اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عَمَدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصّور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند اللَّه في نَصْرهم ورزْقهم، وما ينوبهم من أمْر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.
قال قتادة، والسّديّ، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة.
ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حَجّوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- برَدّها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة للَّه [¬١] وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذَن اللَّه فيه ولا رَضِيَ به، بل أبغضه ونهى عنه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي [¬٢] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأخبر أن الملائكة التي في السماوات من المقربين وغيرهم، كلّهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبَوه، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ تعالى اللَّه عن ذلك.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بين الخلائق يوم مَعَادِهم، ويجزي كل عامل بعمله، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية مَن قَصْدُه الكذبُ والافتراء على اللَّه، وقلبه كَفّار يجحد بآياته وبراهينه.
ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جَهَلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العُزَير وعيسى، فقال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أبي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون. وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه، كما قال: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم.
وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه، فقير إليه، وهو الغني
стр. 5392
عما سواه، الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذَلَّت وخضعت.
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾
يخبر تعالى أنه الخالق لا في السماوات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وأنه مالك الملك المتصرف فيه، يقلب ليله ونهاره، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيلِ﴾ أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يَقرّان، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم.
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى مدة معلومة عند اللَّه ثم تنقضي [] [¬١] يوم القيامة. ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.
وقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم ﵇، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵉، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في "سورة الأنعام": ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَينِ﴾ ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَينِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَينِ﴾.
وقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: قدركم [¬٢] في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِنْ
стр. 5393
بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي: يكون أحدكم أولًا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحمًا وعظمًا وعَصَبًا وعروقا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
وقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ يعني: ظلمة الرحم، وظلمة المشَيمَة -التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد-، وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن [¬١] زيد.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلقكم [¬٢] وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك، ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: الذي [¬٣] لا تنبغي العبادة إلا له وحده، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يُذْهَبُ بعقولكم؟!
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن نفسه تعالى: بأنه [¬٤] الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال موسى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
وفي صحيح مسلم (٢): " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا".
وقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يحبه ولا يأمر به، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يحبه منكم ويزدكم [¬٥] من فضله.
стр. 5394
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئًا [¬١]، بل كلٌّ مطالب بأمر نفسه، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [أي: فلا تخفى عليه خافية] [¬٢].
وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيهِ﴾ أي: عند الحاجة يضرع ويستغيث باللَّه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: في حال العافية يشرك باللَّه، ويجعل له أندادًا، ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: قل لمن هذه حاله وطريقته ومسلكه: تمتع بكفرك قليلًا وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾
يقول تعالى: أمَّن هذه صفته كمن أشرك باللَّه وجعل له أندادًا؟ لا يستوون عند اللَّه، كما قال تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾، وقال هاهنا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي: في حال سجوده وفي حال قيامه؛ ولهذا استدل بهذه الآية مَن ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، ليس هو القيام وحده، كما ذهب إليه آخرون.
وقال الثوري، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه قال: القانت المطيع للَّه ولرسوله.
وقال ابن عباس، والحسن، والسدي، وابن زيد: ﴿آنَاءَ اللَّيلِ﴾: جوف الليل.
وقال الثوري، عن منصور: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء.
وقال الحسن، وقتادة: ﴿آنَاءَ اللَّيلِ﴾: أوله وأوسطه وآخره.
стр. 5395
وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي: في حال عبادته خائف راج، ولابدَّ في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب؛ ولهذا قال: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، فإذا كان عند الاحتضار فَلْيَكُن الرجاء هو الغالب عليه [¬١]، كما قال الإمام عَبدُ بن حُمَيد في مسنده (٣):
حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت، فقال له: "كيف تجدك؟ ". قال: أرجو وأخاف. فقال رسول الله ﷺ : "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله الذي يرجو، وأمنه الذي يخافه".
ورواه الترمذي والنسائي في "اليوم والليلة"، وابن ماجة من حديث سَيَّار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، به، وقال الترمذي.: غريب. وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ مرسلًا.
و [¬٢] قال ابن أبي حاتم (٤)، حدثنا عمر بن شَبَّة، عن عبيدة النميري، حدثنا أبو خلف [¬٣]، عبد الله بن عيسى الخزاز [¬٤]، حدثنا يحيى البكاء، أنه سمع ابن عمر قَرَأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان ﵁.
وإنما قال ابن عمر ذلك؛ لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة، كما روى ذلك أبو عبيدة عنه ﵁، وقال الشاعر:
ضَحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا
وقال الإمام أحمد (٥): كتب إلي الربيع بن نافع: حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ بمائة آية في ليلة، كُتبَ له قنوت ليلة".
стр. 5396
وكذا رواه النَّسائي في "اليوم والليلة" (٦) عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع، كلاهما عن الهيثم بن حُمَيد، به.
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله؟! ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا مَن له لُبٌّ، وهو العقل.
﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي: لمن أحسنَ العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم.
وقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان [¬١].
وقال شريك عن منصور، عن عطاء في قوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال: إذا دعيتم إلى المعصية فاهربوا، ثم قرأ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾، قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا.
