جعله فرقانًا عظيمًا، إنما خصه به ليخصه بالرسالة [¬١] إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء (*)، كما قال صلوت الله وسلامه عليه: "بُعثت إلى الأحمر والأسود" (١). وقال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" (٢)، فذكر منهن: أنه "كان النبي يبعث إلى قومه [خاصة] [¬٢]، وبعثت إلى الناس عامة".
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض، الذي يقول للشيء كن فيكون، وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال ها هنا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، فنزَّه نفسه عن الولد، وعن الشريك.
ثم أخبر أنه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت [قدره وتقديره] [¬٣] وتسخيره، وتدبيره [] [¬٤].
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾
يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، الخالق لكل شيء، المالك لأزمَّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عَبَدُوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكون لعابديهم؟! ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾، أي: ليس إليهم [¬٥] من ذلك شيء، بل ذلك مرجعه كله إلى الله فهو [¬٦] الذي يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ وقوله [¬٧]: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾، فهو الله
стр. 4657
الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهو الذي لا ولد له ولا والد، ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن سَخَافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ﴾، أي: كذب، ﴿افْتَرَاهُ﴾، يعنون النبي ﷺ ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين؛ قال [¬١] الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾، أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، هم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾، يعنون كتب الأوائل، [أي: استحسنها] [¬٢]، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ﴾، أي ة تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: في أول النهار وآخره وهذا الكلام - لسخافته وكذبه وبَهْته [كل أحد يعلم] [¬٣] منهم بطلانه، [فإنه قد عُلم] [¬٤] بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه [وبره وأمانته ونزاهته من] [¬٥] الكذب والفجور، وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم [لم يكونوا] [¬٦] يسمونه في صغره إلى أن بعث إلا [¬٧] الأمين؛ لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، ورَمَوْه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا [¬٨] يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، [قال] [¬٩] الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ
стр. 4658
سَبِيلًا﴾ وقال تعالى في جواب ما عاندوا ها هنا وافتروا: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [¬١]، أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا، مطابقًا للواقع في الخارج، ماضيًا ومستقبلًا، ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، دعاء لهم إلى التوبة والإِنابة، وإخبار لهم [¬٢] بأن رحمته واسعة، وأن حلمه [¬٣] عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء - مع كذبهم وافترائهم وفجورهم، وبهتهم وكفرهم وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا - يدعوهم إلى التوبة والإِقلاع عما هم فيه إلى الإِسلام والهدى؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة!
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾
стр. 4659
يخبر تعالى عن تعنّت الكفار وعنادهم، وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم [¬١]: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج [إليه] [¬٢]، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، أي: يتردد فيها وإليها طلبًا للاكتساب [¬٣] والتجارة، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يقولون: هلا أنزل إليه ملك [¬٤] من عند الله، فيكون له شاهدًا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ [¬٥] مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ﴾، أي: علم كنز [يكون] [¬٦] ينفق منه، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة. ﴿وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا﴾ أي: جاءوا بماذا [¬٧] يقذفونك [] [¬٨]، ويكذبون به عليك، من قولهم "ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر"، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في [¬٩] ذلك، ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾ أي [¬١٠]: عن طريق الهدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، وذلك لأن كل من خرج عن الحق، فإنه ضال حيثما [¬١١] توجه، لأ الحق واحد ومنهج [¬١٢] متحد، يصدّق بعضه بعضًا.
ثم قال تعالى مخبرًا نبيه، أنه لو [¬١٣] شاء لآتاه خيرًا مما يقولون في الدنيا، وأفضل وأحسن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾.
قال مجاهد: يعني في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرًا، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا.
وقال سفيان الثوري (٣)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة، قيل للنبي ﷺ : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يُعْطَ [¬١٤] نبيّ قبلك، ولا
стр. 4660
يُعطى أحدٌ من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة. فأنزل الله في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾، أي: إنّما يقول هؤلاء هكذا تكذيبًا وعنادًا، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرًا واسترشادًا، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾، أي: أرصدنا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾، أي: عذابًا أليمًا حارًّا لا يطاق في نار جهنم.
وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: السعير: وادٍ من قيح جهنم.
وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أي: جهنم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، يعني: في مقام المحشر - قال السدي: من مسيرة مائة عام - ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، أي: حنقًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ﴾، أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها على من كفر بالله.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف [¬١] الواسطي - أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي، عن أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دُرَيك [¬٢]، عن رجل من أصحاب النبي، ﷺ ، قال: قال رسول الله، ﷺ : "من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعي إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا". قيل: يا رسول الله، وهل لها من عينين؟ قال: "أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ الآية". رواه ابن جرير عن محمود [¬٣] بن خداش، عن محمد بن يزيد الواسطي، به.
وقال أيضًا: حدثنا أبيّ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سُلَيم، عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- ومعنا الربيع بن خُثَيم [¬٤] فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خُثَيم [¬٥] إليها، فتمايل ليسقط، فمر عبد الله على أَتون (*) على [شاطئ] [¬٦] الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه؛ قرأ هذه الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ فصعق [¬٧]-يعني: الربيع [بن خثيم] [¬٨]- فحملوه [¬٩] إلى [أهله] [¬١٠]، ورابطه (**)
стр. 4661
عبد الله إلى الظُّهر فلم يفق ﵁.
وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إنّ العبد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.
هكذا رواه ابن أبي حاتم مختصرًا، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير:
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وتنقبض (**) بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليُجَرّ إلى النار، فيقول: يا رب، ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليُجَرّ إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وهذا إسناد صحيح.
