له درجة في الجنَّة، وأمَّا الرابعة: فيزوج [¬١] من الحور العين، وأمَّا الخامسة: فيحضره لنا عشر ملكًا، وأمَّا السادسة: فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. وله مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع بطابع الشهداء".
ورواه أبو يعلى الموصلي (٤٠) من حديث يَحْيَى بن حماد، به مثله. وهو غريب، وفيه نكارة شديدة، والله أعلم.
وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس؛ أن المشركين بجهلهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إليه، فنزلت: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وهذه كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أخلص العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت ومن معك، أنت ومن اتبعك وصدقك.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾
يقول ﵎ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي [¬٢] ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السدي: ما عظموه حق عظمته.
وقال محمَّد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن [¬٣] الله على كل شيء قدير، فقد قَدَر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.
стр. 5427
وقد وردت [¬١] أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها [¬٢] وفي أمثالها مذهبُ السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال البُخاريّ (٤١): قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ ، فقال [¬٣]: يا محمد؛ إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه، تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ … ﴾ الآية.
ورواه البُخاريّ أيضًا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنَّسائيُّ في التفسير من سننيهما، كلهم من حديث سليمان بي مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدَةَ [¬٤]، [عن ابن مسعود ﵁ [بنحوه.
وقال الإمام أحمد (٤٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن إبراهيم] [¬٥]، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال] [¬٦]: جاء رجل إلى النَّبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ قال [¬٧]: فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية. وهكذا رواه البُخاريّ ومسلم والنَّسائيُّ من طرق عن الأعمش به.
وقال الإِمام أحمد (٤٣): حدَّثنا حُسَين بن حسن الأشقر، حدَّثنا أبو كُدَينة، عن عطاء،
стр. 5428
عن أبي الضحى، عن ابن عباس؛ قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال [¬١]: كيف تقول يا أبا القاسم، يوم يجعل الله السماء على ذِهْ -وأشار بالسبابة- والأرض على ذِهْ، والجبال على ذِهْ، وسائر الخلق على ذِهْ -كل ذلك يشير بإصبعه- قال: فأنزل الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
وكذا رواه التِّرمذيُّ في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ، عن محمَّد بن الصلت أبي جعفر، عن أبي كُدَينة يَحْيَى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيح، به، وقال: حسن صحيح غريب [¬٢]، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.
ثم قال البُخاريّ (٤٤): حدَّثنا سعيد بن عفير، حدَّثنا اللَّيث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال البُخاريّ في موضع آخر (٤٥): حدَّثنا مُقَدّم بن محمَّد، حدَّثنا عمي القاسم بن يَحْيَى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك".
تفرد به أيضًا من هذا الوجه.
ورواه مسلم من وجه آخر.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول، فقال (٤٦):
стр. 5429
حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: "يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم". فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتَّى قلنا: ليخرّن به.
وقد رواه مسلم، والنَّسائيُّ، وابن ماجة من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، زاد مسلم: ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، به، نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث: أنَّه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النَّبيُّ ﷺ ، قال: "يأخذ الله سماواته وأرضه" بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها: أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتَّى إنِّي لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ ؟
وقال البزار: حدَّثنا سليمان بن سيف، حدَّثنا أبو علي الحنفي، حدَّثنا عَباد المِنْقَري، حدثني محمَّد بن المنكدر؛ قال: حدَّثنا عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حتَّى بلغ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فقال المنبر هكذا، فجاء [¬١] وذهب ثلاث مرات.
ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو وقال: صحيح.
وقال الطّبرانيّ في "المعجم الكبير" (٤٧): حدَّثنا عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، حدَّثنا حَيَّان بن نافع بن [¬٢] صخر بن جويرية، حدَّثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن خُنَيس [¬٣]، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير؛ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه: "إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمَر، فمن بكى [¬٤] منكم وجبت له الجنَّة". فقرأها من عند قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله، لقد جهدنا أن نبكي، فلم نبك؟ فقال: "إنِّي سأقرؤها عليكم، فمن لم يبك فليتباك".
