- حدثنا الشعبي، عن مسروق؟ قال: قال عبد الله: خرج رسول الله، صلى الله عليه، وسلم ذات يوم فاتبعته، فجلس على نَشَز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته فقلت [¬١]: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أي الذنوب أكبر؟ قال: "أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية.
وقال النسائي (٣٠): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن
стр. 4697
يساف، عن سلمة بن قيس؛ قال: قال رسول الله، ﷺ ، في حجة الوداع: "ألا إنما هي أربع" فما أنا بأشح عليهن مني [¬١] منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ : "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا".
وقال الإِمام أحمد (٣١): حدثنا عليّ بن المديني ﵀ حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان، حدثنا محمد بن سعد [¬٢] الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود ﵁ يقول: قال رسول الله، ﷺ ، لأصحابه: "ما تقولون في الزنا؟ " قالوا: حَرّمه الله ورسوله، فهو حَرَام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله، ﷺ ، لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسرُ عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: "ما تقولون في السرقة؟ ". قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر له [¬٣] من أن يسرق من جاره".
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا (٣٢): حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي ﷺ : قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نُطفة وضعها رجل في رَحِم لا يحل له".
وقال ابن جُرَيج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير: أنه سمعه يحدث عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزَنَوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ونزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٣٣): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي فاختة؟ قال: قال رسول الله، ﷺ ، لرجل: "إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو أكَلُبَك، وينهاك أن تزني بحليلة
стр. 4698
جارك". قال سفيان: وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ﴿أَثَامًا﴾ وادٍ في جهنم. وقال عكرمة: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾، أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد. وقال قتادة: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نكالًا، كنا نحدث أنه وادٍ في جهنم.
وقد ذُكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنا! فإن أوله مخافة، وآخره ندامة.
وقد ورد [¬١] في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره (٣٤)، عن أبي أمامة الباهلي -موقوفًا ومرفوعًا-: أن ﴿غَيًّا﴾ و ﴿أَثَامًا﴾ بئران في قعر جهنم. أجارنا الله منها بمنه وكرمه!
وقال السدى ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ جزاء [¬٢]. وهذا أشبه بظاهر الآية، ولهذا فسره بما بعده مبدلًا منه، وهو قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يكرر عليه ويغلظ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. أي: حقيرًا ذليلًا.
وقوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾ في الدنيا إلى الله من جميع ذلك، فإن الله توب عليه.
وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب؛ لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله، ﷺ ، بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررًا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقبل منه، وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. في معنى قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قولان: أحدهما: إنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن [ذلك] [¬٣] فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
стр. 4699
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية:
بُدّلْنَ بَعْدَ [حَرِّهِ خَريفًا] [¬١] … وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا
يعني: تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها.
وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيرًا.
وقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم بقتال المسلمين قتالًا مع المسلمين للمشركين [¬٢]، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وقال الحسن البصري: أبدلهم الله [¬٣] بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر [¬٤] إسلامًا.
وهذا قول أبي [¬٥] العالية وقتادة وجماعة آخرين.
والقول الثاني: إن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما [تذكّر ما مضى] [¬٦] ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية [¬٧] عن السلف -رحمهم الله تعالى- وهذا سياق الحديث: قال الإمام أحمد (٣٥):
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : "إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نخوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا؟ فيقول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا- فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول: يا رب؛ عملت أشياء لا أراها هاهنا". قال: فضحك رسول الله، ﷺ ، حتى بدت نواجذه. انفرد به مسلم.
стр. 4700
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٣٦): حدثنا هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك. فيعطيه إياها، في وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم؛ قالا: حدثنا ثابت -يعني ابن يزيد- أبو زيد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ [¬١] أعلاها، فإذا سيئاته [¬٢]، فإذا كاد يسوء ظنه ينظر [¬٣] في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: ليأتين الله بأناس [¬٤] يوم القيامة رأوا أنهم قد [¬٥] استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات.