وقال عبد الرزاق (٤): أخبرنا معمر، عن منصور، عن مجاهد، عن عُبَيد بن عُمير في قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، قال: إن جهنم تزفر زفرة، لا يبقى ملك [] [¬١] ولا نبي إلا خَرّ [] [¬٢] تَرْعَد فرائصه (* * *)، حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه ويقول: رب، لا أسألك اليوم إلا نفسي.
وقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا [¬٣] مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [¬٤]﴾، قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزُّج في الرمح أي: من ضيقه.
وقال عبد الله بن وهب (٥): أخبرني نافع بن يزيد، عن يحيى بن أبي أسيد - يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أنه سئل عن قول الله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾، قال: "والذي نفسي بيده، إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط".
стр. 4662
وقوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، قال أبو صالح: يعني: مكتفين، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، أي: بالويل والحسرة والخيبة ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾:
[قال] [¬١] الإِمام أحمد (٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها منْ خَلْفه، وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه. وينادون: يا ثبورهم! حتى يقفوا على النار، فيقول: يا ثبوراه! ويقولون: يا ثبورهم! فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ ". لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن عفان، به. ورواه ابن جرير، من حديث حماد [¬٢] بن سلمة، به.
وقال العَوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، أي: لا تدعوا اليوم ويلًا واحدًا، وادعوا ويلًا كثيرًا. وقال الضحاك: الثبور: الهلاكُ. والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخَسَار والدّمار، كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكًا، وقال عبد الله بن الزِّبَعْرَي:
إذْ أجَاري الشَّيطانَ في سَنَن الغـ … يّ، وَمَنْ مَال مَيلَهُ مَثْبُورُ
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾
يقول تعالى: يا محمد، هذا الذي وصفناه من حال هؤلاء [¬٣] الأشقياء، الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فتتلقاهم بوجه عبوس، وبغيظ وزفير، ويُلقَون في أماكنها الضيقة مقرَّنين، لا يستطعون حراكًا، ولا انتصارًا، ولا فكاكًا مما هم فيه؛ أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله للمتقين [¬٤] من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها.
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من الملاذ: من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب أحد. وهم في
стр. 4663
ذلك خالدون [دائمًا أبدًا] [¬١] سرمدًا بلا انقطاع و [¬٢] لا زوال ولا انقضاء، ولا يبغون عنها حوَلا. وهذا من وَعْد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم؛ ولهذا قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: لا بد أن يقع وأن يكون، كما حكاه أبو جعفر بن جرير عن بعض علماء العربية أن معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: وعدا واجبًا.
وقال ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾، يقول: سلوا الذي واعدتكم -أو قال: واعدناكم- نُنْجِز.
وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾: إن الملائكة تسأل لهم ذلك، ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾.
وقال أبو حازم: إذا كان يوم القيامة؛ قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا [¬٣]، فانجز لنا ما وعدتنا. فذلك قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار، ثم التنبيه على حال أهل الجنة، كما ذكر تعالى في "سورة الصافات" حال أهل الجنة، [] [¬٤] وما فيها من النضرة والحبور، ثم قال: ﴿أَذَلِكَ خَيرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عما يَقَع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله، من الملائكة وغيرهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [¬٥] وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال مجاهد:
стр. 4664
عيسى، والعُزَير: الملائكة. ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾، أي: فيقول [الرَّب] [¬١] ﵎: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم، من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾، إلى آخر الآية، ولهذا قال تعالى مخبرًا عما يُجيب به المعبودون يوم القيامة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. قرأ الأكثرون بفتح "النون" من قوله ﴿نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم قالوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [¬٢] جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقرأ آخرون: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، أي: ما ينبغي لأحد أن يعبدنا، فإنا عبيد لك، فقراء إليك. وهي قريبة المعنى من الأولى.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾، أي: طال عليهم العمر، حتى نسوا الذكر، أي: نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾، قال ابن عباس: أي: هلكى. وقال الحسن البصري - ومالك عن الزهري -: أي: لا خير فيهم. وقال ابن الزبعري حين أسلم:
يا رَسُولَ المَليك إنّ لسانِي … رَاتقٌ [¬٣] ما فَتَقْتُ إذْ [¬٤] أنا بُورُ
إذْ أجارِي الشَّيْطانَ فيِ سَنَنِ الغَـ … يّ، وَمَن مالَ ميلَه مَثْبُورُ
قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾، أي: فقد كذبكم الذين عبدتم فيما زعمتم أنهم لكم أولياء، وأنكم اتخذتموهم قربانًا يقربونكم إليه زلفى، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ [¬٥] صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم، ولا الانتصار لأنفسهم، ﴿وَمَنْ
стр. 4665
يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾، أي: يشرك بالله ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين: إنّهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به و ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، أي: للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم؛ فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة القاهرة، ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة؛ على صدق ما جاءوا به من الله . ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬١] قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾، أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي؛ ولهذا قال: ﴿أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾، أي: [بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾] [¬٢] ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾، قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي لا [¬٣] يخالفون، لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم، [وأبتليهم بهم] [¬٤].
وفي صحيح مسلم (٧) عن عياض بن حمار عن رسول الله، ﷺ : "يقول الله: إني مبتليك ومبتل بك". وفي المسند عن رسول الله، ﷺ : "لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة". وفي الصحيح أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - خير بين أن يكون نبيا ملكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.
﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ
стр. 4666
اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن تَعَنُّت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ﴾، أي: بالرسالة كما نُزّل على الأنبياء، كما أخبر عنهم تعالى في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون مرادهم ها هنا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فنراهم عيانًا، فيخبرونا أن محمدًا رسول الله، كقولهم: ﴿أَوْ [¬١] تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾، وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان؛ ولهذا قال [¬٢]: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم، وذلك يصدق على وقت الاحتضار، حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد. الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم، وظل من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن، فيضربونه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيدِيهِمْ﴾، أي: بالضرب، ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: "اخرجي أيتها النفس
стр. 4667
الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان". وقد تقدم الحديث في "سورة إبراهيم"، عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾، يعني: يوم القيامة؛ قاله مجاهد، والضحاك، وغيرهما.
ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، فإن الملائكة في هذه اليومين -يوم الممات ويوم المعاد- تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: [وتقول] [¬١] الملائكة للكافرين: حرام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وأصل "الحجر": المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفهٍ أو فلس، أو صغر، أو نحو ذلك، ومنه سمي "الحجر" عند البيت الحرام؛ لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه، ومنه يقال للعقل "حجْرًا"؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق.
والغرض أن الضمير في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عائد على الملائكة، هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخصيف، وغير واحد، واختاره ابن جرير (٨).
وقال ابن أبي حاتم؛ حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى -يعني: ابن قيس- عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، قال: حرامًا مُحَرَّمًا أن يبشّر بما يبشر به المتقون.
وقد حكى ابن جَرير، عن ابن جُريج أنه قال: ذلك من كلام المشركين: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ أي: يتعوذون من الملائكة؛ وذلك أن العرب كأنوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة] [¬٢] يقول [¬٣]: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
وهذا القول -وإن كان له مأخذ ووجه- ولكنه بالنسبة إلى السياق [في الآية] [¬٤] بعيد، [ولا] [¬٥] سيما قد نص الجمهور على خلافه، ولكن قد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه
стр. 4668
قال في قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أي: عوذًا معاذًا. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جُرَيج، ولكن في رواية ابن أبي حاتم، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد أنه قال: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، عوذا معاذًا، الملائكة [تقُوله] [¬١]، فالله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، [وهذا] [¬٢] يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من [خير وشر] [¬٣]، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي؛ إما الإِخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية، [] [¬٤] فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معًا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
قال مجاهد والثورى: ﴿وَقَدِمْنَا﴾؛ أي: عمدنا. وقال السدى: قدمنا: عمدنا، وبعضهم يقول: أتينا عليه.
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ ﵁ في قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال [¬٥]: شعاع الشمس إذا دخل في الكوة. وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي. وروي مثله [¬٦] عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، والسدي، والضحاك، وغيرهم. وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: هو الماء المهراق.
وقال أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن [] [¬٧] الحارث، عن علي: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال: الهباء رَهْج (*) الدواب. وروي مثله عن ابن عباس أيضًا والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة في قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال: ما [¬٨] رأيت يبيس (**) الشجر إذا أذرته [¬٩]
стр. 4669
الريح؟ فهو ذلك الورق.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم، عن أبي سريع الطائي، عن [عَبيد بن تِعْلى] [¬١] قال: وإن الهباء الرماد.
وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالًا اعتقدوا أنها شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل، الذي لا يجور، ولا يظلم أحدًا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ إلى قوله ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة [¬٢].
وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي: يوم القيامة لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون] [¬٣] وذلك لأن [¬٤] أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات، والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين، حسن المنظر، طيب المقام ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، وأهل النار يصيرون إن الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، أي: بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيل مقامًا، ولهذا قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة، نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنه [¬٥] ليس لهم عمل واحد يقتضي لهم دخول الجنة والنجاة من النار، فَنبه [تعالى] بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسِرّة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.
وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة،
стр. 4670
وأهل النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ [هي] [¬١] الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة [فينطلق بهم إلى الجنة] [¬٢]، فكانت قيلولتهم [في الجنة] [¬٣]، وأطعموا كبد حوت، فأشبعهم [ذلك] [¬٤] كلهم، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقال [سفيان، عن] [¬٥] ميسرة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود [أنه] [¬٦] قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أنْ [¬٧] عُرضوا على ربهم [¬٨] عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. وقال قتادة في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي: مأوى ومنزلا.
و [¬٩] قال قتادة: وحدث صفوان بن محرز أنه قال: يجاء [يوم القيامة برجلين، كان أحدهما] [¬١٠] ملكا في الدنيا، إلى الحمرة والبياض فيحاسب، فإذا عبدٌ لم يعمل خيرًا [] [¬١١]، فيؤمر به إلى النار. والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب. فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به. [فيقول] [¬١٢]: صدق عبدي، فأرسلوه. فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار، فإذا هو مثل الحُمَمة السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مَقيل. فيقال له: عُدْ. ثم يُدعى بصاحب الجنة، فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: رب، خير مَقيل. فيقال له [¬١٣]: عد. رواها ابن أبي حاتم كلها.
وقال ابن جرير (٩): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيدًا
стр. 4671
الصوَّاف حدثه، أنه بلغه: أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم ليقيلون [¬١] في رياض، الجنة حتى يفرغ من الناس، فذلك [¬٢] قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾.
يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق [¬٣] السماء وتفطرها وانفراجها بالغمام، وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السموات يومئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب ﵎ لفصل القضاء.
