﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ﴾، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة الله، في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غبّ ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وييل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
* * *
стр. 5007
تفسير سورة الأحزاب وهي مدنية
[قال عبد الله بن الإمام أحمد (١)] [¬١]: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ قال: قال لي أبي بن كعب: كَأين [¬٢] تقرأ [¬٣] سورة الأحزاب؟ أو كَأين [¬٤] تعدها [¬٥]؟ قال: قلت: ثلاثًا وسبعين آية. فقال: قَط! لقد رأيتها وإنها لتعادل "سورة البقرة"، ولقد قرأنا فيها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالًا من الله. والله عليم حكيم".
ورواه النسائي من وجه آخر، عن عاصم -وهو ابن أبي النجود، وهو ابن بهدلة- به. وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قدر [¬٦] كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضًا، والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾
هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة
стр. 5008
الله، علي نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله [لله] [¬١]، مخافة عذاب الله.
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم [¬٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: من قرآن وسنة، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، أي: فلا تخفى عليه خافية. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: في جميع أمورك وأحوالك، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إليه.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾
يقول تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا حسيًّا معروفًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي- أمًّا له، كذلك لا يصير الدّعيّ ولدًا للرجل إذا تبنّاه فدعاه ابنًا له، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي، ﷺ ، كان النبي، ﷺ ، قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: "زيد بن محمد"، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، كما قال في أثناء السورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾. وقال هاهنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًّا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن
стр. 5009
يكون للبشر الواحد قلبان.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، قال سعيد بن جبير: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، أي: العدل. وقال قتادة: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، أي: الصراط المستقيم.
وقد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يقال له: "ذو القلبين"، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الآية ردًّا عليه. هكذا روى العَوفي عن ابن عباس. وقاله مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس -يعني: ابن أبي ظبيان- أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله، ﷺ ، يومًا يصلي، فخَطَر خَطْرَة [¬١]. فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قلبًا معكم وقلبًا معهم؟ فأنزل الله : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾.
وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني-[و] [¬٢] عن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس- كليهما [¬٣] عن زهير -وهو ابن معاوية-. به، ثم قال: وهذا حديث حسن. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث زهير، به.
وقال عبد الرزاق (٣): أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضُرب له مثل، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك.
وكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: إنها نزلت في زيد بن حارثة. وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط.
стр. 5010
قال البخاري (٤) ﵀: حدثنا مُعَلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله، ﷺ ، ما كُنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مرسى بن عقبة، به.
وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من [¬١] كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك؛ ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حديفة: يا رسول الله؛ [إنا] [¬٢] كنا ندعو سالمًا ابنًا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل عَلَيّ، وإني أجد في نفس أبي حديفة من ذلك شيئًا [¬٣]، فقال ﷺ : "أرضعيه تحرمي عليه … ". الحديث (٥).
ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعى، وتزوج رسول الله، ﷺ ، بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة (٦)، وقال: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، وقال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احترازًا عن زوجة الدعى، فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة فمنزل بمنزلة [¬٤] ابن الصلب شرعًا، بقوله ﵇ في الصحيحين (٧): " حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب".
стр. 5011
فأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهي عنه في هذه الآية، بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري (٨)، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العُرَني، عن ابن عباس ﵄ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ ، أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرَات لنا من جَمع. فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: "أُبَينِيَّ [¬١] لا ترموا الجمر حتى تطلع الشمس".
قال أبو عبيد وغيره: "أُبيني [¬٢]: تصغير ابني [¬٣] ". وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر.
وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ في شأن زيد بن حارثة، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضًا ففي صحيح مسلم (٩)، من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، [عن الجعد] [¬٤] أبي عثمان البصري، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال لي رسول الله، ﷺ : "يا بني". ورواه أبو داود والترمذي.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلي آبائهم، إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم فهم إخوإنهم في الدين ومواليهم، أي: عرضا عما فاتهم من النسب؛ ولهذا قال رسول الله، ﷺ ، يوم خرج من مكة عام عُمرة القضاء، وتبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم. فأخذها علي وقال لفاطمة: دونَك ابنةَ عَمك [فاحتمليها. فاختصم] [¬٥] فيها على، وزيد، وجعفر في أيّهم يكفلها، فكل أدلى بحجته، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي. وقال زيد: ابنة أخي. وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي، وخالتها تحتى -يعني أسماء بنت عميس- فقضى النبي، ﷺ ، لخالتها، وقال: "الخاله بمنزلة الأم". وقال لعلى: "أنت
стр. 5012
مني، وأنا منك". وقال لجعفر: "أشبهت خَلْقي وخلُقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (١٠).
ففي هذا الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه ﵊ حكم بالحق، وأرضى كل من المتنازعين، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا"، كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
وقال ابن جرير (١١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بكرة: قال اللَّه : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، فأنا ممن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال أبي: والله، إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارًا لانتمى إليه.
وقد جاء في الحديث: "من ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" (١٢).
وهذا تشديد وتهديد، ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم؛ ولهذا قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: إذا نسبتم بعضهم إلي غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن اللَّه قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله آمرًا عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وثبت في صحيح مسلم (١٣) أن رسول الله، ﷺ ، قال: "قال الله: قد فعلت".