стр. 5430
هذا حديث غريب جدًّا.
وأغرب منه ما رواه في "المعجم الكبير" أيضًا: حدَّثنا هاشم بن زيد، حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عُبَيد، عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غيَّبتُهُنَّ عن عبادي، لو رآهن رجل ما عمل سوءا أبدًا: لو كشفت غطائي فرآني حتى [¬١] يستيقن ويعلم كيف أفعل بخلْقي إذا أتيتهم، وقبضت السماوات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت: أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني؟ ثم أريتهم [¬٢] الجنَّة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها. وأريهم النَّار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدًا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون [¬٣]، وقد بينته لهم". وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)
يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، هذه النفخة هي الثَّانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلَّا من شاء الله كما هو مُصَرَّح به مفسرًا في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتَّى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا، وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ثلاث مرات. ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو واحد وقد قهر كل شيء، وحكم بالفناء على كل شيء. ثم يَحْيَى أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثَّالثة نفخة البعث، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: أحياء بعد ما كانوا عظامًا ورفاتًا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ
стр. 5431
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
قال الإمام أحمد (٤٨): حدَّثنا محمَّد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن النُّعمان بن سالم؛ قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عُروة بن مسعود؛ قال: سمعت رجلًا قال لعبد الله بن عمرو: إنك تقول: الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئًا، إنَّما قلت: سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا. ثم قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين -لا أدري أربعين يومًا أو أربعين عامًا أو أربعين شهرًا أو أربعين ليلة- فيبعث الله عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله، ثم يلبث النَّاس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقي أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلَّا قبضته، حتى [لو أن أحدهم كان] [¬١] في كبد جَبَل لدخلت عليه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ ، "ويبقى شرار النَّاس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشَّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دَارَّة أرزاقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلَّا أصغى له [¬٢]، وأول من يسمعه رجل يَلُوط حوضه، فيصعق. ثم لا يبقى أحد إلَّا صُعق. ثم يرسل الله -أو: ينزل الله- مطرًا كأنه الطل -أو: الظل، شك نعمان- فتنبت منه أجساد النَّاس ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ثم يقال: يا أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال: ثم يقال: أخرجوا بَعْثَ النَّار. قال: فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين [¬٣]. فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق".
تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه.
وقال البُخاريّ (٤٩): حدَّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش؛ قال: سمعت أبا صالح؛ قال [¬٤]: سمعت أبا هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قال: "بين
стр. 5432
النفختين أربعون". قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. "ويبلى كلّ شيء من الإنسان إلَّا عَجْبُ ذَنبِه فيه يركب الخلق".
و [¬١] قال أبو يعلى: حدَّثنا يَحْيَى بن معين [¬٢]، حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ؛ قال: "سألت [¬٣] جبريل ﵇ عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: مَن الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء، [] [¬٤] مُقَلَّدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير، مَدُّ خطاها [¬٥] مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنَّة يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا لننظر كيف يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه [¬٦] ".
رجاله كلهم ثقات إلَّا شيخ إسماعيل بن عياش، فإنَّه غير معروف، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق ﵎ للخلائق لفصل القضاء، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال قتادة: كتاب الأعمال، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾، قال ابن عباس: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات [¬٧] الله إليهم ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر، ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ولهذا قال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي: من خير أو شر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ
стр. 5433
لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)
يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النَّار؟ وإنَّما يساقون سوقًا عنيفًا بِزَجْر وتهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون إليها دفعًا. هذا وهم عطاش ظماء، كما قال في الآية [¬١] الأخرى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾، وهم في تلك الحال صُمّ وبكم وعمي، منهم من يمشي على وجهه، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا و [بُكْمًا وَصُمًّا] [¬٢] مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعًا، لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية -الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القُوَى، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل-: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، ﴿يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين [¬٣] على صحة ما دعوكم إليه، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم؟ فيقول الكفار لهم: ﴿بَلَى﴾ أي: قد جاءونا وانذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم، لما سبق إلينا من الشقوة التي كُنَّا نستحقها، حيث عَدَلْنا عن الحق إلى الباطل، كما قال تعالى مخبرًا عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾] [¬٤] أي: بُعدًا لهم وخسارًا.