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة، عن أبي الضيف -وكان من أصحاب معاذ بن جبل- قال: يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. قلت: لم سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرءوا سيئاتهم حرفًا حرفًا- قالوا: يا ربنا، هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، فهم أكثر أهل الجنة!
وقال علي بن الحسين [¬٦] زين العابدين: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: في الآخرة.
وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات. [رواهما ابن أبي حاتم. وروى ابن جرير، عن سعيد بن المسيب مثله] [¬٧].
стр. 4701
[وقال] [¬١] ابن أبي حاتم (٣٧): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو جابر: أنه سمع مكحولًا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم، قد سقط [¬٢] حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله؛ رجل غدر وفجر، لم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله، ﷺ : "أسلمت؟ " قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي ﷺ : "فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات". فقال: يا رسول الله؟ وغَدَرَاتي وفَجَراتي؟ فقال: "وغَدوَاتك وفَجَراتك". فَوَلَّى الرجل يهلل ويكبر.
وروى الطبراني (٣٨) من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي فروة -شطب- أنه أتى رسول الله، ﷺ ، فقال: أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمت؟ " فقال: نعم. قال: "فافعل الخيرات، وترك السيئات، فيجعلها [¬٣] الله لك خيرات كلها". قال: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قال: "نعم" قال: فما زال يكبر حتى توارى.
ورواه الطبراني (٣٩) من طريق أبي فَروة الرهاوى، عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعًا.
وقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، [عن فليح الشماس، عن عبيد بن أبي عبيد] [¬٤]، عن أبي هريرة، ﵁، قال: جاءتني امرأة فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت وولدت وقتلته. فقلت: لا، ولا نَعمت
стр. 4702
العينُ ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثم صليت مع النبي، ﷺ ، الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها. فقال رسول الله، ﷺ : "بئسما قلت! أما كنت تقرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. فقرأتها عليها، فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا.
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يُعرف، والله أعلم. وقد رواه ابن جرير (٤٠) من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجَتْ تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا! أخُلق هذا الحسن للنار؟! وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله، ﷺ ، تَطلَّبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله، ﷺ ، فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا وتوبة مما عملت. وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله .
ثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته لعباده [¬١]، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان، جليل أو حقير، كبير أو صغير، فقال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، أي: فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي لمن تاب إليه.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾
وهذه أيضًا من صفات عباد الرحمن، أنهم: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّور﴾، قيل: هو الشرك
стр. 4703
وعبادة الأصنام. وقيل: الكذب، والفسق، واللغو، والباطل.
وقال محمد بن الحنفية: اللهو والغناء.
وقال أبو العالية، وطاوس، ومحمد بن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: هي أعياد المشركين.
وقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا.
وقال مالك (٤١)، عن الزهري: [شرب الخمر] [¬١] لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر".
وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّور﴾، أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمدًا على غيره، كما ثبت [¬٢] الصحيحين (٤٢) عن أبي بكرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ". ثلاثًا، قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: "الشرك بالله وعقوق الوالدين". وكان متكئًا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور". فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت!
والأظهر من السياق أن المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾، أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا فيه [¬٣] بشيء؛ ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٤٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسين العُكْلي (*)، عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا [¬٤] فقال النبي، ﷺ : "لقد أصبح ابن مسعود أو أمسى كريمًا [¬٥] ".
стр. 4704
[وحدثنا الحسن بن محمد بن سلمة النحوي، حدثنا حبان، أنا عبد الله، أنا محمد بن مسلم، أخبرني [إبراهيم بن ميسرة] (**) قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا فلم يقف، فقال رسول الله ﷺ : "لقد أصبح ابن مسعود أو أمسى كريمًا"] [¬١]. ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ -هذه من [¬٢] صفات المؤمنين- ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بخلاف الكافر فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يقصر عما كان عليه، بل يبقى مستمرًا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ فقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: بخلاف الكافر؛ أي [¬٣]: الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها صم أعمى.
