خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم [القدير العليم] [¬١] الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى - كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.
وقال ابن لَهِيعَةَ، عن ابن [¬٢] أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: العالم بالرحمن من لم يشرك به شيئًا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسبه بعمله. وقال سعيد بن جبير: الخشية هي [¬٣] التي تحول بينك وبين معصية الله . وقال الحسن البصري: الإيمان مَنْ خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سَخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك؛ قال: إن [العلم ليس] [¬٤] بكثرة الرواية، و [¬٥] إنما العلم نور يجعله الله في القلب.
قال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض [¬٦] الله أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أئمة المسلمين - فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: (نور) يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه.
وقال سفيان الثوري، عن أبي حيان، عن رجل؛ قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله. وعالم بالله، ليس بعالم بأمر الله. وعالم بأمر الله، ليس بعالم [¬٧] بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم [¬٨] بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا
стр. 5217
وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه، من إقام [¬١] الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله في الأوقات المشروعة ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانية، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور﴾، أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بد من حصوله. كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه: "إن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة". ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: ليوفيهم ثواب ما فعلوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾، أي: لذنوبهم، ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم.
قال قتادة: كان مُطَرّف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء.
قال الإمام أحمد (١٨): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا سالم بن غيلان؛ أنه سمع دَرَّاجًا أبا السمح يحدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه سبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد أثنى عليه سبعَة [¬٢] أصناف من الشر لم يعمله". غريب جدًّا.
﴿وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ إِنَّ اللَّهَ
стр. 5218
بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ﴾، يا محمد من الكتاب، وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾، أي من الكتب المتقدمة يصدقها، كما شهدت له بالنبوة [¬١]، وأنه منزل من رب العالمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، أي: هو خبير بهم، بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وجعل منزلة محمد ﷺ فوق جميعهم، صلوات الله عليهم أجمعين.
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾
يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم، المصدق لما بين يديه من الكتب، الذين اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، وهو: المفرط [¬٢] في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا﴾، قال: هم أمة محمد ﷺ ، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفَر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وقال أبو القاسم الطبراني (١٩): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، وعبد الرحمن بن معاوية العُتْبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، حدثني ابن
стр. 5219
جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال ذات يوم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". قال ابن عباس: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ .
وهكذا رُوي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين، على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، ولا من المصطفين الوارثين الكتاب.
قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هو الكافر. وكذا رَوَى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضًا فيما رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هم أصحاب المشأمة. وقال مالك عن زيد بن أسلم، والحسن، وقتادة: هو المنافق. ثم قد قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام [¬١] الثلاثة المذكورة في أول "سورة الواقعة" وآخرها.
والصحيح أن الظالم لنفسه من [¬٢] هذه الأمة. وهذا [¬٣] اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، من طرق يشد بعضها بعضًا، ونحن نورد منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلًا من ثقيف يُحدّث عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة".
стр. 5220
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسم. وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث شعبة، به نحوه.
ومعنى قوله بمنزلة واحدة أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.
(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد (٢١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن علي [¬١] بن عبد الله الأزدي، عن أبي الدرداء ﵁ قال [¬٢]: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون [¬٣] في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم برحمته [¬٤]، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة".
ورواه ابن جرير (٢٢) من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش؛ قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء، فقال: اللهم، آنس [¬٥] وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليسًا صالحًا. قال أبو الدرداء: لئن كنت صادقًا لأنا أسعد بك [¬٦] منك، سأحدثك حديثًا
стр. 5221
سمعته من رسول الله ﷺ لم أحدث به منذ سمعته منه، ذكر هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ﴾: "فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا. وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، وذلك قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ".
(الحديث الثالث): قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٢٣): حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا [ابن] [¬١] مسعود، أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي، حدثنا عمرو [¬٢] بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، [عن] [¬٣] عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسامة بن زيد: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ﴾ … الآية، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلهم من هذه الأمة".
(الحديث الرابع): قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عَزيز [¬٤]، حدثنا سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عوف بن مالك، عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: "أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يُمَحَّصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده. يقول الله : صدقوا لا إله إلا أنا، أدخلوهم الجنة بقولهم: لا إله إلا الله وحده واحملوا خطاياهم على أهل النار"، وهي التي قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾، وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، فجعلهم ثلاثة أنواع: وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يكشف ويمحص. غريب جدًّا (٢٤).
стр. 5222
(أثر عن ابن مسعود): قال ابن جرير: حدثني ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الحارث، عن شقيق [¬١] أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: هذه [الأمة] [¬٢] ثلاثة أثلاث يوم القيامة، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول: ما هؤلاء - وهو أعلم ﵎ فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام، إلا أنهم لم يشركوا بك. فيقول الرب : أدخلوا هؤلاء في سعة [¬٣] رحمتي. وتلا عبد الله هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ … الآية (٢٥).
