← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

وروى الزهري عن سالم عن أبيه: "بينما رجل … " إلى آخره (٧٠). ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ يقول تعالى منبهًا خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة، بأنه [¬١] سخر لهم ما في السماوات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يحلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعْلُه إياها لهم [¬٢] سقفًا محفوظًا؛ وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار. وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وإزاحة الشبهة [¬٣] والعلل، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي: في توحيده وإرسال الرسل. ومجادلته في ذلك بغير علم [ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ] [¬٤] وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾، أي: مبين مضئ. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾، أي: لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أي: على رسوله من الشرائع المطهرة، ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا﴾، أي: لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، أي: فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم، أنهم كانوا على ضلالة، وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه؛ ولهذا قال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

стр. 4972

وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عمن أسلم وجهه لله [¬١]، أي: أخلص له العمل، وانقاد لأوامره [¬٢]، واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: في عمله، باتباع ما به [¬٣] أمر، وترك ما عنه زجر، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا، أنه لا يعذبه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾، أي: لا تحزن يا محمد عليهم في كفرهم بالله وبما جئت به؛ فإن قدر الله نافذ فيهم، إلى الله ﴿مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: فيجزيهم عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية. ثم قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾، أي: في الدنيا، ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾، أي نلجئهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، أي: فظيع صعب شاقٍ [¬٤] على النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به: إنهم يعرفون أن الله خالقُ السماوات والأرض، وحدَه لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء [¬٥]، يعترفون أنها خَلْقٌ له وملك له، ولهذا قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، [أي: إذْ قامت عليكم الحجة باعترافكم] [¬٦]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ثم قال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: هو خلقه وملكه، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السماوات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلها. ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ

стр. 4973

مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه وجلاله، وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (٧١). فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، [أي: ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلامًا، وجعل البحر مدادًا ومَدَّه سبعة أبحر] [¬١] معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت [¬٢] الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مدَدًا. وإنما ذكرت "السبعة" على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا أن [¬٣] ثم سبعة أبحر موجودة تحيط بالعالم، كما يقوله من تلقاه من كلام الإسرئيليين التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، فليس المراد بقوله: ﴿بِمِثْلِهِ﴾ آخر فقط، بل بمثله ثم بمثله [ثم بمثله] [¬٤]، ثم هلمَّ جرًّا؛ لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته. وقال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلامًا، وجعل البحر مدادًا، و [¬٥] قال الله: إن من أمري كذا، ومن أمري كذا. لنفد ما في البحور، وتكسرت الأقلام. وقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد. فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾. أي: لو كان شجر الأرض أقلامًا، ومع [¬٦] البحر سبعة أبحر، ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه. وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ … ﴾ الآية.

стр. 4974

يقول: لو كان ذلك البحر مدادًا لكلمات الله، والأشجار [¬١] كلها أقلامًا، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول. وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود، قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: أن أحبار يهود قالوا لرسول الله ﷺ بالمدينة: يا محمد، أرأيت قولك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله ﷺ : "كُلًّا"، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل [¬٢] شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنها في علم الله قليل، وعندكم من [¬٣] ذلك ما يكفيكم". وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ … ﴾ الآية. وهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن يسار: وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد، ولا مخالف [¬٤]، ولا معقب لحكمه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شئونه. وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، أي: ما خَلْق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد - بالنسبة إلى قدرته - إلا كنسبة خلق [¬٥] نفس واحدة، الجميع هيِّن عليه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي: لا يأمر بالشئ إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكده. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة؛ ولهذا قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ

стр. 4975

وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ يخبر تعالى أنه ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ﴾، بمعنى يأخذ منه في النهار، فيطولُ ذاك [¬١] ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في الشتاء، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قيل: إلى غاية محدودة، وقيل: إلى يوم القيامة. وكلا المعنيين صحيح. ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر ﵁ الذي في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (٧٢). وقال ابن أبي حاتم (٧٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر. إسناده صحيح. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. ومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾، أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق، أي: الموجود الحق الإله [¬٢] الحق، وأن كل ما سواه

стр. 4976

باطل، فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، لأن كل ما في السماوات والأرض الجميع خلْقُه وعبيدُه، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذَرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابًا لعجزوا عن ذلك. ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، [أي:] [¬١] العليّ: الذي لا أعلى منه، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ يخبر تعالى أنه هو الذي سَخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من [¬٢] قوة يحمل بها السفن لما جرت، ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾، أي: من [¬٣] قدرته، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، أي: صبار في الضراء، شكور في الرخاء. ثم قال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾، أي: كالجبال والغمام ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ثم قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، قال مجاهد: أي كافر. كأنه فسر المقتصد هاهنا بالجاحد، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. وقال ابن [¬٤] زيد: هو المتوسط في العمل، وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ﴾ فالمقتصد هاهنا هو: المتوسط في العمل، ويحتمل أن يكون مرادًا هنا أيضًا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام، والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدءوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات. فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرًّا والحالة هذه، والله أعلم.