قال مجاهد: وهذا كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمَّد بن عمار بن الحارث، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن [¬٤] يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، قال ابن عباس ﵄: يجمع الله الخلق [في] [¬٥] يوم القيامة في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق [¬٦]، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها - وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلائق [¬٧]- فيحيطون بالجن والإنس وبجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها [فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق]، وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن [الجن والإنس و] [¬٨] جميع الخلق [فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم
стр. 4672
وبالجن والإنس وجميع الخلق] (*)، ثم تنشق السماء الثالثة، فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم، وبالجن والإنس وجميع الخلق، ثم كذلك كل سماء حتى تنشق السماء السابعة، [فينزل أهلها] [¬١] وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات، ومن الجن والإنس، ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات، وبالجن والإنسِ وجميع الخلق كلهم [¬٢]، [و] [¬٣] ربنا في ظلل من الغمام، وحوله الكرُوبيون وهم أكثر من أهل السموات السبع والإنس والجن وجميع الخلق، لهم قرون كأكعب القنا وهم تحت العرش، لهم زَجَل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله ، ما بين إخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وما بين كعبه إلى ركبته [¬٤] مسيرة خمسمائة عام، وما بين ركبته إلى أرنبته [¬٥] مسيرة خمسمائة عام، أو ما بين حجزته إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام] [¬٦] وما بين ترقوته [¬٧] إلى [موضع القُرط] [¬٨] مسيرة خمسمائة عام، [] [¬٩] وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام، وجهنم مجنبته. هكذا رواه ابن أبي حاتم بهذا السياق.
وقال ابن جرير (١٠): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت نزل [¬١٠] منها من الملائكة أكثر من [الجن والإنس] [¬١١]، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل [¬١٢] الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؛ فيقولون: لم يجيء، وهو آتٍ، ثم تنشق السماء الثانية، ثم سماء سماء، على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة أكثر [من جميع] [¬١٣] من نزل من السموات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكَروبيون، ثم يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، ويأتي فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل
стр. 4673
ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه يقول: سبحان الملك القدوس! وعلى رءوسهم شيء مبسوط كأنه القَباء، من العرش فوق ذلك. ثم وقف. فمداره على عليّ بن زيد بن جُدْعان، وفيه ضعف، وفي سياقاته -غالبًا- نكارة شديدة، وقد ورد في حديث الصور المشهور قريب من هذا، والله أعلم.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. رواه ابن جرير عنه.
[وقال] [¬١] أبو بكر بن عبد الله: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم، شخصت إليه أبصارهم، ورجَفَت كُلاهم في أجوافهم، وطارت قلوبهم من مقرها من صدورهم إلى حناجرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين [¬٢]، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن عبد الجليل، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمرو، قال: يهبط الله حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع منه القلوب. وهذا موقوف على [¬٣] عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعلّه من الزاملتين، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وفي الصحيح (١١) أن الله تعالى يطوي السموات بيمينه ويأخذ الأرضين [¬٤] بيده الأخرى ثم يقول: أنا الملك! أنا الديان! أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟
وقوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾. أي: شديدًا صعبًا؛ لأنه يوم عدل وقضاء فصل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾. فهذا حال الكافرين في ذلك [¬٥] اليوم. وأما المؤمنون فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
стр. 4674
قال [¬١] الإِمام أحمد (١٢): حدثنا حسن [¬٢] بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا".
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول، ﷺ ، وما جاء به من عند الله من الحق المبين، الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة نَدم حيثُ لا ينفعه النَّدَم، وعلق على يديه حسرة وأسفًا.
وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي مُعَيْط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬٣]﴾ فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلا: ﴿يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. يعني: لمنْ [¬٤] صرفه عن الهدى، وعدل به إلى طريق [الضلالة] [¬٥]، وسواء في ذلك أمية بن خلف، أو أخوه أبي [¬٦] بن خلف، أو غيرهما.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [] [¬٧] بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾. أي: بعد بلوغه إليَّ، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ أي: يخذله عن الحق، ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه.
стр. 4675
﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن رسوله ونبيه محمد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، أنه قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. وذلك أن المشركين كانوا لا يُصغُون للقرآن ولا يسمعونه [¬١]، [كما قال تعالى] [¬٢]: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. وكانوا [¬٣] إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعوه؛ فهذا من هجرانه، وتركُ الإيمان به وتصديقه من هجرانه، [وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وتركُ العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه] [¬٤]، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يُسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه، من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناءَ الليل وأطرافَ النهار، على الوجه الذي يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين [¬٥]؛ لأن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى ها هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. أي: لمن اتبع رسوله، وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، وإنما قال: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؛ لأن المشركين كانوا [¬٦] يصدون الناس عن اتباع القرآن، لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن؛ فلهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.
﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ
стр. 4676
تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم، وكلامهم فيما لا يعنيهم، حيث قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾. أي: هذا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله [] [¬١]، كالتوراة والإنجيل والزبور، وغيرها من الكتب الإلهية. فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما أنزل [¬٢] منجمًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه [¬٣] من الأحكام لتثبيت قلوب المؤمنين به كقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. ولهذا قال: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
قال قتادة: وبيّناه تبيينًا. وقال عبد الرحمن بن زيد من أسلم: وفسرناه تفسيرًا.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾. أي: بحجة وشبهة ﴿إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. أي: ولا يقولون قولًا يعارضون به الحق إلَّا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم. قال سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾، أي: بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول ﴿إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: إلا نزل جبريلُ من الله بجوابهم.