(أثر آخر): قال أبو داود الطيالسي (٢٦)، عن الصلت بن دينار [أبو شُعيب] [¬٤]، عن عقبة بن صهبان الهنائي؛ قال: سألت عائشة ﵂ عن قول الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ … الآية، فقالت لي: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ ، شهد له رسول الله ﷺ بالحياة والرزق. وأما المقتصد فمن اتبع [¬٥] أثره من أصحابه حتى لحق به. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم. قال: فجعلت نفسها معنا.
وهذا منها ﵂، من باب الهَضْم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات؛ لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
وقال عبد الله بن المبارك ﵀: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هي لأهل بدونا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد. رواه ابن أبي حاتم.
стр. 5223
وقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: حدثنا كعب الأحبار؛ قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة، والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال [¬١]: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ … إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾، قال: فهؤلاء أهل النار.
رواه ابن جرير من طرق، عن عوف به (٢٧). ثم قال:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبًا عن قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، إلى قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فقال [¬٢]: تماسَّت مناكبهم ورَبّ كعب، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم (٢٨).
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، حدثنا عمرو [¬٣] بن قيس، عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ … الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج (٢٩).
ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو، عن [¬٤] محمد بن الحنفية؛ قال: إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله (٣٠).
ورواه الثوري، عن إسماعيل بن سميع، عن رجل، عن محمد بن الحنفية بنحوه.
وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي -يعني الباقر- عن قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، فقال: هو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.
فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه
стр. 5224
الرحمة، فإنهم كما قال الإمام أحمد ﵀ (٣١):
حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن قيس بن كثير؛ قال: قدم رجل من المدينة إلى أبي الدرداء وهو بدمشق؛ فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله ﷺ . قال أما قدمت لتجارة؟ قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا. قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقًا يطلب فيه [¬١] علمًا، سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا [دينارًا ولا درهمًا] [¬٢]، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر".
وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، من حديث كثير بن قيس - ومنهم من يقول: قيس بن كثير - عن أبي الدرداء.
وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في [شرح "كتاب] [¬٣] العلم" من "صحيح البخاري"، ولله الحمد والمنة.
وقد تقدم في أول "سورة طه" حديث ثعلبة بن الحكم، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء [¬٤]: إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم، على ما كان منكم، ولا أبالي" (٣٢).
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ
стр. 5225
شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾
يخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين مأواهم يوم القيامة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾، كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" (٣٣).
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، ولهذا كان محظورًا عليهم في الدنيا، فأباحه الله لهم في الدار الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٣٤). وقال: "هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
وقال ابن أبي حاتم (٣٥): حدثنا عمرو بن سواد السرحى، أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁، أن أبا أمامة حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم، وذكر حلي [أهل الجنة] [¬١] فقال: "مسورون بالذهب والفضة، مكللة بالدر، وعليهم أكاليل من دُرٍّ وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جُرْدٌ مُرْدٌ مكحّلُون".
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾، وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا، وأراحنا مما كنا نتخوفه، ونحذره من هموم الدنيا والآخرة.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ". رواه ابن أبي حاتم من حديثه (٣٦).
стр. 5226
وقال الطبراني (٣٧): حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا موسى بن يحيى المروزي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي، عن عبد العزيز بن حكيم، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في قبورهم ولا في النشور. و [¬١] كأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب، يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ".
قال ابن عباس، وغيره: غَفَر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسيرَ من الحسنات.
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾، يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة، وهذا المقام من فضله ومَنِّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك. كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "لن يُدخل أحدًا منكم عمله الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل" (٣٨).
﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء.
والنصَب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب. وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، والله أعلم. فمن ذلك أنهم كانوا يُدْئِبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة. قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا
стр. 5227
نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾
لما ذكر تعالى حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. وثبت في صحيح مسلم (٣٩) أن رسول الله ﷺ ، قال: "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون". قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك - قال الله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، وقال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾، أي: هذا جزاء كل من كفر بربه، وكذّب بالحق.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾، أي: ينادون فيها، يجأرون إلى الله بأصواتهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب ﷻ أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبرًا عنهم في قولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ [¬١] مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾. أي: لا يجيبكم إلى ذلك؛ لأنكم كنتم [¬٢] كذلك، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه. ولهذا قال هاهنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، أي: أو ما عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟.
وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هاهنا، فرُوي عن علي بن الحسين زين العابدين؛ أنه قال [¬٣]: مقدار سبع عشرة سنة.
وقال قتادة: اعلموا أن طول العمر [حجة، فنعوذ بالله أن نُعَيَّر بطول العمر] [¬٤]، قد نزلت هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة [¬٥].
стр. 5228
وكذا قال أبو غالب الشيباني.
وقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن رجل، عن وهب بن منبه في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، قال: عشرين سنة.
وقال هشيم، عن منصور، عن زاذان، عن الحسن في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، قال: أربعين سنة.