وقال ابن جريج [¬٢]: بلغني أنَّه لا يحاسب [] [¬٣] ثواب عملهم قط ولكن يزادون على ذلك.
وقال السدي: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾: يعني في الجنَّة.
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: إنما [¬٤] أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال السدي: "يعني من أمته ﷺ .
стр. 5397
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾
يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وهو يوم القيامة. وهذا شَرْط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، وهذا أيضًا تهديد وتَبَرٍّ منهم، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: إنما الخاسرون كل الخسران [¬١] ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنَّة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: هذا هو الخَسَار البيِّن الظاهر الواضح.
ثم وصف حالهم في النار فقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ أي: إنما يَقص [¬٢] خبر هذا الكائن لا محالة ليخوّف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم.
قوله: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾، نزلت في زيد بن عمرو [¬٣] بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. والصحيح أنَّها شاملة لهم
стр. 5398
ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن. فهؤلاء هم [¬١] الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ثم قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه، كقوله تعالى لموسى حين آتاه التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.
﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطَر المستقيمة.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾
قول تعالى: أفمن كتب الله أنَّه شَقِيٌّ تَقْدرُ [تَقْدرُ تُنْقذُه مما] [¬٢] هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي: لا يهديه أحد من بعد الله؛ لأنه من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضل له.
ثم أخبر عن عباده السعداء أنهم لهم غرف في الجنَّة، وهي [¬٣] القصور الشاهقة، ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي﴾ أي: طباق فوق طباق، مَبنيات محكمات مزخرفات عاليات.
قال عبد الله ابن الإِمام أحمد (٧): حدَّثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدَّثنا محمد [¬٤] بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنَّة لغرفًا يُرَى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها". فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال: "لمن أطاب الكلام، وأطعم الطَّعام، وصلى [لله بالليل] [¬٥] والناس نيام". ورواه التِّرمِذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: حسن غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قِبَل حفظه.
стр. 5399
وقال الإِمام أحمد (٨): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن مُعانِق -أو: أبي مُعَانِق- عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنَّة لغرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطَّعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام". تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك به.
وقال الإِمام أحمد (٩): حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنَّة ليتراءون الغرفة في الجنَّة كما تراءون [¬١] الكوكب في السماء". قال: فحدثتُ بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "كما تراءون الكوكب الدري [¬٢] في الأفق الشرقي أو الغربي".
أخرجاه في الصحيحين (١٠)، من حديث أبي حازم، وأخرجاه أيضًا [¬٣] في الصحيحين من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ .
وقال الإِمام أحمد (١١): حدَّثنا فزارة، أخبرني فُلَيح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنَّة ليتراءون في الجنَّة أهل الغرف، كما تراءون الكوكب الدرِّيّ الغارب في الأفق الطالع، في تفاضل [¬٤] أهل الدرجات". فقالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ فقال: "بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل".
ورواه التِّرمِذي عن سويد، عن ابن المبارك، عن فليح به، وقال: حسن صحيح.
стр. 5400
وقال الإِمام أحمد (١٢): حدَّثنا أَبو النضر وأبو كامل [¬١] قالا: حدَّثنا زهير، حدَّثنا سعد الطائي، حدَّثنا أَبو المدَلِّه -مولى أم المؤمنين- أنَّه [¬٢] سمع أبا هريرة يقول [¬٣]: قلنا: يا رسول الله، إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشَممْنَا النساء والأولاد. قال: "لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتك الملائكة بأَكفهُم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تُذنبوا لجاء الله بقومٍ يذنبون كِي [¬٤] يغفر لهم". قلنا: يا رسول الله، حدَّثنا عن الجنَّة، ما بناؤها؟ قال: "لبنَةُ ذهب ولبنَة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفوان، من يدخلها ينعم ولا يَبْأس [¬٥] ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه من لا يفنى شبابه. ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتَهُم: الإِمام العادل، والصالم حتَّى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أَبواب السماوَات، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين". وروى التِّرمِذي، وابنُ ماجة بعضَه، من حديث سعد أبي مجاهد الطائي -وكان ثقة- عن أبي المُدَلِّه وكان ثقة، به.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تسلك [¬٦] الأنهار بين خلال ذلك، كما يشاءوا وأين أرادوا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكرناه وَعْدٌ وعَدَه الله عباده المؤمنين ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾
стр. 5401
يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، فإذا أنزل الماء من السماء كَمَن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، ويُنبِعهُ عيونًا ما بين صغار وكبار، بحسب الحاجة إليها؛ ولهذا قال: " ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾.
قال ابن أبي حاتم ﵀: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا عمرو بن علي، حدَّثنا أَبو قتيبة عتبة بن يقظان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [قال: ليس في الأرض ماء إلَّا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾] [¬١] فمن سره أن يعود الملح عذبًا فليصعده.
وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: إن كل ماء في الأرض، فأصله من السماء.
وقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج. يعني أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعًا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: [¬٢] بعد نضارته وشبابه يكتهل [¬٣] ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾، قد خالطه اليُبْس، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ أي: ثم يعود يابسًا يتحطم [¬٤]: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا، تكون خَضرةَ نضرة حسناء، ثم تعود عَجُوزًا شوهاء، والشاب يعود شيخا هَرِمًا كبيرًا ضعيفًا، وبعد ذلك كله الموت. فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيرًا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء، وينبت به زرعًا وثمارًا، ثم يكون بعد ذلك حُطامًا، كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾.
وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟! كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: فلا تلين [¬٥] عند ذكره [¬٦]، ولا [تخشع ولا تعي ولا
стр. 5402
تفهم] [¬١]، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ].
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣).
هذا مَدْحٌ من الله لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، قال مجاهد: يعني القرآن كله [¬٢] متشابه مثاني.
وقال قَتَادة: الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف.
وقال الضحاك: ﴿مَثَانِيَ﴾: ترديد القول ليفهموا عن ربهم .
وقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء. زاد الحسن: تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿مَثَانِيَ﴾: مُرَدَّد، رُدِّد موسى في القرآن، وصالح وهود والأنبياء ﵈ في أمكنة كثيرة.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس: ﴿مَثَانِيَ﴾ قال: القرآن يشبه بعضه بعضًا، ويرد بعضه على بعض.
وقال بعض العلماء: ويُرْوى عن سفيان بن عيينة معنى قوله: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾: أن سياقات القرآن تارةً تكونُ في معنى واحد، فهذا من المتشابه، وتارة تكونُ بذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، [¬٣] كصفة الجنَّة ثم صفة النار، وما أشبه هذا، فهذا من المثاني، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ وكقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ إلى أن قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ إلى أن قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ونحو هذا من السياقات، فهذا كله من المثاني، أي: في معنيين اثنين [¬٤]، وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضًا، فهو المتشابه. وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله: ﴿مِنْهُ
стр. 5403
آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، ذلك معنى آخر.
وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، [المهيمن العزيز الغفار] [¬١]، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف. ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، لما يرجون ويُؤمِّلون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الكفار من وجوه:
أحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات [¬٢] من أصوات القينات.
الثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وَبُكيًّا، بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها؛ بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها، فلهذا إنما يعملون بها، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم [¬٣] يكونوا يتصارخُون ولا يتكلّفون ما [¬٤] ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالقدح المُعَلَّى في الدنيا والآخرة.
قال عبد الرزاق: حدَّثنا معمر قال: تلا قَتَادة ﵀: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.
وقال السدي: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ] [¬٥] قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى وعد الله.
стр. 5404
وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ عِبَادِهِ﴾ أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك نهو ممن أضله الله، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ هَادٍ﴾.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾
يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ويُقْرَعُ فيقال له ولأمثاله من الظالمين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، كمن يأتي آمنًا يوم القيامة؟! كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال [¬١]: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ وقال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في هذه الآية بأحد القسمين عن [¬٢] الآخر كقول الشاعر:
فَمَا أَدْري إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا … أريدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني؟
[يعني: الخير والشر] [¬٣].
وقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: القرون الماضية المكذبة للرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق.
وقوله: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك، فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء، والذي أعده الله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظمُ مما أصابهم في الدنيا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
стр. 5405
يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ﴾ أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فإان المثل يُقَرِّب المعنى إلى الأذهان، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: تعلمونه من أنفسكم، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله كذلك، وأنزله بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما [¬١] فيه من الوعد.
ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا [¬٢] لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصًا لرجل لا يملكه أحد غيره ﴿هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا﴾ أي: لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟
قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلًا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرًا بَيِّنًا جليًّا، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على إقامة الحجة عليهم، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا يشركون بالله.
وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق عند موت الرسول ﷺ ، حتى تحقق الناس موته، مع قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ومعنى هذه الآية: ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم. فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين.
ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة.
стр. 5406
قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن ابن حاطب -يعني يحيى بن عبد الرحمن-[عن ابن الزبير] [¬١]، عن الزبير قال: لما نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قال الزبير: يا رسول الله؟ أتكرر علينا الخصومة؟ قال: "نعم". قال: إن الأمر إذًا لشديد.
وكذا رواه الإمام أحمد (١٣) [عن سفيان] [¬٢]، وعنده زيادة: ولما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قال الزبير: أي رسول الله؟ أيُّ نعيم نُسألُ عنه وإنما -يعني- هما [¬٣] الأسودان: التمر والماء؟ قال "أما إن ذلك سيكون".
وقد روى هذه الزيادةَ الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان به. وقال الترمذي: "حسن".
وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٤): حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد -يعني ابن عمرو- عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام؛ قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قال الزبير: أيّ رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع [¬٤] خواص الذنوب؟ قال: "نعم، ليكررَن [¬٥] عليكم، حتى [يُؤدِّي إلى] [¬٦] كل ذي حق حقه". قال الزبير: والله إن الأمر لشديد.
ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو، به وقال: "حسن صحيح".
وقال الإِمام أحمد (١٥): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي عُشَّانَة، عن عقبة بن عامر قال؛ قال رسول الله ﷺ : "أول الخصمين يوم القيامة
стр. 5407
جاران". تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد (١٦): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس بيده، إنه ليختصم [¬١]، حتى الشاتان فيما انتطحتا". تفرد به أحمد.
وفي المسند عن أبي ذر (١٧) ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين ينتطحان، فقال [¬٢]: "أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر؟ ". قلت: لا. قال: "لكن الله يدري وسيحكم بينهما".
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حيان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "يجاء بالإِمام الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرعية فَيُفْلَجُون عليه، فيقال له: سُدَّ ركنًا من أركان جهنم".
ثم قال: الأغلب بن تميم ليس بالحافظ.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﵄: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يقول: يخاصم الصادقُ الكاذبَ، والمظلوم الظالمَ، والمهديُّ الضالُّ، والضعيفُ المستكبرَ.
وقد روى ابن مَنْده [¬٣] في كتاب "الروح"، عن ابن عباس أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة، حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنتَ فعلت. ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سولت. فيبعث الله مَلَكًا يفصل بينهما، فيقول: إن مَثَلكما كمثل رجل مُقعَد بصير وآخر ضرير، دخلا بستانًا، فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثمارًا، ولكن لا أصل إليها. فقال له الضرير: اركبني فتناولها. فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما. فيقول لهما الملك: فإنكما [¬٤] قد حكمتما على أنفسكما. يعني أن الجسدَ للروح كالمطية، وهو راكبه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن أحمد بن [¬٥] عوسجة، حدثنا ضرار، حدثنا أبو سلمة
yyy
стр. 5408
الخزاعي منصور بن سلمة، حدثنا القُمّي -يعني يعقوب بن عبد الله- عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية، وما نعلم في أيّ شيء نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قلنا: من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر: هذا الذي وَعَدنا ربُّنا نختصم فيه.
ورواه النسائي (١٨) عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة، به.
وقال أبو العالية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال: يعني أهل القبلة.
وقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر. وقد قدمنا أن الصحيح العموم، والله أعلم.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾
يقول تعالى مخاطبًا للمشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أخرى، وادّعوا أن الملائكة بناتُ الله، وجعلوا لله ولدًا -تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا- ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله - صلوات الله عليهم أجمعين - ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ أي: لا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طَرَفي الباطل، كَذَب على الله، وكَذّب رسول الله، قالوا الباطل وردوا الحق، ولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، وهم الجاحدون المكذبون.
ثم قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال مجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول.
стр. 5409
وقال السدي: هو جبريل ﵇ ﴿وَصَدَّقَ [¬١] بِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال: من جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَصَدَّقَ﴾ يعني: رسول الله ﷺ .
وقرأ الربيع بن أنس: ﴿والذين جاءوا بالصدق﴾، يعني: الأنبياء، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: الأتباع.
وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أصحابُ القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا.
وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين؛ فإن المؤمن يقول الحق ويعمل به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير، فإنه جاء بالصدق، وصدَّق الموسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: هو رسول الله ﷺ ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ المسلمون.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: اتقوا الشرك ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: في الجنة، مهما طلبوا وجدوا، ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ [¬٢] عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ
стр. 5410
الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾
يقول تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم: (عباده)، يعني أنه تعالى يكفي مَن عَبَده وتوكل عليه.
وقال ابن أبي حاتم هاهنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي، حدثنا أبو هانئ، عن أبي علي عمرو بن مالك الجَنْبِيِّ [¬١]، عن فضالة بن عبيد الأنصاري أنه [¬٢] سمع رسول الله ﷺ يقول: "أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقَنعَ به".
[ورواه الترمذي والنسائي (١٩) من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانئ الخولاني، به. وقال الترمذي: صحيح] [¬٣].
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يعبدونها [¬٤] من دونه جهلًا منهم وضلالًا؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾،، أي: منيع الجناب لا يضام، من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقامًا منه، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ .
وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يعني: المشركين كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره، مما [¬٥] لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، أي: لا تستطيع [¬٦] شيئًا من الأمر.
وذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث قيس بن الحجاج، عن. حَنَش الصَّنعاني، عن ابن عباس
стр. 5411
مرفوعًا: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تَعَرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك. جفَّت الصحف، ورُفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا. وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا" (٢٠).
﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾ أي: الله كافيَّ، عليه توكلت وعليه يتوكل المتوكلون. كما قال هود ﵇ حين قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَال إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا محمد بن حاتم، عن أبي المقدام -مولى آل عثمان- عن محمد بن كعب القرظي، حدثنا ابن عباس، رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق بما في يديه. ومن أحب أن يكون أكرم الناس، فليتق الله" (٢١).
وقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم. وهذا تهديد ووعيد، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ أي: على طريقتي ومنهجي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ستعلمون غِبَّ ذلك وَوَباله ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في الدنيا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر، لا محيد له عنه. وذلك يوم القيامة.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
стр. 5412
يقول تعالى مخاطبًا رسولَه محمدًا ﷺ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآن ﴿لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فإنما يعود نفعُ ذلك إلى نفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ﴾، أي [¬١]: بموكل [¬٢] أن يهتدوا ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ﴾ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾.
ثم قال تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان. والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. فذكر الوفاتين: الصغرى ثم الكبرى. وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى؛ ولهذا قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فيه دلالة على [¬٣] أنها تجتمع في الملأ الأعلى، كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره.
وفي صحيحي البخاري ومسلم (٢٢) من حديث عُبيد [¬٤] الله ابن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينْفُضُه بدَاخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خَلَفَهُ عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين".
وقال بعض السلف: يقبض [¬٥] أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ﴾ التي: قد ماتت، ويرسل الأخرى إلى ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
стр. 5413
قال السدي: إلى بقية أجلها. وقال ابن عباس: يمسك [¬١] أنفس الأموات، ويرسل [¬٢] أنفس الأحياء، ولا يغلط. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾
يقول تعالى ذامًّا للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئًا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير [¬٣]: قل، أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المتصرف في جميع ذلك، ﴿ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلًّا بعمله.
ثم قال تعالى ذامًّا للمشركين أيضًا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا [¬٤] قيل: لا إله إلا الله ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، قال مجاهد: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ [¬٥] انقبضت. وقال السدي: نفرت. وقال قتادة: كفرت واستكبرت. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: استكبرت. كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن المتابعة والانقياد لها. فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، قاله مجاهد، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون ويسرون.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي
стр. 5414
الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾
يقول تعالى بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر، من المذمة لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [عَالِمَ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ادع أنت الله وحده لا شريك له، الذي خلق السماوات والأرض] [¬١] وفطرها، أي: جعلها على غير مثال سبق، ﴿عَالِمَ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: السر والعلانية، ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في دنياهم، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم، وقيامهم من قبورهم.
وقال مسلم في صحيحه (٢٣): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة: بأيِّ شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتَح صلاته: "اللهم؛ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
وقال الإِمام أحمد (٢٤): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، وأخبرنا سهيل بن [¬٢] أبي صالح، وعبد الله بن عثمان بن خُثَيمٍ، عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تُقَرِّبني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا تُوَفينيه يوم القيامة، إنك لا تُخْلف الميعاد، إلا قال الله لملائكته يوم القيامة إن عبدي قد عهدَ إليَّ فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة".
стр. 5415
قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونًا أخبر بكذا وكذا؟ فقال: ما في أهلنا جارية إلَّا وهي تقول هذا في خدرها. انفرد به الإمام أحمد.
وقال الإِمام أحمد (٢٥): [حدَّثنا حسن] [¬١]، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله: أن أبا عبد الرحمن حديثه قال: أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسًا وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: "اللَّهم فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت ربّ كل شيء، وإله كل شيء، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، والملائكة يشهدون. أعوذ بك من الشَّيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثمًا، أو أجُرّه إلى مسلم".
قال أبو عبد الرحمن: كان رسول الله ﷺ يعلمه [¬٢] عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد أن ينام. تفرد به أحمد أيضًا.
وقال أحمد أيضًا (٢٦): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا ابن عَيَّاش [¬٣]، عن محمَّد بن زياد الألهاني، عن أبي راشد الحُبْرَاني قال: أتيت عبد الله بن عمرو فقلت له: حَدِّثنا ما سمعتَ من رسول الله ﷺ . فألقى بين يَدَيّ صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ . فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصِّديق قال: يا رسول الله، علّمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، قل: اللَّهم فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلَّا أنت، ربّ كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشَّيطان وشركه، أو أقترف على نفسي سوءًا، أو أجره إلى مسلم". ورواه التِّرمذيُّ، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، به، وقال: "حسن غريب من هذا الوجه".
وقال الإمام أحمد (٢٧): حدَّثنا هاشم، حدَّثنا شيبان [¬٤]، عن ليث، عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصِّديق: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي من الليل: "اللَّهم فاطر السماوات والأرض" إلى آخره.
стр. 5416
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي: ولو أن جميعَ ملْك الأرض وضِعْفَه معه [¬١] ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾ أي: الذي أوجبه الله لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يُتقَبَّل منهم الفداء ولو كان ملءَ الأرض ذهبًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي: وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدُّنيا من المحارم والمآثم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدُّنيا.
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الإِنسان: إنَّه في حال الضراء يَضرَع إلى الله وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوله منه نعمة بغى وطغى، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: لما يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله تعالى خصيص لما خَوّلني هذا!
قال قتادة: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ على خير عندي.
قال الله : ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، بل أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيُطيع أم يعصى؟ مع علمنا المتقدم بذلك، فهي فتنة أي: اختبار، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ [¬٢] لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلهذا يقولون ما يقولون، ويَدّعون ما يدّعون.