стр. 4977

وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، فالختار: هو الغَدَّار [¬١]. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة، ومالك، عن زيد بن أسلم، وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر: أتم الغدر وأبلغه، قال عمرو بن معد يكرب: وإنَّك لو رَأيتَ أبا عُميرٍ … مَلأتَ يَدَيك مِن غَدرٍ وخَتر وقوله: ﴿كَفُورٍ﴾ أي: جحود للنعم لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾ يقول تعالى منذرًا للناس يوم المعاد، وآمرًا لهم بتقواه والخوف منه، والخشية من [¬٢] يوم القيامة حيث ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: لو أراد أن يفديه بنفسه لما قُبِل منه [¬٣]. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يقبل منه. ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، [أي: لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة] [¬٤]، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، يعني: الشيطان. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة. فإنه يغر بن آدم ويعدُه ويمنيه، وليس من ذلك شيء، بل كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا﴾. قال وهب بن منبه: قال عزير ﵇: "لما رأيت بلاء قومي اشتد حزني وكثر همي، وأرق نومي، فضرعت [¬٥] إلى ربى وصليت وصمت، فأنا في ذلك أتضرع وأبكي؛ إذ أتاني الملك، فقلت له: أخبرني، هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة، أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء وملك ظاهر، ليس فيه رخصة، لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد [بهم غيره] [¬٦]، ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان، كل يَهُم همه، ويبكي عَوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره". رواه ابن أبي حاتم.

стр. 4978

﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو [شقيًّا أو سعيدًا] [¬١]، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدًا في دنياها وأخراها، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أفى بلدها أم [¬٢] غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ … ﴾ الآية. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب: قال الإمام أحمد (٧٤): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُرَيدة، سمعت أبي بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس لا يعلمهن إلا الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ". هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه. (حديث ابن عمر) قال الإمام أحمد (٧٥): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ". انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في كتاب "الاستسقاء" من صحيحه (٧٦)، عن محمد بن

стр. 4979

يوسف الفريابي، عن سفيان بن سعيد الثوري، به. ورواه في التفسير من وجه آخر فقال (٧٧): حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: أن أباه حدثه، أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مفاتيح الغيب خمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ ". انفرد به أيضًا. ورواه الإمام أحمد (٧٨) عن غُنْدرَ، عن شعبة، عن عمر بن محمد: أنه سمع أباه يحدث، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ". [(حديث ابن مسعود ﵁) قال الإمام أحمد (٧٩): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله: أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾] [¬١] وكذا رواه عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة به. وزاد في آخره: "قال: قلت له: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم. أكثر من خمسين مرة. ورواه أيضًا عن وكيع عن مسعر عن عمرو [¬٢] بن مرة به. وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب [¬٣] السنن ولم يخرجوه. (حديث أبي هريرة) قال البخاري عند تفسير هذه الآية (٨٠): حدثنا إسحاق، عن جرير، عن أبي حيان [¬٤] عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله صلى الله

стр. 4980

عليه وسلم كان يومًا بارزًا للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر". قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمَضان". فقال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". قال: يا رسول الله، متى [¬١] الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها [] [¬٢]: إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. ثم انصرف الرجل فقال: "ردُّوه عليَّ". فأخذوا [¬٣] ليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال: "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم". ورواه البخاري في كتاب الإيمان أيضًا، ومسلم من طرق، عن أبي حيان، به. وقد تكلمنا عليه في أول "شرح البخاري". وذكرنا ثمّ حديثَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من أفراد مسلم (٨١). (حديث ابن عباس) قال الإمام أحمد (٨٢): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر [¬٤]، حدثنا عبد الله بن عباس ﵄ قال: جلس رسول الله ﷺ مجلسًا له [¬٥]، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله ﷺ واضعًا كفيه على ركبتي النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، حَدثني [¬٦] ما الإسلام؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "الإسلام أن تسلم وجهك لله ، وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله". قال: فإذا [¬٧] فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: "إذا فعلت ذلك فقد أسلمت". قال: يا رسول الله، حدثني [¬٨] ما الإيمان؟ قال: "الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وتؤمنَ بالموت وبالحياة بعد الموت وتؤمن بالجنة والنار والحساب والميزان وتؤمنَ بالقدر كله خيره وشره". قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: "إذا فعلت ذلك فقد آمنت". قال: يا رسول