وقال هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة؛ فليأخذ حذره من الله .
وهذا رواية عن ابن عباس فيما قال ابن جرير (٤٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن مجاهد؛ قال: سمعت ابن عباس، يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة.
هكذا رواه من هذا الوجه، عن ابن عباس. وهذا القول هو اختيار ابن جرير.
ثم رواه (٤١) من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كليهما [¬١] عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: العمر الذي أعذر الله [] [¬٢] فيه لابن آدم في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ ستون سنة.
فهذه الرواية أصح عن ابن عباس، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضًا، لما ثبت في ذلك من الحديث -كما سنورده- لا كما زعمه ابن جرير، من أن الحديث لم يصح؛ لأن "في إسناده من يجب التثبت في أمره" (٤٢).
وقد روى أصبغ بن نُباتة، عن عليّ ﵁ أنه قال: العمر الذي عَيَّرهم الله به في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾. ستون سنة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا دُحَيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي، عن ابن أبي حُسَين المكي؛ أنه حدثه عن عَطاء -هو ابن أبي رباح- عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ ؛ قال: "إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
стр. 5229
وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ".
وكذا رواه ابن جرير، عن علي بن شعيب، [عن محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك به. وكذا رواه] [¬١] الطبراني من طريق ابن أبي فُديك به (٤٣).
وهذا الحديث فيه نظر، لحال إبراهيم بن الفضل، والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (٤٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معْمَر، عن رجُلٍ من بني غِفَار، عن سعيد المقبُرِيّ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه [¬٢] قال: "لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه [لقد أعذر الله إليه] [¬٣] ".
وهكذا رواه الإمام البخاري في "كتاب الرقاق" من صحيحه (٤٥): حدثنا عبد السلام بن مُطَهَّر، عن عُمَر بن عليّ، عن مَعْن بن محمد الغفَاري، عن سعيد المقبُريّ، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ ["أعذر الله إلى امرئ أخَّر عمره حتى بَلَّغَه ستين سنة".
ثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابنُ عجلان، عن سعيد المقبري] [¬٤].
فأما أبو حازم فقال ابن جرير: حدثنا أبو صالح الفَزَاريّ [¬٥]، حدثنا محمد بن سوار، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القاري الإسكندريّ، حدثنا أبو حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ " [من عَمَّره الله] [¬٦] ستين سنة، فقد أعذر إليه في العمر".
وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعًا عن قتيبة [عن يعقوب بن عبد الرحمن به (٤٦).
стр. 5230
ورواه البزار (٤٧) قال: حدثنا هشام بن يونس، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه] [¬١] عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "العمر الذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستون سنة". يعني: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (٤٨).
وأما متابعة ابن عجلان فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء، حدثنا أبو عبد الرحمن المقبري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر اللَّه إليه في العمر".
وكذا رواه الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن هو المقرئ به (٤٩).
ورواه أحمد أيضًا، عن خلف عن أبي معشر، عن سعيد المقبُري (٥٠).
(طريق أخرى، عن أبي هريرة) قال ابن جرير: حدثني أحمد بن الفرج أبو عُتْبة الحمْصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المطرف بن مازن الكناني، حدثني معمر بن راشد؛ قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة؛ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد أعذر اللَّه في العمر إلى صاحب الستين سنة والسبعين" (٥١).
فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد اللَّه البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت [¬٢]. وقول ابن جرير: "إن في رجاله بعض من [¬٣] يجب التثبت في أمره"، لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري، واللَّه أعلم.
وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما قال الشاعر:
стр. 5231
إذَا بَلَغَ الفتى ستين عَاما … فقد ذَهَبَ المسَرَّةُ والفَتَاءُ
و [¬١] لما كان هذا هو العمر الذي يعذر اللَّه إلى عباده به، ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث، قال الحسن بن عرفة ﵀:
حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي [¬٢]، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم مَن يجوز ذلك".
وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعًا في كتاب الزهد، عن الحسن بن عرفة به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥٢).
وهذا عَجَب من الترمذي، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا [¬٣] من وجه آخر وطريق أخرى، عن أبي هريرة، حيث قال:
حدثنا سليمان بن عمر، عن محمد بن ربيعة، عن كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك".
وقد رواه الترمذي في "كتاب الزهد" (٥٣) أيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن محمد بن ربيعة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب، من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روى من غير وجه عنه. هذا نصه بحروفه في الموضعين، واللَّه أعلم.
و [¬٤] قال الحافظ أبو يعلى (٥٤): حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن أبي فُديك، حدثني إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم، عن المقبُري [¬٥]، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مُعْتَرك المنايا ما بين الستين إلى السبعين".
стр. 5232
وبه قال (٥٥): قال رسول اللَّه ﷺ : "أقل أمتي أبناء سبعين". إسناده ضعيف.