وفي صحيح البخاري (١٤)، عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
стр. 5013
وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر".
وفي الحديث الآخر: "إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما يكرهون عليه" (١٥).
وقال هاهنا: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: وإنما الإثم على من تعمد [¬١] الباطل كما قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
وفي الحديث المتقدم (١٦): " من ادعي إلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر". وفي القرآن المنسوخ: "فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم".
قال الإِمام أحمد (١٧): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أنه قال: بعث الله محمدًا، ﷺ ، بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أتزل عليه آية الرجم، فرجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: "ولا ترغبوا عن آبائكم [فإنه كفر بكم -أو: إن كفرًا بكم- أن ترغبوا عن آبائكم"] [¬٢]. وإن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا تطروني [كما أطري] [¬٣] عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبده ورسوله". وربما قال معمر: "كما أطرت النصارى ابن مريم".
ورواه في الحديث الآخر: "ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم" (١٨).
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾
стр. 5014
قد علم الله تعالى شفقة رسوله، ﷺ ، على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحُكْمه فيهم مُقَدّمًا على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وفي الصحيح (١٩): " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من لفسه وماله وولده والناس أجمعين".
وفي الصحيح (٢٠) أيضًا أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلى من كل شيء [] [¬١] إلا من نفسي. فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: "الآن يا عمر". ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وقال البخاري (٢١) عندها: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا [محمد بن] [¬٢] فُلَيح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمرَة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ ، قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني فأنا مولاه". تفرد به البخاري.
ورواه أيضًا في "الاستقراض"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله.
ورواه الإِمام أحمد (٢٢)، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن
стр. 5015
رسول الله ﷺ ، بنحوه.
وقال الإمام أحمد (٢٣): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي، ﷺ ، كان يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينًا فإني، ومن ترك مالًا فلورثته". ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه.
وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في "المختصر"، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية وأمثاله: خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء، ونص الشافعي على أنه يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات [¬١]، فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبًا؟ فيه قولان، صح عن عائشة ﵂ أنها [¬٢] قالت: لا يقال ذلك. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵀.
وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس أنهما قرأا: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم". وروى نحو هذا عن معاوية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. حكاه البغوي وغيره. واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود (٢٤):
حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعَلّمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه"، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرّمّة.
وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث ابن عجلان.
الوجه الثاني أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ
стр. 5016
مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي: في حكم الله [¬١] ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله، ﷺ . وكذا قال سعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثًا عن الزبير بن العوام ﵁ فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي -من ساكني بغداد- عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام قال: أنزل الله فينا خاصة -معشر قريش والأنصار-: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنا -معشر قريش- لما قدمنا المدينة قَدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعْمَ الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم، فواخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانًا، وآخى عَثمان بن عفان رجلًا من بني زريق [¬٢] سعد الزرقي [¬٣]-ويقول بعض الناس غيره- قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يابني [¬٤]، لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش و الأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.
وقوله: ﴿إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾، أي: ذهب الميراث، وبقى النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.
وقوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، أي: فإذا الحكم، وهو أن أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال: قد [¬٥] شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري الشرعيّ.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ
стр. 5017
لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن أولي العزم الخمسة، وبقية الأنبياء: إنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا. ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضًا في هذه الآية، وفي قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، فذكر الطرفين والوسط، الفاتح [¬١] والخاتم، ومن بينهما على الترتيب. فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾، فبدأ في هذه الآية بالخاتم، لشرفه -صلوات الله عليه- ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم.
قال ابن أبي حاتم (٢٥): حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ ، [في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. الآية قال النبي، ﷺ ] [¬٢]: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، [فبدئ بي] [¬٣] قبلهم". سعيد بن بشير فيه ضعف.
وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا، وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفًا، فالله أعلم.
وقال أبو بكر البزار (٢٦): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح،
стр. 5018
وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وخيرهم محمد، صلى اللَّه عليهم وسلم، أجمعين. موقوف، وحمزة فيه ضعف.
وقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم، كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم -يعني: ذريته- وأن فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة، ودون ذلك، فقال: رب، لو سويت بين عبادك؟ فقال: إني أحببت أن أشكر. وأري فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم كالنور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية. وهذا قول مجاهد أيضًا.
وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد.
وقوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن [¬١] الرسل.
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: من أممهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: موجعًا، فنحن نشهد أن الرسل قد بَلَّغُوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح الجلي، الذي لا ليس فيه ولا شك ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، في جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم، وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى [بن عقبة] [¬٢] وغيره: كانت في سنة أربع.
وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرًا من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله، ﷺ ، من المدينة إلى خيبر، منهم: سلام بن أبي [¬٣] الحقيق،
стр. 5019
وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش، وألبوهم على حرب رسول الله، ﷺ ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلي ذلك. ثم خرجوا إلى [¬١] غطان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضًا. وخرجت قريش في أحابيشها (*) ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عُيَينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله، ﷺ ، بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسيّ فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم [¬٢] رسول الله، ﷺ ، التراب وحفرَ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبًا من أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي أراضي [¬٣] المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، وخرج رسول اللَّه، ﷺ ، ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف -وقيل: سبعمائة- وأسندوا ظهورهم إلى سَلْع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الرجالة والخيالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام (**) المدينة، وكانت بنو قريظة -وهم طائفة من اليهود- لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي، ﷺ ، وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم حُيي بن أخطب النضَري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالئوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، فعظم الخطب واشتد الأمر، وضاق الحال؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
ومكثوا محاصرين للنبي، ﷺ ، وأصحابه قريبًا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال إلا أن عمرو بن عبد ود العامري -وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية- ركب ومعه فرارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين وندب [¬٤] رسول الله، صلى الله عليه وصلم، خيل المسلمين إليه، فلم يبرز إليه أحد، فأمر عليا فخرج إليه، فتجاولا ساعة، ثم قتله علي ﵁، فكان علامة على النصر.
ثم أرسل الله على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قوية، حتى لم تبق لهم خيمة ولا شيء ولا تُوقد لهم نار، ولم يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا﴾.
стр. 5020
قال مجاهد: وهي الصبا. ويؤيده الحديث الآخر: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".
وقال ابن جرير (٢٧): حدثني محمد بن المثنّى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصرْ رسول الله، ﷺ . فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت [¬١] الريح التي أرسلت عليهم الصبا. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وقال ابن جرير أيضًا (٢٨): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أرسلني خالي عبد الله [¬٢] بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله، ﷺ ، فأذن لي، وقال: "من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا". قال: فذهبت والريح تسفي [¬٣] كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدًا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي، ﷺ ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه. قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه عليّ، [قال:] [¬٤] وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفى، فأنفدها [¬٥] إلى الأرض.
وقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إليّ. فيجتمعون إليه فيقول: النجاء، النجاء، لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب.
وقال محمد بن إسحاق (٢٩)، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله، ﷺ ، وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد
стр. 5021
كنا نجهد. قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة: يا بن أخي، والله لو رأيتنا مع رسول الله، ﷺ ، بالخندق وصلى رسول الله، ﷺ ، هويًّا من الليل، ثم التفت فقال: "من رجل يقُوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ " -يشرط [¬١] له النبيّ ﷺ أنه يرجع- أدخله الله الجنة". قال: فما قام رجل. ثم صلى رسول الله، ﷺ ، هويًّا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال مثله، فما قام منا رجل. ثم صلى رسول الله، ﷺ ، هويًّا من الليل ثم التفت إلينا فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط [¬٢] له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة". فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله، ﷺ ، فلم يكن لي بد بن القيام حين دعاني فقال: "يا حذيفة، اذهب فأدخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تُحْدثَنّ شيئًا حتى تأتينا". قال: فذهبت فدخلت [في القوم] [¬٣]، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تُقر لهم قِدْرَا [¬٤] ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سفيان فقال: بها معشر قريش، لينظر امرؤ مَن جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُرَاع والخُفّ، وأخلفتنا بنو قُرَيظة، وبَلَغَنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح الذي ترون، والله ما تطمئن لنا قدر [¬٥]، ولا تَقُوم لنا نار [¬٦]، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإني مُرْتحل، ثم قام إلى جَمَله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقَاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله، ﷺ ، إلى: "أن لا تحدث شيئًا حتى تأتينا" ثم شئتُ لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله، ﷺ ، وهو قائم يصلي في مرط [¬٧] لبعض نسائه مُرَحَّل - فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح عليَّ طرف المرْط، ثم ركع، وسجد، وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غَطَفان بما فعلت قريش، فانشمروا [¬٨] راجعين إلى بلادهم.
وقد رواه مسلم في صحيحه (٣٠) من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال:
стр. 5022
كنا عند حذيفة بن اليمان ﵁ فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله، ﷺ ، قاتلتُ معه وأبليتُ. فقال له حذيفة: أنت كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رَأيتُنا مع رسول الله، ﷺ ، ليلة الأحزاب في ليلة ذات [ريح شديدة] [¬١] وقرّ [¬٢]، فقال رسول الله، ﷺ : "ألا رجل يأتي بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة". فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. ثم قال: "يا حذيفة، قم فأتنا بخبر من القوم". فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: "ائتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم [¬٣] عَلَيّ" قال: فمضيت كأنما أمشي في حَمَّام، حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرتُ قول رسول الله، ﷺ ،: "لا تَذْعَرْهم عَلَيّ". ولو رَمَيته لأصبته. قال: فرجعت كأنما أمشي في حَمَّام، فأتيت رسول الله، ﷺ ، ثم أصابني البرد حين فَرَغتُ وقررْتُ، فأخبرتُ رسول الله، ﷺ ، وألبسني من فضل عَبَاءة [¬٤] كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله، ﷺ ،: "قم يا نومان [¬٥] ".
