السموات والأرض بوقت الساعة؛ كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا على [¬١] بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: من زعم أنه يعلم -يعني النبي ﷺ ما يكون في غد؛ فقد أعظم على الله القرية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾ (١٩).
وقال قتادة: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناسًا جَهَلَة بأمر الله، قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة: من أعْرَس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ولعمري، ما من نجم إلا ولد به الأحمر والأسود، والقصير والطويل، والحسن والذميم، وما علم هذا النجم، وهذه الدابة، وهذا الطير- بشيء من الغيب! وقضى الله: أنه لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.
رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جيل متين صحيح.
وقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [¬٢] عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ أي: انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها.
وقرأ آخرون: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ (*) أي: تساوى علمهم في ذلك، كما في الصحيح لمسلم: أن رسول الله ﷺ قال لجبريل -وقد سأله عن وقت الساعة-: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل" (٢٠) أي: تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسئول والسائل.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ (**) عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي:
стр. 4797
غاب [علمهم في الآخرة] [¬١]. وقال قتادة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [¬٢] عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، يعني: بجهلهم ربهم، يقول: لم ينفذ لهم الي الآخرة علم. هذا قول.
وقال ابن جريج: عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، حين لم ينفع العلم. وبه قال عطاء الخراساني، والسدي: أن علمهم إنما يُدرك ويُكْمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقال سفيان: عن [¬٣] عمرو بن عبيد، عن الحسن: إنه كان يقرأ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ [¬٤]﴾ قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة.
وقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، عائد على الجنس، والمراد: الكافرون، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، أي: الكافرون منكم. وهكذ، قال هاهنا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، أي: شاكون في وجودها ووقوعها، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، أي: في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها.
﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن منكري البعث من المشركين: إنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظامًا [ورفائا] [¬٥] وترابًا، ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعًا.
وقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ﴿إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: أخذه قوم عمن قبلهم، مَن قبلهم يتلقاه بعضهم [¬٦] عن بعض، وليس له حقيقة. قال الله تعالى مجيبًا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: ﴿قُلْ﴾ - يا
стр. 4798
محمد- لهؤلاء: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: المكذبين بالرسل وما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نِقَمُ الله وعذابه ونكاله، ونجى الله من بينهم رسلَه الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين؛ فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته.
ثم قال تعالى مسليًا لنبيه -صلوات الله وسلامه عليه- ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ﴾ أي: المكذبين بما جئت به، ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات، ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، أي: في كيدك ورَدّ ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهرٌ دينَك على مَنْ خالفه وعانده في المشارق والمغارب.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة، واستبعادهم وقوع ذلك:
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال الله مجيبًا لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، [قال ابن عباس: أن يكون قرب -أو: أن يقرب- لكم بعض الذي تستعجلون. وهكذا] [¬١] قال مجاهد والضحاك، وعطاء الخراساني وقتادة والسدي وهذا هو المراد، كقوله [¬٢] تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.
وإنما دخلت "اللام" في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، لأنه ضُمن معنى "عَجِل لكم"، كما قال مجاهد في رواية عنه، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: عجل لكم.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي [¬٣]: في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ
стр. 4799
ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة - وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه [¬١] فقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يعني وما من شيء ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان: إنه يقص على بني إسرائيل -وهم حملة التوراة والإنجيل- ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غَلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل: إنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام ﵊ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: هدى لقلوب المؤمنين، ورحمة لهم في العمليات.
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في أمورك، وبَلّغ رسالة ربك، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾، أي: أنت على الحق المبين وإن خالفك مَنْ خالفك بن كتبت عليه الشقاوة وحَقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، أي: لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وَقْر الكفر؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، إنما يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع
стр. 4800
والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضع لله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ﵈.
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾
هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس، وتَرْكِهم أوامرَ الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابّة من الأرض -قيل [¬١]: من مكة، وقيل: من غيرها -كما سيأتي تفصيله -فَتُكلِّم الناسَ على ذلك.
قال ابن عباس والحسن وقتادة- وروي عن علي ﵁: تكلمهم كلامًا، أي: تخاطبهم مخاطبة.
وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن علي، واختاره ابن جرير وفي هذا نظر لا يخفى، والله أعلم.
وقال ابن عباس -في رواية-: تجرحهم، وعنه رواية، قال: كلَّا [¬٢] تفعل، يعني هذا وهذا. وهو قول حسن ولا منافاة، والله أعلم. وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثارٌ كثيرة، فلنذكر ما تيسر منها، بالله [¬٣] المستعان:
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن فُرَات، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال: "لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات: طلع الشمس من مغربها، والدخان، والدابّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعر عدن تسوق [] [¬٤]-أو تحشر: الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتَقيل معهم حيث قالوا" (٢١).
стр. 4801
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن، من طرق، عن فُرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حُذَيفة [به مرفوعًا] [¬١]، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه مسلم (٢٢) أيضًا من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، عنه موقوفًا [¬٢]، والله أعلم.