(حديث آخر في معنى ذلك) قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (٥٦):
حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا عثمان بن مطر، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، أنه قال: يا رسول اللَّه، أنبئنا بأعمار أمتك. قال: "ما بين الخمسين إلى الستين". قالوا: يا رسول اللَّه؛ فأبناء السبعين؟ قال: "قَلَّ من يبلغها من أمتي، وحم اللَّه [] [¬١] أبناء السبعين ورحم اللَّه أبناء الثمانين".
ثم قال البزار: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وعثمان بن مطر من أهل البصرة ليس بقوي.
وقد ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ عاش ثلاثة وستين سنة، قيل: ستين. وقيل: خمسًا وستين سنة. والمشهور الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، روي عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي جعفر الباقر، وقتادة، وسفيان بن عُيَينة أنهم قالوا: يعني الشيب.
وقال السدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به الرسول ﷺ ، وقرأ ابن زيد: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. وهذا هو الصحيح عن قتادة، فيما رواه شيبان، عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر [¬٢] والرسل.
وهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر، لقوله [¬٣] تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي: لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل، فأبيتم وخالفتم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.
وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، أي: فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم
стр. 5233
للأنبياء [¬١] في مدة أعماركم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إلا خَسَارًا (٣٩)﴾
يخبر تعالى بعلمه غيب السحاوات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله.
ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يخلف قوم الآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم، كما قال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفْرُهُ﴾، أي: فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره، ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾، أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم اللَّه، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحَسُن عمله؛ ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره، وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين.
﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾
يقول تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: من الأصنام والأنداد، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؟ أي: ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير.
وقوله [¬٢]: ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾، أي: أم أنزلنا عليهم كتابًا بما يقولونه من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك، ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾، أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور.
стр. 5234
ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، أي: أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾.
﴿وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يَعجَل، ويستر آخرين ويغفر، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
وقد أورد ابن أبي حاتم (٥٧) هاهنا حديثًا غريبًا بل منكرًا، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني هشام بن يوسف، في أمية بن شبل [¬١]، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر؛ قال: "وقع في نفس موسى ﵇ هل ينام اللَّه ؟ فأرسل اللَّه إليه ملكًا، فأرّقه ثلاثًا، وأعطاه قارورتين [في كل يد قارورة] [¬٢] وأمره أن [¬٣] يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس [¬٤] إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه [¬٥] فتكسَّرَت القارورتان، و [¬٦] قال: ضرب اللَّه له [¬٧] مثلًا: إن اللَّه لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض".
و [¬٨] الظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة، فإن موسى ﵇ أجَلُّ من [¬٩] أن يُجَوِّز على اللَّه النوم، وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه العزيز بأنه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. وثبت في الصحيحين (٥٨) عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه الفور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه
стр. 5235
ما انتهى إليه بصره من خلقه".
وقد قال أبو جعفر بن جرير (٥٩): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل؛ قال: جاء رجل إلى عبد اللَّه هو ابن مسعود - فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبًا. قال ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منْكَب مَلَك. قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورَحْلها، كَذَب كعب. إن اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود.
ثم رواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال: ذهب جُندَب البَجَلي إلى كعب بالشام، فذكر نحوه (٦٠).
وقد رأيت في مصنف الفقيه يحيى بن إبراهيم بن مُزَين [¬١] الطليطي، سماه "سير الفقهاء"، أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع، عن وكيع، عن الأعمش، به. ثم قال: وأخبرنا زونان يعني عبد الملك بن الحسن، عن ابن وهب، عن مالك؛ أنه قال: السماء لا تدور. واحتج بهذه الآية، وبحديث: "إن بالمغرب بابًا للتوبة لا يزال مفتوحًا حتى تطلع الشمس منه".
قلت: وهذا الحديث في الصحيح (٦١)، واللَّه أعلم.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلًا (٤٣)﴾
стр. 5236
يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا باللَّه جهد أيمانهم، قبل إرسال الرسول إليهم: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل. قاله الضحاك وغيره، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَينَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾، وهو: محمد ﷺ بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين، ﴿مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا﴾، أي: ما ازدادوا إلا كفرًا إلى كفرهم، ثم بين ذلك بقوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: استكبروا عن اتباع آيات اللَّه، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، أي: ومكروا بالناس في صدِّهم إياهم عن سبيل اللَّه، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾، [أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم.
قال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي زكريا الكوفي، عن رجل حَدَّثه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إياك ومكر السيئ، فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله] [¬١]، ولهم من اللَّه طالب" (٦٢).
وقد قال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينجُ حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث، وتصديقها في كتاب اللَّه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾، [﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾] [¬٢].
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾، يعني: عقوبة اللَّه لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، أي: لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلًا﴾، أي: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾، ولا يكشف ذلك عنهم، ويحوله عنهم أحد.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ
стр. 5237
عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل، كيف دمر اللَّه عليهم وللكافرين أمثالها، فَخُلِّيَتْ منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النَّعَم بعد كمال القوة، وكثرة العدد والعُدَد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب اللَّه من شيء، لما جاء أمر ربك؛ لأنه تعالى لا يعجزه شيء، إذا أراد كونه في السماوات والأرض، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. أي عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، أي: لو آخذهم بجميع ذنوبهم؛ لأهلك جميع أهل الأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه؛ قال: كاد الجُعَل أن يعذب في جُحْره بذنب ابن آدم، ثم قرأ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.
وقال سعيد بن جبير، والسُّدّي في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، أي: لما سقاهم المطر، فماتت جميع الدواب.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: ولكن يُنْظرُهم إلى يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية؛ ولهذا تال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.
آخر تفسير سورة فاطر، ولله الحمد والمنة [¬١]
* * *
стр. 5238
تفسير سورة يس وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب أعن على إتمامه [¬١]
قال أبو عيسى الترمذي (١): حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع، حدثنا حُمَيد بن عبد الرحمن الرّؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس كَتَب اللَّه له بقراءتها قراءةَ القرآن عشر مرات".
ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حُمَيد بن عبد الرحمن، وهارون أبو محمد شيخ مجهول، وفي الباب عن أبي بكر الصديق ﵁، ولا يصح لضعف إسناده، وعن أبي هريرة منظور فيه.
أما حديث الصديق فرواه [الحكيم الترمذي في كتابه "نوادر الأصول"] [¬٢] وأما حديث أبي هريرة فقال أبو بكر البزار (٢): حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا زيد -هو ابن الحباب- حدثنا حُميد هو المكي، مولى آل علقمة، عن عطاء -هو ابن أبي رباح- عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس". ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد، عن حميد.
وقال الحافظ أبو يعلى (٣): حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد، عن هشام بن زياد، عن الحسن؛ قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورًا له. ومن قرأ: "حم" التي يذكر فيها الدخان [في ليلة الجمعة] [¬٣] أصبح مغفورًا له". إسناد جيد.
стр. 5239
وقال ابن حبان في صحيحه (٤): حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا محمد بن جُحَادة، عن الحسن، عن جندب بن عبد اللَّه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه اللَّه غفر له".
وقد قال الإمام أحمد (٥): حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل [¬١] بن يَسَار ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "البقرة سنام القرآن وذرْوَته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، من تحت العرش فوصلت بها -أو: فوصلت بسورة البقرة-، ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد اللَّه والدار الآخرة، إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم".
وكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة"، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان به.
ثم قال الإمام أحمد (٦): حدثنا عارم، [حدثنا ابن] [¬٢] المبارك، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه، عن معقل بن يسار؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اقرءوها على موتاكم". يعني: يس.
ورواه أبو داود، والنسائي في "اليوم والليلة"، وابن ماجه من حديث عبد اللَّه بن المبارك، به. إلا أن في رواية النسائي: عن أبي عثمان، عن معقل بن يسار.
ولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره اللَّه. وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، واللَّه أعلم.
قال الإمام أحمد ﵀ حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان؛ قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت -يعني: يس- عند الميت خُفِّف عنه بها.
стр. 5240
وقال البزار (٧): حدثنا سلمة [¬١] بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال النبي ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" يعني يس [¬٢].
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول "سورة البقرة".
وروي عن ابن عباس وعكرمة، والضحاك، والحسن، وسفيان بن عُيينة: أن "يس" بمعنى: يا إنسان.
وقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى.
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾، أي: على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم، ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به مُنَزّل من رب العزة، الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، يعني بهم العرب، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم. وقد تقدم ذكْر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته صلوات اللَّه وسلامه عليه عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾.
وقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم
стр. 5241
بأن حَتَّم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ باللَّه، ولا يصدقون رسله.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾
يقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جُعل في عنقة غُلّ؛ فجَمَع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسُه، فصار مقمَحًا، ولهذا قال: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، والمقمح هو الرافع رأسه، كما قالت أم زَرْع في كلامها: "وأشرب فأتقمَّح"، أي: أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهينًا وتَرَوّيًا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر:
فَمَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرْضا … أريد الخَيْرَ أيَّهما يَليني
ألخْيَرُ الذي أنَا أبْتَغيه … أم الشَّرُّ الذي لا يَأتَليني
فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لَمَّا دل السياق والكلام عليه، وكذا هذا، لما كان الغُلّ إنما يعرف فيما جَمَع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، قال: هو كقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناتهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
وقال مجاهد: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، قال: رافعو [¬١] رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا﴾، قال مجاهد: عن الحق، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات.
وقوله: ﴿فَأَغْشَينَاهُمْ﴾، أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه.
стр. 5242
قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ (فأعشيناهم)، بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل اللَّه هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ثم قال: من منعه اللَّه لا يستطيع.
وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا لأفعلن ولأفعلنّ. فأنزلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله: ﴿يُبْصِرُونَ﴾، قال: وكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره. رواه ابن جرير.
