← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

تفسير سورة النمل وهي مكية ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) قد تقدم الكلام في "سورة البقرة" على الحروف المتقطعة في أوائل السور. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أي: هذه آيات ﴿الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح، ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ وقال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غَيهم فهم يَتِيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي: ﴿وإنك﴾ - يا محمد - قال قتادة: ﴿لَتُلَقَّى﴾ أي: لتأخذ ﴿الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾

стр. 4762

إِذْ قَال مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ يقول تعالى لرسوله ﷺ مذكرًا له ما كان من أمر موسى، كيف اصطفاه الله، وكلمه وناجاه، وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ أي: اذْكُرْ حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا، أي: رأى نارًا تتأجَّج وتضطرم، فقال ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي: عن الطريق، ﴿أَوْ آتِيكُمْ [بِشِهَابٍ قَبَسٍ] [¬١] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي: تتدفئون به. وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس [منها] [¬٢] نورًا عطمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: فلما أتاها رأى منظرًا هائلًا عظيمًا، حيث انتهى إليها، والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء. قال ابن عباس وغيره: ولم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يتوهج. وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين. فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فنودي ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال ابن عباس: أي [¬٣] قُدّس ﴿ومن حولها﴾ أي: من الملائكة.

стр. 4763

قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، والحسن، وقتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود -هو الطيالسي - حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عُبَيدة يحدث عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل". زاد المسعودي: "وحجابه [النور أو] [¬١] النار - لو كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كل شيء أدركه بصره". ثم قرأ أبو عُبَيدة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيح لمسلم، من حديث عمرو بن مرة، به (١). وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبه شيئًا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العليّ العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد، المنزه عن مماثلة المحدثات. وقوله: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أَعْلَمَهُ أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الحكيم [¬٢]، الذي عزّ كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله. ثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلًا واضحًا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمة هائلة في غاية الكبر، وسرعة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، والجان: ضرب من الحيات، [أسرعه حركةً] [¬٣]، وأكثره اضطرابًا - وفي الحديث نَهْيٌ عن قتل جِنان البيوت (٢). فلما عاين موسى ذلك ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: ولم يلتفت من شدة فرقه. ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولًا وأجعلك نبيًّا وجيهًا.

стр. 4764

وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر وذلك أن من كان على شيء ثم أقلع عنه، ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًّا. وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، هذه آية أخرى، ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصدْق من [¬١] جعل له معجزة، وذلك أن الله تعالى أمره أن يُدخل يده في جيب دِرْعه، فإذا أدخلها وأخرجها خَرَجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة قمر، لها لمعان يتلألأ كالبرق الخاطف. وقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أي: هاتان ثنتان من تسع آيات أُؤيدك بهن، وأجعلهن برهانًا لك إلى فرعون وقومه، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ كما تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ أي: بينة واضحة ظاهرة ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وأرادوا معارضته بسحرهم، فغلبوا وانقلبوا صاغرين ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي في ظاهر أمرهم ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: علموا في أنفسهم أنها حَقٌّ من عند الله، ولكن جَحَدُوها وعاندوها وكابروها ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، أي: ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، ﴿وَعُلُوًّا﴾ أي: استكبارًا عن أتباع الحق؛ ولهذا قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة كُفرهم، في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة. وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون بمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى، فإن محمدًا - صلوات الله وسلامه عليه - أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، بما آتاه الله تعالى من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه من ربه أفضلُ الصلاة والسلام. ﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ وَقَال يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا

стр. 4765

مِنْ كُلِّ شَيءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه داود وابنه سليمان - عليهما من الله السلام - من النعم الجزيلة، والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام: أخبرني أبي، عن جدي؛ قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عَبد نعمة فحمد الله عليها، إلَّا كان حَمْدهُ أفضلَ من نعمه [¬١]، لو كنت لا تعرف ذلك إلَّا من [¬٢] كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأي نعمة أفضلُ مما أوتي داود وسليمان ﵉؟ وقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾ أي: في الملك والنبوة، وليس المراد ورَاثَةَ المال؛ إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائةُ امرأة. ولكن المراد بذلك وراثةُ الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ : "نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا [¬٣] صدقة" (٣). وقوله: ﴿وَقَال يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: أخبر سليمان

стр. 4766

بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتَّى إنه سَخَّر له الإِنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضًا، وهذا شيء لم يُعطَه أحد من البشر - فيما علمناه - مما أخبر الله به ورسوله. ومن زعم من الجهلة والرِّعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود -كما يتفوه به كثير من الناس- فهو قولٌ بلا علم، ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر الخلوقات من وقت خُلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال، ولكن الله كان قد أفهم سليمان ﵇ ما خاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها، ولهذا قال: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ [أي: مما يحتاج إليه الملُك] [¬١]، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، أي: الظاهر البين لِله علينا. قال الإِمام أحمد: حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأَبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتَّى يرجع، قال: فخرج ذات يوم وأغلقت الأَبواب، فأقبلت امرأته [¬٢] تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسىط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود ﵇ فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبًا بأمر الله، فتزمل (*) [¬٣] داود ﵇ مكانه حتَّى قبضت لفسه، حتَّى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان ﵇ للطير: أظلي على داود. فأظلت [¬٤]، عليه الطير حتَّى أظلمت عليهما [¬٥] الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحًا جناحًا". قال أَبو هريرة: يا رسول الله، كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله ﷺ يده، وغلبت عليه يومئذ المضرَحيّة (٤). قال أَبو الفرج بن الجوزي: المضرحية: النسور الحمر.