(طريق أخرى) قال أبي داود الطيالسي، عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم؛ فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عُمَير الليثي: أن أبا الطفيل حدثه، عن حذيفة بن أسيد الغفاري أبي سَريحَةَ؛ وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود -وحديث طلحة أتم وأحسن- قال: ذكر رسولُ الله ﷺ الدابة فقال: "لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خَرجة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني مكة- ثم تكمن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خَرْجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية" -يعني مكة- قال رسول الله، ﷺ : "ثم بينما الناس في أعظم الساجد على الله حرمة وأكرمها: المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي ترغو [¬٣] بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب. فارفضّ الناس عنها شتَّى ومعًا، وبقيت [¬٤] عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فبدأت بهم، فجلَت وجوههم حتى جلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان، الآن تصلي؟ فيقبل عليها فتَسمُه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن مِنَ الكافر، حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر، اقضني حقي. وحتى إن الكافر ليقول: يا مؤمن، اقضني حقي" (٢٣).
ورواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أسيد موقوفًا (٢٤)، فالله أعلم.
ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى بن مريم، وهو يطرف بالبيت، ولكن إسناده لا يصح (٢٥).
стр. 4802
(حديث آخر): قال مسلم بن الحجاج: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي حَيان، عن أبي زُرْعَةَ، عن عبد الله بن عمرو [¬١] قال: حفِظْتُ من [¬٢] رسول الله، ﷺ ، حديثًا لم أنسه بعد: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: "إن أول الآيات خروجا: طلوعُ الشمس من مغربها، وخروج الدابَّة على الناس ضُحى، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا" (٢٦).
(حديث آخر): روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب -مولى الحُرَقَة- عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا [¬٣]: طلع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة" (٢٧).
وله من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هُرَيرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستةً: الدُّخَان أو الدَّجال، ودابّة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخُوَيصة [¬٤] أحدكم" (٢٨).
(حديث آخر)، قال ابن ماجة: حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عَمرو بن الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابّة الأرض، والدجال، وخُوَيصة [¬٥] أحدكم، وأمر العامة". تفرد به (٢٩).
(حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي أرضًا (٣٠): حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أوس [¬٦] بن خالد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉،
стр. 4803
فتخطم أنف الكافر بالعصى، وتجلي [¬١] وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع [¬٢] الناس على الخوان، يعرف المؤمن من الكافر".
ورواه الإمام أحمد، عن بهز وعفان ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، به.
وقال: "فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر" (٣١).
ورواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد [¬٣] المؤدب، عن حماد بن سلمة، به.
(حديث آخر): قال ابن ماجة: حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا أبو تُمَيلة، حدثنا خالد بن عُبيد، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه؛ قال: ذهب لي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية، قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله، ﷺ : "تخرج الدابة من هذا الموضع. فإذا فِتْر (*) في شبر" قال ابن بُرَيدة: فحججت بعد ذلك بسنين، فأرانا عصًا له، فإذا هو بعصاي هذه [¬٤]. كذا وكذا (٣٢).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أن ابن عباس قال: هي دابّة ذات زَغَب (**)، لها أربع قوائم، تخرج من بعض أودية تهامة (٣٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن [¬٥] رجاء، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، قال: قال عبد الله: تخرج الدابة من صِدْع من الصفا كجَري الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها.
وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، قال: سئل عبد اللَّه بن عمرو عن الدابة، فقال: الدابّة تخرج من تحت صخرة بجياد (* * *)، والله لو كنت معهم، أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها. قيل: فتصنعُ ماذا يا عبد الله بن عمرو؟ قال: تستقبل
стр. 4804
المشرق فتصرخ صرخة تنفُذُه، [ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه] [¬١]، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تروح من مكة فتصبح [¬٢] بعُسفَانَ. قيل: ثم ماذا؟ قال: لا أعلم.
وعن عبد الله بن عمر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جَمعٍ (*) (٣٤).
ورواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده ابن البيلمان.
وعن وهب بن منبه: أنه حكى من كلام عُزَير ﵇ أنه قال: "وتخرج من تحت سدوم دابّة تكلم الناس، كل يسمعها، وتضع الحبالى [¬٣] قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجًا، ويتعادى الأخلاء، وتُحرَقُ الحكمة، ويُرفَعُ العلم، وتكلم الأرض التي تليها. وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعنَّون [¬٤] فيما لا ينالون [¬٥] ويعملون فيما لا يأكلون". رواه ابن أبي حاتم، عنه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مريم: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: إن الدابة فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وقال ابن عباس: هي مثل الحربة [¬٦] الضخمة.
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إنها دابة لها ريش وزغب وحافر، وما لها ذنب، ولها لحية، وإنها لتخرج حُضْر (**) [¬٧] الفرس الجواد ثلاثًا وما أخرج ثلثاها] [¬٨].
رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جريج، عن ابن الزبير، أنه وصف الدابّة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين
стр. 4805
خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيْل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا، تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نَكَتَتْ في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه، حتى إنّ الناس يتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون علي مائدتهم، فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان، أبشر، أنت من أهل الجنة. ويا فلان، أنت من أهل النار؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَال أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن يوم القيامة، وحشر الظالمين المكذبين بآيات الله ورسله إلي بين يدي الله ، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعًا وتوبيخًا، وتصغيرًا وتحقيرًا فقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾، أي: من كل قوم وقرن فوجًا، أي: جماعة، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾؛ كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾.
وقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، قال ابن عباس ﵄: يدفعون. وقال قتادة: وزعة ترد [¬١] أولهم على آخرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾، أي: أوقفوا بين يدي الله- في مقام المساءلة ﴿قَال أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويسألون عن اعتقادهم، وأعمالهم، فلما لم يكونوا من أهل السعادة، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، فحينئذ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به؛ كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾، وهكذا قال هاهنا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾، أي:
стр. 4806
بهتوا فلم يكن لهم جواب؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.