ورواه يونس بن بكير (٣١)، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن رجلًا قال لحذيفة ﵁: نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله، ﷺ ، إنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره. فقال حذيفة: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا تَدْري ابن أخي لو أدركتَه كيف كنتَ تكون؛ لقد رأيتنا مع رسول الله، ﷺ ، ليلة الخندق في ليلة باردة مَطيرة … ثم ذكر نحو ما تقدم مطولًا.
وروى بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة نحو ذلك أيضًا (٣٢).
وقد أخرج الحاكم والبيهقيّ في "الدلائل" (٣٣)، من حديث عكرمة بن عمار، عن محمَّد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذَكَر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله، ﷺ ، فقال جلساؤه: أما والله لو شَهِدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال
стр. 5023
حذيفة: لا تمنوا ذلك. لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قُعُود: أبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم علي ذرارينا، وما أتَت علينا [ليلة] [¬١] قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون النبيّ، ﷺ ، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله، ﷺ ، رجلًا رجلًا حتى أتى عليَّ، وما عليَّ جُنَّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، لا [¬٢] يجاوز ركبتي. قال: فأتاني، ﷺ ، وأنا جَاثٍ على ركبتيَّ فقال: "من هذا؟ ". فقلت: حذيفة، قال: "حذيفة". فتقاصرتُ بالأرض [¬٣]، فقلت: بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم. [قال: "قُم"] [¬٤] فقمت فقال: " [إنه كائن] [¬٥] في القوم خبر فائتني بخبر القوم" -قال [¬٦]: وأنا من أشد الناس [¬٧] فزعًا، وأشدهم قُرًّا- قال: فخرجت، فقال رسول الله، ﷺ : "اللهم، احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته". قال: فوالله ما خلق الله فزعًا ولا قرًّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئًا. قال: فلما وليت قال: "يا حذيفة، لا تُحْدِثَنّ في القوم شيئًا حتى تأتيني". قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته، ويقول: [الرحيلَ الرحيل] [¬٨]. ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا في كنانتي أبيض الريش، فأضعه في كَبَد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله، ﷺ : "لا تحدثن فيهم شيئًا حتى تأتيني". فأمسكت ورددت [¬٩] سهمي إلى كنانتي، ثم إني شَجَّعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني [¬١٠] بنو عامر يقولون: يا آل عامر؛ الرحيل الرحيلَ! لا مُقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وَفَرَسَتْهُمُ [¬١١] [¬١٢] الريح تضربهم بها ثم خرجت نحو النبي، ﷺ ، فلما انتصفت في الطريق أو نحوًا من ذلك، إذا [] [¬١٣] أنا بنحو من عشرين فارسًا أو [¬١٤] نحو ذلك
стр. 5024
مُعْتَمّين [¬١]، فقالوا: أخْبر صاحبك أن الله تعالى كَفاه القوم. فرجعت إلى رسول الله، ﷺ ، وهو مشتمل في شملة يصلي، فو الله ما عدا أن رجعت رَاجَعَني القُرُّ وجعلت أقَرْقُفُ [¬٢] فأومأ إليَّ رسول الله، ﷺ ، بيده [¬٣] وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل علي شملته، وكان رسول الله، ﷺ ، إذا حَزَبه [¬٤] أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، و [¬٥] أخبرته أنى تركتهم يترحلون، وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
وأخرج أبو داود في سننه (٣٤) منه: كان رسول الله، ﷺ ، إذا حزبه أمر. من حديث عكرمة بن عمار، به.
وقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، أي: الأحزاب ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، تقدم عن حذيفة أنهم بنو قريظة، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، أي: من شدة الخوف والفزع، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
قال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله، ﷺ ، أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق حتى قال مُعَتّب بن بشير [¬٦]-أخو بني عمرو بن عوف-: كان محمَّد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن مذهب إلى الغائط.
وقال الحسن في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا وأصحابه سيُستأصلون [¬٧]، وأيقن المؤمنون أن ما وعبد الله ورسوله حق. وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
стр. 5025
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام [¬١] الأنصاري. حدثنا أبو عامر (ح) وحدثنا أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير -يعني ابن عبد الله، مولى عثمان بن عفان- عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أنس، عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ : "نعم، قولوا: اللهم، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا". قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح. وكذا رواه الإِمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي (٣٥).
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا (١٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن ذلك الحال، حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصووون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله، ﷺ ، بين أظهرهم، إنهم ابتُلوا واختُبروا وزُلزلرا زلزالًا شديدًا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في
стр. 5026
نفوسهم، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾، أما المنافق فنجم [¬١] نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسيكةٌ [¬٢]، ضَعُف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه، لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾، يعني المدينة كما جاء في الصحيح: "أريت [في المنام] [¬٣] دارَ هجرتكُم أرض بين حَرّتين فذهب وهلي أنها هجر، فإذا هي يثرب". وفي لفظ: "المدينة".
فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٣٦): حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سمى المدينة يثرب (٤) فليستغفر الله؛
стр. 5027
هي طابة، هي طابة". تفرد به الإمام أحمد، - ففي [¬١] إسناده ضعف، والله أعلم.
ويقال: إنما كان أصل تسميتها "يثرب" برجل نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيل ابن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن [لاوذ بن إرم] [¬٢] بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها أحد عشر اسمًا: المدينة، وطابة، وطَيبة، والمسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة.
وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة: يقول الله للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ودا مسكينة [¬٣]، [لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى.
وقوله] [¬٤]: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: أي، هاهنا، يعنون عند النبي، ﷺ ، في مقام المرابطة، ﴿فَارْجِعُوا﴾، أي [¬٥]: إلى بيوتكم ومنازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، قال العوفّي، عن ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف [¬٦] عليها السَّرَق. وكذا قال غير واحد.
وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قَيظيّ [¬٧]، يعني: اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عَورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، أي: ليست كما يزعمون، ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾، أي: هَرَبًا من الزحف.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَو الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾
стр. 5028
يخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾: أنهم لو دَخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة -وهي الدخول في الكفر- لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون على الإِيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع.
هكذا فسرها [¬١] قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم.
ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، أن لا يولوا الأدبار ولا يفروا [¬٢] من الزحف؛ ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي: وإن الله سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك، ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببًا في تعجيل أخذهم غرة؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: بعد هربكم وفراركم ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، أي: يمنعكم، ﴿مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجيرًا ولا مغيث [¬٣].
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾
يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإِخوانهم، أي أصحابهم وعُشَرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَينَا﴾، أي: إلى ما نحن فيه من الإِقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ﴾ أي: بخلاء بالمودة والشفقة عليكم. وقال السدي: ﴿أَشِحَّةً عَلَيكُمْ﴾ أي في الغنائم.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، أي: من شدة خرفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ
стр. 5029
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، أي: وإذا كان الأمن تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك.
وقال ابن عباس: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أي: استقبلوكم.
وقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم، وأسوؤه مقاسمة: أعطونا، أعطونا، قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي: ليس فيهم خير، قد جَمَعُوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر:
أفي السلم أعْيَارًا جَفَاءً وغلْظَةً … وفي الحَرْب أمْثَال النّساء العَوَاركِ
أي: في حال المسالمة كأنهم الحمير. والأعيار: جمع عير، وهم الحمار. وفي الحرب كأنهم النساء الحُيَّض؛ وهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، أي: سهلًا هينًا عنده.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا (٢٠)﴾
وهذا أيضًا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخوف والخور، ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾، بل هم قريب منهم، وإن لهم عودة إليهم ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، أي: ويَوَدّون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة بل في البادية، يسألون عن أخباركم، وما كان من أمركم مع عدوكم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا﴾. أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلًا لكثرة جبنهم وذلتهم، وضعف يقينهم.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾
هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله، ﷺ ، في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمِرَ الناس بالتأسي بالنبي، ﷺ ، يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه صلواتُ الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين، [تقلقوا] وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في
стр. 5030
أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ولهذا قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
ثم قال تعالى مخبرًا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجَعْله العاقبةَ حاصلةً لهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
قال ابن عباس وقتادة: يعنون قوله تعالى في "سورة البقرة": ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب؛ ولهذا قالوا [¬١]: ﴿وصدق الله ورسوله﴾.
وقوله: ﴿وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾، دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قاله جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص. وقد قررنا ذلك في أول "شرح البخاري"، ولله الحمد والمنة.
ومعنى قوله: ﴿وما زادهم﴾، أي: ذلك الحال والضيق والشدة ﴿إلا إيمانًا﴾ بالله، ﴿وتسليمًا﴾ أي: انقيادًا لأوامره، وطاعة لرسوله.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾
لما ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه [¬٢] لا يولون الأدبار - وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و ﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه﴾، قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده، وهو يرجع إلى الأول.
﴿ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا﴾، أي: وما غيروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدلوه.
قال البخاري (٣٧): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري؛ قال: أخبرني خارجة
стр. 5031
ابن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فَقَدْتُ آيةً من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله، ﷺ ، يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري- الذي جعل رسول الله، ﷺ ، شهادته بشهادة رجلين-: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾.
انفرد به البخاري دون مسلم. وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي -في التفسير من سننيهما- من حديث الزهري، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال البخاري أيضًا (٣٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثُمَامَةَ، عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾. انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر، قال الإِمام أحمد (٣٩):
حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بي الغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عَمّي أنس بن النضر سُميت به، لم يشهد مع رسول الله، ﷺ ، يوم بدر، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله، ﷺ ، غُيبتُ عنه، لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله، ﷺ ، لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله، ﷺ ، يوم [¬١] أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو [¬٢]؛ أين؟ واهًا [¬٣] لريح الجنة أجده دون أحد! قال: فقاتلهم حتى قُتل، قال: فَوُجد في جسده بضع [¬٤] وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتى الربيعُ بنة النضر-: فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿رجال صدقوا ما
стр. 5032
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.
ورواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة. ورواه النسائي أيضًا وابن جرير (٤٠)، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به نحوه.
وقال ابن أبي حاتم (٤١): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن أنس: أن عمه -يعني أنس بن النضر- غاب عن قتال بدر فقال: غُيّبتُ عن أول قتال قاتله رسول الله، ﷺ ، المشركين، لئنِ الله أشهدني قتالًا للمشركين لَيَرَينّ الله ما أصنع. قال: فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم، إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فلقيه سعد -يعني ابن معاذ- دون أحد، فقال: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أن أصنع ما صنع. قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف، وطعنة رمح، ورمية سهم. وكانوا يقولون فيه وفي أصحابه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾.
وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما، عن يزيد بن هارون، به. وقال الترمذي: حسن.
وقد رواه البخاري (٤٢) في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة بن مُصرّف، عن حميد، عن [¬١] أنس، به. ولم يذكر نزول الآية.
ورواه ابن جرير (٤٣) من حديث المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن مرسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: لما أن رجع النبي، ﷺ ، من أحد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وعَزّى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر،
стр. 5033
ثم قرأ هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية كلها. فقام إليه رجل [¬١] من المسلمين فقال: يا رسول اللَّه، من هؤلاء؟ فأقبلت وعَليّ ثوبان أخضران حَضْرَميَّان فقال: "أيها السائل، هذا منهم".
وكذا رواه ابن جرير (٤٤) من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به.
وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضًا، وابن جرير (٤٥)، من حديث يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني [¬٢] طلحة، عن أبيهما، له. وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس.
وقال أيضًا (٤٦): حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عامر -يعني العقدي- حدثنا إسحاق -يعني ابن طلحة بن عبيد الله- عن موسى بن طلحة قال: [دخلت على معاوية ﵁ فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك يا بن أخي حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ؟ أشهد لَسَمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
ورواه ابن جرير (٤٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحمّاني، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي، عن موسى بن طلحة قال] [¬٣]: قام معاوية بن أبي سفيان فقال: إني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
ولهذا قال مجاهد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾، قال: عهده، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، قال: يومًا فيه قتال فيصدق في اللقاء.
وقال الحسن: ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾، يعني موته على الصدق والوفاء، ﴿ومنهم من ينتظر﴾ الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلًا، وكذا قال قتادة وابن زيد. وقال بعضهم: ﴿نحبه﴾: نذره وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهدهم، وبدلوا
стр. 5034
الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه، وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾، أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال فيميز [¬١] الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر [¬٢] هذا بالفعل. مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلًا به قبل وجوده. وكذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾، لهذا قال هاهنا: ﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم﴾، أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه. ﴿ويعذب المنافقين﴾، وهم الناقضون لعهد الله، المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن شاء [¬٣] استمر بهم على ما فعلوه حتى يلقوه به فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإِيمان، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان [¬٤]. ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة [¬٥] لغضبه قال: ﴿إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب، لما أجلاهم عن المدينة، بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية- ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين؛ لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العَقيم على عاد، ولكن قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾، فسلط عليهم هواء فرق شملهم، كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل شتى، أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحَنقَهم، لم ينالوا خيرًا لا في الدنيا، مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة مما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول، ﷺ ، بالعداوة، وهمهم بقتله، واستئصال جيشه. ومن هم بشيء وصدق هَمَّه بفعله فهو في الحقيقة كفاعله.
стр. 5035
وقوله: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، أي: لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم؛ بل كفى الله وحده [¬١]، ونصر عبده، وأعز جنده؛ ولهذا قال رسول الله، ﷺ : "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده". أخرجاه من حديث أبي هريرة (٤٨).
وفي الصحيحين (٤٩) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله، ﷺ ، على الأحزاب فقال: "اللهم، منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم، اهزمهم وزلزلهم".
وفي قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾ - إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها، لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم.
قال محمد بن إسحاق (٥٠): لما انصرف أهل الخندق عن الخندق؛ قال رسول الله، ﷺ فيما بلغنا-: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم [¬٢] ". فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان هو يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله عليه مكة.
وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق، حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد (٥١):
حدثنا يحيى، عن سفيان حدثني أبو إسحاق قال [¬٣]: سمعت سليمان بن صُرَد يقول: قال رسول الله، ﷺ ، يوم الأحزاب: "الآن نغزوهم ولا يغزونا".
وهكذا رواه البخاري في صحيحه من حديث الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق به.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا﴾، أي: بحوله وقوته، ردهم خائبين، لم ينالوا
стр. 5036
خيرًا، وأعز الله الإسلام وأهله، وصدق وعده، ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾
قد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، من العهد، وكان ذلك بسفارة حُييّ بن أخطب النَّضري -لعنه الله- دخل حصنهم، ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك. قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدًا وأصحابه.
فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حييّ، إنك مشئوم، فدعنا منك. فلم يزل يفتل في الذروة والغَارب (١) حتى أجابه، واشترط له حييّ إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء، أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نَقَضت قريظةُ، وبلغ ذلك رسولَ الله، ﷺ ، ساءه، وشق عليه وعلى المسلمين جدًّا، فلما أيد الله ونَصَر، وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة مؤيدًا منصورًا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول اللَّه، ﷺ ، يغتسل من وعثاء [¬٢] تلك المرابطة في بيت أم سلمة إذ تبدى له جبريل معتجزًا [¬٣] بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها قطفة ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم". قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم. ثم قال: إن الله يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة- وفي رواية فقال له: عذيرك من مقاتل، أوضعتم السلاح؟ قال: "نعم" قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهض إلى هؤلاء، قال: "أين؟ " قال: بني قريظة، فإن الله أمرني أن أزلزل عليهم. فنهض رسول الله ﷺ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (٥٢).