стр. 4767

وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإِنس والطير، يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإِنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حَرٌّ أظلته منه بأجنحتها. وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يكف [¬١] أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وَزَعَة، يردُّون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أي: حتَّى إذا مر سليمان ﵇ بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، ﴿قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. أورد [¬٢] ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قَتَادة، عن الحسن: أن اسم هذه النملة: حرس، وأنَّها من قبيلة يقال لهم: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب. أي: خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها، ففهم ذلك سليمان ﵇ عنها [¬٣] ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، أي: ألهمني أن أشكر ندمتك التي مننت بها عليَّ، من تعليمى منطق الطر والحيوان، وعلى والديّ بالإِسلام لك [¬٤] والإِيمان بك، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، أي: عملًا تحبه وترضاه، (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين". أي: إذا توفيتنى فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك. ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها. وعن نوف البَكَالي أنَّه قال: كان نمل سليمان أمثال الذيب. هكذا رأيته مضبوطًا بالياء المثناة من [¬٥] تحت وإنَّما هو بالباء الموحدة، وذاك [¬٦] تصحيف، والله أعلم. والغرض أن سليمان ﵇ فهم قولها، وتبسم ضاحكا من ذلك، وهذا أمر عظيم جدًّا.

стр. 4768

وقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مشعَر، عن زيد العَميّ، عن أبي الصدِّيق الناجي قال: خرج سليمان ﵇ يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم، إنَّا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان ﵇: "ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". وقد ثبت في الصحيح - عند مسلم - من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "قَرَصتْ نبيًّا من الأنبياء نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلَّا نملة واحدة" (٥). ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾ قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما عن ابن عبَّاس وغيره: كان الهدهد مهندسًا، يدل سليمان ﵇ على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإِنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان ﵇ الجان فحفروا له ذلك المكان، حتَّى يستنبطوا [¬١] الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ بفلاة من الأرض، فنفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، ﴿فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾. حدث يومًا عبد الله بن عبَّاس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له: "نافع بن الأزرق"، وكان كثير الاعتراض على ابن عبَّاس، فقال له: قف يا ابا [¬٢] عبَّاس، غُلبت اليوم! قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنَّه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبيّ ليضع له الحبة في الفخ ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد فيأخذها [¬٣] فيقع في الفخ، فيصيده الصبيّ. فقال ابن عبَّاس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عبَّاس، لا أجبته. فقال له: ويحك! إنه إذا نزل القَدَر عَمِيَ البصر، وذهب الحَذَر. فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا (٦).

стр. 4769

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (٧) في ترجمة [أبي عبد الله البَرْزيّ] [¬١]- من أهل "بَرْزَةَ" من غوطة [¬٢] دمشق، وكان من الصالحين يصوم الإثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين - فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن يزيد [¬٣]: [أنه سأله] [¬٤] عن سبب عَوَره، فامتنع، فألح عليه شهورًا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن [واديها] [¬٥]، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامرَ وأوقدا فيها بخورًا كثيرًا، حتَّى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يُغْزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها [¬٦]، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار، فاستبشرا بها عظيمًا، وقالا: الحمد لله الذي لم يُخَيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلًا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدّولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، انظر ما تحتها كما تُوري [¬٧] المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلًا، فسرت معهما وهما [¬٨] يحدثاني، حتَّى إذا [¬٩] بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا، فلم أزل كذلك ملقى مكتوفًا، حتَّى مر بي نفر فَفَك وَثَاقي. فهذا ما كان من خبر عيني. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدَّثنا عباد بن بن ميسرة المنقري، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان ﵇: عنبر. وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان ﵇ إذا غدا إلى مجلسه الذي كان بجلس فيه تفقد [¬١٠] الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نُوبٌّ من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلّها من حَضَره إلَّا الهدهد، ﴿فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟ وقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال الأعمش، عن المنهاج بن عمرو، عن سعيد، عن

стр. 4770

ابن عبَّاس [¬١]: يعني نتف ريشه. وقال عبد اللَّه بن شداد: نتفُ ريشه وتشميسه. وكذا قال غير واحد من السلف: إنه نتفُ ريشه، وتركه مُلْقى يأكله الذر والنمل. وقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يعني: قتله ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بعذر واضح بين. [قال] [¬٢] سفيان بن عيينة، وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد قال له الطير: ما خلفك، فقد نذر سليمان دمك! فقال: هل استثنى؟ فقالوا: نعم. قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، فقال: نجوت إذًا. قال مجاهد: إنما دفع عنه ببره بأمه. ﴿فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ فَقَال أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ يقول تعالى: ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيرَ بَعِيدٍ﴾ أي: غاب زمانًا يسيرًا، ثم جاء فقال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ﴾، أي: بخبر صدق حقّ يقين، وسبأ: هم حمير، وهم ملوك اليمن. ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شَرَاحيل ملكة سبأ. وقال قَتَادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة. وقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شَرَاحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية.

стр. 4771

وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها بلتقة. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عليّ بن الحسين، حدَّثنا مسدد، حدَّثنا سفيان -يعني ابن عيينة- عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس؛ قال: [كان مع] [¬١] صاحبة سليمان ألفُ قَيْل، تحت كل قيل مائة ألف. وقال الأعمَش، عن مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قَيل: مائة ألف مقاتل. وقال عبد الرزاق: أنبأنا محمر، عن قَتَادة، في قوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني [¬٢] عشر رجلًا، كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل. وكانت بأرض يقال لها: مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء. وهذا القول هو أقرب على أنَّه كثير على مملكة [¬٣] اليمن، والله أعلم. وقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾، أي: من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن، ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ. قال زهير بن محمد: كان من ذهب صفحتاه مرمولة [¬٤] بالياقوت والزبرجد [طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا. وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد] [¬٥] واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها [¬٦] النساء، لها ستمائة امرأة [تليها للخدمة] [¬٧]. قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحًا ومساء، ولهذا قال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن طريق الحق، ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾. وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [معناه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ

стр. 4772

السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [¬١] أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقرأ بعض القراء (ألا يا اسجدوا لله) (*) جعلها: "ألا" الاستفتاحية، و"يا" النداء [¬٢]، وحذف المنادى، تقديره عنده: "ألا ياقوم، اسجدوا لله". وقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقَتَادة، وغير واحد. وقال سعيد بن المسيب: الخَبْء: الماء. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السموات والأرض: ما جعل فيها من الأرزاق؛ المطر من السماء، والنبات من الأرض. وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عبَّاس وغيره، من [¬٣] أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها. وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [¬٤]﴾ أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلَّا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه. ولما كان الهدهد داعيًا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأَبو داود وابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد. وإسناده صحيح (٨).