و [¬١] قال تعالى منبهًا علي قدرته التامة، وسلطانه العظيم، وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته، والانقياد لأوامره، وتصديق أنبيائه فيما جاءوا به من الحق الذي لا مَحيد عنه، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾، أي: فيه ظلام تسكن بسببه حركاتهم، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نَصَب التعب في نهارهم. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شئونهم التي يحتاجون إليها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾
يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور وهو كما جاء في الحديث: "قرن ينفخ [¬٢] فيه". وفي حديث الصور [¬٣] أن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولًا نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا، حين تقوم الساعة علي شرار الناس من الأحياء، فيفزع مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وهم الشهداء، فإنهم أحياء [¬٤] عند ربهم يرزقون.
قال الإِمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عُبَيد [¬٥] الله بن مُعاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم: سمعت يعقوب بن عاصم بن عُروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله -أو: لا إله إلا الله- أو: كلمة
стр. 4807
نحوهما [¬١]- لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا يخرب البيت، ويكون ويكون [¬٢]؛ ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين-[لا أدري أربعين] [¬٣] يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا- فيبعث الله لله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى علي وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم دخل كبد جبل لدخَلَته عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ ، قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم، حسن عيشهم [¬٤]، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتا. قال: "وأول من يسمعه رجل يَلوط حوض إبله". قال: "فيَصْعَقُ ويصعقُ الناس، ثم يرسل الله -أو قال: ينزل الله- مطرًا، كأنه الطّل [¬٥]، -أو قال: الظل [¬٦]- نعمان الشاك- فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخُ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال،: يا أيها الناس، هلموا إلي ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون. ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين [¬٧]، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق" (٣٥).
فقوله [¬٨]: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا". الليت: هو صفحة العنق، أي: أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدًا.
فهذه نفخة الفزع، ثم بعد ذلك نفخة الصعق، وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين، وهو النشور من القبور لجميع الخلائق؛ ولهذا قال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين﴾: قُرئ بالمد، وبغيره على الفعل (٥)، وكل بمعنى [¬٩] واحد- و ﴿دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين مطيعين، لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
стр. 4808
وفي حديث الصور: أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح، فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح، تتوهج أرواح المؤمنين نورًا، وأرواح الكافرين ظُلمة، فيقول الله : "وعزتي وجلالي لترجعنّ كلّ روح إلى جسدها"، فتجئ الأرواح إلي أجسادها، فتدبّ فيها كما يَدبّ السّم في اللديغ، ثم يقومون فينفضون التراب من قبورهم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمرّ مرَّ السحاب، أي: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬١] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾.
وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ﴾، أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أتقن كُل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [¬٢]﴾ أي: هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه.
ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِنْهَا﴾ قال قتادة: بالإِخلاص. وقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله. وقد بين في المكان الآخر أن له عَشْر أمثالها.
﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. وقال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أي: من لقي الله مسيئًا لا حسنة له، أو: قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ [¬٣] تَعْمَلُونَ﴾.
وقال ابن مسعود وأبو هريرة وابن عباس ﵃ وأنس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، والزهري، والسدي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد، في
стр. 4809
قوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، يعني: بالشرك
﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا [عن] [¬١] رسوله وآمرًا له أن يقول ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ كما قال ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾.
إضاف [¬٢] الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها [¬٣] والاعتناء بها، كما قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
وقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾، أي: الذي إنما صارت حرامًا قدرًا وشرعًا، بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرامة الله إلي يوم القيامة، لا يُعضَد شوكه، ولا ينفر صيدةُ، ولا يلتقط لقطتة إلا لمن عرفها، ولا يختلي خلاها … " (٣٦). الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من "كتاب الأحكام"، ولله الحمد.
وقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾، من باب عطف العام علي الخاص، أي: هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أي: الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له [¬٤].
وقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾، أي: على الناس أبلغهم إياه، كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ وكقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ
стр. 4810
يُؤْمِنُونَ﴾، أي: أنا مبلغ ومنذر، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، أي: لي سوية الرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخَلَصُوا من عهدتهم، وحساب أممهم على الله، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ﴾.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، أي: لله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإِعذار إليه؛ ولهذا قال: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬١]﴾ أي: بل هو شهيد علي كل شيء.
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر: حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس، لا يَغْترَّنَّ أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلًا شيئًا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة" (٣٧).
[وقال أيضًا] [¬٢]: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي: أخبرني [] [¬٣] خالد بن قيس، عن مطر، عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلًا شيئًا لأغفل ما تَعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم.
وقد ذكر عن الإِمام أحمد ﵀ أنه كان ينشد هذين البيتين، إمّا له أو لغيره:
إذَا مَا خَلَوتَ الدّهْرَ يَومًا فَلا تَقُل … خَلَوتُ، وَلكن قُل: عَليَّ رَقيب
وَلا تَحْسَبنَّ اللهَ يَغْفَل سَاعَة … وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيه يَغيب
* * *
стр. 4811
تفسير سورة القصص وهي مكية
قال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا ﴿طسم﴾ المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم مَن أخذها من رسول الله، ﷺ : خَبَّاب بن الأرَت [¬١]. قال: فأتينا خَبَّاب بن الأرت [¬٢]، فقرأها علينا ﵁ (١).