وقوله ها هنا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: كل من رآهم وعَلِم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب، ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون [¬٥] شاهد عليهم بأنهم مستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا
стр. 5434
خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: فبئس المصير وبئس المقيل [¬١] لكم، بسبب تكبركم في الدُّنيا، وإبائكم عن أتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل.
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)
وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنَّة ﴿زُمَرًا﴾ أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم [¬٢]، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط، حُبسوا على قنطرة بين الجنَّة والنَّار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم [¬٣] في الدُّنيا، حتَّى إذا هُذبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنَّة، وقد ورد في حديث الصور: أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنَّة تشاوروا فيمن يستأذن لهم بالدخول [¬٤]، فيقصدون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدًا -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كما فعلوا في العرصات [¬٥] عند استشفاعهم إلى الله أن يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمَّد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها.
وقد ثبت في صحيح مسلم (٥٠) عن أنس ﵁ قال [¬٦]: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول شفيع في الجنَّة". وفي لفظ لمسلم: "و [¬٧] أنا أول من يقرع باب الجنَّة".
стр. 5435
وقال الإِمام أحمد (٥١): حدَّثنا هاشم، حدَّثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آتي باب الجنَّة يوم القيامة فأستتفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. قال: يقول: بك أمرتُ أن لا أفتح لأحد قبلك".
ورواه مسلم عن عَمرو الناقد وزهير بن حرب، كليهما [¬١] عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان -وهو ابن المغيرة القيسي- عن ثابت، عن أَنس به.
وقال الإِمام أحمد (٥٢): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زُمْرة تلج الجنَّة صُورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا [¬٢] يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم [] [¬٣]، الألُوّة، ورشْحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن. لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا". رواه البخاري عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك.
ورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، كليهما [¬٤] عن معمر بإسناده نحوه. وكذا رواه أَبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ (٥٣).
وقال الحافظ أَبو يعلى (٥٤): حدَّثنا أبو خيثمة، حدَّثنا جَرير، عن عُمَارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أول زُمْرَة يدخلون الجنَّة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدّ كوكب دُرّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتْفلون ولا يمتخطون، أمشاطهُم الذهب ورشحهم المسك،
стр. 5436
ومجامرهم الألوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء".
وأخرجاه (٥٥) أيضًا من حديث جرير.
وقال الزُّهْريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنَّة من أمتي زُمْرَة، هم سبعون ألفًا، تضيء وجوهم إضاءة القمر ليلة البدر". فقام عُكَّاشة بن محْصَن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منه. فقال: "اللهم اجعله منهم". ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال ﷺ : "سبقك بها عُكاشة". أخرجاه.
وقد روى هذا الحدث - في السبعين ألفًا "يدخلون الجنَّة" [¬١] بغير حساب - البخاري ومسلم، عن ابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وابن مسعود، ورفاعة بن عرابة الجهني، وأم قيس بنت محصن.
ولهما (٥٦) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ الله عليه وسلم قال: "ليدخلن الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا -أو: سبعمائة ألف- آخذ بعضهم ببعض، حتَّى يدخل أولهم وآخرهم الجنَّة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٥٧): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد قال [¬٢]: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول [¬٣]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يَدخُلَ الجنَّة من أمتي سبعون [¬٤] ألفًا، مع كل ألف سبعون [¬٥] ألفًا، ولا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حَثَيات من حَثَيات ربي، ".
وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن سليم [¬٦] بن عامر، عن أبي اليمان
стр. 5437
عامر بن عبد الله بن لُحَيّ، [¬١] عن أبي أمامة.
ورواه الطبراني، عن عُتبَة بن عَبْدٍ السُّلَميّ: "ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفًا".
وروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري [¬٢]. وله شواهد من وجوه كثيرة.
وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾: لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره: حتَّى إذا جاءوها، وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكرامًا وتعظيمًا، وتلقتهم الملائكة الخَزَنة بالبشارة والسلام والثناء، لا كما تلقى الزبانيةُ الكفرة بالتثريب [¬٣] والتأنيب، فتقديره: إذا كان هذا، سَعدوا وطابوا، وسُرّوا وفرحوا، بقَدْر كل ما يكون لهم فيه نعيم. وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كلّ مذهب في الرجاء والأمل.
ومن زعم أن "الواو" في قوله: " ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ واو الثمانية واستدل به على أن أَبواب الجنَّة ثمانية، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع. وإنَّما يستفاد كون أَبواب الجنَّة ثمانية من الأحاديث الصحيحة:
قال الإِمام أحمد (٥٨): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أنفق زوجين [من ماله] [¬٤] في سبيل الله، دُعِي من أَبواب الجنَّة، وللجنة أَبواب، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيَّان". فقال أَبو بكر - رضي الله تعالى عنه -: يا رسول الله، ما عَلى أحد من ضرورة دُعي من أيها دُعي فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم". رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه.
وفيهما (٥٩) من حديث أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنَّة ثمانية أَبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلَّا الصائمون".
стр. 5438
وفي صحيح مسلم (٦٠)، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو: فيسبغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلَّا فتحت له أَبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
وقال الحسن بن عرفة (٦١): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسَين، عن شهر بن حوشب، عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الجنَّة: لا إله إلَّا الله".
ذكر سعة أَبواب الجنَّة
نسأل الله العظيم من فضله أن يجعلنا من أهلها.
في الصحيحين (٦٢) من حديث أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل: "فيقول الله: يا محمد، أدْخلُ مَن لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأَبواب الأُخَر. والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة - ما بين عضادتي الباب - لكما [¬١] بين مكة وهجر - أو: هجر و [¬٢] مكة". وفي رواية: "مكة وبصرى".
وفي صحيح مسلم (٦٣)، عن عُتْبَة بن غَزْوَانَ أنَّه خَطَبهم خطبة [¬٣] فقال فيها: ولقد ذكر لنا أن: [ما بين] [¬٤] مصراعين من مصاريع الجنة، مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وَهُو كظيظ من الزحام".
وفي المسند (٦٤) عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ ، مثله.
стр. 5439
وقال عبد بن حميد: حدَّثنا الحسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن ما بين مصراعين في الجنَّة مسيرة أربعين سنة".
وقوله: ﴿وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ﴾ أي: طابت أعمالكم وأقوالكم، وطاب سعيكم فطاب جزاؤكم، كما أمر رسول الله ﷺ أن يُنادى بين المسلمين في بعض الغزوات: "إن الجنَّة لا يدخلها إلَّا نفس مسلمة". وفي رواية "مؤمنة".
وقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولا.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنَّة ذلك الثواب الرافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم، والملك الكبير، يقولون عند ذلك: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام، كما دعَوا في الدنيا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [¬١]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.
وقولهم: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، قال أَبو العالية، وأبو صالح، وقَتَادة، والسدي، وابن زيد: أي أرض الجنَّة.
وهذه الآية كقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. ولهذا قالوا: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ﴾ أي: أين شئنا حللنا، فنعم الأجر أجرُنا على عملنا!
وفي الصحيحين (٦٥) من حديث الزُّهْريّ، عن أَنس في قصة المعراج، قال النبي ﷺ : "أدخلت الجنَّة فإذا فيها جَنَابذُ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك".
وقال عبد بن حميد (٦٦): حدَّثنا روح بن عبادة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنَّة؟ فقال: دَرْمَكَةٌ بيضاءُ مِسْكٌ خَالِص. فقال رسول الله ﷺ : "صدق".
стр. 5440
وكذا رواه مسلم (٦٧) من حديث أبي مسلمة [¬١] عن أبي نضرة عن أبي سعيد به.