ثم في هذا اعتناء كبير؛ لشرف الرسول ﷺ حيث كان يأتيه الوحي من الله بالقرآن صباحًا ومساء، [وليلًا] [¬٤] أو نهارًا، سفرًا وحضرًا، وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال كتاب [¬٥] مما قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجل، وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد، ﷺ ، أعظم نبي أرسله الله تعالى، وقد جمع الله للقرآن الصفتين معًا، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة [¬٦] من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة [من سماء] [¬٧] الدنيا، ثم نزل [¬٨] بعد ذلك إلى الأرض منجمًا بحسب الوقائع والحوادث.
стр. 4677
[قال أَبو عبد الرحمن النَّسائي (١٣): أخبرنا أحمد بن سليمان، حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا داود، عن عكرمة] [¬١] عن ابن عباس؛ قال: أنزل القرآن [جملة] [¬٢] إلى السماء [¬٣] الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، و [قوله] [¬٤]: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.
ثم قال تعالى مخبرًا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة وحشرهم إلى جهنم، في أسوأ الحالات وأقبح الصفات: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. وفي الصحيع (١٤) عن أَنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: "إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة". وهكذا قال مجاهد والحسن وقَتَادة وغير واحد من المفسرين.
﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَينَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾
يقول تعالى متوعدًا مَنْ كَذَّبَ رسوله محمدًا ﷺ من مشركي قومه ومَنْ خالفه، ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه، مما [¬٥] أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله، فبدأ بذكر موسى ﵇ وأنه ابتعثه [¬٦] وجعل معه أخاه هارون وزيرًا؛ أي: نبيًّا مُوَازرًا ومؤيدًا وناصرًا، فكذبهما فرعون وجنوده، فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. وكذلك فعلَ بقوم نوح حين كذّبوا رسوله نوحًا ﵇ ومن كذب برسول فقد كذب
стр. 4678
بجميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فرض أن الله بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبونه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾. ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلَّا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله ويحذرهم نقمته [¬١]، فما آمن معه إلَّا قليل؛ ولهذا أغرقهم الله جميعًا، ولم يبق منهم أحدًا [¬٢]، ولم يبق [¬٣] من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. أي: عبرة يعتبرون بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. أي: وأبقينا لكم من [¬٤] السفن ما تركبون في لُجَج البحار، لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجَعْلكم من ذرّية من آمن به وصَدَّق أمره.
وقوله تعالى: (﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة، [منها في سورة] [¬٥] الأعراف بما أغنى عن الإِعادة.
وأما أصحاب الرس فقال ابن جريج: قال [¬٦] ابن عبَّاس: هم أهل قرية من قرى ثمود.
[قال] [¬٧] ابن جريج: [وقال] [¬٨] عكرمة: أصحاب الرس بفَلَج [¬٩] وهم أصحاب ياسين وقال قَتَادة: فَلَج: من قرى اليمامة.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أحمد بن عمرو بن أبي عالم النبيل [¬١٠]، حدَّثنا الضحاك بن مخلد أَبو عالم، حدَّثنا شبيب بن بشر، حدَّثنا عكرمة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، قال: بئر بأذربيجان.
وقال سفيان الثَّوري عن أبي بُكَير عن عكرمة: الرس: بئر رسوا فيها نبيهم. أي: دفنوه بها [¬١١].
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي [¬١٢] قال [¬١٣]: قال رسول الله ﷺ : "إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبدُ الأسود، وذلك أن الله تعالى وتبارك بعث نبيًّا إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهلها إلَّا ذلك [العبد الأسود] ثم إن
стр. 4679
إن أهل [¬١] القرية عَدَوا على النبي، فحفروا له بئرًا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر أصم [¬٢].
قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب [¬٣] على ظهره، ثم يأتي بحطه فيبيعه، ويشتري به طعامًا وشرابًا، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت. قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يومًا يحتطب كما كان يصنع [¬٤]، فجمع حطبه وحزم حُزْمَته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام. [فضُرِبَ] [¬٥] على أذنه سبع سنين [نائمًا] ثم إنه هب فتمطى، فتحول لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين] [¬٦] أخرى، ثم إنه هب واحتمل حُزْمتَه ولا يحسبُ إلا أنَّه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعامًا وشرابًا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفيرة في موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده. [وقد كان] [¬٧] بدا لقومه فيه بَداء، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه.
قال: فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود: ما فعل؟ فيقلون له: ما ندري. حتَّى قبض الله النبي، وأهبَّ الأسود من نومته بعد ذلك. فقال رسول الله، ﷺ : "إن ذلك الأسود لأولُ من يدخل الجنَّة".
[هكذا] [¬٨] رواه ابن جرير (١٥)، عن ابن حميد، عن سلمة، عن محمد [¬٩] بن إسحاق، عن محمد بن كعب مرسلًا وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجًا، واللَّه أعلم [وأما ابن جرير فقال] [¬١٠]: لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس الذين ذكروا في القرآن؛ لأن الله أخبر عنهم أنَّه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا [¬١١] بنبيهم، اللهم [¬١٢] أن يكون حدث لهم [¬١٣] أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم، والله أعلم.
واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج، فالله أعلم.