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة
وقوله: ﴿تِلْكَ﴾، أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، أي: الواضح الجليّ الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن.
وقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أي: نذكر [الأمر كما] [¬٣] كان عليه كأنك شاهد وكأنك
стр. 4812
حاضرة.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: تكبّر وتجبّر وطغى، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، أي: أصنافًا، قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته.
وقوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾، يعني: بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا، وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد، يستعملهم في أخس الأعمال، ويَكدُّهُم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقارًا، وخوفًا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من [¬١] أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه وذهاب دولته علي يديه، وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه، ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم ﵇ ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك مَلك مصر علي يديه، وكانت [¬٢] القبط تتَحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكما [¬٣] بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر؛ لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب، ولهذا قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾، وقد فعل تعالى بهم ذلك، كما قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع [¬٤] قَدَر الملك العظيم الذي لا يُخَالف أمره القدري، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القِدَم [¬٥] بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلتَ بسببه ألوفًا من الولدان إنما [¬٦] منشؤه ومرباه علي فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه [¬٧]، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السموات العُلا هو القاهر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا
стр. 4813
تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾
ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يُفْني بني إسرائيل، فَيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك -إن استمر هذا الحال- أن يموت شيوخهم وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يَقُمْن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك؛ فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون ﵇ في السنة التي يتركون فيها الولدان [¬١]، وولد موسى ﵇ في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلين [¬٢] بذلك، وقوابل يَدُرنَ [¬٣] على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت [¬٤] ولادتها لا يَقبَلُها إلا نساء القبط، فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذباحون، بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا نبَّحَهُمُ الله. فلما حملت أم موسى به ﵇ لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن [¬٥] لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا وأحبته حبًّا زائدًا، وكان موسى ﵇ لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعًا وشرعًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فلما ضاقت ذرعًا به ألْهِمَتْ في سِرِّها، وألقِيَ في خَلَدِها، ونُفِثَ في رُوعِها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وذلك أنه كانت دارها علي حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومَهَدت فيه مهدًا، وجعلت [ترضع ولدها] [¬٦]، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته [¬٧] بحبل عندها. فلما كان [في بعض الأيام] [¬٨] دخل عليها [أحد ممن] [¬٩] تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته
стр. 4814
في البحر وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مر به علي دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، وذهبن [¬١] به إلي امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يَفْتَتْنَ عليها في فتحه دونها، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله [¬٢] من كرامتها وشقاوة بعلها؛ ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾.
قال محمد بن إسحاق وغيره: "اللام" ها هنا [¬٣] لام العاقبة، لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك. ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلي معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله -تعالى- قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوًّا وحزنًا، فيكون أبلغ [في إبطال] [¬٤] حذرهم منه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كتب كتابًا إلي قوم من القدرية، في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق: وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيَ [¬٥] فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، وقلتم أنتم: لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليًّا وناصرًا، والله يقول: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، يعني أن فرعون لما رآه همَّ بقتله خوفًا من أن يكون من بني إسرائيل، فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تُحَاجّ [¬٦] عنه وتَذِبُّ دونه، وتحببه إلي فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ﴾، فقال: أمًا لكِ فَنَعَم، وأما لي فلا. فكان كذلك؛ فهداها [¬٧] الله به، وأهلكه الله علي يديه. وقد تقدم في حديث الفتون في "سورة طه" هذه القصة بطولها من رواية ابن عباس مرفوعًا عند النسائي وغيره.
وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به، وأسكنها الجنة بسببه.
وقولها: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أي: أرادت أن تتخذه ولدًا وتتبناه [¬٨]، وذلك أنها [¬٩] لم
стр. 4815
يكن لها ولد منه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه، من الحكمة العظيمة [البالغة، والحجة القاطعة] [¬١].
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن فؤاد أم موسى، حين ذهب ولدها في البحر: إنه أصبح فارغًا، أي: من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، والضحاك، والحسن البصري، وقتادة، وغيرهم.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لَتُظهر أنَّه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثَبَّتها وصبَّرها؛ قال الله تعالى: ﴿لوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾، أي: أمرت ابنتها -وكانت كبيرة تعي ما يقال لها- فقالت لها: ﴿قُصِّيهِ﴾، أي: اتبعي أثره، وخذي خبره، وتَطَلَّبي شأنه من نواحي البلد. فخرجت لدلك، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾، قال ابن عباس: عن جانب.
وقال مجاهد: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ عن بعيد.
وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده.
وذلك أنه لما استقر موسى ﵇ بدار فرعون، وأحبته امرأة الملك، واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم، فلم يقبل منها ثديًا، وأبى أن يقبل شيئًا من ذلك.
стр. 4816
فخرجوا به إلي سوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته، ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها، قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: تحريمًا قَدَريًّا، وذلك لكرامة الله له، صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه، ولأن الله -سبحانه- جعل ذلك سببًا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهي آمنة، بعد ما كانت خائفة. فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه ﴿فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.
قال ابن عباس: لما قالت ذلك أخذوها، وشكوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك نصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظُئُورة [¬١] الملك ورجاء منفعته. فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك وخَلَصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به على أمه، فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.