стр. 4981

الله، حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله ﷺ : "الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك". قال: يا رسول الله، فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! في خمس لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك". قال: أجل، يا رسول الله، فحدثني. قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيت الأمة ولدت ربتها -أو: ربها- ورأيت أصحاب الشاء [¬١] يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة [كانوا رءوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها". قال: يا رسول الله، ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟] [¬٢] قال: "العرب [¬٣] ". حديث غريب ولم يخرجوه. (حديث رجل من بني عامر) [روى الإمام أحمد (٨٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور] [¬٤]، عن ربعيّ بن حرَاش [¬٥]، عن رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج [¬٦]؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: "اخرجي إليه فإنه لا يحسن الاستئذان فقولي له: فليقل: السلام عليكم. أأدخل؟ ". قال [¬٧]: فسمعتُه يقول ذلك، فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن فدخلت، فقلت: بم أتيتنا به؟ قال: "لم آتكم إلا بخير، أتيتكم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تَدَعوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات، وأن تصوموا من السنة شهرًا، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم". قال: فقال: فهل [¬٨] بقي من العلم شيء لا تعلمه [¬٩]؟ قال: قد عَلم الله خيرًا، وإنّ من العلم ما لا يعلمه إلا الله الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وهذا إسناد صحيح.

стр. 4982

قال ابن أبي نجيح (٨٤)، عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني [¬١] ما تلد؟ وبلادنا جَدْبَةٌ فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد عَلمتُ متى وُلدتُ فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. قال مجاهد: وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال الشعبي (٨٥)، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. وقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يُطلع عليهن مَلكا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي [¬٢] شهر، أو ليل أو نهار، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر [¬٣] أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، أخير أم شر، ولا تدري يا بن آدم متى تموت؟ لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم [¬٤] بر، أو سهل أو جبل. وقد جاء في الحديث: "إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة". فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في "معجمه الكبير" (٨٦)، في مسند أسامة بن زيد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جعل الله ميتَة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة". وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (٨٧): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود

стр. 4983

الحَفَري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مطر بن عَكَامس [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قضى الله ميتة عبد بأرض، جعل له إليها حاجة". وهكذا رواه الترمذي في "القدر"، من حديث سفيان الثوري، به: ثم قال: حسن غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. وقد رواه أبو داود في "المراسيل" فالله أعلم. وقال الإمام أحمد (٨٨): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبي عزة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها -أو قال: بها- حاجة". وأبو عزة هذا هو: يسار [¬٢] بن عبد [¬٣] الله، ويقال: ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل [بن إبراهيم -وهو ابن عُلَيّة- وقال: صحيح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل] [¬٤]، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة، فلم ينته حتى يقدمها". ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. (حديث آخر)، قال الحافظ أبو بكر البزار (٨٩): حدثنا أحمد بن ثابت الجَحْدَري ومحمد بن يحيى القُطعي قالا: حدثنا عُمَر بن علي، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة". ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرفعه إلا عُمَر بن علي المقَدّمي. وقال ابن أبي الدنيا (٩٠): حدثني سليمان بن أبي مسيح قال: أنشدني محمد بن الحكم

стр. 4984

لأعشى همدان: فَمَا تَزَوّدَ مما كَانَ يَجْمَعُهُ … سوى حَنُوط [¬١] غَدَاةَ البَيْن مَع خرَق وَغَيرَ [¬٢] نَفْحَةِ أعْوَادٍ تُشَبّ لَهُ … وَقلّ ذَلكَ مِن زَادٍ لمنطلق! لَا تَأسَينَ [¬٣] عَلَى شَيء، فَكُلّ فتى … إلَى مَنيّته سَيَّارٌ في عَنَق [¬٤] وكُلّ مَنْ ظَن أن الموتَ يخْطئُه … مُعَلَّل بأعَاليل من الحَمَق بأيّمَا بَلْدةٍ تُقْدَر منيَّتُهُ … إنْ لا يُسَيَّر إليَها طَائعًا يُسَقِ أورده [¬٥] الحافظ ابن عساكر ﵀ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى هَمدَان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مُزَوّج بأخت الشعبي أيضًا، وقد كان ممن طلب العلم وتَفَقه، ثم عدل إلى صناعة الشعر [¬٦] فعُرف به. وقد رواه ابن ماجة عن أحمد بن ثابت وعُمَر بن شَبة [¬٧]، كلاهما عن عمر بن علي [¬٨]، مرفوعًا: "إذا كان أجل أحدكم بأرض [أتت له] [¬٩] إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره [¬١٠] قبضه الله فتقول الأرض يوم القيامة رب [¬١١]؛ هذا ما أودعتني". قال الطبراني (٩١): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة أن رسول الله ﷺ قال: "ما جعل الله منية عبد بأرض، إلا جعل له إليها حاجة". آخر تفسير سورة لقمان، والحمد لله رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل. * * *