ورواه مسلم (٦٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن ابن صائد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنَّة، فقال: "دَرْمَكة بيضاء مسك خالص".
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو غسان مالك بن إسماعيل، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ قال: سيقوا حتَّى انتهوا إلى باب من أَبواب الجنَّة، فوجدوا [¬٢] عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تُغَير أبشارهم بعدها أبدًا، ولم تُشْعَث أشعارهم أبدًا بعدها، كأنما دُهنوا بالدُّهان. ثم عَمَدوا إلى الأخرى كأنما أمرُوا بها، فشربوا منها، فأذهبت ما كان ففي بطونهم من أذى [¬٣] أو قذى. وتلقتهم الملائكة على أَبواب [¬٤] الجنَّة: ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. ويلقى كل غلمان صاحبهم يُطيفون به، فعْلَ الولدان بالحميم جاء من الغيبة: أبْشِرْ، قد أعبد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعبد الله لك من الكرامة كذا وكذا. قال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول: هذا فلان -باسمه في الدنيا- فيقلن: أنت رأيتَه؟ فيقول: نعم. فيستخفهن الفَرَح حتَّى تخرج إلى أُسْكُفَّة الباب. قال: فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة، وأكواب موضوعة، وزرابي مبثوثة. قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ، بين أحمر وأخضر وأصفر، ومن كل لون. ثم يرفع [طرفه إلى سقفه] [¬٥]، فلولا أن الله قَدّره [¬٦] له، لألَمّ أن يذهب يبصره، إنه لمثل البرق. ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم يتكئ على أريكة من أرائكه، ثم يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ … ﴾ الآية.
ثم قال: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدَّثنا مسلمة [¬٧] بن جعفر البجلي قال [¬٨]: سمعت أبا معاذ البصري يقول [¬٩] إن عليًّا ﵁ كان ذات يوم
стр. 5441
عند رسول الله ﷺ فقال النبيّ ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنهُم إذا خرجوا من قبورهم يُستقبَلون -أو [¬١]: - يُؤْتَونَ - بنُوق لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مَدَّ البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع [¬٢] من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فيُغْسَل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها [¬٣] أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون -أو: فيأتون- باب الجنَّة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فيسمع [¬٤] لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قَيّمها فيفتح له، فإذا رآه خَرّ له - قال مسلمة [¬٥]: أراه قال: ساجدًا - فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قَيّمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف [¬٦] الحوراءَ العجلةُ، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتَّى تعتنقه، فم تقول: أنت حبي، وأنا حبُّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ، طرائق أصفر وأخضر وأحمر، ليس فيها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حَشْيَة، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، هي مُخّ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تَطّرد، أنهار من ماء غير آسن - قال: صاف، لا كَدَر فيه-، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه - قال: لم يخرج من ضروع الماشية-، وأنهار من خمر لذة للشاربين - قال: لم تعصرها الرجال بأقدامهم-، وأنهار من عسل مصفى - قال: لم يخرج من بطون النحل -. يستجني الثمار، فإن شاء قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء متكئًا - ثم تلا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ فيشتهي الطَّعام فيأتيه طير أبيض - قال: وربما قال: أخضر. قال: - فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها، أيّ الألوان شاء، ثم [يطير فيذهب] [¬٧] فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم، تلكم الجنَّة [] [¬٨] أورثتموها بما كنتم تعملون. ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت في [¬٩] الأرض، لأضاءت الشمس معها سوادًا [¬١٠] في نور".
هذا حديث غريب. وكأنه مرسل، والله أعلم.
стр. 5442
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٧٥)﴾
لما ذكر تعالى حكمه [¬١] في أهل الجنَّة والنار وأنه نزل كلًّا في المحل الذي يليق به ويصلح له، وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول عرشه المجيد، يسبحون بحمد ربهم، ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد [¬٢] فصل القضية، وقضى الأمر، وحكم بالعدل. ولهذا قال: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ﴾ أي: بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ﴾.