قال مجاهد: قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئًا. وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى!
وقال قتادة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، يقول: لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم -والله- قوم عقلوا عن الله فانتفعوا [¬٤] بما سمعوا من كتابه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حُمْران، حدثنا ابن عون قال: سألت الشعبي قلت: الرجل هي القوم سجودًا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال: فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، يعني: أنه لا يسجد معهم لأنه لم يتدبر آية السجدة فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة في [¬٥] أمره، ويقين واضح بَيِّن.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، يعني: الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.
قال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.
стр. 4705
وقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالًا، ولكن أرادوا أن يكونوا مطعين.
وقال الحسن البصري -وسئل عن هذه الآية- قال [¬١]: أن يُريَ الله العبدَ المسلم من زوجته، و [¬٢] من أخيه، و [¬٣] من حميمه، طاعة الله. لا والله ما شيء أقر لعين المسلم من [¬٤] أن يرى ولدًا، أو ولد ولد، أو أخًا، أو حميمًا، مطيعًا لله .
وقال ابن جريج في قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، قال: يعبدونك ويحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.
وقال الإمام أحمد (٤٤): حدثنا يعمر [¬٥] بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه؟ قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا [¬٦]، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ! لوددنا آنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدتَ! فاستغضب، فجعلت أعجبُ، ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى مَحضَرًا غَيَّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله، لقد حضر رسولَ الله، ﷺ ، أقوام أكبَّهم الله على مناخرهم [¬٧] في جهنم لم يجيبوه ولم [يصدقوه] [¬٨]، أوَ لا تحمدون اللَّه إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين لما جاء به نبيكم، قد كُفيتم البلاء بغيركم، لقد بعث الله النبي ﷺ على أشد حال بعث عليها نبيًّا من الأنبياء في فترة من جاهلية، ما يرون أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان. فجاء بفُرقان فَرَّقَ به بين الحق والباطل، وفَرَّقَ بين الوالد وولده، [حتى] [¬٩] إن كان الرجل ليرى [¬١٠] والده وولده، أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قُفْل [¬١١] قلبه للإِيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن
стр. 4706
حبيبه في النار، وأنها التي قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.
وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير.
وقال غيرهم: هداةً مهتدين، [دعاةً] [¬١] إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديًا إلى غيرهم بالنفع وذلك أكثر ثوابًا، وأحسن مآبًا، ولهذا ورد في صحيح مسلم (٤٥)، [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ ] [¬٢]: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، و [¬٣] علم ينتفع به من [¬٤] بعده، و [¬٥] صدقة جارية".
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾
لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من [¬٦] الصفات الجميلة، والأفعال والأقوال الجميلة- قال بعد ذلك كله: ﴿أُولَئِكَ﴾، أي: المتصفون بهذه ﴿يُجْزَوْنَ﴾، أي: يوم القيامة ﴿الْغُرْفَةَ﴾، وسط الجنة.
قال أبو جعفر الباقر، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي: سميت بذلك لارتفاعها.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: على القيام بذلك، ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾، أي: في الجنة ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾، أي: يبتَدَءُونَ [¬٧] فيها بالتحية والإكرام، ويُلقَّون التوقير [¬٨] والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار.
стр. 4707
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين لا يظعنون ولا يحولون [ولا يموتون] [¬١] ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾.
وقوله: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. أي: حسنت منظرًا وطابت مقيلًا ومنزلًا.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾. أي: لا يبالي [بكم] [¬٢] ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلًا.
وقال مجاهد، وعمرو بن شعيب: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يقول: ما يفعل بكم ربي.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يقول: لولا إيمانكم، فأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان [له] [¬٣] بهم حاجة لحبب إليهم الإِيمان كما حببه إلى المؤمنين.
وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾، أي: أيها الكافرون، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، أي: فسوف يكون تكذيبكم [¬٤] لزامًا لكم، يعني: مقتضيًا [لهلاككم وعذابكم ودماركم] [¬٥] في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
وقال الحسن البصري: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ يعني: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما، والله أعلم.