стр. 4773

﴿قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) يخبر تعالى عن قيل سليمان ﵇ للهدهد حين أخبره عن أهل [¬١] سبإ وملكتهم: (﴿قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، أي: أصدقت في إخبارك هذا، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في مقالتك، فتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وذلك أن سليمان ﵇ كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها، وأعطاه لذلك الهدهد فحمله - قيل: في جناحه كما هو عادة الطير، وقيل: بمنقاره - وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كُوَّةٍ هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدبًا ورياسة، فتحيرتْ مما رأتْ، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي [¬٢] أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾، تعني بكرمه ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم، ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾؛ فعرفوا أنَّه من نبي الله سليمان، وأنه لا قِبَل لهم به، وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوَجَازة والفصاحة، بأنه حَصَّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل سليمان ﵇. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا في تفسيره، حيث قال: حدَّثنا أبي، حدَّثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحناط [¬٣]، حدَّثنا أَبو يوسف، عن سلمة بن صالح، [عن عبد الكريم] [¬٤] أبي أمية عن ابن [¬٥] بُرَيدَة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ

стр. 4774

فقال: "إني أعلم آية [¬١] لم تنزل [¬٢] على نبيٍّ قبلي بعد سليمان بن داود". قال: قلت: يا رسول الله، أيّ آية؟ قال: "سأعلمكها [¬٣] قبل أن أخرج من المسجد". قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسيَ، ثم التفت إليَّ فقال [¬٤]: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٩). هذا حديث غريب وإسناده ضعيف. وقال ميمون بن مهران: كان رسول الله ﷺ يكتب: باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾، يقول قتادة: لا تجبروا علي [¬٥]، وأتوني مسلمين. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا عليَّ ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قال ابن عبَّاس: موحدين. وقال غيره: مخلصين. وقال سفيان بن عيينة: طائعين. ﴿قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها، وما قد نزل بها؛ ولهذا قالت: ﴿قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أي: حتَّى تحضرون وتشيرون. ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: مَتُّوا [¬٦] إليها بعَدَدهم وعُدَدهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أي: نحن ليس لنا عاقة، [ولا بنا بأس. إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة] [¬٧] عنه، وبعد هذا فالأمر إليك، مري فينا برأيك نمتثله ونطعه [¬٨]. قال الحسن البصري ﵀: فوضوا أمرهم إلى عِلْجَةٍ (*) يضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزمَ رأيًا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده

стр. 4775

وجيوشه، وما سُخَّر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهَدَت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إليَّ وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا، ولهذا قالت: ﴿قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾. قال ابن عبَّاس: أي: إذا دخلوا بلدًا عنوة أفسدوه، أي: خَرَّبوه، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا [¬١] أَذِلَّةً﴾، أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر. قال ابن عبَّاس: قالت بلقيس: ﴿قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، قال الرب : ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والخادعة والمصانعة، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: سأبعث إليه بهدية تليق به، وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خَرَاجًا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك [¬٢] قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقَلَهَا في إسلامها وفي شركِهَا!! علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس. [وقال] [¬٣] ابن عبَّاس وغير واحد: قالت لقومها: إن قَبِلَ الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه. ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَال أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنَّها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت إليه بلَبنَة من ذهب، والصحيح أنَّها أرسلت إليه [¬٤] بآنية من ذهب. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما: وأرسلت جواري في زيّ الغلمان، وغلمان في زيّ الجواري، وقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبيّ. قالوا: فأمرهم ﵇ أن يتوضئوا، فجعلت الجارية تُفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك.

стр. 4776

وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن زندها قبل ظاهره، والغلام بالعكس. وقيل: بل جعلت الجواري يغتسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم. ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم. وذكر بعضهم: أنَّها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء [¬١]، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتَّى عرقت، ثم ملأه من ذلك. وبخرزة وسلك فيجعله [¬٢] فيها، ففعل ذلك. والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإِسرائيليات، والظاهر أن سليمان ﵇ لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه، وقال منكرًا عليهم؛ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟! ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود - خيرٌ مما أنتم فيه، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلَّا الإِسلام أو السيف. قال الأعمش، عن المنهاج بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس ﵁: أمر سليمانُ الشياطينَ فموّهوا له ألف قصر من ذهب وفضة. فلما رأت رسلُها ذلك قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا وفي هذا دلالة على [جواز تهيؤ] [¬٣] الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد. ﴿ارْجِعْ إِلَيهِمْ﴾ أي: بهديتهم، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، أي: لا طاقة لهم بقتالهم، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾، أي: من بلدهم ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: مهانون مدحورون. فلما رجعت إليها رسلُها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإِسلام، ولما تحقق سليمان ﵇ قدومهم عليه، ووفودهم إليه، فرح بذلك وسَرَّه. ﴿قَال يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا

стр. 4777

عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد، والله، عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكابرته [¬١] شيئًا. وبعثت إليه: إني قادمة عليك [] [¬٢] بملوك قومي، لأنظر ما أمرُك وما تدعونا إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه - وكان من ذهب مُفَصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ - فجعل [¬٣] في سبعة أبيات، بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأَبواب، ثم قالت لمن خَلفت [¬٤] على سلطانها، احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، وَلا يرَينَّه أحد [¬٥] حتَّى آتيك. ثم شَخَصَت إلى سليمان في اثنى عشر ألفًا [¬٦] قَيْلٍ من ملوك اليمن، تحت يدي كل قَيل منهم ألوف كثيرة. فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتَّى إذا دَنت جمع مَنْ عنده مِنَ الجن والإِنس، ممن تحت يديه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. وقال قَتَادة: لما [¬٧] بلغ سليمان أنَّها جائية، وكان قد ذُكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترًا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبيّ الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾. وهكذا قال عطاء الخراساني، والسدّي، وزُهير بن محمد: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فتحرم على أموالهم بإسلامهم. ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، قال مجاهد: أي مارد من الجن. قال شعيب الجبائي: وكان اسمه كوزن. وكذا قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وكذا قال أيضًا وَهْب بن منبه. قال أَبو صالح: وكان كأنّه جبل. ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، قال ابن عبَّاس: يعني قبل أن تقوم من مجلسك. وقال مجاهد: مقعدك. وقال السدي وغيره: كان يجلس للناس للقضاء