стр. 4985

تفسير سورة [الم] [¬١] السجدة وهي مكية قال البخاري (١) في "كتاب الجمعة": حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي، ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. ورواه مسلم أيضًا من حديث سفيان الثوري، به [¬٢]. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كان النبي، ﷺ ، لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. تفرد به أحمد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ

стр. 4986

افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول"سورة البقرة" بما أغنى عن إعادته. وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه ولا مرية أنه نزل ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ثم قال مخبرًا عن المشركين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، [] [¬١] أي: اختلقه من تلقاء نفسه، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، أي: يتبعون الحق. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ يخبر تعالى أنه الخالق للأشياء، فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾، أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القاهر [¬٢] على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه. ﴿أفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، يعني: أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو نديد، أو وزير أو عديل، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقد أورد النسائي ها هنا حديثًا (٣) فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن

стр. 4987

الصباح، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج المكي، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ ، أخذ بيدي فقال: "إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض، بأحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، من أجل [ذلك جعل] [¬١] الله من بني [¬٢] آدم [الخبيث والطيب] ". هكذا أورد هذا الحديث إسنادًا ومتنًا. وقد أخرج مسلم والنسائي أيضًا (٤) من حديث الحجاج بن محمد الأعور، عن ابن جُرَيج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله ابن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، بنحو من هذا السياق. وقد علله البخاري في كتاب "التاريخ الكبير" (٥) فقال: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار- وهو أصح. وكذا علله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم. وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ﴾، أي: يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، [كما] [¬٣] قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة [¬٤] خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة. وقال مجاهد، وقتادة، والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة [¬٥] خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، أي: المدبر لهذه الأمور، الذي هو شهيد على أعمال عباده، رفع إليه جليلها وحقيرها، وصغيرها وكبيرها -هو ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي قد عَز كل شيء

стр. 4988

فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بعباده المؤمنين فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته. ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ يقول تعالى: إنه الذي أحسن خلق الأشياء، وأثبتها [¬١] وأحكمها. وقال مالك: عن زيد بن أسلم: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾، قال: "أحسن خلق كل شيء". كأنه جعله من المقدم والمؤخر. ثم لما ذكر خلق السماوات والأرض [¬٢]، شرع في ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، يعني: خَلْق أبي [¬٣] البشر آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أي: يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾، يعني: آدم، لما خلق [¬٤] من تراب خلقه سويًّا مستقيمًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾، يعني: العقول، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله فالسعيد من استعملها في طاعة ربه . ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: تمزقت أجسامنا، وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؟ أي: أئنا لنَعُود بعد تلك الحال؟! يستبعدون [تلك الحال] [¬٥]، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قُدَرهم العاجزة، لا بالنسبة إلى قُدْرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ

стр. 4989

كَافِرُونَ﴾. ثم قال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في "سورة إبراهيم"، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل، وهو المشهور؛ قاله قتادة وغير واحد، وله أعوان. وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت. قال مجاهد: حوِيت له الأرض فجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء. ورواه زهير بن محمد عن النبي، ﷺ ، بنحوه مرسلًا، وقاله ابن عباس ﵄. وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمرو [¬١] بن شمر [¬٢] [عن جعفر بن محمد] [¬٣] قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله، ﷺ ، إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : "يا ملك الموت، ارفق بصاحبي فإنه مؤمن. فقال مَلَك الموت: يا محمد، طب نفسًا، وقَرّ عينًا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مَدَر ولا شعَر، في بر ولا بحر، إلا وأنا أتصفحه في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرَفُ بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد، لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدَرتُ على ذلك حتى يكون الله هو الأمر بقبضها". قال [¬٤] جعفر: بلغني أنه [¬٥] إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن [¬٦] كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك، ودفع عنه الشيطان، ولقنه الملَك: "لا إله

стр. 4990

إلا الله، محمد رسول الله" في تلك الحال العظيمة. وقال عبد الرزاق (٧): حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة؛ قال: سمعت مجاهدًا يقول: ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر إلا وملك الموت يطيف [¬١] به كل يوم مرتين. وقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت [يطيف به كل يوم مرتين] [¬٢] يقوم على بابه كل يوم سبع مرات، ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم. وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لآتَينَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وقالهم حين عاينوا البعث، وقاموا بين يدي الله حقيرين ذليلين ﴿نَاكِسُو [¬٣] رُءُوسِهِمْ﴾ أي: من الحياء والخجل، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾، أي: نحن الآن نسمع قولك، ونطيع أمرك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وهكذا هؤلاء يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾، أي: إلى الدار الدنيا، ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، أي: قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارًا، يكذبون آيات الله ويخالفون رسله؛ كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ

стр. 4991

مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. وقال هاهنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَينَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾. ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، أي: من الصنفين، فدارهم النار لا محيد لهم عنها، ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك. ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، أي: يقال لأهل النار -على سبيل التقريع والتوبيخ-: ذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له، إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، أي: سنعاملكم معاملة الناسي، لأنه تعالى [لا ينسى شيئًا، و] [¬١] لا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ [¬٢] نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. وقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: بسبب [كفرهم وتكذيبهم] [¬٣]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾. إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، أي: إنما يصدق بها ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾، أي: استمعوا لها وأطاعوها قولًا وفعلًا، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن اتباعها والانقياد لها، كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، يعني بذلك قيام الليل، [وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. قال مجاهد والحسن في قوله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾

стр. 4992

يعني بذلك: قيام الليل] [¬١]. وعن أنس، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، وأبي حازم، وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين. وعن أنس أيضًا: هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد. وقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة، وصلاة الغداة في جماعة. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، أي: خوفًا من وبال عقابه، وطمعًا في جزيل ثوابه. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء، وسيدهم، وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله، ﷺ ، كما قال عبد الله بن رواحة ﵁: وَفينا رَسُولُ الله يَتْلُو كتَابَه … إذَا انشَقّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْح سَاطعُ [¬٢] [أرَانا الهُدَى بَعْدَ العَمَى، فَقُلُوبُنَا … به مُوقناتٌ أن مَا قَال واقِعُ] [¬٣] يَبيتُ يُجَافي جَنْبه عَنْ فرَاشه … إذَا اسْتَثْقَلَتْ بالْمشْركين المضَاجعُ وقال الإِمام أحمد (٨): حدثنا روح وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ ، قال: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطَائه ولحافه، من بين أهله وحيِّه إلى صلاته، [فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله إلى صلاته] [¬٤]، رغبةً فيما عندي، وشفقة مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي. فيقول الله للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، ورهبة مما عندي، حتى أهريق دمه". وهكذا رواه أبو داود في الجهاد، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به بنحوه. وقال الإمام أحمد (٩): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي، ﷺ ، في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول [¬٥] الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة

стр. 4993

ويباعدني من النار. قال: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في [¬١] جوف الليل- ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال-: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " فقلت: بلى، يا رسول الله. فقال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سَنَامة الجهادُ في سبيل الله" ثم قال: "ألا أخبرك بملاكَ ذلك كله؟ " فقلت: بلى، يا نبي الله، فأخذ بلسانه ثم قال: "كُفّ عليك هذا"، فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناسَ في النار على وجوههم -أو قال: على [¬٢] مناخرهم- إلا حصائدُ ألسنتهم". رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة في سننهم، من طرق عن معمر، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. [وقد] [¬٣] رواه ابن جرير (١٠) من حديث شعبة عن الحكم؛ قال: سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ قال له [¬٤]: "ألا أدلك على أبواب الحير: الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل" وتلا هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ورواه أيضًا من حديث الثوري (١١)، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، عن النبي، ﷺ ، بنحوه، ومن حديث الأعمش، عن [حبيب بن أبي ثابت] [¬٥]، والحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ مرفوعًا بنحوه. ومن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن شهر، عن معاذ بن جبل، عن النبي، ﷺ ، في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، قال: "قيام العبد من الليل".

стр. 4994

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فِطْر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحكيم بن جبير، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي، ﷺ ، في غزوة تبوك فقال: "إن شئت أنبأتك بأبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل" ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ". ثم قال: حدثنا أبي (١٢)، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله، ﷺ : "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يُسمعُ الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم مَن أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ … ﴾ الآية، فيقومون وهم قليل". وقال البزار (١٣): حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن عطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال بلال لما نزلت هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، كنا نجلس في المجلس، وناس من أصحاب رسول الله، ﷺ ، يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾. ثم قال لا نعلم روى أسلم عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق. وقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لَمّا أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب، جزاء وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن: أخفى قوم عملهم [¬١] فأخفى الله لهم ما لم تر عين، ولا [¬٢] يخطر على قلب بشر. رواه ابن أبي حاتم.