ثم قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: ونطق الكون أجمعه - ناطقه وبهيمه - لله رب العالمين، بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل [¬٣] على أن جميع المخلوقات شَهِدَت له بالحمد.
قال قَتَادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، واختتم بالحمد في قوله: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
آخر تفسير سورة الزمر، ولله الحمد.
* * * *
стр. 5443
تفسير سورة المؤمن وهي مكية
قد كره بعض السلف - منهم محمد بن سيرين - أن يقال: "الحواميم"، وإنَّما يقال: "آل حم" (١).
قال عبد الله بن مسعود: "آل حم" ديباج القرآن (٢).
وقال ابن عبَّاس: إن لكل شيء لبابًا، ولُبَاب القرآن: "آل حم"، أو قال: الحواميم (٣).
قال مسعر بن كدام: كان يقال لهن: "العرائس".
روى ذلك كله الإِمام العَلَمُ أَبو عُبَيد القاسم بن سلام ﵀، في كتاب "فضائل القرآن" (٤).
وقال حُمَيد بن زَنْجويه: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلًا، فمر بأثر غيث، فبينما هو يسير فيه ويتعجب، إذ هبط على روضات دمثات؛ فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب. فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات، مثل آل حم في القرآن. أورده البغوي (٥).
وقال ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: إن الجَرَّاح بن أبي الجرَّاح حَدَّثه عن ابن عبَّاس، قال: لكل شيء لباب، ولُباب القرآن الحواميم (٦).
стр. 5444
وقال ابن مسعود: إذا وقعت في "آل حم" فقد [¬١] وقعت في روضات أتأنق فيهن.
وقال أَبو عبيد (٧): حدَّثنا الأشجعي، حدَّثنا مسعر -هو ابن كدَام- عمن حدثه؛ أن رجلًا رأى أبا الدرداء يبنى مسجدًا فقال له: ما هذا؟ فقال: أبنيه من أجل "آل حم".
وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أَبو الدرداء، هو المسجدَ المنسوب إليه داخل قلعة دِمَشق.
وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وُضع له، فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء، كما قال رسول الله ﷺ لأصحابه في بعض الغزوات: "إن بيتم الليلة فقولوا: حم، لا ينصرون" وفي رواية: "لا تنصرون" (٨).
وقال الحافظ أَبو بكر البزار (٩): حدَّثنا أحمد بن الحكم [بن ظبيان] [¬٢] بن خلف المازني، ومحمد بن اللَّيث الهمداني؛ قالا: حدَّثنا موسى بن مسعود، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من قرأ آية الكرسي وأولَ حم المؤمن، عُصِمَ ذلك اليوم من كل سوء". ثم قال: لا نعلمه يُروَى إلَّا بهذا الإِسناد.
ورواه الترمذي عن حديث المليكي، وقال: تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ إِلَيهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾
أما الكلام على [¬٣] الحروف المقطعة فقد تقدم في أول "سورة البقرة" بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقد قيل: إن ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله وأنشدوا في ذلك بيتًا:
стр. 5445
يُذَكِّرُني حَاميمَ والرمحُ [¬١] شَاجرٌ … فهلَّا تلا حاميم قبل التقدم
وقد ورد في [¬٢] الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي (١٠)، من حديث الثَّوري، عن أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صُفْرَة؛ قال [¬٣]: حدثني من سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن بيتم الليلة فقولوا: حم، لا ينصرون". وهذ إسناد صحيح.
واختار أَبو عبيد (١١) أن يُروَى: "فقولوا: حم، لا ينصروا" أي: إن قلتم ذلك لا ينصروا. جعله جزاء لقوله: "فقولوا" [¬٤].
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: تنزيل هذا الكتاب - وهو القرآن - من الله ذي العزة والعلم، فلا يرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجَابه.
وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخَضَع لديه.
وقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن [¬٥] أوامر الله، وبغى. وهذه كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ يقرن هذين الوصفين كثيرًا في مواضع متعددة من القرآن، ليبقى العبد بين الرجاء
стр. 5446
والخوف.