﴿قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قد قال هذه المقالة وزَعَم هذا الزعم وادعى هذه [¬٣] الدعوى- كثير ممن سلف من الأمم، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فما صح
يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زيد البحر. ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأنَّ الشرك لا يُغفر لمن لم يتب منه.
وقال البُخاريّ (٢٨): حدَّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف؛ أن ابن جُرَيج أخبرهم؛ قال يعلى: إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس؛ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وَزَنَوا فأكثروا. فأتوا محمدًا ﷺ ؛ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحَسَنٌ لو تُخبرنا أنّ لما عملنا كفارة. فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ونزل قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ (٢٩)، من حديث ابن جُرَيج، عن يعلى بن مسلم المكيِّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.
والمراد من الآية الأولى قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا … ﴾ الآية.
وقال الإمام أحمد (٣٠): حدَّثنا حَسَن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا أبو قَبِيل؛ قال [¬١]: سمعت أبا [¬٢] عبد الرحمن المزي [¬٣]؛ قوله: سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ؛ يقول: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول [¬٤]: "ما أحب أن لي الدُّنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ … ". إلى آخر الآية، فقال رجل: يا رسول الله؛ فمن أشرك؟ فسكت النَّبيُّ ﷺ ، ثم قال: "ألا ومن أشرك". ثلاث مرات. تفرد به الإمام أحمد.
وقال الإمام أحمد أيضًا (٣١): حدَّثنا سُرَيج [¬٥] بن النُّعمان، حدَّثنا نوح [¬٦] بن قيس، عن
стр. 5419
أشعث بن جابر الحُدّاني، عن مكحول، عن عمرو بن عَبَسَة [¬١]؛ قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ ، شيخ كبير يَدّعمُ على عصا له، فقال: يا رسول الله؛ إن لي غَدَرَات وفَجَرَات، فهل يغفر لي؟ فقال: "ألست تشهد أن لا إله إلَّا الله؟ ". قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله. فقال: "قد غفر لك غَدَرَاتك وفجرانك". تفرد به أحمد.
وقال الإِمام أحمد (٣٢): حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حَوشَب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ﴾، وسمعته يقول: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ -ولا يبالي- ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت به.
فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنَّه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطَنّ عبد من رحمة الله، وإن عَظُمت ذنوبه وكثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬٢] وقال تعالى في حق المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾.
قال الحسن البصري: انظر إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!
والآيات في هذا كثيرة جدًّا، وفي الصحيحين (٣٣) عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ ، حديث الذي قتل تسعًا [¬٣] وتسعين نفسًا، ثم ندم وسأل عابدًا من عُباد بني إسرائيل: هل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله وأكمل به مائة. ثم سأل عالمًا من علمائهم: [هل له من توبة] [¬٤]؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد
стр. 5420
الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطَّريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها. فوجدوه أقرب إليَّ الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. وذُكر أنَّه نأى بصدره عند الموت، وأن الله أمر البلدة الخَيِّرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة [¬١] أن تتباعد.
هذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ﵄ قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا … ﴾ إلى آخر الآية، قال: قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عُزَيرًا ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ثم دعا إلى توبته مَن [¬٢] هو أعظم قولًا من هؤلاء، من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، قال ابن عباس: مَن آيَسَ عبادَ الله من التوبة بعد هذا فقد جَحَد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتَّى يتوب الله عليه.
وروى الطبراني من طريق الشعبيّ، عن سنيد بن شَكَل؛ أنَّه قال: سمعتُ ابنَ مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإن أكثر آية في القرآن فرجًا في سورة الغرف: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وإن أشد آية في كتاب الله تصريفًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فقال له مسروق: صدقت.
وقال الأعمش، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود؛ قال: مر عبد الله -يعني ابن مسعود- على قاصٍّ، وهو يذكر النَّاس، فقال: يا مُذكِّر، لِمَ تُقَنّط النَّاس؟ ثم قرأ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. رواه ابن أبي حاتم.
ذكر أحاديث فيها نفى القنوط
قال الإمام أحمد (٣٤): حدَّثنا سُرَيج بن النُّعمان، حدَّثنا أبو عُبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله
стр. 5421
السدوسي، حدثني حسن السدوسي؛ قال: دخلت على أنس بن مالك؛ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ ؛ يقول: "والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتَّى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمَّد بيده، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم". تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد (٣٥): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ليث، حدثني محمَّد بن قيس -قاصّ [¬١] عمر بن عبد العزيز- عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أنَّه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت [¬٢] منكم شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ ، قوله: "لولا أنكم تذنبون [¬٣]، لخلق الله قومًا يذنبون فيغفر لهم".
هكذا رواه الإِمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي جميعًا، عن قتيبة، عن اللَّيث بن سعد به.
ورواه مسلم من وجه آخر به (٣٦)، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة -وهو الأنصاري، صحابي- عن أبي أيوب به.