стр. 5037
فسار الناس، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله، ﷺ ، إلا تعجيل السير، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يُعَنِّف واحدًا من الفريقين. وتبعهم رسول الله، ﷺ ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى الراية لعليّ بن أبي طالب.
ثم نازلهم رسول الله، ﷺ ، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما في عبد الله بن أبيّ ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله ﷺ ، فظن هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبيّ في أولئك، ولم يعلموا أن سعدًا ﵁ كان قد أصابه سهم في أكحَله أيام الخندق، فكواه رسول الله ﷺ في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب.
وقال سعد فيما دعا به، اللهم، إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها. وإن كنت وضت الحرب بيننا وبينهم، فافجرها ولا تمتني حتى تُقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله دعاءه، وقَدّر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبًا [¬١] من تلقاء أنفسهم، فعند ذلك استدعاه رسول الله، ﷺ ، من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب [على حمار] [¬٢] قد وطئوا له عليه؛ جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد؛ إنهم مواليك، فأحسن فيهم، ويرققونه [¬٣] عليهم ويعطفونه، وهو ساكت لا يرد عليهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم. فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله، ﷺ ، قال رسول الله، ﷺ : "قوموا إلى سيدكم". فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظامًا وإكرامًا واحترامًا له في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله، ﷺ : "إن هؤلاء -وأشار إليهم- قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت". قال: وحكمي نافذ عليهم؟ قال: "نعم". قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: "نعم". قال: وعلى من هاهنا. وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، ﷺ ، وهو معرض بوجهه عن رسول الله، ﷺ ، إجلالًا وإكرامًا وإعظامًا، فقال له رسول الله ﷺ : "نعم". فقال: إني أحكم أن تقتل مُقَاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم. فقال له رسول الله ﷺ : "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة
стр. 5038
أرقعة" وفي رواية: "لقد حكمت بحكم الملك" (٥٣).
ثم أمر رسول الله، ﷺ ، بالأخاديد فخُذتْ في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم يُنبت منهم مع النساء، وأموالهم. وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة، الذي أفردناه موجزًا ومقتصًّا، ولله الحمد والمنة.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾، أي: عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله، ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بنى قريظة من اليهود، من بعض أسباط بنى إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديمًا، طمَعًا في اتباع النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ فعليهم لعنة الله.
وقوله: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: حصونهم. كذا قال مجاهد وعكرمة، وعطاء والسدي، وقتادة، وغيرهم، ومنهم سميت صياصي البقر، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، وهو الخوف؛ لأنهم كانوا مالئوا المشركين على حرب رسول الله، ﷺ ، وليس من يعلم كمن لا يعلم، فأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليَعزوا [في الدنيا] [¬١]، فانعكس عليهم الحال، وانقلب الفال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العز أذِلوا [¬٢]، وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة، فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسراء هم الأصاغر والنساء.
قال الإمام أحمد (٥٤): حدثنا هُشَيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: عُرضتُ على النبي، ﷺ ، يوم قريظة فشكوا فيّ، فأمر بي النبي، ﷺ ، أن ينظروا: هل أنبت بعد؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت [بعد] [¬٣]. فخلى عني وألحقني بالسبي.
стр. 5039
وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق، عن عبد الملك بن عمير، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه النسائي (٥٥) أيضًا، من حديث ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية، بنحوه.
وقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾، أي: جعلها لكم من قتلكم لهم ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، قيل: خيبر. وقيل: مكة. رواه مالك، عن زيد بن أسلم، وقيل: فارس والروم. وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادًا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ قال الإمام أحمد (٥٦):
حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فسمعت وئيد [¬١] [¬٢] الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ و [¬٣] معه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجَنَّه، قالت: فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد [¬٤] قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول:
ليت قليلًا [¬٥] يشهدُ الهيجا حَمَل … ما أحسن الموتَ إذا حان الأجل!
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه تَسْبغَة [¬٦] [¬٧] له - تعني المغفر- فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة [¬٨]، وما يؤمنُك أن يكون بلاء أو [¬٩] يكون تَحوّز [¬١٠]. قالت: فما زال يلومني حتى
стр. 5040
تمنيت أن الأرض انشقت بي [¬١] ساعتئذ، فدخلت فيها. فرفع الرجل التسبغة [¬٢] عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله فقال: يا عمر، ويحك! إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التّحَوّز أو الفرار إلا إلى الله تعالى؟ قالت: ويرمي سعدًا رجل من قريش، يقال له: ابن العَرقة بسهم له وقال له: خذها وأنا ابن العَرقة! فأصاب [¬٣] أكْحَلَه فقطعه، فدعا الله سعد فقال: اللهم؛ لا تمتني حتى تُقر عيني من قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقًا [¬٤] كَلْمُه، وبعث الله الريح على المشركين، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا. فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا، والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بنى قريظة فقاتلهم. قالت [¬٥]: فلبس رسول الله ﷺ لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، [فخرج رسول الله، ﷺ ] [¬٦]، فمر علي بني غَنم [¬٧] وهم جيران المسجد حوله، فقال: من مر بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبيّ - وكان دحية الكلبيّ تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊ فأتاهم رسول الله، ﷺ ، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله، ﷺ ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ [فقال رسول الله، ﷺ : "انزلوا على حكم سعد بن معاذ". فنزلوا وبعث رسول الله، ﷺ ، إلى سعد بن معاذ] [¬٨] فأتي به على حمارٍ عليه إكاف [¬٩] من ليف قد حُمل عليه، وحَفّ به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النّكاية [¬١٠] ومن قد علمت. قالت: ولا يرجعُ إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم، قال: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله، ﷺ : "قوموا إلي سيدكم فأنزلوه". فقال عمر: سيدنا الله. قال: "أنزلوه". فأنزلوه، قال رسول الله، ﷺ : "احكم فيهم". قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله، ﷺ :
стр. 5041
"لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله". ثم دعا سعد فقال: اللهم؛ إن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قال: فانفجر كَلْمُه، وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص [¬١]، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، ﷺ .
قالت عائشة: فَحَضَره [¬٢] رسولُ الله ﷺ وأبو [¬٣] بكر، وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رحماء بينهم﴾.
قال علقمة: فقلت: أي أمّه؛ فكيف [¬٤] كان رسول الله، ﷺ ، يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.
وقد أخرج البخاري ومسلم (٥٧) من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة نحوًا من هذا، ولكنه [¬٥] أخصر منه، وفيه دُعاء سعد ﵁.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
هذا أمر من الله لرسوله [¬٦]، ﷺ ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُلُ لهن [من] عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل: فاخترن ﵅ وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.
стр. 5042
قال البخاري (٥٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال [¬١]: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك". وقد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبويّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟
وكذا رواه معلقًا عن الليث: حدثني يونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكره وزاد، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت (٥٩).
وقد حكى البخاريّ أن معمرًا اضطرب، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وقال ابن جرير (٦٠): حدثنا أحمد بن عَبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ : "إني أريد أن أذكر لك أمرًا، فلا تقضي فيه شيئًا حتى تستأمري أبويك". قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال [¬٢]: فردّه عليها فقالت: فما هو يا رسول الله؟ قالت: فقرأ عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ .
وحدثنا ابن وكيع (٦١)، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله ﷺ ، فقال: "يا عائشة؛ إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء [¬٣] حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان". فقلت: يا رسول الله؛ وما هو؟ قال: قال الله :
стр. 5043
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأم رومان، فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحُجَر فقال: "إن عائشة قالت كذا وكذا". فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة. ﵅ كلهن.
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به.
قال ابن جرير (٦٢): وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل عَليّ فقال: "سأذكر لك أمرًا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك": فقلت. وما هو يا نبي الله؟ قال: "إني أمرت أن أخيركن"، وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول لا تستعجلي [¬١] حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله ورسوله. فَسُرّ بذلك، وعَرَض على نسائه فتتابعن كُلّهن، فاخترن الله ورسوله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عُقَيل، عن الزهريّ، أخبرني عبيد الله بن [عبد الله بن] [¬٢] أبي ثَور، عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: قد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ … ﴾ الآيتين. قالت عائشة: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة ﵅.
وأخرجه البخاري ومسلم جميعًا (٦٣) عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثله.
وقال الإمام أحمد (٦٤): حدثنا أبو معاودة، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن
стр. 5044
مسروق، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئًا. أخرجاه من حديث الأعمش.
وقال الإمام أحمد (٦٥): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ ، والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس. فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله؛ لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عُنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه. وقال: "هن حولي يسألنني النفقة". فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله ﷺ فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة فقال: "إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك". قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك … ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: أفيك أتستأمر أبوي، بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائِك ما اخترت. فقال: "إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتُها". انفرد بإخراجه مسلم [¬١] دون البخاري، فرواه هو والنسائي، من حديث زكريا بن إسحاق المكيّ به.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (٦٦): حدثنا سريج [¬٢] بن يونس، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن محمد بن عبيد [الله بن عليّ] [¬٣] بن أبي رافع، عن عثمان بن عليّ بن الحسين،
стр. 5045
عن أبيه، عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ خَيّر نساءه الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن الطلاق.
وهذا منقطع، وقد رُوي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك. وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه قال: ﴿فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أعطيكن حقوقكن، وأطلق سراحكن.
وقد اختلف العلماء في جواز تزويج غيره لهن لو طلقهن، على قولين، وأصحهما: نعم لو وقع، ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم.
قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حُييّ النَّضَريَّة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾
يقول تعالى واعظًا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله ﷺ أن يخبرهن [¬١] بحكمهن دون سائر النساء، بأن [¬٢] من يأت منهن بفاحشة مبينة -قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق- وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال: في الدنيا والآخرة.
وعن ابن أبي نجيح، [عن مجاهد] [¬٣] مثله.