стр. 4680
وقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَينَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾. أي: وأمم أبين أضعاف مَنْ ذُكِرَ أهلكناهم كثيرة؛ ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال﴾ أي [¬١] بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة. كما قال قَتَادة أزحنا الأعذار عنهم ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أي: أهلكنا إهلاكًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ والقرن هو: الأمة من الناس. كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة، وقيل: بمائة سنة، وقيل: بثمانين سنة [¬٢]، وقيل: أربعين، وقيل غير ذلك، والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون [¬٣] في الزمن الواحد وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهم [¬٤] قرن ثانٍ [¬٥] كما ثبت في الصحيحين [عن رسول الله، ﷺ ، أنَّه قال] [¬٦] خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". الحديث.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾. يعني قرية قوم لوط وهي سدوم ومعاملتها، التي [أهلكها] [¬٧] بالقلب وبالمطر [الحجارة من سجيل] [¬٨]. كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ وقال: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ولهذا قال: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ أي فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول ومخالفتهم [¬٩] أوامر الله.
وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني المارِّين بها من الكفار لا يعتبرون؛ لأنهم [¬١٠] لا يرجون نشورًا؛ أي: معادًا يوم القيامة.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيتَ مَنِ
стр. 4681
اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾
يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول، ﷺ ، إذا رأوه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ] [¬١]﴾ ". يعنون بالعيب والنقص، وقال هاهنا: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: على سبيل التنقص والازدراء قبحهم [¬٢] الله! كما قال ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [فَأَمْلَيتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ] [¬٣]﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيهَا﴾ يعنون أنه كاد يثنيهم [¬٤] عن عبادة أصنامهم [¬٥] لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا على عبادتها! قال الله تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ [مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا] [¬٦]﴾.
ثم قال تعالى لنبيه منبهًا له أن من كتب الله عليه الشقاوة والإضلال [¬٧] فإنه لا يهديه أحد إلَّا الله ﴿أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: مهما استحسن من شيء، ورآه حسنًا في هوى نفسه [كان دينه ومذهبه؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا] [¬٨] فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. ولهذا قال ها هنا: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا﴾. قال ابن عبَّاس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. أي: هم أسوأُ حالًا من الأنعام السارحة فإن تلك تفعل [¬٩] ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له [] [¬١٠] وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيهِ
стр. 4682
دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾
من ها هنا شرع في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال ابن عبَّاس، وابن عمر، وأَبو العالية، وأَبو مالك، ومسروق، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والضحاك، والحسن البصري، وقَتَادة، والسّدى وغيرهم: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: دائمًا لا يزول؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، فإن الضد لا يعرف إلَّا بضده.
وقال قَتَادة، والسُّديّ: دليلًا يتلوه ويتبعه حتَّى يأتي عليه كله.
وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: الظل. وقيل: الشمس. ﴿إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا - قال ابن عبَّاس: سريعًا. وقال مجاهد: خفيفًا. وقال السُّديّ: قبضًا خفيًّا، حتَّى لا يبقى في الأرض ظل إلَّا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه.
وقال أيوب بن موسى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. أي: قليلًا قليلًا.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: يلبس الوجود ويُغَشّيه، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وقال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾، أي: قَطْعًا للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تَكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعايش، فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات، فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معًا.
﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾، أي: يتنشر [¬١] الناسُ فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، كما
стр. 4683
قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَينَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا (٥٠)﴾
وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنَّه تعالى يرسل الرياح مبشرات. أي: بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع، في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما تحمله [¬١]، ومنها ما تسوقه [¬٢]، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرًا، ومنها ما يكون قبل ذلك يقُمّ الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. أي: آلة يتطهر بها، كالسُّحُور والوقود [¬٣] وما جرى مجراه. هذا [¬٤] أصح ما يقال في ذلك.
وأما من قال: إنه فعول بمعنى فاعل؛ أو: إنه مبني للمبالغة أو التعدي، فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم، ليس هذا موضعَ بسطها، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدَّثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، حدثني حُميد الطويل، عم، ثابت البُنَاني؛ قال: دخلت مع أبي العالية في يوم مطر، وطرق البصرة قَذرة، فصلى؛ فقلت له [¬٥]، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. قال: طهره ماء السماء.
وقال أيضًا: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو سلمة، حدَّثنا وُهَيب، عن داود، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ لا ينجسه شيء.
وعن أبي سعيد قال (١٦): قيل: قيل يا رسول الله؛ أنتوضأ من بئر بضاعة؟ -وهي بئر يلقى فيها النتن ولحومُ الكلاب- فقال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء". رواه الشَّافعي، وأحمد
стр. 4684
وصححه، وأَبو داود، والتِّرمِذي وحسنه، والنَّسائي.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو الأشعث، حدَّثنا معتمر، سمعت أبي يحدث عن سيار، عن خالد بن يزيد؛ قال: كان عند عبد الملك بن مروان، فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق، فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات فأما النبات فمما كان من السماء.
وروي عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة. وقال غيره: في البر برٌّ، وفي البحر دُرٌّ.
وقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا﴾ أي: أرضًا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الحيا عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. أي: وليشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي، محتاجون [¬١] إليه غاية الحاجة، لشربهم وزروعهم وثمارهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَينَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾. أي: أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب فمر على الأرض وتعداها وجاوزها [إلى الأرض الأخرى] [¬٢]، لم ينزل فيها قطرة من
стр. 4685
ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة.
قال ابن مسعود وابن عبَّاس: ليس عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَينَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا﴾.
أي: ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنَّه قادر على إحياء الأموات والعظام والرفات [¬١]. أو: ليذكر من مُنِعَ القَطْر أنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عما هو فيه.