وقال الإمام أحمد (٣٧): حدَّثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدَّثنا يَحْيَى بن عمرو بن مالك النُكري [¬٤]؛ قال [¬٥]: سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ["كفارة الذنب الندامة". وقال رسول الله ﷺ ] [¬٦]: "لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، فيغفر لهم". تفرد به أحمد.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (٣٨): حدثني عبد الأعلى بن حماد النَّرسيّ [¬٧]، حدَّثنا داود
стр. 5422
ابن عبد الرحمن، حدَّثنا أبو عبد الله مسلمة الرَّازي، عن أبي عمرو البَجَلي، عن عبد الملك بن سفيان الثَّقفيُّ، عن أبي جعفر محمَّد بن علي، عن محمَّد بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يحب العبد المُفتَّن التواب". لم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حماد، أخبرنا ثابت، وحميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير؛ قال: أن إبليس -عليه لعائن الله- قال: يارب؛ إنك أخرجتني من الجنَّة من أجل آدم، و [¬١] إني لا أستطيعه إلَّا بسلطانك. قال: فأنت [¬٢] مسلط. قال: يا رب؛ زدني. قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله. قال: يارب؛ زدني. قال: أجعل [¬٣] صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم. قال: يارب؛ زدني. قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدْهم وما يعدهم الشَّيطان إلَّا غرورًا. فقال آدم: يارب؛ قد سلطته عليّ، وإني لا أمتنع به [¬٤] إلَّا بك. قال: لا يولد لك ولد إلَّا وَكلت به من يحفظه من قرناء السوء. قال: يارب؛ زدني. قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يارب؛ زدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يارب، زدني. قال: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق: قال نافع؛ عن عبد الله بن عمر، عن عمر ﵁ في حديثه؛ قال: وكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صَرفًا ولا عدلًا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة [¬٥]، أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال عمر ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة، [وبعثت بها] [¬٦] إلى هشام بن العاص؛ قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها [¬٧] بذي طُوّي أصعِّد بها فيه وأصوت ولا أفهمها، حتَّى قلت: اللَّهم أفهمنيها. قال: فألقى الله في قلبي أنَّها إنما أنزلت فينا، وفيما كُنَّا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله
стр. 5423
عليه وسلم بالمدينة.
ثم استحث تعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: بادروا] [¬١] بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا [تعلمون ولا تشعرون] [¬٢].
ثم قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله .
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أي: إنَّما كان عملي في الدُّنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق.
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: تود أن لو أعيدت إلى الدار الدُّنيا فتحسن العمل.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله -سبحانه- ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. وقال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبر الله [¬٣] تعالى أن لو رُدّوا لما قدروا على الهدى، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقد قال الإمام أحمد (٣٩): حدَّثنا أسود، حدَّثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أهل النار يرى مقعده من الجنَّة فيقول: لو أن الله هداني! فتكون عليه حسرة". قال: "وكل أهل الجنَّة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني! قال [¬٤]: فيكون له الشكر". ورواه
стр. 5424
النَّسائيّ من حديث أبي بكر بن عياش، به.
ولما تمنى أهل الجرائم العَودَ إلى الدُّنيا، وتحسروا [¬١] على تصديق آيات الله واتباع رسله، قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه- آياتي [¬٢] في الدار الدُّنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾
يخبر تعالى عن يوم القيامة أنَّه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى ها هنا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في دعواهم له شريكًا وولدًا ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم.
وقوله: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [¬٣]﴾ أي: أليست جهنم كافية لهم [¬٤] سجنًا وموئلًا لهم فيها الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.
قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدَّثنا عمي، حدَّثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور النَّاس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتَّى يدخلوا سجنًا من النَّار في واد يقال له: بولس [¬٥]، من دار الأنيار [¬٦] ويسقون عصارة أهل النَّار، من طينة الخبال".
وقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فَزَع، مزحزحون عن كل شر، مؤمّلون كل خير.
стр. 5425
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾
يخبر تعالى أنَّه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكلّ تحت تدبيره وقهره وكلاءته.
وقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة. وقال السدي: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خزائن السماوات والأرض.
والمعنى على كلا القولين أن أزِمَّة الأمور بيده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: حججه وبراهينه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا جدًّا، في صحته [¬١] نظر، ولكن نذكره كما ذكره فإنَّه قال: حدَّثنا يزيد بن سنان البصري بمصر، حدَّثنا يَحْيَى بن حماد، حدَّثنا الأغلب بن تميم، عن مخلد بن هذيل العبدي، عن عبد الرحمن المدني، عن عبد الله بن عمر، عن عثمان بن عفَّان، ﵁، أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: "ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان"، قال: "تفسيرها: لا إله إلَّا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة إلَّا بالله الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير يَحْيَى ويميت، [وهو على كل شيء قدير] [¬٢]. من قالها يا عثمان [إذا أصبح] [¬٣] عشر مرات [¬٤] أعطى خصالًا ستًّا [¬٥]، أما أولهن: فيحرس من إبليس وجنوده، وأمَّا الثانية: فيعطى قنطارًا من الأجر، وأمَّا الثَّالثة: فترفع
стр. 5426
له درجة في الجنَّة، وأمَّا الرابعة: فيزوج [¬١] من الحور العين، وأمَّا الخامسة: فيحضره لنا عشر ملكًا، وأمَّا السادسة: فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. وله مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع بطابع الشهداء".