وذهب البشير إلي امرأة الملك، فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاءً جزيلًا، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها. ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها، وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولا أقدر علي المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت. فأجابتها امرأة فرعون إلي ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصلات [¬٢] والكساوي والإِحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية، قد أبدلها الله من بعد خوفها أمنًا، في عز وجاه ورزق دارٍّ؛ ولهذا جاء في الحديث: "مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها". ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل: يوم وليلة، أو [¬٣] نحوه، والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر! ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجًا، وبعد كل ضيق مخرجًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا﴾، أي: به، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾، أي: عليه، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: فيما وعدها من رده إليها، وجعله من المرسلين، فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشرعًا.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: حُكْمَ الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريهًا إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى: [﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، وقال تعالى] [¬٤]: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩)﴾.
стр. 4817
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾
لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى ﵇ ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكمًا وعلمًا. قال مجاهد: يعني النبوة: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قَدّر له من النبوة والتكليم: قضية قتله ذلك القبطيّ، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلي بلاد مدين، فقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، قال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء.
وقال ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار. وكذلك قال سعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة.
﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ﴾، أي: يتضاربان ويتنازعان، ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾، أي: من بني إسرائيل، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾، أي: قبطي؛ قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق. فاستغاث الإسرائيلي موسى [¬١]﵇، ووجد موسى فرصة، وهي [¬٢] غفلة الناس، فعمد إلى القبطي ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ﴾.
[قال، [¬٣] مجاهد: وكزه، أي: طعنة بجُمِعِ [¬٤] كفِّه.
وقال قتادة: وكزه بعصا [¬٥] كانت معه.
﴿فَقَضَى عَلَيهِ﴾، أي: كان فيها حتفه فمات، ﴿قَال﴾ [¬٦] موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ
стр. 4818
الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾، أي: بما جعلت لي من الجاه والعز [¬١] والمنعة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾، أي: معينًا: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾، أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَال لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَال يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن موسى ﵇ لما قتل ذلك القبطي: إنه أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾، أي: من مَعَرة ما فعل ﴿يَتَرَقَّبُ﴾، أي: يتلفت [¬٢] و [¬٣] يتوقع ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق، فإذا ذاك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر موسى استصرخه على الآخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾، أي: ظاهر الغواية كثير الشر. ثم عزم علي البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟ وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى ﵇، فلما سمعها ذلك القبطي لقَفها من فمه، ثم ذهب بها إلي باب فرعون فألقاها عندهم [¬٤]، فعلم بذلك، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى، فطلبوه وبعثوا وراءه ليحضروه لذلك.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾
قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾، وصفه بالرّجُولية؛ لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بُعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى، ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، أي: يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾، أي: من البلد، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
стр. 4819
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَال مَا خَطْبُكُمَا قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾
لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قبله، بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، أي: يتلفت، ﴿قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: من فرعون وملئه. فذكروا أن الله بعث له ملكًا على فرس، فأرشده إلي الطريق، فالله أعلم.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: أخذ طريقًا سالكًا مَهْيَعًا. فرح بذلك، ﴿قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، أي: إلى الطريق الأقوم. ففعل الله به ذلك، وهداه إلي الطريق المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديًا مهديًّا.
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: ولما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر ترده رعاء الشاء.
﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ أي: جماعة ﴿يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾، أي: تكفكفان غنمهما أن [¬١] ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يُؤذَيا. فلما رآهما موسى ﵇ رق لهما ورحمهما، ﴿قَال مَا خَطْبُكُمَا﴾، أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؛ ﴿قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾، أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، ﴿وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى. قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد لله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو [¬٢] ابن ميمون الأودي، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر،
стр. 4820
ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتا [¬١]، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم. إسناد صحيح (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ [¬٢] إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾، قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلي مدين، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فما وصل [إلى] [¬٣] مَدْيَنَ حتى سقطت نعل قدمه و [¬٤] جلس في الظل، وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج إلي شق تمرة.
وقوله: ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾ قال ابن عباس وابن مسعود والسدى: جلس تحت شجرة.
وقال ابن جرير (٣): حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: حَثثتُ علي جمل ليلتين، حتى صَبَّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي -وكان جائعًا- فأخذها جملي فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله لموسى ﵇ ثم انصرفتُ. وفي رواية عن ابن مسعود أنه ذهب إلي الشجرة التي كلم الله منها موسى، كما سيأتي، والله أعلم.
وقال السدى: كانت من شجر السَّمُر.
و [¬٥] قال عطاء بن السائب: لما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾؛ أسْمَعَ المرأة.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ الْقَصَصَ قَال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ
стр. 4821
تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَال ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾
لما رجعت المرأتان سِراعًا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيئهما سريعًا، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى ﵇، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها. قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، أي: مَشْيَ الحرائر؛ كما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: كانت مستترة بكم درعها.
وقال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبي] [¬١] حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: قال عمر ﵁: جاءت تمشي علي استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خرّاجة؛ ولاجة. هذا إسناد صحيح.
قال الجوهري: السلفع [¬٢] من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجريئة السليطة، ومن النوق: الشديدة.