стр. 4995

قال البخاري (١٤): قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ … ﴾ الآية، حدثنا عليّ بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله، ﷺ ، قال: "قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". قال أبو هريرة: فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. قال: وحدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال الله تعالى … [مثله] [¬١]. قيل لسفيان: رواية؟ قال: فَأيُّ شيء؟! ورواه مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، به، وقال الترمذي: حسن صحيح. ثم قال البخاري (١٥): حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، [عن أبي] [¬٢] صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا من بَله ما اطلعتم عليه. ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ". قال أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح: قرأ أبو هريرة: (قرّات أعين). انفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد (١٦): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". أخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، ورواه الترمذي (١٧) في التفسير، وابن جرير، من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ بمثله. ثم قال الترمذي: هذا حديث

стр. 4996

حسن صحيح. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت بن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁، قال حماد: أحسبه- عن النبي، ﷺ ، قال: "من يدخل الجنة ينعم لا ييأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". رواه مسلم [¬١] من حديث حماد بن سلمة به (١٨). وقال [¬٢] الإِمام أحمد (١٩): حدثنا هارون، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"، ثم اقترأ [¬٣] [¬٤] هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾. وأخرجه مسلم في صحيحه عن هارون بن معروف، وهارون بن سعيد، كليهما [¬٥] عن ابن وهب به. وقال ابن جرير (٢٠): حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا معلي بن أسد، حدثنا سلّام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ ، يروي عن ربه ، قال: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" لم يخرجوه. وقال مسلم أيضًا في صحيحه (٢١): حدثنا ابن أبي عمر وغيره، حدثنا سفيان، حدثنا [¬٦] مُطَرّف بن طريف، وعبد الملك بن سعيد، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال: سمعته [¬٧] على المنبر- يرفعه إلى النبي، ﷺ قال: "سأل موسى ﵇ ربه : ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل

стр. 4997

الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب [¬١]. فيقول: هذا لك وعشرةُ أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولَذت عينك. فيقول: رضيت رب. قال: رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أرَدتُ، غَرَسْتُ كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، وقال: حسن صحيح، قال: ورواه بعضهم عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح. قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر [¬٢] بن منير المدائني، حدثنا أبو بدر [¬٣] شجاعُ بن الوليد، حدثنا زياد بن [¬٤] خيثمة، عن محمد بن جُحَادة، عن عامر [¬٥] بن عبد الواحد قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم [¬٦] يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له: قد أنى [¬٧] لك أن يكون لنا منك نصيب؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. فيمكث معها سبعين سنة، ثم [¬٨] يلتفت فإذا هو بأمرأة أحسن مما كان فيه، [فتقول له] [¬٩]: قد أنى لك أن يكون لنا [¬١٠]، منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا التي [¬١١] قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَير قال: تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، ويخبرُون أن الله عنهم راضٍ. وقال ابن جرير (٢٢): حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان

стр. 4998

بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني -أو غيره- قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضة، [وآنيتها فضة] [¬١]، وترابها المسك. والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها اللؤلؤ، وآنيتها اللؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال ابن جرير (٢٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ ، عن الروح الأمين قال [¬٢]: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، ينقص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة واحدة [¬٣] وسع الله له في الجنة"، قال: فدخلت على "يزداد] [¬٤] " فَحَدّثَ [¬٥] بمثل هذا الحديث، قال: فقلت: فأين ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قلت: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، قال: العبد يعمل سرًّا أسَرّه إلى الله، لم يَعلم به الناس، فَأسَرّ الله له يوم القيامة قُرّة أعين [¬٦]. أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) يخبر تعالى عن عدله، أنه لا يساوي في حُكمه يوم القيامة من كان مؤمنًا بآياته متبعًا

стр. 4999

لرسله، بمن كان فاسقًا، أي: خارجًا عن طاعة ربه، مكذبًا لرُسُله إليه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ وقال تعالى هاهنا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أي: عند الله يوم القيامة. وقد ذكر عطاء بن يَسَار والسدي وغيرهما: أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعقبة بن أبي مُعَيط. ولهذا فَصَّل حكمهم فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها، وهي الصالحات، ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية، ﴿نُزُلًا﴾، أي: ضيافة وكرامة ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، أي: خرجوا عن الطاعة، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، [كقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا … ﴾ الآية [¬١] قال الفُضَيل بن عياض: والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك [¬٢] تقريعًا وتوبيخًا. وقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. ورُوي مثله عن أبيّ بن كعب، [وأبي العالية] [¬٣]، والحسن، وإبراهيم النخَعي، والضحاك، وعلقمة، وعطية، ومجاهد، وقتادة، وعبد الكريم الجزَري، وخصيف. وقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به إقامة الحدود عليهم. وقال البراء بن عازب، ومجاهد، وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر. وقال النسائي (٢٤): أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، قال: سنون أصابتهم.