وقال محمد بن إسحاق (٨): حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب؛ قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكًا، فإذا متُّم بُعثتُم بعد موتكم، وكانت لكم جِنانٌ خير من جنان الأرْدُن. وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تُعذّبون بها. وخرج رسول اللَّه ﷺ عند ذلك. وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ اللَّه على أعينهم دونه، فجعل يَذرّها على رءوسهم، ويقرأ: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، حتى انتهى إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، وانطلق رسول اللَّه ﷺ لحاجته، وباتوا رُصَداء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا. قال: قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابًا، ثم ذهب لحاجته. فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من تراب. قال: وقد بلغ النبي ﷺ قول أبي جهل فقال: "وأنا أقول ذلك: إن لهم مني لذبحًا، وإنه أحدهم [¬١] ".
وقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أي: قد ختم اللَّه عليهم بالضلالة، فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به.
وقد تقدم نظيرها في أول "سورة البقرة"، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾، أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعبون الذكر، وهو القرآن العظيم، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ﴾، أي: حيث [¬٢] لا يراه أحد إلا اللَّه، يعلم أن اللَّه مطلع عليه، وعالم بما يفعله، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾. أي: لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾، أي: كبير
стр. 5243
واسع حسن جميل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾، أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن اللَّه تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾، أي: من الأعمال. وفي قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قولان:
أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثَروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كقوله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزرُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا".
رواه مسلم (٩)، من رواية شعبة، عن عون بن أبي جُحَيفة، عن المنذر بن جرير، [عن أبيه جرير] [¬١] بن عبد اللَّه البَجَلي ﵁، وفيه قصة المُجْتَابي [¬٢] النَّمار (*) [¬٣] المُضَريِّين.
ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير بن عبد اللَّه فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
وقد رواه مسلم (١٠) من رواية أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، فذكره.
وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم (١١) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال
стр. 5244
رسول اللَّه ﵁: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده".
و [¬١] قال سفيان الثوري، عن أبي سعيد، قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، قال: ما أورثوا من الضلالة.
وقال ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، يعني: ما أثَرُوا، يقول: ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موته [¬٢]، فإن كان خيرًا فله مثل أجورهم، لا ينقص من أجر من عمله شيئًا، [وإن كانت شرًّا فعليه مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمله شيئًا] [¬٣]. ذكرهما ابن أبي حاتم. وهذا القول هو اختيار البَغَوي.
والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.
قال ابن أبي نَجيح وغيره، عن مجاهد: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾: أعمالهم، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾؛ قال: خطاهم بأرجلهم.
وكذا قال الحسن وقتادة: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، يعني: خطاهم.
قال قتادة: لو كان اللَّه تعالى مُغْفِلًا شيئًا من شأنك يا بن آدم؛ أغفل ما تُعَفي الرياحُ من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة اللَّه أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة اللَّه فليفعل.
وقد وَرَدت [¬٤] في هذا المعنى أحاديث:
(الحديث الأول) قال الإمام أحمد (١٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن جابر بن عبد اللَّه؛ قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال لهم: "إنه [¬٥] بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ ". قالوا: نعم [¬٦] يا رسول اللَّه؛ قد أردنا [¬٧] ذلك؛
стр. 5245
فقال: "يا بني سلمة؛ دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم".
وهكذا رواه مسلم، من حديث سعيد الجُريري وكهمس بن الحسن، كليهما [¬١] عن أبي نضرة -واسمه: المنذر بن مالك بن قَطَعَة العَبْدي- عن جابر به.
(الحديث الثاني) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كانت بنو سَلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد؛ فنزلت: ﴿إِنَّا نَحْنُ [نُحْيِ الْمَوْتَى] [¬٢] وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فقال لهم النبي ﷺ : "إن آثاركم تُكتَبُ". فلم ينتقلوا.
انفرد بإخراجه الترمذي (١٣) عند تفسير هذه الآية الكريمة، عن محمد بن الوزير به. ثم قال: حسن غريب من حديث الثوري.
ورواه ابن جرير (١٤)، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن طريف -وهو ابن شهاب أبي [¬٣] سفيان السعدي- عن أبي نضرة، به.
وقد رُويَ من غير طريق الثوري، فقال الحافظ أبو بكر البزار:
حدثنا عباد بن الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن سعيد الجُريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ قال [¬٤]: إن بني سَلمة شَكوا إلى رسول اللَّه ﷺ بعد منازلهم من المسجد؛ فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فأقاموا في مكانهم.
وحدثناه ابن المثنى (١٥)، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ، بنحوه. وفيه غرابة مِن حيثُ [¬٥] ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فاللَّه أعلم.
(الحديث الثالث) قال ابن جرير (١٦): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد
стр. 5246
الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ ". فقالوا: نثبت مكاننا. هكذا رواه، وليس فيه شيء مرفوع.