وقال عُمَر مولى غُفْرَةَ: كان جبريل ﵇ في موضع الجنائز، فقال له النبي، ﷺ : "يا جبربل، إني أحب أن أعلم أمْرَ السحاب" قال [¬٢] فقال جبريل: يا نبي الله، هذا ملك السحاب فسله. فقال: تأتينا صكَاك مخَتَّمة: اسق بلاد كذا وكذا، كذا وكذا قطرة. رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث مرسل.
وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا﴾. قال عكرمة: يعني الذين يقولون: مطرنا بنَوء كذا وكذا.
وهذا الذي قاله عكرمة كما صَحّ في الحديث المخرج في صحيح مسلم (١٧)، عن رسول الله، ﷺ ، أنَّه [¬٣] قال لأصحابه يومًا [¬٤]، على أثر سماء أصابتهم من الليل: أتدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما [¬٥] من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب".
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾، يدعوهم إلى الله ، ولكنا خصصناك، يا محمد، بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغ الناس هذا القرآن،
стр. 4686
﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾.
وفي الصحيحين: "بعثت إلى الأحمر والأسود". وفيهما: "وكان النبي يبعث إلى قومه [] [¬١]، وبعثت إلى الناس عامة"؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ يعني: القرآن [¬٢]؛ قاله ابن عبَّاس ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، أي: خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزلال؛ قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وهذا الذي لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات. والله سبحانه إنما أخبر [عن الواقع] [¬٣] لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه تعالى [¬٤] بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارًا وعيونًا في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم.
وقوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي: مالح مرٌّ زُعَاق (*) لا يستساغ [¬٥]، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب، البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وشبهها [¬٦] من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تتموج وتضطرب وتغتلم [¬٧] في زمن الشتاء وشدة الريح، ومنها ما فيه مد وجَزْر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان جَزَرت، حتَّى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة ثم تشرع في النقص، فأجرى الله وله القدرة التامة - العادة بذلك.
فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله مالحة الماء، لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى (**) الأرض بما يموت فيها من الحيوان. ولما كان ماؤها ملحًا كان هواؤها صحيحًا وميتتها طيبة؟ ولهذا قال رسول الله، ﷺ ، وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته". رواه
стр. 4687
الأئمة (١٨): مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل السنن، بإسناد جيد.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾، أي: بين [¬١] العذب والملح [¬٢] ﴿بَرْزَخًا﴾ أي: حاجزًا، وهو اليَبَس من الأرض، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أي: مانعًا أن يصل أحدهما إلى الآخر، كما قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعَدّله، وجعله كامل الخلقة، ذكرًا أو أنثى، كما يشاء، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات. وكل ذلك من ماء مهين؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾
يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غيرَ الله من الأصنام، التي لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء، والتشهي والأهواء [¬٣]، فهم [يوالون لهم] [¬٤] ويقاتلون في سبيلهم، ويعادون الله ورسوله فيهم، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. أي: عونًا في سبيل الشيطان على حزب الله،
стр. 4688
وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرًا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون [¬١] يقاتلون عنهم، ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله في الدنيا والآخرة.
قال مجاهد: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: كظاهر الشيطان على معصية الله: يعينه [¬٢].
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يقول: عونًا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك.
وقال زيد بن أسلم: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾، قال: مواليا.
ثم قال تعالى لرسوله -صلوات الله وسلامه عليه-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، مبشرًا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. أي: على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿إلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. أي: طريقًا ومسلكًا ومنهجًا يقتدي فيها بما جئت به.
ثم قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ الدائم الباقي السرمدي الأبدي، الحي القيوم رب كل شيء ومليكه، اجعله ذُخْرك [¬٣] وملجأك، وهو الذي يُتَوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤكدك ومظفرك، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
و [¬٤] قال ابن أبي حاتم (١٩): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل -يعني: ابن عبيد الله- عن عبد الله بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمانُ رسول الله، ﷺ ، في بعض فجاج المدينة فسجد له
стр. 4689
فقال: لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت، وهذا مرسل حسن.
[وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: اقرن بين حمده وتسبيحه] [¬١]، ولهذا كان رسول الله، ﷺ ، يقول: "سبحانك اللهم رَبَّنا وبحمدك! ". أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ﴾، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾.
وقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾، أي: لعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة.
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع، في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها، ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين.
وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد عُلم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد- صلوات الله وسلامه على سيد ولد آدم على الإِطلاق، في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب رَدّ نزاعهم إليه، فما يوافق أقواله وأفعاله فهو الحَق، وما يخالفها فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من كان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ [¬٢] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا قال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال مجاهد في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك. وكذا قال ابن جُرَيج.
وقال شمر بن عطية في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: هذا القرآن خبير به.
ثم قال تعالى منكرًا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا نعرف الرحمن. وكانوا ينكرون أن يُسَمّى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي ﷺ للكاتب: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم. ولهذا أنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو
стр. 4690
ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي: هو الله وهو الرحمن. وقال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا نعرفه ولا نُقر به، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا؟﴾ أي: لمجرد قولك؟ ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾؛ أما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويُفْرِدُونه بالإلهية ويسجدون له. وقد اتفق العلماء ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروعٌ السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾
يقول تعالى، ممجدًا نفسه، ومعظمًا على جميل ما خلق في السماء من البروج -وهي الكواكب العظام [¬١]، في قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والحسن، وقتادة، وقيل: هي قصور في السماء للحرس، يروى هذا عن علي، وابن عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مِهْران الأعصمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضًا، والقول الأول أظهر. اللَّهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور [¬٢] للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾؛ ولهذا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾، وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: [﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، اي: مضيئا مشرقا بنور آخر ونوع وفن آخر، غير نور الشمس] [¬٣]، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، وقال مخبرا عن نوح، ﵇، إنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، أي: يخلف كل واحد منهما الآخر، يتعاقبان [] [¬٤]، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ وقال: ﴿يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾.
وقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
وقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، أي: جعلهما يتعاقبان، توقيتًا لعبادة عباده له، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في
стр. 4691
الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح (٢٠): " إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل".
قال أبو داود الطيالسي (٢١): حدثنا أبو حُرَّة [¬١]، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي عليَّ من ورْدي شيء، فأحببت أن أتمه -أو قال: أقضيه- وتلا هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾.
[وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾] [¬٢] يقول: من فاته شيء من الليل [أن يعمله] [¬٣]، أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل. وكذا قال عكرمه وسعيد بن جبير والحسن
وقال مجاهد وقتادة: ﴿خِلْفَةً﴾، أي: مختلفين، هذا بسواده، وهذا بضيائه.
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾
هذه صفات عباد الله المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي بسكينة ووقار من غير جبرية (*) ولا استكبار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ [¬٤] تَبْلُغَ الْجِبَال طُولً﴾ فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح ولا أشر ولا بطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من البضائع (**) وتصنعًا [¬٥] ورياءً، فقد كان سيد ولد
стр. 4692
آدم، ﷺ ، إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابًّا يمشي رُوَيدًا، فقال: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدّرة، وأمره أن يمشي بقوة. وإنما المراد بالهَوْن هاهنا: السكينة والوقار، كما قال رسول الله ﷺ (٢٢): " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وَأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". وقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن يحيى [¬١] بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: إن المؤمنين قوم ذُلُل [¬٢]، ذلت منهم -والله- الأسماعُ والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء [¬٣]، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله، ما أحزنهم حزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، إنه [¬٤] من لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعْ نفسهُ على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب، فقد قل علمه وحَضَر عذابهُ.
وقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، أي: إذا سَفه عليهم الجهال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله، ﷺ ، لا تزيده [¬٥] شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.
وقال الإمام أحمد (٢٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مُقَرّن المُزَني قال: قال رسول الله، ﷺ [وسبّ رجلٌ رجلًا عنده - قال: فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام، قال: فقال رسول الله ﷺ ، [¬٦]: "أما إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل [¬٧] أنت، وأنت أحق به. وإذا قال له عليك السلام، قال: لا، بل عليك وأنت
стр. 4693
أحق به". إسناد [¬١] حسن ولم يخرجوه.
وقال مجاهد: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، يعني قالوا: سدادًا.
وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفًا من القول.
وقال الحسن البصري: [﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، قال: حلماء لا يجهلون] [¬٢]، وإن جُهِلَ عليهم حلموا، يصاحبون [¬٣] عباد الله نهارهم [بما تسمعون] [¬٤]. ثم [ذكر أن ليلهم] [¬٥] خير ليل.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، أي: في عبادته وطاعته، كما قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، أي: ملازمًا دائمًا، كما قال الشاعر:
إن يعذب يكن غرامًا وإن يعـ … ـط جزيلًا فإنه لا يبالي
ولهذا قال الحسن في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: كل شيء يصيب ابن آدم و [¬٦] يزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات والأرض. كذا قال سليمان التيمي.
وقال محمد بن كعب: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، يعني: ما نعموا في الدنيا؛ إن سأل الله الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار.
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، أي: بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيل مقامًا.
قال ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال: إذا طُرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له [¬٧]: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسًا من سُمّ الأساود (*) والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة،
стр. 4694
[والعصب على حدة] [¬١] والعروق على حدة.
وقال أيضًا [¬٢]: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عُبيد بن عمير؛ قال: إن في النار لجبابًا (*) فيها حيات أمثال البخت (**)، وعقارب أمثال البغال الدُّلم (* * *)، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت شفاههم [¬٣] وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت. وقال الإمام أحمد (٢٤): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام -يعني ابن مسكين [¬٤]- عن أبي ظلَال، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي، ﷺ ، قال: "إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان! يا منان! فيقول الله لجبريل: اذهب فأتني [¬٥] بعبدي هذا. فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى ربه، ، فيخبره، فيقول الله : ائتني به فإنه في مكان كذا وكذا. فيجيء به فيوقفه على ربه ، فيقول له [¬٦]: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب، شر مكان وشر مقيل، فيقول: ردوا عبدي. فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ [¬٧] أخرجتني منها أن تردني فيها! فيقول: دعوا عبدي".
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، ﴿وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، كما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.
стр. 4695
[وقال] [¬١] الإمام أحمد (٢٥): حدثنا عصام بن خالد، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن ضمرة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "من فقه الرجل رفقه في معيشته". [لم] [¬٢] يخرجوه.
وقال أحمد أيضًا (٢٦): حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين [¬٣] بن عبد العزيز العَبدي، حدثنا إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما عال من اقتصد". [لم] [¬٤] يخرجوه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار (٢٧): حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم [بن محمد] [¬٥] ابن ميمون، حدثنا سعيد بن حكيم، عن مسلم بن حبيب، عن بلال -يعني العبسي- عن حذيفة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في العبادة". ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة ﵁.
وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سَرَفٌ.
وقال غيره: السرف: النفقة في معصية الله.
وقال الحسن البصري: ليس في [¬٦] النفقة في سبيل الله سرفٌ [¬٧].
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