стр. 5000

وقال عبد الله بن الإمام أحمد (٢٥): حدثني عبيد [¬١] الله بن عُمَر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عَزْرَةَ [¬٢]، عن الحسن العُرَني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب في هذه الآية ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، قال: القمر [¬٣] والدخان قد مضيا، والبطشة واللزام. ورواه مسلم من حديث شعبة به [¬٤] موقوفًا نحوه. وعند البخاري (٢٦) عن ابن مسعود، [نحوه. وقال عبد الله بن مسعود] [¬٥] أيضًا في رواية عنه: العذاب الأدنى: ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر. وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم. قال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو غَرموا [¬٦]، ومنهم من جمع له الأمران. وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾، أي: لا أظلم ممن [¬٧] ذَكرَه الله بآياته، وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة ﵀: إياكم والإعراضَ عن ذكر الله! فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرّة، وأعوز أشد العَوَز، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددًا لمن فعل ذلك: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: سأنتقم ممن فعل ذلك [¬٨] أشد الانتقام. [قال] ابن جرير (٢٧): حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نُسَيّ، عن جنادة بن

стр. 5001

أبي أمية: عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول [¬١]: "ثلاث من فعلهن فقد أجرم، من عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ينصره، فقد أجرم" يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ". ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، به [¬٢]، هذا حديث غريب جدًّا. ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى ﵇ إنه أتاه الكتاب، وهو التوراة. وقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾، قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء. ثم روى عن أبي العالية الرّياحي قال: حدثَني ابن عم نبيكم -يعني ابن عباس- قال: قال رسول الله ﷺ (٢٨) -: " أريتُ ليلة إسري بي موسى بن عمران، رجلًا آدم [¬٣] طوالًا، جعدًا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار والدجال"، في آيات أراهن الله إياه، ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾، أنه قد رأى موسى، ولقى موسى ليلة أسري به. وقال الطبراني (٢٩): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس عن النبي، ﷺ ، في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال: "جُعل موسى هُدىً لبني إسرائيل"، وفي قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾، قال: "من لقاء موسى ربه ". وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾، أي: الكتاب الذي آتيناه موسى [¬٤] ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، [كما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَآتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [¬٥] ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا

стр. 5002

بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاءوهم به- كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ثم لما بدلوا وحَرّفوا وأوَّلوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل [صالحًا، ولا اعتقاد صحيحًا] [¬١]. ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [¬٢] قال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا. وكذلك قال الحسن بن صالح. قال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا [¬٣] ينبغي للرجل أن يكون [] [¬٤] إمامًا يُقتَدى به حتى يتحامى عن الدنيا. قال وكيع: قال سفيان: لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز [¬٥]. وقال ابن بنت الشافعي [قال] [¬٦]: قرأ أبي على عمى -أو عمى على أبي- سئل سفيان عن قول عليّ ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ألم تسمع قوله: ﴿[وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ] [¬٧] أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾، قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رءوسًا. [قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تُنَالُ الإمامة في الدين ولهذا قال تعالى] [¬٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٦) وَآتَينَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ كما قال هنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أي: من الاعتقادات والأعمال. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ

стр. 5003

فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ يقول تعالى: أو لم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية، بتكذيبهم بالرسل [¬١]، ومخالفتهم إياهم فيما جاءوهم به من قويم [¬٢] السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾؟. ولهذا قال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، أي: وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين، فلا يرون فيها أحدًا ممن كان يسكنها ويعمُرها، ذهبوا منها ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كما قال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ وقال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [¬٣] وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾، أي: إن [¬٤] في ذهاب أولئك القوم، ودَمَارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم- لآيات [وعبرًا ومواعظ] [¬٥]، ودلائل متظاهرة [¬٦]. ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أخبار من تقدم، كيف كان أمرهم؟. وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، يبين تعالى لطفه بخلقه، وإحسانه إليهم في إرساله الماء، إما من السماء أو من السيح، وهو [¬٧]: ما تحمله الأنهار ويتحدر [¬٨] من الجبال، إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته، ولهذا قال: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، وهي: التي لا نبات فيها؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، أي: يبسًا لا تنبت شيئًا. وليس المراد من قوله ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود، وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعًا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض وخوة غليظة، تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرًا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر، وهي أرض سبخة مرملة، محتاجة إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضًا؛ لينبُتَ الزرعُ فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان، المحمود ابتداء.