ورواه الطبراني (١٧) عن عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد؛ فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ [¬١] مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فثبتوا في منازلهم.
(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد (١٨): حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثني حُيَي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد اللَّه بن عمرو؛ قال: توفي رجل بالمدينة، فصلى عليه النبي ﷺ ، وقال: "يا ليته مات في غير مولده"؛ فقال رجل من الناس: ولم يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة".
ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجة عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن حيي بن عبد اللَّه به.
وقال ابن جرير (١٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تميلة، حدثنا الحسين، عن ثابت، قال: مشيت مع أنس فأسرعتُ المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويدًا، فلما قضينا الصلاة؛ قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي؛ فقال: يا أنس، أما شَعرتَ أن الآثار تكتب؟ أما شَعرت أن الآثار تكتب؟.
وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتَب، فَلأنْ تُكْتَبَ تلك التي فيها قُدوة بِهم من خير أو شر بطريق الأولى، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب
стр. 5247
مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هنا هو أم الكتاب. قاله مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾
يقول تعالى: واضرب - يا محمد - لقومك الذين كذبوك ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.
قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام، فبعث اللَّه إليه ثلاثة من الرسل، وهم: صادق وصدوق وشلوم [¬١]، فكذبهم.
وهكذا رُوي عن بُرَيدة بن الحُصَيب، وعكرمة، وقتادة، والزهري: أنها أنطاكية.
وقد استشكل بعضُ الأئمة كونَها [¬٢] أنطاكية، بما سنذكره بعد تمام القصة، إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، أي: بادروهما بالتكذيب، ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث.
قال ابن جريج، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي؛ قال [¬٣]: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية.
стр. 5248
﴿فَقَالُوا﴾، أي: لأهل تلك القرية: ﴿إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، أي: من ربكم الذي خلقكم، نأمركم بعبادته وحده لا شريك له. قاله أبو العالية.
وزعم قتادة بن دعامة: أنهم كانوا رسل المسيح ﵇ إلى أهل أنطاكية.
﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحيَ إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة. وهذه شُبَه كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر اللَّه تعالى عنهم في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾؟، فاستعجبوا من ذلك وأنكروه، وقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. وقوله حكاية عنهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾، ولهذا قال هؤلاء: ﴿مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، أي: أجابتهم رُسُلهم الثلاثة قائلين: اللَّه يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كَذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَينِي وَبَينَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإن أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم [¬١] تجيبوا فستعلمون غِبَّ ذلك.
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾
فعند ذلك قال لهم أهل القرية: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، أي: لم نر على وجوهكم خيرًا في عيشنا.
وقال قتادة: يقولون: إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم.
وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عُذب أهلها.
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم.
﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: عقوبة شديدة فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: ﴿فَإِذَا [¬٢] جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا
стр. 5249
هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال قوم صالح [¬١]: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَال طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وقال قتادة: ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
وقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، أي: من أجل أنّا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد اللَّه وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا؟ بل أنتم قوم مسرفون.
وقال قتادة، أي [¬٢]: إن ذكرناكم باللَّه تطيرتم بنا، بل أنتم قوم مسرفون.
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾
قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه-: إن أهل القرية هَمُّوا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير [¬٣]-وهو الحبال- وكان رجلًا سقيمًا، قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيمَ النظرة.
وقال ابن إسحاق عن رجل سماه، عن الحكم، عن مقْسَم -أو: عن مجاهد- عن ابن عباس؛ [كان] [¬٤]: اسم صاحب يس "حبيب"، وكان الجذام قد أسرع فيه
وقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن مرى [¬٥].
وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: اسم صاحب يس حبيب النجار،
стр. 5250
فقتله قومه [¬١].
وقال السدي: كان قَصَّارًا. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافًا.
وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك.
﴿قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، حض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، أي: على إبلاغ الرسالة، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فيما يدعونكم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك لي.
﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾، أي: و [¬٢] ما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي [¬٣]: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾، أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئًا، فإن الله لو أرادني بسوء ﴿فَلَا [¬٤] كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾. وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.
وقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب:- يقول لقومه: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، الذي كفرتم به، ﴿فَاسْمَعُونِ﴾، أي: فاسمعوا قولي.
ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، أي: الذي أرسلكم، ﴿فَاسْمَعُونِ﴾، أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، اني آمنت بربكم واتبعتكم.
وهذا الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم.
قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه.
стр. 5251
و [¬١] قال قتادة: جعلوا هجمونه بالحجارة، وهو يقول: "اللهم، اهد قومي، فإنهم لا يعلمون". فلم يزالوا به حتى أقعصوه (*) وهو يقول كذلك. فقتلوه ﵀.
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾
قال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبَه (**) من دبره. وقال الله له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، فدخلها فهو ورزق منها، قد أذهب الله عنه سُقْم الدنيا وحُزنها ونَصَبها.
وقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة. وذلك أنه قتل فوجبت له، فلما رأى الثواب ﴿قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.
قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحًا، لا تلقاه غاشًّا، لما عاين [ما عاين] [¬٢] من كرامة الله ﴿قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، تمنى على [¬٣] الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وما هجم عليه.
و [¬٤] قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، وبعد مماته في قوله: ﴿قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. رواه ابن أبي حاتم.
وقال سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، بإيماني بربي، وتصديقي المرسلين.
ومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حَصَل من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم؛ لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصًا على هداية قومه.
قال [¬٥] ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن [¬٦] جابر-[وهو] [¬٧]
محمد -عن عبد الملك -يعني: ابن عمير -قال: قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي صلى الله
стр. 5252
عليه وسلم: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام؛ فقال رسول الله ﷺ : "إني أخاف أن يقتلوك". فقال: لو وجدوني نائمًا ما [¬١] أيقظوني، فقال له رسول الله ﷺ : "انطلق". فانطلق فمر على اللات والعزى، فقال: لأصْبحَنك غدًا بما يسؤوك. فغضبت ثقيف؛ فقال: يا معشر ثقيف، إن اللاتَ لالات، وإن العُزى لا عُزّى، أسلموا تسلموا. يا معشر الأحلاف؛ إن العزى لا عزى، وإن اللات لالات، أسلموا تسلموا. قال ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكْحله فقتله، فبلغ رسولَ الله ﷺ ؟ فقال: "هذا مثله كمثل صاحب يس ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعمر بن حَزْم: إنه حديث عن كعب الأحبار: أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم -أخو بني مازن بن النجار- الذي كان مسيلمة الكذاب قَطَّعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ ، فجعل يقول: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فيقول له مسيلمة: أتسمع هذا ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم. فجعل يُقَطِّعه عضوا عضوًا، كلما سأله لم يزده على ذلك [حتى مات في يديه] [¬٢]: فقال كعب حين قيل له [¬٣]: اسمه حبيب، وكان والله صاحب يس اسمه حبيب.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبًا منه تعالى عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه. ويذكر تعالى: أنه ما أنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود، فيما رواه ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عنه أنه قال في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، أي: ما كاثرناهم بالجموع. الأمر كان أيسر علينا من ذلك، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾، قال: فأهلك الله ذلك الملك، وأهلك أهل [¬٤] أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية.
وقيل: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، أي: وما كنا ننزل الملائكة على الأم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عقابًا [¬٥] يدمرهم.
وقيل: المعنى في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: من
стр. 5253
رسالة أخرى إليهم. قاله مجاهد وقتادة. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
قال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندًا.
قال المفسرون، بعث الله إليهم جبريل ﵇ فأخذ بِعضادتَي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم تبق فيهم [¬١] روح تتردد في جسد.
وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلًا من عند المسيح ﵇؛ كما نص عليه قتادة وغيره وهو الذي لم يذكر عن [¬٢] واحد من متأخري المفسرين غيره وفي ذلك نظر من وجوه.
أحدها [¬٣]: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ إلى أن قالوا: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، ولو كان [¬٤] هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح ﵇، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾.
الثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، فكانوا [¬٥] أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركةٌ، وهن القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها.
والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة [¬٦] والشمامسة والرهايين. ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر [¬٧] دينهم وأطده (*). ولما ابتنى القسطنطنيةَ نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول قرية [¬٨] آمنت. فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسلهم [¬٩]، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخذتهم [¬١٠]، فالله أعلم.
стр. 5254
الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحراريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف؛ أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾. فعلى هذا يتعين أن [¬١] هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضًا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصة، مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه الحافظ [¬٢] أبو القاسم الطبراني (٢٠): حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدثنا حُسَين الأشقر، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "السُّبَّق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب". فإنه حديث منكر، لايعرف إلا من طريق حسين الأشقر، وهو شيعي متروك.
﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾، [أي: يا ويل العباد [¬٣].
وقال قتادة: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾، أي: يا حسرة العباد على أنفسهم [¬٤]، على [¬٥] ما ضيعت من أمر الله، فرطت في جنب الله- قال: وفي بعض القراءة: "يا حسرة [¬٦] العباد على أنفسها".
стр. 5255
ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم.
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أي: ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفَجَرتهم من قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلًا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها، فرد الله تعالى عليهم باطلهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾،
وقوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾، أي: وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر [¬١] للحساب يوم القيامة بين يدي الله ، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالهُمْ﴾. وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف، فمنهم من قرأ: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتخفيف، فعنده أن ﴿إِنَّ﴾ للإثبات [¬٢]، ومنهم من شدد ﴿لَمَّا﴾، وجعل ﴿إِنَّ﴾ نافية، و ﴿لَمَّا﴾ بمعنى إلا تقديره: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد، والله أعلم.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾
يقول تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾، أي: دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى ﴿الْأَرْضُ الْمَيتَةُ﴾، أي: إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال: