ورواه الترمذي فيه (٢٥) عن الحُسَين بن حريث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عُبيَد [¬١] الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن رجل من الأنصار ﵁ والله أعلم.
حديث آخر، قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي [¬٢]-والسياق لمحمد بن عوف- قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد، هو ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله بن أبي زكرياء، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمْعان؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السماوات منه [¬٣] رجفة -أو قال: وعدة شديدة من خوف الله. فإذا سمع بذلك أهل المساوات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل على الملائكة، كلما مَرّ بسماء سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال: الحقّ، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله من السماء والأرض".
وكذا رواه ابن جرير وابن خُزَيمة (٢٦)، عن زكريا بن أبان المصري، عن نعيم بن حماد به.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالشام عن الوليد بن مسلم ﵀.
وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العَوفي، عن ابن عباس عن قتادة: أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله سبحانه إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى. ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية.
﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا
стр. 5182
كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
يقول تعالى مُقَررًا [تفردَه بالخلق] [¬١] والرزق، وانفراده بالإلهية أيضًا، فكما كانوا يعترفون بأنه لا يرزقهم من السماء [¬٢] والأرض -أي: بما ينزل من المطر وينبت من الزرع-[إلا الله] [¬٣]، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره.
وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ﷺ للمشركين: والله ما نحن وإياكم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد.
وقال عكرمة، وزياد بن أبي مريم: معناه: إنا نحن لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.
وقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، معناه التبري منهم، أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن بُرآء منكم وأنتم برآء منا. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.
وقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا﴾، أي: يوم القيامة، كجمع الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق، أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزى كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. وستعلمون يومئذ لمن [العزة والنصرة] والسعادة الأبدية، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾، أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.
وقوله: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾، أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا وصَيَّرتموها له عدلًا؟ كلا، أي: ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل؛ ولهذا
стр. 5183
قال: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾، أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له العزيز الحكيم، أي: ذو العزة التي قد قهر بها كل شيء، وَغَلَبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾
يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، أي: إلا إلى جميع الخلق من المكلفين، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: [تبشر من] [¬١] أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال محمد بن كعب في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، يعني إلى الناس عامة.
وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله محمدًا ﷺ إلى العرب والعجم، فأكرمُهم على الله أطوعهم لله .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن [¬٢] عمر العدني، حدثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة؛ قال: سمعت ابن عباس، يقول: إن الله فضل محمدًا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا بن عباس؛ فيم فضله الله على الأنبياء؟ قال: إن الله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وقال للنبي ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فأرسله الله إلى الجن والإنس.
وهذا الذي قاله ابن عباس قد ثبت في الصحيحين (٢٧) رَفعهُ عن جابر؛ قال: قال رسول الله
стр. 5184
ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة".
وفي الصحيح أيضًا أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "بعثت إلى الأسود والأحمر" (٢٨).
قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم. والكل صحيح.
ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ … الآية.
ثم قال: ﴿قُلْ: لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾، أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر، لا يزداد ولا ينتقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كمال قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ وقال ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
﴿قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾
يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وما أخبر به من أمر المعاد؛ ولهذا قال: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾، قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا، ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ منهم وهم
стр. 5185
الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، وهم قادتهم وسادتهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، أي: لولا أنتم تصدونا لكنا [¬١] اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به. فقال لهم القادة والسادة، وهم الذين استكبروا: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾، أي: نحن ما فعلنا بكم ذلك [¬٢] أكثر من أنَّا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الأنبياء، لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا ونهارًا، وتَغُرّونا وتُمَنونا، وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكَذبٌ ومَين [¬٣].
وقال قتادة، وابن زيد: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، يقول: بل [¬٤] مكرهم بالليل والنهار. وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم: مكرهم بالليل والنهار.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، أي: نظراء وآلهة معه، وتقيموا لنا شُبَهًا وأشياءَ من المحال، تضلونا بها. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾، أي: الجميع من السادة والأتباع، كُلُّ نَدم على ما سَلَف منه.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم، ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا [كَانُوا يَعْمَلُونَ] [¬٥]﴾، أي: إنما نجازيكم بأعمالكم، كُلُّ بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم؛ قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضبرار بن صُرد، عن عبد الله بن أبي الهُذَيل، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن جهنم لما سيق إليها أهلها تَلَقَّاهم لهبها، لم لَفَحتهم [¬٦] لَفحةً فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب" (٢٩).
وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن، عن الحسن بن يحيى الخُشُني؛ قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا سلسلة ولا قيد، إلا اسم صاحبها عليه مكتوب. قال: فحدثتُه أبا سليمان -يعني الداراني، رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك! فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغُلّ في يديه، والسلسلة في عنقه،
стр. 5186
ثم أدخل الدار وأدخل المغار [¬١].
﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾
يقول تعالى مسليًا لنبيه، وآمرًا له بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيًّا في قرية إلا كذبه مترفوها، واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ [¬٢] لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، وقال الكبراء من قوم صالح: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾، وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾.
وقال هاهنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾، أي: نبي أو رسول ﴿إلا قَال مُتْرَفُوهَا﴾، وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة.
قال قتادة: هم جَبَابرتهم وقادتهم ورءوسهم في الشر. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: لا نؤمن به ولا نتبعه.
قال ابن أبي حاتم (٣٠): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا محمد
стр. 5187
ابن عبد الوهاب، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين؛ قال: كان رجلان شريكين [¬١]، خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله: ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش، إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم. قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: دلني عليه -قال: وكان يقرأ الكتب، أو بعض الكتب- قال: فأتى النبي ﷺ فقال: إلام تدعو؟ فقال: إلى كذا وكذا. قال: أشهد أنك رسول الله. قال: "وما علمك بذلك؟ " قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رُذَالة الناس ومساكينهم. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، قال: فأرسل إليه النبي ﷺ : إنّ الله قد أنزل تصديق ما قلت.
وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل، قال فيها: وسألتك: أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ فزعمت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل.
وقوله تعالى إخبارًا عن المترفين المكذبين: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، أي: افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا، ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك. قال الله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وقال: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
وقد أخبر الله عن صاحب تينك الجنتين؛ أنه كان ذا مال وولد وثمر، ثم لم تُغن عنه شيئًا، بل سُلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة والحجة الدامغة القاطعة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: ليست هذه دليلًا على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم.
قال الإمام أحمد ﵀ (٣١): حدثنا كُثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى
стр. 5188
صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
رواه مسلم وابن ماجة، من حديث كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقَان [¬١] به.
ولهذا قال: ﴿إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: تضاعف لهم الحسنة بعشر [¬٢] أمثالها، إلى سبعمائة ضعف. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. [أي: في منازل الجنة العالية آمنون] [¬٣] من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يُحَذر منه.
قال ابن أبي حاتم (٣٢): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم وعلي بن مُسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لَغرفًا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها". فقال أعرابي: لمن هي؟ قال: "لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام".
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [¬٤]﴾، أي: يسعون في الصد عن سبيل الله، واتباع الرسل والتصديق بآياته: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، أي: جميعهم مَجْزيون [¬٥] بأعمالهم فيها بحسبهم.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، أي: بحسب مَاله في ذلك من الحكمة، [يبسط على هذا من المال كثيرًا، ويضيق على هذا ويقتر عليه رزقه جدًّا، وله في ذلك من الحكمة] [¬٦] ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾، أي: كما هم متفاوتون في الدنيا: هذا فقير مدقع، وهذا غنى مُوَسَّع عليه، فكذلك هم في الآخرة: هذا في الغُرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغَمرَات في أسفل الدركات. وأطيب الناس في الدنيا كما قال رسول الله ﷺ : "قد أفلح من أسلم ورُزق كَفَافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه". رواه مسلم من حديث ابن عمرو (٣٣) [¬٧].
стр. 5189
وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: "يقول الله تعالى: أَنْفق أُنْفق عليك" (٣٤). وفي الحديث "أن ملكين يصيحان [¬١] كل يوم، يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكًا تلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقًا خلفًا" (٣٥). وقال رسول الله ﷺ "أنفق بلال [¬٢]، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا" (٣٦).
وقال ابن أبي حاتم ذكر [¬٣] عن يزيد بن عبد العزيز الفلاس حدثنا هشيم عن الكوثر [¬٤] بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إن بعدكم زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه [¬٥] حَذار الإنفاق". ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٣٧).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٣٨): حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هُشَيم، عن الكوثر بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه حذار الإنفاق"، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾، وَيَنْهَل شرار الخلق يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، [ألا إن بيع المضطرين حرام] [¬٦]، المسلم أخو المسلم،
стр. 5190
لا يظلمه ولا يخذله، إن كان عندك معروف، فَعُد به على أخيك، وإلا فلا تَزده هلاكًا إلى هلاكه".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف.
وقال سفيان الثوري، عن أبي يونس الحسن بن يزيد قال: قال مجاهد: لا يتأولن [¬١] أحدكم هذه الآية: ﴿وَ [¬٢] مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾: إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾
يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رءوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صور الملائكة ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ كما قال في سورة الفرقان: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾؟ وكما يقول لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ﴾.
وهكذا تقول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي [¬٣]: تعاليت وتقدستَ عن أن يكون معك إله. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء، ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، يعنون الشياطين [لأنهم هم] [¬٤] الذين يزينون لهم عبادة الأوثان ويضلونهم [¬٥]، ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا [¬٦] مَرِيدًا﴾ قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان، التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم
стр. 5191
وكُرَبكم، اليوم لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًّا، ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ - وهم المشركون - ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، أي: يقال لهم ذلك، تقريعًا وتوبيخًا.
﴿وَمَا آتَينَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَينَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾
يخبر تعالى عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب، لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غَضَّةً [¬١] طرية من لسان رسوله ﷺ ، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾، يعنون أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل - عليهم وعلى آبائهم لعائن الله - ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَينَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل إليهم نبيًّا قبل محمد ﷺ ، وقد كانوا يَوَدّون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب، لكنا أهدى من غيرنا، فلما مَنَّ الله عليهم بذلك كذبوه وعاندوه وجحدوه. ثم قال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: من الأمم، ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَينَاهُمْ﴾ - قال ابن عباس: أي من القوة في الدنيا. وكذلك [¬٢] قال قتادة، والسدّي وابن زيد. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾، أي: وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده، بل دمر الله عليهم لما [¬٣] كذبوا رسله، ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، أي: كيف كان نكالي وعقابي وانتصاري لرسلي؟.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ
стр. 5192
شَهِيدٌ (٤٧)﴾.
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾، أي: إنما آمركم بواحدة، وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، أي: تقوموا قيامًا خالصًا لله، من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضًا: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضًا، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ ويسأل غيوه من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.
هذا معنى ما ذكره مجاهد، ومحمد بن كعب، والسدي، وقتادة، وغيرهم، وهذا هو المراد من الآية. فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "أعطيت ثلاثًا لم يعطهن مَن قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم، ولم تحل لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها. وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أتيمم بالصعيد، وأصلي حيث أدركتني الصلاة، قال الله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي".
فهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى، بعيد، ولعله مقحم في [¬١] الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها (٣٩)، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ - قال البخاري عندها (٤٠):
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خَازم [¬٢]، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صَعدَ النبي ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو [¬٣] أخبرتكم أن العدو يُصَبِّحكم أو يُمَسِّيكم، أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى؟ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب
стр. 5193
شديد: فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
وقد تقدم عند قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
وقال الإمام أحمد (٤١): حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: خرج الينا رسول الله ﷺ يومًا فنادى ثلاث مرات فقال: "أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إنما مثلي ومثلكم مثلُ قوم [¬١] خافوا غدوًّا يأتيهم، فبعثوا رجلًا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس، أوتيتم. أيها الناس، أوتيتم. ثلاث مرات".
وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة جميعًا، إن كادت لتسبقني". تفرد به الإمام أحمد في مسنده (٤٢).
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾، أي: لا أريد منكم جُعلًا ولا عطاءًا على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾، أي: إنما أطلب ثواب ذلك عند الله، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: عالم بجميع الأمور، بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم، وما أنتم عليه.
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، كقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو
стр. 5194
علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.
وقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهبَ الباطل لي زهق واضمحل، كقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾، ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يَطعُن الصنم بسيَة قَوْسه، ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.
رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَةَ، عن ابن مسعود به (٤٣).
أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة.
وزعم قتادة والسدي: أن المراد بالباطل هاهنا إبليس، أي: إنه لا يخلق أحدًا ولا يعيده، ولا يقدر على ذلك. وهذا وإن كان حقًّا ولكن ليس هو المراد هاهنا، والله أعلم.
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾، أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله الله من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لما سئل عن تلك المسألة في المفوّضة: أقول فيها برأيي، فإن كن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه (٤٤).
وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾، أي: سميع لأقوال عباده، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين: "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا مجيبًا" (٤٥).
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ
стр. 5195
كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾
يقول تعالى: ولو ترى - يا محمد - إذ فَزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة، ﴿فَلَا فَوْتَ﴾، أي: فلا مفر لهم، ولا وزر ولا ملجأ. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾، أي: لم يُمكَّنوا أن يُمعِنُوا في الهرب، بل أخذوا من أول وهلة.
قال الحسن البصري: "حين خرجوا من قبورهم".
وقال مجاهد، وعطية العوفي، وقتادة: "من تحت أقدامهم".
وعن ابن عباس والضحاك: "يعني عذابهم في الدنيا".
وقال عبد الرحمن بن زيد: "يعني قتلهم يوم بدر".
والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذكر متصلًا [¬١] بذلك.
وحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف [¬٢] بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس. ثم أورد في ذلك حديثًا موضوعًا بالكلية. ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه.
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، أي: يوم القيامة يقولون: آمنا بالله وبكتبه ورسله. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: وكيف لهم [] [¬٣] تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم وصاروا إلى الدار [¬٤] الآخرة، وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد.
قال مجاهد: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾، قال: التناول لذلك.
وقال الزهري: التناوش: تناولهم الإيمان وهم في الآخرة، وقد انقطعت عنهم الدنيا [¬٥].
وقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد.
стр. 5196
وقال ابن عباس: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه، وليس بحين رجعة ولا توبة.
وكذا قال محمد بن كعب القرظي ﵀.
وقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا، وكذبوا الرسل؟.
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، قال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ﴾، قال: بالظن.
قلت: كما قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، فتارة يقولون: شاعر. وتارة يقولون: كاهن. وتارة يقولون: ساحر. وتارة يقولون مجنون إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة ويكذبون بالغيب والنشور والمعاد: ويقولون ﴿إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ﴾.
قال قتادة: يرجمون بالظن، لا بعث ولا جنة ولا نار.
وقوله: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، قال الحسن البصري، والضحاك، وغيرهما: يعني الإيمان.
وقال السدي: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وهي: التوبة. وهذا اختيار ابن جرير، ﵀.
وقال مجاهد: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من هذه الدنيا، من مال وزهرة وأهل.
وروي عن ابن عباس وابن عمر والربيع بن [¬١] أنس. وهو قول البخاري وجماعة.
والصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل لينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين [¬٢] ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا جدًّا، فلنذكره بطوله فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا بشر بن حجر السامي، حدثنا علي بن منصور الأنباري، عن الشَرَقَى بن قُطَامى، عن سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله : ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ إلى آخر الآية، قال: كان رجل من بني إسرإئيل فاتحًا أي: فتح الله له مالًا -فمات فورثه ابن له تافه -أي: فاسد - فكان يعمل في مال الله بمعاصي الله. فلما رأى ذلك إخوان أبيه أتوا الفتى فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى فباع عقاره بصامت، ثم رحل فأتى عينًا
стр. 5197
ثجاجَة فسرح فيها ماله، وابتنى قصرًا. فبينما هو ذات يوم جالس إذ شَملت عليه ريح [¬١] بامرأة من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرَجًا -أي: ريحًا- فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل. قالت: فلك هذا القصر، وهذا المال؟ قال: نعم، قالت: فهل لك من زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يَهْنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذلك. فهل لك من بَعل؟ قالت: لا. قال: فهل لك إلى أن أتزوجك؟ قالت: إنّي امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان غد فتزود زاد يوم وأتني، وإن رأيت في طريقك هولًا فلا يَهُولنَّكَ. فلما كان من الغد تزود زاد يوم، وانطلق فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرَجًا -أي: ريحًا- فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا الإسرائيلي. قال: فما حاجتك؟ قال: دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها. قال: صدقت، فهل رأيت في طريقك هولًا [¬٢]؟ قال: نعم، ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس عليَّ لهالني الذي رأيت. [قال: ما رأيت؟] [¬٣] قال: أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذ أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت، فوَثَبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها ينبحن في بطنها، فقال له الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويبتزهم [¬٤] حديثهم.
قال: ثم أقبلت حتى إذا [¬٥] انفرج لي السبيل، إذا أنا بمائة عنز حُفَّل [¬٦]، وإذا فيها جدي يمصّها، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئًا، فتح فاه يلتمس الزيادة. فقال [¬٧]: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، ملك يجمع صامت الناس كلّهم، حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة.
قال: ثم أقبلت حتى إذا [¬٨] انفرج بي السبيل إذا أنا [¬٩] بشجر، فأعجبني غصن من شجرة منها ناضر، فأردت قطعه، فنادتني شجرة أخرى: "يا عبد الله، مني فخذ". حتى ناداني الشجر أجمع: "يا عبد الله؛ منا فخذ". قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقل الرجال ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب امرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن.
قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل قائم على عين، يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تَصَدّعوا عنه صَبَّ في جَرَّته فلم تَعلَق جَرَّتُه من الماء بشيء. قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله.
стр. 5198
قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز، وإذا قوم [¬١] قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنَبها، وإذا رجل قد ركبها، وإذا رجل يحلبها. فقال: أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقًا، وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي [¬٢] ركبها فقد تركها. وأما الذي يحلبها فَبخٍ بخ، ذهب ذلك بها.
قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج لي السبيل، و [¬٣] إذا أنا برجل يمْتح على قَليب، كلما أخرج دلوه صبَّه في الحوض، فانساب الماء راجعًا إلى القليب. قال: هذا رجل رَدّ الله صالح عمله، فلم يقبله.
قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج لي السبيل، إذا أنا برجل يبذُر بذرًا فيستحصد، فإذا حنطة طيبة. قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله، وأزكاه له.
قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل مستلق على قفاه، قال [¬٤]: يا عبد الله، ادن مني فخذ بيدي واقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه. فقال له الفتى: هذا عمر الأبعد نَفَد، أنا [¬٥] ملك الموت [وأنا المرأة التي أتتك] [¬٦] … أمرني الله بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره [¬٧] إلى نار جهنم. قال: ففيه نزلت هذه: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية.
هذا أثر غريب (٤٦)، وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون [¬٨] وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب بطلب [¬٩] مراده فجاءه الموت فجأة بغتة، وحيل بينه وبين ما يشتهي.
وقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة للرسل، لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
стр. 5199
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، أي: كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب.
قال قتادة: إياكم والشك والريبة! فإنه من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه.
آخر تفسير سورة سبأ، ولله الحمد والمنة.
* * *
стр. 5200
تفسير سورة فاطر وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١)﴾
قال: سفيان الثَّوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض، حتَّى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا بدأتها. فقال ابن عبَّاس أيضًا: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، بديع السموات والأرض (١).
وقال الضحاك: كل شيء في القرآن: فاطر السموات والأرض؛ فهو خالق السموات والأرض (٢).
وقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾، أي: بينه وبين أنبيائه، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾، أي: يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعًا ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ليلة الإسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب (٣). ولهذا قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء. وقال الزُّهْريّ، وابن جريج في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾، يعني: حسن الصوت. رواه عن الزُّهْريّ [¬١] البخاري في الأدب، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤).
стр. 5201
وقُرئ في الشاذ: (يزيد في الحلق)، بالحاء المهملة، والله أعلم.
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾
يخبر تعالى أنَّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أ عطى، ولا معطى لما منع.
قال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا علي بن عاصم، حدَّثنا مغيرة، أخبرنا عامر، عن وَرَّاد [¬١]- مولى المغيرة بن شعبة - قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إليَّ بما سمعتَ بن رسول الله ﷺ . فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله ﷺ إذا انصرف من الصلاة قال: "لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدّ". وسمعته ينهى عن: "قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومَنْع وَهَات".
وأخرجاه من طرق عن وَرَّاد [¬٢] به.
وثبت في صحيح مسلم (٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن حمده، اللهُم ربنا لك الحمد، [ملء السموات وملء الأرض] [¬٣] وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم، أهلَ الثناء والمجد. أحقّ ما قال العبد - وكلنا لك عبد - اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ".
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. ولهذا نظائر كثيرة.
وقال الإمام مالك (٧): كان أبو هريرة إذا مُطروا يقول: مُطرنا بنَوء الفتح، ثم يقرأ هذه
стр. 5202
الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس، عن ابن وَهْب، عنه.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾
ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنَّه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فَلْيفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان. ولهذا قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾
يقول: وإن يكذبوك - يا محمد - هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك [¬١] فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن [¬٢] سلف قبلك من الرسل أسوة؛ فإنهم كذلك جاءوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [أي: وسنجزيهم] [¬٣] على ذلك أوفر الجزاء.
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: المعاد كائن لا محالة، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، أي: العيشة الدنيئة [¬٤] بالنسبة إلى ما أعبد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم فلا تَتَلَهوا [¬٥] عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية،، وهو الشيطان، قاله ابن عبَّاس. أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته، فإنه غرَّار كذاب أفاك. وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
стр. 5203
قال مالك، عن زيد بن أسلم: هو الشيطان. كما قال: يقول المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب ﴿بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
ثم بين تعالى عداوة إبليس فيبن آدم فقال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، أي: هو مبارز لكم بالعداوة، فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: إنما يقصد أن يضلكم حتَّى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين. فنسأل الله القوي العزيز أن جعلنا أعداء الشيطان، وأن يزقنا اتباع كتابه، والاقتفاء بطريق رسوله، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. وهذه كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾
لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير، ذكر بعد ذلك أن [الذين كفروا لهم] [¬١] عذاب شديد، لأنهم أطاعوا الشيطان وعَصَوا الرحمن، وأن اللذين آمنوا بالله ورسله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لما كان منهم من ذنب، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على ما عملوه من خير.
ثم قال: ﴿فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾، يعني كالكفار والفجار، يعملون أعمالًا سيئة، وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا، أي: أفمن [¬٢] كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟ لا حيلة لك فيه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: بقدره كان ذلك، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، أي: لا تأسف علن ذلك فإن الله حكيم [¬٣] في قدره إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي، لما له في ذلك من الحجة
стр. 5204
البالغة، والعلم التام، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن عوف الحمصي، حدَّثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي [¬١] عمرو السيباني [¬٢] [أو: ربيعة]، عن عبد الله بن الديلمي [¬٣] قال: أتيت [¬٤] عبد الله بن عمرو، وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذٍ فقد اهتدى، ومن أخطأه منه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ما علم الله " (٨).
ثم قال: حدَّثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدَّثنا حسان بن حسان البصري، حدَّثنا إبراهيم بن بشر [¬٥]، حدثنا يحيى بن مَعنٍ، حدَّثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد [¬٦] بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبس الضلالة على من أحب" (٩).
стр. 5205
وهذا أيضًا حديث غريب جدًّا.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَينَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾
كثيرًا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها -كما في سورة الحج ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، كذلك الأجساد [¬١]، إذا أراد الله سبحانه بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرًا يعم [¬٢] الأرض جميعًا فتنبت الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض ولهذا جاء في الصحيح: "كل ابن آدم يبلى [¬٣] إلَّا عَجْبُ [¬٤] الذَّنَب، منه خلق ومنه [¬٥] يركب". ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
وتقدم في "الحج" حديث أبي رَزِين قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموت؟ وما آية ذلك في خلقه؟. قال: "يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك محلًا [¬٦] ثم مررت به يهتز خَضِرًا؟ " قلت: بلى. قال: "فكذلك يحيى الله الموتى".
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، أي: من كان يحب أن يكون عَزيزًا في الدنيا والآخرة، فليلزم [¬٧] طاعة الله فإنه يحصل له مقصوده، لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها [كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾] [¬٨].
стр. 5206
وقال تعالى: (ولا يحزنك ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [¬١]﴾.
قال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بعبادة الأوثان، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
وقال قتادة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، أي: فليتعزز بطاعة اللَّه .
وقيل: من كان يريد علم العزة، لمن هي؟ ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، حكاه ابن جرير.
وقوله: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، يعني: الذكر والتلاوة والدعاء. قاله غير واحد من السلف.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله -هو ابن مسعود- إذا حدثناكم حديثًا أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله: إن العبد المسلم إذا قال: "سبحان اللَّه وبحمده، والحمد للَّه، و [¬٢] لا إله إلا الله، و [¬٣] اللَّه أكبر، تبارك الله [¬٤] "، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صَعد بهن إلى السماء فلا يمرُّ بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتَّى يجيء بهن وجه الرحمن ، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن عُلية، أخبرنا سعيد [¬٥] الجُرَيري، عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب الأحبار: إن لـ "سبحان الله، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، والله أكبر" لدويًّا حول العرش كدويِّ النحل، يُذَكرن بصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن (١٠).
وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار ﵀، وقد روي مرفوعًا.
قال الإمام أحمد (١١): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا موسى -يعني بن مسلم الطحان- عن عون بن عبد الله، عن أبيه -أو: عن أخيه- عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه صلى الله
стр. 5207
عليه وسلم: "الذين يذكرون الله من جلال الله، من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرون بصاحبهن؛ ألا يحب [¬١] أحدكم أن لا يزال [¬٢] له عند الله شيء يذكر به".
وهكذا رواه ابن ماجة (١٢) عن أبي بشر [¬٣] بكر بن خلف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن موسى بن أبي عيسى [¬٤] الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه -أو: عن أخيه- عن النعمان بن بشير، به [¬٥].
وقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: الكلم الطيب: ذكر الله، يصعد به إلى الله ، [والعمل الصالح أداء فرائضه] [¬٦] ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به.
وكذا قال مجاهد: العمل الصالح [¬٧] يرفع الكلام الطيب. وكذا قال أَبو العالية، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، وشهر بن حوشب، وغير واحد. وقال إياس بن معاوية القاضي: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام. وقال الحسن، وقَتَادة: لا يقبل قول إلَّا بعمل.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب: هم المراءون بأعمالهم، يعني يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بُغَضاء إلى الله ، يراءون بأعمالهم، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون.
والصحيح أنَّها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى. ولهذا قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾،، أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولى البصائر والنهى، فإنه ما أسرَّ عبد سريرة إلَّا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلَّا كساه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلَّا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل يُكشَفُ لهُم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.
стр. 5208
وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، أي: ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾، أي: ذكرًا وأنثى، لطفًا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجًا من جنسكم، لتسكنوا إليها.
وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾، أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾، إلى قوله: ﴿الْمُتَعَالِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾،، أي: ما يعطى بعض النطف من العمر الطول يعلمه، وهو عنده في الكتاب الأول، ﴿وَمَا يَنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [الضمير عائد] [¬١] على الجنس، لا على العين، لأن العين الطويل العمر في الكتاب وفي [¬٢] علم الله لا ينقص من عمره، وإنَّما عاد الضمير على الجنس.
قال ابن جرير: وهذا كقولهم: "عندي ثوب ونصفه"، أي: ونصف آخر.
وروى من طريق العَوْفى، عن ابن عباس (١٣) في قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، يقول: ليس أحد قضيت له طول عُمُر وحياة إلَّا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك] [¬٣] له، فإنما ينتهى إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قَضَيتُ له أنَّه قصير العمر والحياة يبلغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾، قال: ما لَفَظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس، يعيش من الإنسان مائة سنة، وآخر يموت حين يولد، فهذا هذا. وقال قَتَادة: والذي ينقص من عمره: فالذي يموت قبل ستين سنة. وقال مجاهد: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾، أي: في بطن أمه يكتب له ذلك، لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل [¬٤] لهذا عمر، ولهذا عمر هو انقص من عمره، وكل ذلك مكتوب لصاحبه، بالغ ما بلغ.
стр. 5209
وقال بعضهم: بل معناه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾، أي: ما كتب من الأجل ﴿وَلَا [¬١] يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾، وهو ذهابه قليلًا قليلًا، الجميع معلوم عند اللَّه سنة بعد سنة، وشهرًا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله في كتاب.
نقله ابن جرير عن أبي مالك (١٤). وإليه ذهب السدي، وعطاء الخراساني. واختار ابن جرير الأول، وهو كما قال:
وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة: حدَّثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان، سمعت ابن وَهْب، يقول: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه".
وقد رواه البخاري ومسلم وأَبو داود، من حديث يونس بن يزيد الأيلي به (١٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين [¬٢]، حدَّثنا الوليد بني عبد الملك بن عبيد الله أَبو مسرح، حدَّثنا [عثمان بن عطاء] [¬٣]، عن مسلمة [¬٤] بن عبد الله، عن عمه أبي مَشجَعَةَ بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: "إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنَّما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر" (١٦).
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، أي: سهل عليه يسير، لديه علمه بذلك وبتفصيله
стр. 5210
جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل لجميع ذلك لا يخفى [عليه منه] شيء.
﴿وَمَا يَسْتَوي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾
يقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة: و [¬١] خلق البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس، من كبار وصغار، بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، والعمران والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعاقًا مُرَّة، ولهذا قال: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، أي: مر.
ثم قال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، يعني السمك، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
وقوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ [فِيهِ مَوَاخِرَ] [¬٢]﴾، أي: تمخره وتشقه بحيزومها، وهو مقدمها المُسَنَّم الذي يشبه جؤجؤ الطير - وهو: صدره.
وقال مجاهد: تمخر الريح السفن، ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام.
وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: بأسفاركم بالتجارة، من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم، و [¬٣] لا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، الجميع من فضله ومن رحمته.
﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا
стр. 5211
دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾
وهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، في تسخيره الليل بظلامه والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده على قصر هذا فيعتدلان. ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفًا وشتاء، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، أي: والنجوم السيارات [¬١]، والثوابت الثاقبات [¬٢] بأضوائهن أجرام السماوات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديرًا من عزيز عليم.
﴿[كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ] [¬٣] مُسَمًّى﴾، أي: إلى يوم القيامة.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي فعل هذا هو الرب العظيم، الذي لا إله غيره، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من الأنداد والأصنام التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وعطية [¬٤] العوفي، والحسن، وقتادة، وغيرهم: القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة. أي: لا يملكون من السماوات والأرض شيئًا، ولا بمقدار هذا القطمير.
ثم قال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾، يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا يسمعون دعاءكم، لأنها جماد لا أرواح فيها. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾، أي: لا يقدرون على ما تطلبون منها، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾، أي: يتبرءون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.
وقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه؛ مثلُ خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه ﵎، بأنه أخبر بالواقع لا محالة.
стр. 5212
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ [¬١] هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: هو المتفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه.
وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾، أي: يوم القيامة، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾، أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تُساعَدَ على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، أي: ولو كان قريبًا إليها، حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله.
قال عكرمة في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية، قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب، سل هذا: لم كان يغلق بابه دوني؟ وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن، إن لي عندك يدًا، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم. فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربه حتى يرده إلى [منزل دون] [¬٢] منزله، وهو في النار. وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني، أيّ والد كنتُ لك؟ فيثنى خيرًا، فيقول له: يا بني؛ إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى. فيقول له ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت! ولكنني أتخوف مثل ما تتخوَّف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا. ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة -أو: يا هذه- أي زوج كنت لك؟ فتثني خيرًا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تَهَبينَها [¬٣] لي، لعلي أنجو بها مما
стр. 5213
ترين. قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت! ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا، إني أتخوف مثل الذي تتخوف، يقول الله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ الآية، ويقول الله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيئًا﴾، ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
رواه ابن أبي حاتم ﵀، عن أبي عبد الله الطهراني، عن حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة به.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنهى، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾، أي: ومن عمل صالحًا فإنما يعود نفعه [¬١] على نفسه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، أي: وإليه المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
﴿وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إلا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾
يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة، كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات. وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين [¬٢] وهم الأموات، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَينِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَ [الْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ] [¬٣] هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا﴾ فالمؤمن سميع بصير في نور يمشي، على صراط
стр. 5214
مستقيم في الدنيا والآخرة، حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى أصم، في ظلمات يمشي، لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة، حتى يفضي به ذلك إلى الحَرور والسموم والحميم، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، أي: كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم، وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كُتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم.
﴿إِنْ أَنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾، أي: إنما عليك البلاغ والإنذار، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا للكافرين، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، أي: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ﴾ الآية، والآيات في هذا كثيرة.
وقوله ﵎: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وهي: المعجزات الباهرات، والأدلة القاطعات، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾، وهي الكتب، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾، أي: الواضح المبين. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: ومع هذا كله كَذَّب أولئك رسلهم فيما جاءوهم به، فأخذتهم، أي بالعقاب والنكال، ﴿فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؟ أي: فكيف رأيت [] [¬١] إنكاري عليهم [يعني عظيمًا شديدًا بليغًا].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾
يقول تعالى منبهًا على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء ويخرج به ثمرات مختلفًا ألوانها، من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض،
стр. 5215
إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاورَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ [¬١] وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى [¬٢] بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
وقوله ﵎: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾، أي: وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضًا من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق - وهي: الجُدَد، جمع جُدَّة - مختلفة الألوان أيضًا.
قال ابن عباس ﵄: الجُدَد: الطرائق. وكذا قال أبو مالك، والحسن، وقتادة، والسدي. ومنها ﴿غَرَابِيبُ سُودٌ﴾، قال عكرمة: الغرابيب: الجبال الطوال السود. وكذا قال أبو مالك، وعطاء الخراساني، وقتادة. وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد، قالوا [¬٣]: أسود غربيب. ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾، أي: سود غرابيب. وفيما قاله نظر.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾، أي: وكذلك الحيوانات من الأناسي والدواب - وهو: كل ما دب على قوائم - والأنعام: من باب عطف الخاص على العام. كذلك هي مختلفة أيضًا، فالناس منهم بربر وحُبُوش وطُمَاطم في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾. وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان، حتى في الجنس الواحد، [بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد] [¬٤] يكون أبلق، فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (١٧): حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أيصبغ ربك؟ فقال: "نعم صبغًا لا يُنفَض، أحمر وأصفر وأبيض". ورُوي مرسلًا وموقوفًا، والله أعلم.
ولهذا قال تعالى بعد هذا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، أي: إنما يخشاه حق
стр. 5216
خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم [القدير العليم] [¬١] الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى - كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.
وقال ابن لَهِيعَةَ، عن ابن [¬٢] أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: العالم بالرحمن من لم يشرك به شيئًا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسبه بعمله. وقال سعيد بن جبير: الخشية هي [¬٣] التي تحول بينك وبين معصية الله . وقال الحسن البصري: الإيمان مَنْ خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سَخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك؛ قال: إن [العلم ليس] [¬٤] بكثرة الرواية، و [¬٥] إنما العلم نور يجعله الله في القلب.
قال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض [¬٦] الله أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أئمة المسلمين - فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: (نور) يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه.
وقال سفيان الثوري، عن أبي حيان، عن رجل؛ قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله. وعالم بالله، ليس بعالم بأمر الله. وعالم بأمر الله، ليس بعالم [¬٧] بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم [¬٨] بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله .
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا
стр. 5217
وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه، من إقام [¬١] الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله في الأوقات المشروعة ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانية، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور﴾، أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بد من حصوله. كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه: "إن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة". ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: ليوفيهم ثواب ما فعلوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾، أي: لذنوبهم، ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم.
قال قتادة: كان مُطَرّف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء.
قال الإمام أحمد (١٨): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا سالم بن غيلان؛ أنه سمع دَرَّاجًا أبا السمح يحدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه سبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد أثنى عليه سبعَة [¬٢] أصناف من الشر لم يعمله". غريب جدًّا.
﴿وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ إِنَّ اللَّهَ
стр. 5218
بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ﴾، يا محمد من الكتاب، وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾، أي من الكتب المتقدمة يصدقها، كما شهدت له بالنبوة [¬١]، وأنه منزل من رب العالمين.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، أي: هو خبير بهم، بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وجعل منزلة محمد ﷺ فوق جميعهم، صلوات الله عليهم أجمعين.
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾
يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم، المصدق لما بين يديه من الكتب، الذين اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، وهو: المفرط [¬٢] في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا﴾، قال: هم أمة محمد ﷺ ، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفَر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وقال أبو القاسم الطبراني (١٩): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، وعبد الرحمن بن معاوية العُتْبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، حدثني ابن
стр. 5219
جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال ذات يوم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي". قال ابن عباس: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ .
وهكذا رُوي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين، على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، ولا من المصطفين الوارثين الكتاب.
قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هو الكافر. وكذا رَوَى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضًا فيما رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هم أصحاب المشأمة. وقال مالك عن زيد بن أسلم، والحسن، وقتادة: هو المنافق. ثم قد قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام [¬١] الثلاثة المذكورة في أول "سورة الواقعة" وآخرها.
والصحيح أن الظالم لنفسه من [¬٢] هذه الأمة. وهذا [¬٣] اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، من طرق يشد بعضها بعضًا، ونحن نورد منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلًا من ثقيف يُحدّث عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة".
стр. 5220
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسم. وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث شعبة، به نحوه.
ومعنى قوله بمنزلة واحدة أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.
(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد (٢١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن علي [¬١] بن عبد الله الأزدي، عن أبي الدرداء ﵁ قال [¬٢]: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون [¬٣] في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم برحمته [¬٤]، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة".
ورواه ابن جرير (٢٢) من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش؛ قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء، فقال: اللهم، آنس [¬٥] وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليسًا صالحًا. قال أبو الدرداء: لئن كنت صادقًا لأنا أسعد بك [¬٦] منك، سأحدثك حديثًا