стр. 4778

والحكومات، وللطعام من أول النهار إلى أن تزول الشمس. ﴿وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: أي قوي على حمله أمين على ما فيه من الجوهر. فقال سليمان ﵇: أريد أعجل من ذلك. ومن هاهنا يظهر أن النبيّ سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهبه الله تعالى له [¬١] من الملك، وسَخَّر له من الجنود، الذي لم يُعْطَه أحد من [¬٢] قبله، ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة في نبوته عند بلقيس وقومها؟ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يَقْدَموا عليه. هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة [¬٣]. فلما قال سليمان [¬٤]: أريد أعجل من ذلك، ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾، قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان. وكذا رَوَى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: أنَّه آصف بن برخياء، وكان صدِّيقًا يعلم الاسم الأعظم. وقال قَتَادة: كان مؤمنًا من الإِنس، واسمه آصف. وكذا قال أَبو صالح، والضحاك، وقَتَادة: إنه كان من الإنس. زاد قَتَادة: من بني إسرائيل. وقال مجاهد: كان اسمه أسطوم. وقال قَتَادة - في رواية عنه: كان اسمه بليخا. وقال زهير بن محمد: هو رجل من الإنس يقال له: ذو النور. وزعم عبد الله بن لهيعة أنَّه الخضر، وهو غريب جدًّا. وقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ﴾ أي: ارفع بصرك وانظر مَدَّ بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلَّا وهو حاضر عندك. وقال وَهْب بن منبه: امدد بصرك فلا يبلغ مداه حتَّى آتيك به. فذكروا أنَّه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب، ثم قام فتوضأ، ودعا اللَّه . قال مجاهد: قال [¬٥]: يا ذا الجلال والا كرام. وقال الزُّهْريّ: قال [¬٦]: يا إلهنا وإله كل شيء، إلهًا واحدًا، لا إله إلَّا أنت، ائتني بعرشها. قال: فتمثل [¬٧] له بين يديه.

стр. 4779

قال مجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وزهير بن محمد، وغيرهم؛ لما دعا الله ، وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس - وكان في اليمن، وسليمان ﵇ ببيت المقدس - غاب السرير، وغاص في الأرض، ثم نبع من بين يديّ سليمان ﵇. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، لم يشعر سليمان إلَّا وعرشها يحمل بين يديه. قال: وكان هذا الذي جاء به من عُبَّاد البحر، فلما عاين سليمان ومَلَؤه ذلك، ورآه مستقرًّا عنده، ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، أي: هذا من نعم الله علي، ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾، أي: ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾ وقوله: ﴿عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾، أي: هو غني عن العباد وعبادتهم، ﴿كَرِيمٌ﴾، أي: كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: ﴿وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. وفي صحيح مسلم: "يقول الله تعالى: يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، [ثم أوفيكم إياها] [¬١] فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلَّا نفسه" (١٠). ﴿قَال نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٤)﴾ لما جيء سليمان ﵇ بعرش بلقيس قبل قدومها، أمر به أن يغير بعض صفاته، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تقدم على أنَّه عرشها أو أنَّه ليس به، فقال:

стр. 4780

﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾. [قال] [¬١] ابن عبَّاس: نزع عنه فصوصه ومرافقه. وقال مجاهد: أمر به فغُيَّر، ما كان أحمر جُعل أصفر، وما كان أصفر جُعل أحمر، وما كان أخضر جُعل أحمر، غيَّرَ كل شيء عن حاله. وقال عكرمة: [زادوا] [¬٢] فيه ونقصوا. [وقال قَتَادة: جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه ونقصوا] [¬٣]. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: عرض عليها عرشها [¬٤]، وقد غُيَّر ونُكَّر، وزيد فيه ونقص منه [¬٥] فكان فيها ثبات وعقل، ولها لُبّ ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنَّه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنَّه غيره، لما رأت من آثاره وصفاته، وإن غير وبدل ونكر، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي [¬٦]: يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الدهاء والحزم. وقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ قال مجاهد: سليمان يقوله. وقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ هذا من تمام كلام سليمان ﵇ في قول مجاهد، وسعيد بن جبير -رحمهمَا الله -أي: قال سليمان: ﴿وَ [¬٧] أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾، وهي كانت قد صدها، أي: منعها من عبادة الله وحده ﴿كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد - حَسَن، وقاله ابن جرير أيضًا. ثم قال ابن جرير: ويحتمل أن يكرن في قوله: ﴿وَصَدَّهَا﴾، ضمير يعود إلى سليمان، أو إلى الله ، تقدره: ومنعها ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أي: صدها عن عبادة [غير الله] [¬٨] ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. قلت: ويؤيد قول مجاهد: أنَّها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح كما سيأتي. وقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا﴾، وذلك أن سليمان ﵇ أمر الشياطين فبنوا له قصرًا عظيمًا من قوارير، أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنَّه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماء وبينه، واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان ﵇ إلى اتخاذه، فقيل: إنه لما عزم على تَزْويجِها واصطفاها لنفسه، ذكر له جمالها وحسنها، ولكن في ساقيها هُلْبٌ (*) عظيم،

стр. 4781

ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابّة، فساءه ذلك، فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؛ هذا قول محمد بن كعب القُرَظي وغيره. فلما دخلت وكشفت عن ساقيها، رأى أحسن الناس وأحسنه قدمًا، ولكن رأى [¬١] على رجليها شعرًا [¬٢]، لأنها ملكة ليس لها بعل، فأحب أن يذهب ذلك عنها، فقيل لها: الموسى؟ فقالت: لا أستطع ذلك. وكره سليمان ذلك، وقال للجن: اصنعوا شيئًا غير الموسى يذهب به هذا الشعر، فصنعوا له النورَةَ. وكان أول من اتخذت له النَّوْرَة. قاله ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، ومحمد ن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج، وغيرهم. و [¬٣] قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومَان: ثم قال لها: ادخلي الصرح، ليري مُلكًا هو أعز من ملكها، وسلطانًا هو أعظم من سلطانها. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك إلا أنَّه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح مُمَرَّد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله، وعاتبها في عبادتها [الشمس من] [¬٤] دون الله. وقال الحسن البصري: لما رأت العِلْجَة الصرح عرفت - والله - أن قد رأت [¬٥] ملكًا أعظم من ملكها. وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، عن وَهْب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج، كأنه الماء بياضًا. ثم أرسل الماء تحته، ثم وضعب له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإِنس، ثم قال: ادخلي الصرح، ليري ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها، ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا﴾، لا تشك أنَّه ماء تخوضه، قيل لها: ﴿قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾، فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله ، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدًا إعظامًا لما قالت، وسجد معه الناس، فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع [سليمان] [¬٦] رأسه قال: ويحكِ! ماذا قلت؟ - قال: وأنسيت ما قالت - فقالت [¬٧]: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، فأسلمت وحسن إسلامها. وقد روى الإِمام أبو بكر بن أبي شبية في هذا أثرًا غريبًا عن ابن عبَّاس قال: حدَّثنا الحسين بن علي، عن زائدة، حدثني عطاء بن السائب، حدَّثنا مجاهد - ونحن في الأزد - قال: حدَّثنا ابن عبَّاس، قال: كان سليمان ﵇ يجلس على سريره، ثم

стр. 4782

تُوضَعُ كراسي حوله، فيجلس عليها الإنس، ثم يجلس الجن، ثم الشياطين، ثم تأتي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يغدون [¬١] قدر ما يشتهي الراكب، أن ينزل [¬٢] شهرًا ورواحها شهرًا، قال: فبينما هو ذات يوم في مسير له، إذ تفقد الطير ففقد [¬٣] الهدهد فقال [¬٤]: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، قال: فكان عذابه إياه أن ينتفه، ثم يلقيه [بالأرض] [¬٥] فلا يمتنع من نملة، ولا من شيء من هوام الأرض. قال عطاء: وذكر سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس مثل حديث مجاهد. ﴿فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ﴾ قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى بلقيس، ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، [فلما ألقى الهدهد الكتابَ إليها، ألقى في رُوعها: إنه كتاب كريم، وإنه من سليمان، وأن لا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين. قالوا: نحن أولو قوة] [¬٦]. قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وإني مرسلة إليهم بهدية. فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال، ارجع إليهم. فلما نظر إلى الغبار - أخبرنا ابن عبَّاس قال:. وكان بين سليمان وبين ملكة سبإ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة [¬٧]، قال عطاء: ومجاهد حينئذ في الأزد - قال سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين، ﴿قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس، كما يجلس الأمراء ثم يقوم. قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، قال سليمان: أريد أعجل من ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. [قال: فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره] [¬٨]، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان، من تحت كرسيّ كان لسليمان [¬٩]، يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير. قال: فلما رأى سليمان عرشها قال: ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، ﴿قَال نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾، فلما جاءت قيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. قال: فسألَتْهُ [حين جاءته] [¬١٠] عن أمرين: قالت لسليمان: أريد [¬١١] ماء ليس من أرض ولا سماء - وكان سليمان إذا سئل عن شيء، سأل الإِنس ثم الجن ثم الشياطين- فقالت

стр. 4783

الشياطين: هذا هَين، أجْر الخيلَ ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية. قال: فأمر بالخيل فأجريَت، ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية. قال: وسألت عن لون الله قال: فوثب سليمان عن سريره، فخرَّ ساجدًا، فقال: يا رب، لقد سَألَتْني عن أمر [¬١] إنه يتكايد [] [¬٢] في قلبي أن أذكره لك. قال: ارجع فقد كَفَيتكهم. قال: فرجع إلى سريره فقال: ما سألت عنه؟ قالت: ما سألتك إلا عن الماء. فقال لجنوده: ما سألت عنه؟ فقالوا: ما سألتك إلا عن الماء. قال: ونَشوه كلّهم. قال: وقالت الشياطين لسُلَيمان: تريدُ أن تتخذها لنفسك؟ فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد، لم ننفك من عبوديته. قال: فجعلوا صرحًا ممردًا من قوراير، فيه السمك. قال: فقيل لها: ادخلي الصرح. فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، فإذا هي شَعْرَاء. فقال سليمان: هذا قبيح، ما يذهبه؟ فقالوا: تذهبه المواسى. فقال: أثر المواسي [¬٣] قبيح! قال: فجعلت الشياطين النَّورَة. قال: فهو أول من جُعلت له النَّورة. ثم قال أَبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث! قلت: بل [¬٤] هو منكر غريب جدًّا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عبَّاس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنَّها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب - سامحهما الله تعالى - فيما نقلا إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنى [¬٥] الله - سبحانه - عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة. أصل الصرح في كلام العرب: هو القصر، وكل بناء مرتفع، قال الله إخبارًا عن فرعون - لعنه الله - أنَّه قال لوزيره هامان: (﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ الآية. والصرح: قصر في اليمن عالى البناء: والممرد أي: المبنيّ بناء محكمًا أملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: زجاج. وتمريد البناء: تمليسه. ومارد: حصن بدومة الجندل. والغرض أن سليمان ﵇ اتخذ قصرًا عظيمًا منيفًا من زجاج لهذه الملكة، ليريها

стр. 4784

عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله - تعالى - وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره - انقادت لأمر الله، وعَرَفت أنَّه نبيّ كريم، وملك عظيم، فأسلمت لله ؛ وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أي: بما [¬١] سلف من كفرها، وشركها، وعبادتها وقومها الشمس من دون الله، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده، لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَال يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَال طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح ﵇ حين بعثه الله إليهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، قال مجاهد: مؤمن وكافر، كقوله تعالى: ﴿قَال الْمَلَأُ [¬٢] الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾. ﴿قَال يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، أي: لم تدعون بحضور [¬٣] العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟! ولهذا قال: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرًا. وذلك أنهم لشقائهم - كان لا يصيب أحدًا منهم سوء إلَّا قال: هذا من قِبَلِ صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا بهم. وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أي: بقدر الله وقضائه. وقال مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. وقال هؤلاء: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَال طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: الله [¬٤] يجازيكم على ذلك ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، قال قَتَادة: تبتلون بالطاعة والمعصية.

стр. 4785

والظاهر أن المراد بقرله: ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال. ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَينَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورُءُوسِهم، الذين كانوا دعاة قومهم إلي الضلالة والكفر وتكذيب صالح، وآلَ بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة، وهموا بقتل صالح أيضًا، بأن يبيتوه [¬١] في أهله لئلا فيقتلوه غَيلة، ثم يقولوا [¬٢] لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به، من أنهم لم يشاهدوا ذلك. فقال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾، أي: مدنة ثمود ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾، أي: تسعة نفر، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود؛ لأنهم كانوا كبراء فيهم ورؤساءَهم. قال العوفي عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة، أي: الذين صدر ذلك عن آرائهم ومشورتهم، قبحهم الله ولعنهم! وقد فعل ذلك. وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: كان أسماء هؤلاء التسعة: [دعمى، ودعيم] [¬٣]، وهرما [¬٤]، وهريم، وداب، وصواب، ورياب [¬٥] ومسمطع، وقدار [¬٦] ابن سالف -عاقر الناقة- أي: الذي باشر ذلك بيده. قال الله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. وقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء -هو ابن أبي رباح- يقول: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، قال: كانوا

стр. 4786

يقرضون الدراهم (١١). يعني أنهم كانوا يأخذون منها [¬١]، وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددًا، كما كان العرب يتعاملون. و [¬٢] قال الإمام مالك: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض (١٢). وفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله، ﷺ ، نهى عن كسر سِكَّةِ المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس (١٣). والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة، كان من صفاتهم الإِفساد في الأرض بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة، وغير ذلك. وقوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح ﵇ من لقيه ليلًا غيلة، فكادهم الله، وجعل الدائرة عليهم. قال مجاهد: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ [تحالفوا] [¬٣] على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين. وقال قتادة: توافقوا على أن يأخذوه ليلًا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم مَعَانيق إلى صالح ليفتكوا به، إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم. وقال العوفي: عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة قالوا حين عقروها: نُبَيّت صالحًا وقومه فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به علم؛ فدمرهم الله أجمعين. وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعد ما عقروا الناقة: هَلُم فلنقتل صالحًا، فإن كان صادقًا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا كنا قد ألحقناه بناقته! فأتوه ليلًا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطئوا على أصحابهم، أتوا مَنْزل صالح، فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم؟ ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه،

стр. 4787

ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونهم [¬١] أبدًا، وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، بأن كان صادقًا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم [¬٢] من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لما عقروا الناقة وقال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحِجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف -أي: غار- هناك ليلًا، فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله، ففرغنا منهم، فبعث الله صخرة من الهضَب حيالهم، فخشوا أن تشدخهم فتبادروا [¬٣]، فانطقبت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذب الله [¬٤] هؤلاء هاهنا، وهؤلاء هاهنا، وأنجى الله صالحًا ومن معه، ثم قرأ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً﴾، أي: فارغة ليس فيها أحد ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَينَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَينَاهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾ يخبر تعالى عن عبده لوط ﵇: أنه أنذر قومه نقمة الله بهم، في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة: استغنى [¬٥] الرجال بالرجال، والنساء بالنساء. قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي: هي بعضكم بعضًا، وتأتون في ناديكم المنكر؟ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعرفون شيئًا لا طبعًا ولا شرعًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ

стр. 4788

أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾. ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: يتحرجون [¬١] من فعل ما تفعلونه [¬٢]، ومن إقراركم على صنيعكم، فأخرجوهم من بين أظهركم، فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم، فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: من الهالكين مع قومها، لأنها كانت ردءًا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط، ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله ﷺ لا كرامة لها [¬٣]. وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا﴾، أي: حجارة من سجيل منضود [مسومة عند ربك] [¬٤]، وما هي من الظالمين ببعيد؛ ولهذا قال: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار، فخالفوا الرسول وكذبوه، وهموا بإخراجه من بينهم. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه على عباده، من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العُلى والأسماء الحسنى، وأن يُسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم، وهم رسله وأنبياؤه الكرام -عليهم من الله الصلاة والسلام- هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى: هم الانبياء، قال: وهو كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم أجمعين: وروي نحوه عن ابن عباس.

стр. 4789

ولا منافاة، فإنهم إذا كانوا من [عباده] [¬١] الذين اصطفي، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن اللَّه تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ما ذكر لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر- أن يحمدوه على جميل [¬٢] أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار. وقد قال أبو بكر البزار (١٤): حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي -إن شاء الله- عن أبي مالك، عن ابن عباس: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، قال: هم أصحاب محمد ﷺ ، اصطفاهم اللَّه لنبيه ﵃. قوله: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ استفهامُ إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع [تعالى يبين أنه المتفرد] [¬٣] بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: تلك السنوات [¬٤] بارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة، والنجوم الزاهرة، والأفلاك الدائرة، والأرض باستفالها وكثافتها، وما جعل فيها من الجبال والأوعار والسهول، والفيافي والقفار، والأشجار والزروع، والثمار والبحور، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: جعله رزقًا للعباد، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾، أي: بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، أي: منظر حسن وشكل بهي [¬٥]، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾، أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات شجرها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق، المستقل بذلك المنفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا وزق، وإنما يستحق أن يُفرَد بالعبادة مَنْ هو المتفرد بالخلق والرزق، ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي: أإله مع الله يعبد؟! وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعرفون به أيضًا- أنه الخالق الرازق؟

стр. 4790

ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [أي: أإله مع الله] [¬١] فعل هذا؟! وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثَمّ أحد فعل هذا معه، بل هو المتفرد به. فيقال: فكيف تعبدون معه غيره، وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ وقوله هاهنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿أَمَّنْ﴾ [أمَّن] [¬٢] في هذه الآيات تقديره: أمّن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة الكلام ما يرشد إلي ذلك، وقد قال: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي: يجعلون لله عدلًا و [¬٣] نظيرًا، وهكذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾، أي: [أمن هو هكذا كمن ليس كذلك] [¬٤]؟ ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: أمن هو شهيد على أفعال الخلق، حركاتهم وسكناتهم، يعلم الغيب جليله وحقيره، كمن هو لا يعلم، ولا يسمع، ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها؟ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ يقول: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا [¬٥] ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾. ﴿وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا﴾، أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة تشقها في خلالها، وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقا وغربًا وجنوبًا وشمًالا، بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم، حيث ذرأهم من [¬٦] أرجاء الأرض، سيّر إليهم [¬٧] أرزاقهم

стр. 4791

بحسب ما يحتاجون إليه، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ أي: جبًالا شامخة ترسى الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم، ﴿وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا﴾، أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزًا، أي: مانعًا يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والقصود منها أن تكون عذبة زلالًا تسقي الحيوان والنبات والثمار منها؛ والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحًا أجاجًا، لئلا يفسد الهواء بريحها، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: فعل هذا [وبعد] [¬١]، هذا على القول [¬٢] الآخر، وكلاهما متلازم صحيح. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي [¬٣]: في عبادتهم غيره. ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ ينبه تعالى أنه هو [¬٤] المدعُوّ عند الشدائد، المرجُوّ عند النوازل، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه. قال الإمام أحمد (١٥): حدثنا عفان، حدثنا وُهَيب، حدثنا خالد الحَذاء، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن رجل من بلهجيم، قال: قلت: يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال: "أدعو إلى الله وحده، الذي إن مَسّك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضْلَلْتَ بأرض قَفْرٍ فدعوتَه ردّ عليك، والذي إن أصابتك سَنة فدعوته أنبتَ لك". قال: قلت: أوصني، قال: "لا تسبنّ أحدًا، ولا تزْهَدَن في المعروف، ولو أن تلقى [¬٥] أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تُفرغَ من دَلوك في إناء المستقي، واتّزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، [وإن الله ﵎ لا يحب المخيلة] [¬٦] ".

стр. 4792

وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر (١٦)، فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمَة، حدثنا يونس -هو ابن عبيد- حدثنا عَبيدةُ الهُجَيمي [¬١]، عن أبي تَميمَةَ الهُجَيمي، عن جابر بن سُلَيم الهُجَيمي، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو مُحتَبٍ بشملة، وقد قع هدبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد -أو: رسول الله؟ - فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله، أنا من أهل البادية، وفيَّ جفاؤهم، فأوصني. فقال: "لا تحقرَنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك ووجُهك مُنْبَسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي [¬٢]، وإن امرؤ شَتَمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزْرُه، وإياك وإسبال الإِزار، فإن إسبال الإزار من المخيلَة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تَسُبنَّ أحدًا". قال: فما سببت بعد [¬٣] أحدًا، وَلا شاة ولا بعيرًا. وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقًا، وعندهما [¬٤] طرف صالح منه (١٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم، حدثنا عبدَة بن نوح، عن عمر بن الحجاج، عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل علي طاوس يعودني [¬٥]، فقلت له: ادع الله لي، [¬٦]، يا أبا عبد الرحمن، فقال [¬٧]: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه. وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول: إن الله يقول: "بعزتي، إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن فيهن، والأرض بمن فيها، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي؛ فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، فأكله إلى نفسه".

стр. 4793

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل -حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدِّينَوَري، المعروف بالدقي الصوفي- قال هذا الرجل [¬١]: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلي بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق، على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه، فإنها أقرب. فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب. فسلكناها فانتهينا إلي مكان وَعْر وواد عميق، وفيه قتلى كثير، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل. فنزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه، وسل سكينًا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ البغل بما عليه. فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه، وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين؟ فقال: وعجل. فقمت أصلي فأرتج علي القرآنُ فلم يَحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: هيه! افرُغ. فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم [¬٢] الوادي، وبيده حربة، فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده، فخر صريعًا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله، من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالمًا. وذكر [¬٣] في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية (١٨)، قالت: هزم الكفار يومًا المسلمين في غزاة، فوقف جَوَاد جَيد بصاحبه، وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟ ويلك! إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم. فقال له الجواد: وما لي لا أقصر وأنت تكل علوفتي إلي السواس فيظلموني ولا يطعمونني إلا القليل؟ فقال: لك علي عهد الله أن [¬٤] لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حِجْري. فجرى الجواد عند ذلك، ونجَّى صاحبه، وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره. واشتهر أمره بين الناس، وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك، وبلغ ملك الروم أمره، فقال: ما تُضَام [¬٥] بلدة يكون هذا الرجل فيها. واحتال ليحصله في بلده، فبعث إليه رجلا من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حَسنت نيته في الإسلام وقومه، حتى استوثق، ثم خرجا يومًا يمشيان على جنب الساحل، وقد أوعد شخصًا آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتنفاه ليأخذاه رَفَع طرفه إلي السماء وقال: اللهم، إنه إنما خَدَعني بك فاكفنيهما بما شئت، قال: فخرج سبعان إليهما فأخذاهما، ورجع الرجل سالمًا.

стр. 4794

وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، أي: يخلفُ قرنًا [¬١] لقرن قبلهم، وخَلَفًا [¬٢] لسلف؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، أي: قومًا لخلف بعضهبم بعضًا كما قدمنا تقريره. وهكذا هذه الآية: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: أمة بعد أمة، وجيلًا بعد جيل، وقومًا بعد قوم. ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين، كما خلق آدم من تراب. ولو شاء أن يجعلهم [بعضَهم من ذرية بعض] [¬٣]، ولكن لا يميت أحدًا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض، وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم، ويتضرر بعضهم ببعض، ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم كثرهم غاية الكثرة، ويذرؤهم في الأرض، ويجعلهم قرونًا بعد قرون، وأممًا بعد أم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البشرية [¬٤]، كما قدر ذلك ﵎، وكما أحصاهم وعَدّهم عَدًّا، ثم يقيم القيامة، ويُوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي: يقدر على ذلك، أو: أإله مع الله يُعبَد، وقد علم أن الله هو المنفرد [¬٥] بفعل ذلك ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم [إلى الحق] [¬٦] ويهديهم إلى الصراط المستقيم. ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ يقول: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا [¬٧] بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾، أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجديين الأزِلين القنطين ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

стр. 4795

﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ أي: هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ [¬١] الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أي [¬٢]: بما ينزل من مطر السماء، وينبت من بركات الأرض، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فهو ﵎ ينزل من السماء ماء مباركًا فيسكنه في الأرض، ثم يخرج به أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى، ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي [¬٣]: فعل هذا؟ وعلى القول الآخر: [بعد هذا] [¬٤]؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ذلك، وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان، كما قال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول معلمًا لجميع الخلق: إنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب. وقوله: ﴿إلا اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله ، فإنه المنفرد بذلك وحده، لا شريك له؛ كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ والآيات في هذا كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في

стр. 4796

السموات والأرض بوقت الساعة؛ كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا على [¬١] بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: من زعم أنه يعلم -يعني النبي ﷺ ما يكون في غد؛ فقد أعظم على الله القرية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾ (١٩). وقال قتادة: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناسًا جَهَلَة بأمر الله، قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة: من أعْرَس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ولعمري، ما من نجم إلا ولد به الأحمر والأسود، والقصير والطويل، والحسن والذميم، وما علم هذا النجم، وهذه الدابة، وهذا الطير- بشيء من الغيب! وقضى الله: أنه لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جيل متين صحيح. وقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [¬٢] عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ أي: انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها. وقرأ آخرون: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ (*) أي: تساوى علمهم في ذلك، كما في الصحيح لمسلم: أن رسول الله ﷺ قال لجبريل -وقد سأله عن وقت الساعة-: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل" (٢٠) أي: تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسئول والسائل. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ (**) عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي:

стр. 4797

غاب [علمهم في الآخرة] [¬١]. وقال قتادة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [¬٢] عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، يعني: بجهلهم ربهم، يقول: لم ينفذ لهم الي الآخرة علم. هذا قول. وقال ابن جريج: عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، حين لم ينفع العلم. وبه قال عطاء الخراساني، والسدي: أن علمهم إنما يُدرك ويُكْمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وقال سفيان: عن [¬٣] عمرو بن عبيد، عن الحسن: إنه كان يقرأ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ [¬٤]﴾ قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة. وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، عائد على الجنس، والمراد: الكافرون، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، أي: الكافرون منكم. وهكذ، قال هاهنا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، أي: شاكون في وجودها ووقوعها، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، أي: في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها. ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن منكري البعث من المشركين: إنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظامًا [ورفائا] [¬٥] وترابًا، ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعًا. وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ﴿إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: أخذه قوم عمن قبلهم، مَن قبلهم يتلقاه بعضهم [¬٦] عن بعض، وليس له حقيقة. قال الله تعالى مجيبًا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: ﴿قُلْ﴾ - يا

стр. 4798

محمد- لهؤلاء: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: المكذبين بالرسل وما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نِقَمُ الله وعذابه ونكاله، ونجى الله من بينهم رسلَه الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين؛ فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته. ثم قال تعالى مسليًا لنبيه -صلوات الله وسلامه عليه- ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ﴾ أي: المكذبين بما جئت به، ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات، ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، أي: في كيدك ورَدّ ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهرٌ دينَك على مَنْ خالفه وعانده في المشارق والمغارب. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة، واستبعادهم وقوع ذلك: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال الله مجيبًا لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، [قال ابن عباس: أن يكون قرب -أو: أن يقرب- لكم بعض الذي تستعجلون. وهكذا] [¬١] قال مجاهد والضحاك، وعطاء الخراساني وقتادة والسدي وهذا هو المراد، كقوله [¬٢] تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. وإنما دخلت "اللام" في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، لأنه ضُمن معنى "عَجِل لكم"، كما قال مجاهد في رواية عنه، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: عجل لكم. ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي [¬٣]: في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ

стр. 4799

ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة - وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه [¬١] فقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يعني وما من شيء ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان: إنه يقص على بني إسرائيل -وهم حملة التوراة والإنجيل- ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غَلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل: إنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام ﵊ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: هدى لقلوب المؤمنين، ورحمة لهم في العمليات. ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في أمورك، وبَلّغ رسالة ربك، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾، أي: أنت على الحق المبين وإن خالفك مَنْ خالفك بن كتبت عليه الشقاوة وحَقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، أي: لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وَقْر الكفر؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، إنما يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع

стр. 4800

والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضع لله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ﵈. ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس، وتَرْكِهم أوامرَ الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابّة من الأرض -قيل [¬١]: من مكة، وقيل: من غيرها -كما سيأتي تفصيله -فَتُكلِّم الناسَ على ذلك. قال ابن عباس والحسن وقتادة- وروي عن علي ﵁: تكلمهم كلامًا، أي: تخاطبهم مخاطبة. وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن علي، واختاره ابن جرير وفي هذا نظر لا يخفى، والله أعلم. وقال ابن عباس -في رواية-: تجرحهم، وعنه رواية، قال: كلَّا [¬٢] تفعل، يعني هذا وهذا. وهو قول حسن ولا منافاة، والله أعلم. وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثارٌ كثيرة، فلنذكر ما تيسر منها، بالله [¬٣] المستعان: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن فُرَات، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال: "لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات: طلع الشمس من مغربها، والدخان، والدابّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعر عدن تسوق [] [¬٤]-أو تحشر: الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتَقيل معهم حيث قالوا" (٢١).
следующие страницы →