﴿قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا﴾، وهذا تأدب في العبارة [¬٣]، لم تطلبه طلبًا مطلقًا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا﴾، يعني: ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ [¬٤] الْقَصَصَ﴾، أي: ذكر له ما كان من أمره، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده، ﴿قَال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقول: طب نفسًا وقَرّ عينًا، فقد خرجتَ من مملكتهم فلا حُكْم لهم في بلادنا؛ ولهذا قال: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل: من هو؟ على أقوال؛ أحدها: أنه شعيب النبيّ ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين. وهذا هو المشهور عند كثيرين، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد، ورواه ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا ابن عبد العزيز الأويسي [¬٥]، حدثنا مالك بن أنس: أنه بلغه أن شعيبًا هو الذي قصّ عليه موسى القصص، قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 4822
وقد روى الطبراني (٤) عن سلمة بن سعد العَنَزي، أنه وفد علي رسول الله ﷺ ، فقال له: "مرحبًا بقوم شعيب وأختَانِ موسى، هُدِيت".
وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب. وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى ﵇ بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه [¬١]: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل ﵇ بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين موسى والخليل ﵉ مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل: إن شعيبًا عاش مدة طويلة، إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإِشكال. ثم من المقوِّي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى، لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبًا إن شاء الله. ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: "ثيرون [¬٢] "، والله أعلم.
وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: وأثرون هو ابن أخي شعيب ﵇.
وعن أبي حمزة [¬٣]، عن ابن عباس: الذي استأجر موسى يثري [¬٤] [صاحب مدين] [¬٥]. رواه ابن جرير، ثم قال: والصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، و لا خبر [¬٦] تجب به [¬٧] الحجة في ذلك.
وقوله: ﴿قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾، أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل -قيل: هي التي ذهبت وراء موسى ﵇ قالت لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: لرعْية [¬٨] هذه الغنم.
قال عمر، وابن عباس، وشُريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لما قالت: ﴿إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اجتنبتُ الطريق فاحذفي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأتهدى إليه.
стр. 4823
قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عُمر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾.
قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ﴾، أي: طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى عنه، ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين.
قال شعيب الجبائي: وهما صفورا وليا.
وقال محمد بن إسحاق: صفورا وشرقا، ويقال: ليا.
وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية [على صحة] [¬١] البيع فيما إذا قال: بعتك أحد [¬٢] هذين العبدين بمائة. فقال [¬٣]: اشتريت أنه يصح، والله أعلم.
وقوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾، أي: علي أن ترعى علي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي ثمان كفاية، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: لا أشاقك، ولا أؤاذيك [¬٤]، ولا أماريك.
وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح، وحُمِلَ الحديث المروي في سنن أبي داود: "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا" (٥). علي هذا المذهب. وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث علي هذا المذهب- نظرٌ، ليس هذا موضع بسطه لطوله، والله أعلم.
ثم قد استدل أصحاب الإِمام أحمد ومن تبعهم، في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في كتابه السنن، حيث قال: باب استئجار الأجير علي طعام بطنه: حدثنا محمد بن المصفّى الحمْصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن عليّ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رَبَاح، قال [¬٥]: سمعت عُتبة من النُّدَّر [¬٦] يقول: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه
стр. 4824
وسلم فقرأ ﴿طسم﴾، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: "إن موسى آجر نفسه ثماني سنين -أو: عشر [¬١]، سنين- على عفة فرجه وطعام بطنه" (٦).
وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف؛ لأن مسلمة بن عليّ -وهو الخُشَني الدمشقي البلاطيّ- ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد رُوي من وجه آخر، وفيه نظر أيضًا.
فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عليّ بن رَبَاح اللخمي، قال: سمعت عتبة بين النُّدَّر [¬٢] السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعمة بطنه" (٧).
وقوله تعالى إخبارًا عن موسى ﵇: ﴿قَال ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر علي ما قلت من أنك استأجرتني علي ثماني سنين، فإن أتممت عشرًا فمن عندي، فأنا متى فعلت أقلهما برئت من العهد، وخرجت من الشرط، ولهذا قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، أي: فلا حرج عليّ مع أن الكامل -وإن كان مباحًا- لكنه فاضل من جهة أخرى، بدليل من خارج، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾.
وقال رسول الله، ﷺ ، لحمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٨). مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر. هذا، وقد دل الدليل علي أن موسى ﵇ إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما، قال البخاري (٩):
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شُجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير [قال] [¬٣]: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدمَ على حَبْر العرب فأسأَله. فقدمت فسألت ابن
стр. 4825
عباس ﵁ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. هكذا رواه البخاري، وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره، عن سعيد بن جبير. ووقع في "حديث الفُتُون"، من رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية، والأول أشبه، والله أعلم. وقد رُوي من حديث ابن عباس مرفوعًا:
قال ابن جرير (١٠): حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أكملهما وأتمهما". ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الحميدي، عن سفيان -وهو ابن عيينة- حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب -وكان من أسناني أو أصغر مني- فذكره.
قلت: وإبراهيم هذا ليس بمعروف.
ورواه البزار (١١) عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة [] [¬١]، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، فذكره، ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: قُرئ علي يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن يوسف بن [سَرْح] [¬٢]، أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "لا علم لي". [فسأل رسول الله ﷺ جبريل، فقال جبريل: لا علم لي] [¬٣]. فسأل جبريل ملكًا فوقه فقال: لا علم لي. فسأل ذلك الملك ربه عما سأله عنه جبريل عما سأله عنه محمد- ﷺ فقال الرب : "قضي [¬٤] أبرهما وأبقاهما -أو قال:
стр. 4826
أزكاهما-" (١٢).
وهذا مرسل: وقد جاء مرسلًا من وجه آخر، قال [¬١] سُنَيد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: إن النبي ﷺ سأل جبريل: "أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقال: سوف أسأل إسرافيل. فسأله فقال: سوف أسأل الرب . فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما" (١٣).