ورواه أبو يعلى الموصلي (٤٠) من حديث يَحْيَى بن حماد، به مثله. وهو غريب، وفيه نكارة شديدة، والله أعلم.
وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس؛ أن المشركين بجهلهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إليه، فنزلت: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وهذه كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أخلص العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت ومن معك، أنت ومن اتبعك وصدقك.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾
يقول ﵎ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي [¬٢] ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السدي: ما عظموه حق عظمته.
وقال محمَّد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن [¬٣] الله على كل شيء قدير، فقد قَدَر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.
стр. 5427
وقد وردت [¬١] أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها [¬٢] وفي أمثالها مذهبُ السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال البُخاريّ (٤١): قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ ، فقال [¬٣]: يا محمد؛ إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه، تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ … ﴾ الآية.
ورواه البُخاريّ أيضًا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنَّسائيُّ في التفسير من سننيهما، كلهم من حديث سليمان بي مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدَةَ [¬٤]، [عن ابن مسعود ﵁ [بنحوه.
وقال الإمام أحمد (٤٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن إبراهيم] [¬٥]، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال] [¬٦]: جاء رجل إلى النَّبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ قال [¬٧]: فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية. وهكذا رواه البُخاريّ ومسلم والنَّسائيُّ من طرق عن الأعمش به.
وقال الإِمام أحمد (٤٣): حدَّثنا حُسَين بن حسن الأشقر، حدَّثنا أبو كُدَينة، عن عطاء،
стр. 5428
عن أبي الضحى، عن ابن عباس؛ قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال [¬١]: كيف تقول يا أبا القاسم، يوم يجعل الله السماء على ذِهْ -وأشار بالسبابة- والأرض على ذِهْ، والجبال على ذِهْ، وسائر الخلق على ذِهْ -كل ذلك يشير بإصبعه- قال: فأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
وكذا رواه التِّرمذيُّ في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ، عن محمَّد بن الصلت أبي جعفر، عن أبي كُدَينة يَحْيَى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيح، به، وقال: حسن صحيح غريب [¬٢]، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.
ثم قال البُخاريّ (٤٤): حدَّثنا سعيد بن عفير، حدَّثنا اللَّيث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال البُخاريّ في موضع آخر (٤٥): حدَّثنا مُقَدّم بن محمَّد، حدَّثنا عمي القاسم بن يَحْيَى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك".
تفرد به أيضًا من هذا الوجه.
ورواه مسلم من وجه آخر.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول، فقال (٤٦):
стр. 5429
حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: "يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم". فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتَّى قلنا: ليخرّن به.
وقد رواه مسلم، والنَّسائيُّ، وابن ماجة من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، زاد مسلم: ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، به، نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث: أنَّه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النَّبيُّ ﷺ ، قال: "يأخذ الله سماواته وأرضه" بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها: أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتَّى إنِّي لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟
وقال البزار: حدَّثنا سليمان بن سيف، حدَّثنا أبو علي الحنفي، حدَّثنا عَباد المِنْقَري، حدثني محمَّد بن المنكدر؛ قال: حدَّثنا عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حتَّى بلغ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فقال المنبر هكذا، فجاء [¬١] وذهب ثلاث مرات.
ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو وقال: صحيح.
وقال الطّبرانيّ في "المعجم الكبير" (٤٧): حدَّثنا عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، حدَّثنا حَيَّان بن نافع بن [¬٢] صخر بن جويرية، حدَّثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن خُنَيس [¬٣]، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير؛ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه: "إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمَر، فمن بكى [¬٤] منكم وجبت له الجنَّة". فقرأها من عند قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله، لقد جهدنا أن نبكي، فلم نبك؟ فقال: "إنِّي سأقرؤها عليكم، فمن لم يبك فليتباك".
стр. 5430
هذا حديث غريب جدًّا.
وأغرب منه ما رواه في "المعجم الكبير" أيضًا: حدَّثنا هاشم بن زيد، حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عُبَيد، عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غيَّبتُهُنَّ عن عبادي، لو رآهن رجل ما عمل سوءا أبدًا: لو كشفت غطائي فرآني حتى [¬١] يستيقن ويعلم كيف أفعل بخلْقي إذا أتيتهم، وقبضت السماوات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت: أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني؟ ثم أريتهم [¬٢] الجنَّة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها. وأريهم النَّار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدًا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون [¬٣]، وقد بينته لهم". وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)
يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، هذه النفخة هي الثَّانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلَّا من شاء الله كما هو مُصَرَّح به مفسرًا في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتَّى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا، وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ثلاث مرات. ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو واحد وقد قهر كل شيء، وحكم بالفناء على كل شيء. ثم يَحْيَى أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثَّالثة نفخة البعث، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: أحياء بعد ما كانوا عظامًا ورفاتًا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