* * *
стр. 4708
تفسير سورة الشعراء وهي مكية
(ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة)
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾
أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة.
وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، أي: هذه آيات القرآن المبين، أي: البين الواضح، الذي يفصل [¬١] بين الحق والباطل، والغيّ والرشاد.
وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: مهلك ﴿نَفْسَكَ﴾، أي: مما تحرص [عليهم] [¬٢] وتحزن عليهم، ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. وهذه تسلية من الله لرسوله - صلوات الله وسلامه عليه - في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وعطية، والضحاك: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: قاتل نفسك، قال الشاعر:
ألا أيّهذا الباخعُ الحزنُ نفسَه … لشيء [¬٣] نحتْه عن يديه المقادِرُ
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ أي: لو شئنا لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإِيمان قهرًا، ولكنّا لا نفعل ذلك، لأنا لا نريد من أحد
стр. 4709
إلا الإِيمان الاختياري، وقال تعالى: ﴿وَ [¬١] لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فَنَفَذ قَدَرُه، ومضت [¬٢] حكمته؛ وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزالِ الكتب عليهم.
ثم قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾، أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس؛ كما قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وقال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
ثم نبه تعالى على عظمته في سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترءوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر، الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، [من] [¬٣] زروع وثمار وحيوان.
قال سفيان الثوري، عن رجل، عن الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: دلالة على قدرة الخالق [¬٤] للأشياء، الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره وارتكبوا زواجره.
وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، أي: الذي عزّ كلَّ شيء وقهره وغلبه، ﴿الرَّحِيمُ﴾، أي: بخلقه، فلا يعجل على من عصاه بل ينظره ويؤجله ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن [¬٥] إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره. وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾
стр. 4710
﴿قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَال كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران - صلوات الله وسلامه عليه - حيث [¬١] ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: ﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.
وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، أي: بسبب ما كان قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر ﴿قَال كَلَّا﴾، أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك؛ كما قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: برهانا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي: [] [¬٢] معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي.
﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾، أي: كل منا رسول الله إليك ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: أطلقهم من
стр. 4711
إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه الخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون عما هنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغمص فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾. [أي: أما أنت الذي ربيناه] [¬١] فينا، وفي بيتنا، وعلى فراشنا [] (*)، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذاك [¬٢] الإحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلًا، وجحدت نعمتنا عليك. ولهذا قال: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: الجاحدين. قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا﴾، أي: في تلك الحال، ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قبل أن يُوحى إليّ ويُنعم الله عليّ بالرسالة والنبوة.
قال ابن عباس ﵄ ومجاهد، وقتادة، والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: الجاهلين.
قال [¬٣] ابن جريج: وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود، ﵁.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الحال الأول انفصل وجاء أمر آخر، فقد [¬٤] أرسلني الله إليك، فإن أطعته سَلمت، وإن خالفته عَطبت.
ثم قال موسى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: وما أحسنت إليَّ وربَّيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفَيَفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرته شيئًا بالنسبة إلى ما فعلت بهم.
﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده، في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ
стр. 4712
الْعَالمِينَ﴾ وذلك أنه كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، ﴿فَاسْتَخَفَّ [¬١] قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وكانوا يجحدون الصانع - تعالى - ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون. فلما قال له [¬٢] موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَال [¬٣] فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.
ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرًّا [¬٤] بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك [] [¬٥] قال موسى لما سأله عن رب العالمين: ﴿قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾، أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلويّ وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفليّ وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة. فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلًا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟! أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهًا غيري؟ فقال لهم موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: خالقكم وخالق آبائكم الأوائل، الذين كانوا قبل فرعون وزمانه. ﴿قَال﴾ أي: فرعون لقومه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. أي: ليس له عقل في دعواه أنّ ثَمّ ربًّا غيري. ﴿قَال﴾ أي: موسى لأولئك الذين أوعز [¬٦] إليهم فرعون ما أوعز [¬٧] من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. أي: هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربًا تغرب فيه [¬٨] الكواكب ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سَخّرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم [¬٩] أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا، كما أخبر تعالى من: ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ] [¬١٠] إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي
стр. 4713
وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ ولهذا لما غُلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ﵇ فقال ما أخبر الله تعالى عنه:
﴿قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾
لما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل عدل إلى [¬١] أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال [¬٢]، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ﴾. أي: برهان [¬٣] قاطع واضح، ﴿قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾، أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفم كبير، وشكل هائل مزعج. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: من جيبه، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. أي: تتلألأ كقطعة من القمر. فبادر فرعون لشقائه [¬٤] إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: فاضل بارع في السحر. فَرَوَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به، فقال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. أي: [أراد أن] [¬٥] يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا عليّ فيه ماذا أصنع به؟ ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾، [أي: أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار
стр. 4714
عليم] [¬١] يقابلونه [¬٢]، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد. فأجابهم إلى ذلك وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك، ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَال لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾
ذكر تعالى هذه المناظره العقلية [¬٣] بين موسى والقبط في "سورة الأعراف" وفي "سورة طه"، وفي هذه السورة، وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا شأن الكفر والإِيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإِيمان، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ولهذا لما جاء السحرة، و [¬٤] قد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تحيلًا [¬٥] في ذلك، وكان السحرة جمعًا كثيرًا، وجما غفيرًا، تل: كانوا اثني عشر ألفًا، وقيل: خمسة عشر ألفًا، وقيل: سبعة عشر ألفًا، [وقيل: تسعة عشر ألفًا، وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا] [¬٦]، وقيل: ثمانين ألفًا، وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم.
قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعًا [¬٧] إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم، وهم: ساتور، وعازور، وحطحط، ويصفى.
стр. 4715
واجتهد [¬١] الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾. أي: إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقًا (*) وجمع حشمه وخدمه وأمراءه [¬٢] ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته. فقام السحرة بين يدي فرعون، يطبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا. أي: هذا الذي جمعتنا من أجله فقالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة، ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا﴾. وقد اختصر هذا هاهنا. فقال: ﴿قَال [¬٣] لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. وهذا كما يقوله الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئًا: هذا بثواب فلان. وقد ذكر الله في "سورة الأعراف": أنهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. وقال في "سورة طه": ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾.
وقال هاهنا: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. أي: تخطفه [وتجمعه] [¬٤] من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئًا، قال تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
وكان هذا أمرًا عظيمًا جدًّا، وبرهانًا قاطعًا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين [¬٥] استنصر بهم وطلب منهم أن يَغلبوا قد [¬٦] غُلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق والمعجزة الباهرة، فَغُلِب فرعون غَلبًا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحًا جريئًا عليه لعنة الله! فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ
стр. 4716
تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾
تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا، وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا عليّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. وهذه مكابرة يعلم كل أحد بُطلانها، بأنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرَهم الذي أفادهم صناعة السحر؟! هذا لا يقوله عاقل.
ثم توعدهم فرعون بقطع [الأيدي و] [¬١] الأرجل والصلب، فقالوا: ﴿لَا ضَيرَ﴾. أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. أي: المرجع [¬٢] إلى الله، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا [¬٣]، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. أي: ما قارفناه من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر، ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بسبب أنّا بادرنا قومنا من القبط إلى الإِيمان. فقتلهم [¬٤] كلهم.
﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾
لما طال مُقام موسى ﵇ ببلاد مصر، وأقام بها حُجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى
стр. 4717
﵇ أن يخرج ببنى إسرائيل ليلًا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يُؤمر، ففعل موسى ﵇ ما أمره به ربه ، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حُليًّا كثيرًا، وكان خروجه بهم - فيما ذكر غير واحد من المفسرين - وقت طلوع القمر. وذكر مجاهد ﵀ أنه كُسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم. وأن موسى ﵇ سأل عن قبر يوسف ﵇ فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه ﵉، وكان يوسف قد وصى [¬١] بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم. وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم ﵀ فقال:
حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر [بن محمد] [¬٢] بن أبان بن صالح، حدثنا [ابن فُضَيلَ] [¬٣]، عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، [عن أبيه] [¬٤]، عن أبي موسى؛ قال: نزل رسول الله ﷺ بأعرابيّ فأكرمه، فقال له رسول الله، ﷺ : "تعاهدنا". فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله، ﷺ : " [حاجتك] [¬٥]؟ " قال: ناقة برحلها وأعنق [¬٦] يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ " فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك: إن يوسف ﵇ لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف. قالت [¬٧]: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي. فقال لها: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له: أعطها حكمها. قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة - مستنقع ماء - فقالت لهم [¬٨]: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوه، قالت: احتفروا. فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار" (١).
стр. 4718
هذا حديث غريب جدًّا والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.
فلما أصبحوا وليس في ناديهم [¬١] داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل، لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعًا في بلاده حاشرين. أي: من يحشرُ الجندَ ويجمعه، كالنُّقَباء والحُجَّاب، ونادى فيهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ -يعني: بني إسرائيل- ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. أي: لطائفة قليلة، ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾، أي: كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا، ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خَضْراهم. فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، و [¬٢] تركوا تلك المنازل العالية، والبساتين والأنهار، والأموال، والأرزاق، والملك، والجاه الوافر في الدنيا. ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾
ذكر ذلك غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير، هو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء
стр. 4719
والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإِسرائيليات، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دُهْم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم - ففي ذلك نظر. والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل، والله أعلم، والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم.
﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، وذلك أنه انتهى بهم السير إلى سيف (*) البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر، وفرعرن قد أدركهم بجنوده؛ فلهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد.
وكان هارون ﵇ في المقدمة، ومعه يوشع بن نُون، [ومؤمن آل فرعون، وموسى ﵇ في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] [¬١]، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى ﵇: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقرل: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل. فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه وقال: انفلق بإذن الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف بن [¬٢] عبد الله بن سلام: أن موسى ﵇ لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجًا، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾.
وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة [وله اضطراب] [¬٣]، ولا يدري من أي جانب [¬٤] يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله؛ أين أمرك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب البحر. قال: فاضربه [¬٥].
وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله - فيما ذكر لي - إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب [¬٦] بعضه بعضًا، فرقًا من الله تعالى، وانتظارًا لما أمره
стр. 4720
الله، وأوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾. فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق.
وذكر غير واحد أنه كنّاه فقال: انفلق عليّ [أبا خالد] [¬١]؛ بحول الله. قال الله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم.
وقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين.
وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سبط طريق - وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيله كالحيطان، وبعث الله الريح على قعر البحر فلفحته، فسار يَبَسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. وقال في هذه القصة: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾ أي: هنالك ﴿الْآخَرِينَ﴾ قال ابن عباس، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾، أي: قربنا فرعون وجنوده من البحر، وأدنيناهم إليه. ﴿وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود- أن موسى ﵇ حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك [¬٢]، فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا، والله لا يُفرَغ من سلخها حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط.
فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق [¬٣]. فقال البحر: لقد استكبرت يا موسى؛ وهل فرقت [¬٤] لأحد من ولد آدم فأفرق [¬٥] لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرِجل: أين أمرتَ يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه -[يعني البحر - فأقحم فرسه فسَبَح به فخرج. فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه] [¬٦]. قال: والله ما كَذبت ولا كُذبت. ثم اقتحم الثانية فسبح، ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال: والله ما كَذبت ولا كُذبت. قال: فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه، فانفلق [¬٧]، فكان فيه اثنا
стр. 4721
عشر طريقًا [¬١] لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتَتَام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم.
وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خَرَج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، اضطمّ عليهم البحر، فما رُئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾. أي: في [¬٢] هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين، لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. تقدم تفسيره.
﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾
هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدًا ﷺ أن يتلوه على أمته، ليقتدوا به في الإِخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل. أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشَبّ، أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله فقال ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. أي: مقيمين على عبادتها ودعائها، ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يُهرعون.
فعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فَلْتَخْلُص إليَّ بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح عليه
стр. 4722
السلام: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. وقال هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: ﴿وَكَيفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا﴾. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعني: لا إله إلا الله.
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾
يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾. أي: هو الخالق الذي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على قَدَر، وهو الذي يهدي من يشاء ويُضل من يشاء، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾. أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويَسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزْنَ، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا ﴿نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخَلْقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا؛ كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فأسند الإِنعام إلى الله ، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. ولهذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصولة إليه.
﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. أي: هو الذي لا يقدر على غَفْر الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء.
стр. 4723
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾
وهذا سؤال من إبراهيم ﵇ أن يؤتيه ربه [¬١] حكمًا.
قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة.
وقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: ["اللهُمَّ، في الرفيق الأعلى" (٢). قالها ثلاثًا. وفي الحديث في الدعاء] [¬٢]: "اللهم، أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين" (٣).
стр. 4724
وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. أي: واجعل لي [¬١] ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال مجاهد وقتادة: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وكقوله: ﴿وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة.
وقوله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. أي: أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم.
وقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وهذا مما رَجَع عنه إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. وقد قطع تعالى الإِلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ [¬٢] لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. أي: أجرني من الخزي يوم القيامة، ويوم [¬٣] يبعث الخلائق أولهم وآخرهم.
قال البخاري في قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، [عن أبيه] [¬٤]، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَةُ والقَتَرَةُ" (٤).
حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يارب، إنك وعدتني
стр. 4725
أنك لا تخزيني يوم يبعثون، فيقول الله: إني حرمت الجنة [على الكافرين] [¬١] ". هكذا رواه عند هذه الآية (٥).
وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: "يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَتَرَة وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يارب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي [¬٢] الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يُقَال: يا إبراهيم؛ ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذِيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار" (٦).
وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير (٧) قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَة والقَتَرَة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني. قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة. قال: يارب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم، إني حرمتها على الكافرين. فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني. قال: انظر أسفل منك. فنظر فإذا ذِيخ يتمرغ في نَتنِهِ، فأخذ بقوائمه فألقيَ في النار". هذا إسناد غريب، وفيه نكارة.
والذيخ: هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرَته، فيلقى في النار كذلك.
وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ . وفيه غرابة.
ورواه أيضًا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ بنحوه.
وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾. أي: لا يقي المرءَ من عذاب الله مالُه، ولو
стр. 4726
افتدى بملء الأرض ذهبًا، ﴿ولا بنون﴾ ولو افتدى بمن في الأرض جميعًا، ولا ينفعُ يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص [¬١] الدين له، والتبري من الشىرك؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. أي: سالم من الدنس والشرك.
قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وقال ابن عباس: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: حيي يشهد أن لا إله إلا الله.
وقال مجاهد، والحسن، وغيرهما: ﴿بقلب سليم﴾، يعني: من الشرك.
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله: ﴿في قلوبهم مرض﴾.
وقال أبو عثمان النيسابوري [¬٢]: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السُّنة.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إلا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قربت الجنة وأدنيت من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها في الدنيا، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي: أظهرت وكُشف عنها، وبدت منها عُنُق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب إلى الحناجر، وقيل لأهلها تقريعًا وتويبخًا: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني [¬٣] عنكم اليوم
стр. 4727
شيئًا ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حَصبُ جهنم أنتم لها واردون.
وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. قال مجاهد: يعني: فَدُهْورُوا فيها.
وقال غيره: كببوا فيها، والكاف مكررة؛ كما يقال: صرصر. والمراد: أنه أُلقي بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: ألقوا فيها عن آخرهم. ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: يقول الضعفاء للذين استكبروا: ﴿إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا نصبيًا من النار﴾.
ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: نجعل أمركم مطاعًا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾. قال بعضهم: يعني: من الملائكة، كما يقولون: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾. وكذا قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. أي: قريب. قال قتادة: يعلمون -والله- أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وذلك أنهم يتمنون أنهم يردون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، وهو يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.
وقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة "ص"، ثم قال: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: أن في محاجّة إبراهيم لقومه وإقامته الحجة [¬١] عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾
هذا إخبار من الله عن عبده ورسوله نوح ﵇ وهو أول رسول بُعث إلى الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد بعثه الله ناهيًا عن ذلك، ومحذرًا من وبيل
стр. 4728
عقابه، فكذبه قومه واستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم، ويتنزل تكذبيهم له بمنزلة تكذيب جميع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. أي: ألا تخافون اللَّه في عبادتكم غيره؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. أي: إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني به، أبلغكم رسالة الله لا أزيد فيها ولا أنقص منها، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. أي: لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدخر ثواب ذلك عند الله، ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾. فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني به وائتمنني عليه.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾
يقولون: أنؤمن لك ونتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك وصدقوك، وهم أراذلنا؟ ولهذا ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي، ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه لا يلزمني التنقيب [¬١] عنه والفحص والبحث، إنما عليّ أن أقبل منهم تصديقهم [¬٢] إياي، [وأكِلُ] [¬٣] سرائرهم إلى الله ، ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ليتابعوه، فأبى عليهم ذلك، وقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أي: إنما [¬٤] بعثت نذيرًا؛ فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وكنت هنه، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، أو جليلًا أو حقيرًا.
﴿إِنْ أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَال رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَينِي وَبَينَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾
لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وجهرًا وإسرارًا، وكلما كرر
стр. 4729
عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ، والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾. أي: عن دعوتك إيانا إلى دينك يا نوح ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. أي: لنرجمنك. فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾.
وقال هاهنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾. والمشحون: هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيه [¬١] من كل زوجين اثنين، أي: نجيناه ومن معه كلهم وأغرقنا من كذبه وخالف أمره كلهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾
وهذا إخبار من [الله تعالى عن] [¬٢] عبده ورسوله هود ﵇: أنه دعا قومه عادًا وكانوا قومًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبًا من بلاد حضرموت بلاد [¬٣] متاخمة لبلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، [كما قال في "سورة الأعراف": ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح] [¬٤] وزادكم في الخلق بسطة﴾. وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال، والجنات والعيون، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله [وحده [¬٥]]، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه، إلى أن قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.
стр. 4730
اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، تبنون هناك بناء محكمًا باهرًا هائلا؛ ولهذا قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. أي: معلمًا بناء مشهورًا، ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ وبهذا أنكر عليهم نبيهم ﵇ ذلك، لأنّه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال مجاهد: المصانع: البروج المشيدة، والبنيان المخلد. وفي رواية عنه: يروج الحمام.
وقال قتادة: هي مآخذ الماء. قال قتادة: وقرأ بعض القراء: (وتتخذون مصانع كأنكم خالدون) وفي القراءة المشهورة: ﴿لعلكم تخلدون﴾. أي: لكي تقيموا فيها أبدًا [¬١]، وليس ذلك بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم.
و [¬٢] قال ابن أبي حاتم ﵀:- حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البينان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون! ألا تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه كانت قبلكم قرون، يجمعون فيوعُرن وكانون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورًا، وأصبح جمعهم بورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا، ألا إنّ عادًا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابًا، فمن [¬٣] يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟.
وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وصفهم بالقوة والغلظة والجبروت، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. أي: اعبدوا ربكم، وأطيعوا رسولكم.
ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم [¬٤].
﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَينَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إلا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