(طريق أخرى مرسلة أيضًا) قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: سُئل رسول الله ﷺ : أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأتمهما" (١٤).
فهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي مرفوعًا من رواية أبي ذر ﵁: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عَوْبَد بن أبي عمران الجوني [¬٢]، عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: أن النبي ﷺ سُئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأبرهما". قال: "وإن سئلتَ [¬٣]: أي المرأتين تَزوَّجَ؟ فقل: الصغرى منهما".
ثم قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد (١٥).
وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عوْبَد بن أبي عمران -وهو ضعيف- ثم قد روي أيضًا نحوه من حديث عتبة بن النُّدَّر [¬٤] بزيادة غريبة جدًّا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النُّدَّر [¬٥] يقول: إن رسول الله ﷺ سُئل: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أبرهما وأوفاهما". ثم قال النبي، ﷺ : "إنّ موسى ﵇ لما أراد فراق شعيب ﵇ أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالِب لَون". قال: "فما مرت شاة إلا ضرب [جنبها موسى] [¬٦] بعصاه، فولدت
стр. 4827
قَوَالب ألوان (*) [¬١] كلها، وولدت ثنتين وثلاثًا كل شاة ليس فيها فَشُوش ولا ضبُوب ولا كميشة [¬٢] تُفَوِّت الكف، ولا ثَعُول (**) ". وقال رسول الله، ﷺ : "إذا افتتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها، وهي السامرية" (١٦).
هكذا أورده البزار. وقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا فقال:
حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، قال: سمعت عتبة بن النُّدَّر [¬٣] السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إن موسى ﵇ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه. فلما وفَّى الأجل". قيل: يا رسول الله؛ أي الأجلين؟ - قال: "أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولد [¬٤]، من غنمه من قالب [¬٥] لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء فانطلق موسى ﵇ إلي عصاه فسملها [¬٦] من طرفها، ثم وضعها في أدني الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض، فلم تصدر [¬٧]، منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال: [فأتأمت وأثلثت] [¬٨]، ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش [¬٩]- قال يحيى: ولا ضبون [¬١٠]. وقال صفوان: ولا ضبُوب [¬١١]. قال أبو زرعة: الصواب ضَبوب- ولا عَزُوز ولا ثعُول ولا كميشة تفَوِّت الكف".
قال النبي ﷺ : "فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية".
стр. 4828
وحدثنا أبو زُرعة، حدثنا صفوان، قال: سمعت الوليد قال: فسألت ابن لهيعة: ما الفشوش؟ قال: التي تَفُشٌ بلبنها واسعة الشخب. قلت: [فما الضبوب؟ قال: الطويلة الضرع تجره. قلت: فما العَزُوز؟ قال: ضيقة الشخب. قلت] [¬١]: فما الثعُول؟ قال: التي ليس لها ضرع إلا [¬٢] كهيئة حلمتين. قلت: فما الكميشة؟ قال [¬٣]: التي تفَوت الكف، كميشة الضرع، صغير لا يدركه الكف.
مدار هذا الحديث علي عبد الله بن لهيعة المصري -وفي حفظه سوء- وأخشى أن يكون رفعه خطأ [¬٤]، والله أعلم. وينبغي أن يُرْوَى: ليس فيها فشوش ولا عزوز، ولا ضبوب ولا ثَعول ولا كميشة [¬٥] لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة. وقد روى ابن جرير من كلام أنس بن مالك -موقوفًا عليه- ما يقارب بعضه بإسناد جيد فقال:
حدثنا محمد بن المثنئ، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا [¬٦] أنس بن مالك ﵁ قال: لما دعا نبي الله موسى ﵇ صاحبه إلي الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت علي غير [¬٧] لونها ذلك [¬٨] ولدها لك. فعمد فرفع حبالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقا إلَّا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام (١٧).
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ
стр. 4829
رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
قد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى ﵇ قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأنقاهما [¬١]، وقد يستفاد هذا أيضًا من الآية الكريمة من قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾، أي: الأكمل منهما [¬٢] والله أعلم.
قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قضى عشر سنين وبعدها عشرًا أخر. وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾، قالوا: كان موسى قد اشتاق إلي بلاده وأهله، فعزم علي زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك لهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلًا فجعل كلما أورى زنده لا يُضيء شيئًا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك [إذ] [¬٣]: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾، أي: رأى نارًا تضيء له علي بعد، فـ ﴿قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي: حتى أذهب إليها، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. وذلك لأنه كان قد أضل الطريق، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، أي: قطعة منها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي: تتدفئون بها من البرد. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾، فهذا مما يرشد إلي أن موسى قصد النار إلي جهة القبلة، والجبل الغربيّ عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لِحْف (*) الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتًا في أمرها، فناداه ربه: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ [¬٤] فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾.
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ﵇ سمرة خضراء ترف. إسناد [¬٥] مقارب.
وقال محمد بن إسحاق، عن بعض من لا يُتَّهَمُ، عن وهب بن منبه قال: شجرة من العُلَّيق وبعض أهل الكتاب يقول: من العوسج.
[وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من العوسج] [¬٦].
стр. 4830
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾، أي: الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء، لا إله غيره ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته، وأقواله [¬١] وأفعاله سبحانه.
وقوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ أي: التي في يدك. كما قرره علي ذلك في قوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها؟ ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ فعرف وتحقق أن الذي يخاطبه ويكلمه هو الذي يقول للشيء: كن، فيكون. كما تقدم بيان ذلك في "سورة طه" وقال هاهنا: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، أي: تضطرب ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، أي: في حركتها السريعة مع عظم خِلْقة [¬٢] قوائمها واتساع فمها واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، فتنحدر في فيها تقعقع [¬٣] كأنها حادرة في واد. فعند ذلك ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. أي: ولم [يلتفت] [¬٤]، لأن طبع البشرية ينفر من ذلك. فلما قال الله له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، رجع فوقف في مقامه الأول، ثم قال الله له: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾. أي: إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ، كأنها قطعة قمر في لمعان البرق. ولهذا قال: ﴿مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾، أي: من غير برص [¬٥].
وقوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، قال مجاهد: من الفزع. وقال قتادة: من الرعب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن جرير: مما [¬٦] حصل لك من خوفك من الحية.
والظاهر أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر ﵇ إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب وهي يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك علي سبيل الاقتداء فوضع يده علي فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يَخف إن شاء الله، وبه الثقة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد، قال: كان موسى ﵇ قد مُلئ قلبه رعبًا من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من
стр. 4831
شره، ففزغ الله ما كان في قلب موسى ﵇ وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار.
وقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّك﴾، يعني: إلقاءه العصا وجعلها حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان علي قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لدين الله.
﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾
لما أمره الله تعالى بالذهاب إلي فرعون، الذي إنما خرج من ديار مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته، ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، يعني ذلك القبطي ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: إذا رأوْني. ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، وذلك أن موسى ﵇ كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين خُير بينها وبين التمرة أو الدرّة [فأخذ الجمرة] [¬١] فوضعها علي لسانه، فحصل فيه [¬٢] شدة في التعبير، ولهذا قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلي هذا الملك المتكبر الجبار العنيد؛ ولهذا قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أي [¬٣]: وزيرًا ومعينًا ومقويًا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله ، لأن خبر اثنين أنجع في النفوس من خبر واحد، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ أي: يبين [¬٤] لهم عني ما أكلمهم به فإنه يفهم ما لا يفهمون.
стр. 4832
فلما سأل ذلك قال اللَّه تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي [¬١]: سنقوي أمرك ونعز جانبك بأخيك الذي سألت له أن يكون نبيًّا معك؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم مِنَّة علي أخيه من موسى علي هارون ﵉ فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًّا ورسولًا معه إلى فرعون وملئه [ولهذا] [¬٢] قال في حق موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: حجة قاهرة ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي: لا سبيل لهم إلي الوصول إلي أذاكم [¬٣] بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا. ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ووجه ابن جرير على أن المعنى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا﴾، ثم يبتدئ فيقول: ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، تقديره: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا (١٨).
ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلي هذا، واللَّه أعلم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَال مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾
يخبر تعالى عن مجئ موسى وأخيه هارون إلي فرعون وملئه وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة، علي صدقهما فيما أخبرا عن اللَّه من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم [¬٤] إلي العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا:
стр. 4833
﴿مَا هَذَا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي: مفتعل مصنوع. أرادوا معارضته بالحيلة [¬١] والجاه فما صعد معهم ذلك وقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون [¬٢]: ما رأينا أحدًا من آبائنا علي هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى. فقال موسى ﵇ مجيبًا لهم: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، يعني: مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّار﴾، أي: النصرة والظفر والتأييد ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المشركون بالله.
﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَينَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾
يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة -لعنه الله- كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، [وذلك] [¬٣] لأنه دعاهم إلي الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلي ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، [وقال] [¬٤]، تعالى إخبارًا عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ
يَخْشَى﴾. يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحًا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين؛ ولهذا انتقم الله تعالى منه [¬٥] فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك قال [¬٦]: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَه مُوسَى﴾
стр. 4834
أي: أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له [¬١] علي الطين، ليتخذ له آجُرًّا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع -كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي [¬٢] تَبَابٍ﴾، وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يُرَ في الدنيا بناء أعلى منه إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي: في قوله إن ثَمَّ ربًّا [¬٣] غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله، لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ وهذا قول ابن جرير وقوله: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَينَا لَا يُرْجَعُونَ﴾، أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة، ﴿فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، أي: غرقناهم [¬٤] في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد، ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، أي: لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولًا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾، أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون علي ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون علي ألسنة [¬٥] الأنبياء وأتباعهم، وكذلك ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾، قال قتادة: وهذه الآية الكريمة [¬٦] كقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾
يخبر تعالى عما أنعم به علي عبده ورسوله موسى الكليم -عليه من ربه الصلاة والتسليم- من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ
стр. 4835
قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾.
وقال ابن جرير (١٩): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا: حدثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدري قال: ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة علي وجه الأرض، غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي جميلة [¬١] الأعرابي بنحوه. وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفّلاس، عن يحيي القطان، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا (٢٠).
ثم رواه عن نصر بن علي، عليّ عبد الأعلى، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد- رفعه إلي النبي- ﷺ قال: "ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى"، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ (٢١).
وقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: من العمي والغيّ، ﴿وَهُدًى﴾ إلي الحق، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: إرشادًا [¬٢] إلي الأعمال الصالحة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: لعل الناس يتذكرون به، ويهتدون بسببه.
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاويًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