стр. 5004

قال ابن لهيعة، عن قيس بن حجاج، عمن حدثه قال: لما فُتحت مصر، أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بئونة -من أشهر العجم- فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا سُنَّة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عَمَدنا إلى جارية بكْر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا ما لا يكون في الإِسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بئونة والنيل لا يجري، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه، أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل اللَّه أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل، وأصبحوا يوم السبت وقد أجرى اللَّه النيل ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السُنة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب "السنة" له (٣٠). ولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾؟ كما قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ [¬١]﴾. وقال ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، قال: هي التي لا تمطَر إلا مطرًا لا يغني عنها شيئًا، إلا ما يأتيها من السيول. وعن ابن عباس ومجاهد: هي أرض باليمن. وقال الحسن ﵀: هي قرى فيما بين اليمن والشام. وقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الأرض الجرز التي لا نبات فيها وهي [¬٢] مغبرة. قلت: وهذا كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ

стр. 5005

أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم، وحلول [¬١] غضبه ونقمته عليهم، استبعادًا وتكذيبًا وعنادًا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾؟، أي: متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتًا تُدَال [¬٢] علينا، ويُنتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين! قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾، أي: إذا حَل بكم بأس اللَّه وسَخَطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى، ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتحُ مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قَبل رسولُ الله، ﷺ ، إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبًا من ألفين، ولو كان المراد فتحَ مكة لما قبل إسلامهم، لقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل؛ كقوله تعالى: ﴿فَافْتَحْ بَينِي وَبَينَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وقال: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقال: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾. ثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، أي: أعرض عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وانتظر، فإن الله سينجز لك ما وعدك وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، أي: أنت منتظر، وهم منتظرون، ويتربصون بكم الدوائر،

стр. 5006

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ﴾، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة الله، في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غبّ ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وييل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. * * *

стр. 5007

تفسير سورة الأحزاب وهي مدنية [قال عبد الله بن الإمام أحمد (١)] [¬١]: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ قال: قال لي أبي بن كعب: كَأين [¬٢] تقرأ [¬٣] سورة الأحزاب؟ أو كَأين [¬٤] تعدها [¬٥]؟ قال: قلت: ثلاثًا وسبعين آية. فقال: قَط! لقد رأيتها وإنها لتعادل "سورة البقرة"، ولقد قرأنا فيها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالًا من الله. والله عليم حكيم". ورواه النسائي من وجه آخر، عن عاصم -وهو ابن أبي النجود، وهو ابن بهدلة- به. وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قدر [¬٦] كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضًا، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة

стр. 5008

الله، علي نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله [لله] [¬١]، مخافة عذاب الله. وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم [¬٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: من قرآن وسنة، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، أي: فلا تخفى عليه خافية. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: في جميع أمورك وأحوالك، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إليه. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ يقول تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا حسيًّا معروفًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي- أمًّا له، كذلك لا يصير الدّعيّ ولدًا للرجل إذا تبنّاه فدعاه ابنًا له، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي، ﷺ ، كان النبي، ﷺ ، قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: "زيد بن محمد"، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، كما قال في أثناء السورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾. وقال هاهنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًّا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن

стр. 5009

يكون للبشر الواحد قلبان. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، قال سعيد بن جبير: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، أي: العدل. وقال قتادة: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، أي: الصراط المستقيم. وقد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يقال له: "ذو القلبين"، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الآية ردًّا عليه. هكذا روى العَوفي عن ابن عباس. وقاله مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس -يعني: ابن أبي ظبيان- أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله، ﷺ ، يومًا يصلي، فخَطَر خَطْرَة [¬١]. فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قلبًا معكم وقلبًا معهم؟ فأنزل الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾. وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني-[و] [¬٢] عن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس- كليهما [¬٣] عن زهير -وهو ابن معاوية-. به، ثم قال: وهذا حديث حسن. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث زهير، به. وقال عبد الرزاق (٣): أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضُرب له مثل، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك. وكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: إنها نزلت في زيد بن حارثة. وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير، والله أعلم. وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط.

стр. 5010

قال البخاري (٤) ﵀: حدثنا مُعَلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله، ﷺ ، ما كُنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مرسى بن عقبة، به. وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من [¬١] كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك؛ ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حديفة: يا رسول الله؛ [إنا] [¬٢] كنا ندعو سالمًا ابنًا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل عَلَيّ، وإني أجد في نفس أبي حديفة من ذلك شيئًا [¬٣]، فقال ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه … ". الحديث (٥). ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعى، وتزوج رسول الله، ﷺ ، بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة (٦)، وقال: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، وقال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احترازًا عن زوجة الدعى، فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة فمنزل بمنزلة [¬٤] ابن الصلب شرعًا، بقوله ﵇ في الصحيحين (٧): " حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب".
следующие страницы →