وقوال: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قال ابن عبَّاس: يعني السعة والغنى. وكذا قال مجاهد وقَتَادة.
وقال يزيد بن الأصم: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: الخير الكثير.
وقال عكرمة: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: ذي المن: وقال قتادة: ذي النعم والفواضل.
والمعنى: أنَّه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه [¬١] من المنَن والإنعام، التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ … الآية.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره، ولا رب سواه
﴿إِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: إليه المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ".
وقال أَبو بكر بن عياش (١٢): سمعت أبا إسحاق السبيعي؛ يقول [¬٢]: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني قَتَلْتُ، فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، وقال: اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم -واللفظ له- وابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم (١٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن مروان الرَّقِّي، حدَّثنا عمر -يعني ابن أيوب- أخبرنا جعفر بن بَرْقان، عن يزيد بن الأصم؛ قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد [¬٣] إلى عمر بن الخطاب، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين؟ يتابع في هذا الشراب. قال [¬٤]: "فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلَّا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يُقبِلَ بقلبه، وأن [¬٥] يتوب عليه. فلما بلغ الرجل كتابُ عمر جعل يقرؤه
стр. 5447
ويردده، ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب، [شديد العقاب] [¬١]، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي.
ورواه الحافظ أَبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: فلم يزل يُرَدِّدها على نفسه، ثم بكى، ثم نَزَع فأحسن النَّزع. فلما بلغ عمرَ خبرُه قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زَلَّ زلَّة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله له [¬٢] أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.
وقال ابن أبي حاتم (١٤): حدثنا عمر بن شَبَّة [¬٣]، حدَّثنا حمَّاد بن واقد - أَبو عُمَر الصفّار - حدَّثنا ثابت البناني، قال: كنت مع مصعب بن الزبير في سواد الكوفة، فدخلت حائطًا أصلي ركعتين، فافتتحت: حم المؤمن، حتَّى بلغت: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ إِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾ فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مُقَطَّات يمنية، فقال: إذا قلت: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فقل: "غافر الذنب، اغفر لي ذنبي. وإذا قلتَ [¬٤]: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾، فقل: يا قابل التوب، اقبل توبتي. وإذا قلتَ: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، فقل: يا شديد العقاب، لا تعاقبني. قال: فالتفت فلم أر أحدًا، فخرجت إلى الباب فقلت: مَرَّ بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا: ما رأينا أحدًا. فكانوا [¬٥] يُروَن أنَّه إلياس.
ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه. وليس فيه ذكر إلياس.
﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾
يقول تعالى: ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان ﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه، ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ أي: في
стр. 5448
أموالهم ونعيمها وزهرتها، كما قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
ثم قال تعالى مسليًا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، بأن له أسوة من سلف من الأنبياء، فإنه قد كذبتهم [¬١] أممهم وخالفوهم، وما آمن بهم منهم إلا قليل، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، وهو أول رسول بَعَثه الله ينهى عن عبادة الأوثان، ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من كل أمة، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي: حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: مَاحَلُوا بالشبهة [¬٢] ليردوا الحق الواضح الجلي.
وقد قال أَبو القاسم الطبراني (١٥): حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا عارم أَبو النعمان، حدَّثنا معتمر بن سليمان؛ قال [¬٣]: سمعت أبي يحدث عن حَنَش [¬٤]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ ؛ قال: "من أعان باطلًا ليدحض بباطله حَقًّا، فقد برئت منه ذمة الله، وذمة وسوله".
стр. 5449
وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام، ﴿فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: فكيف بلغك عذابي لهم، ونكالي بهم؟ قد كان شديدًا موجعًا مؤلمًا.
قال قَتَادة: كان والله شديدًا.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: كما حقت كلمةُ العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبك [¬١] فلا وثوق له بتصديق غيرك.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾
يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من [¬٢] الكروبيين، بأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإِثبات صفات المدح، ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: خاشعون له أذلاء بين يديه، وأنهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله سبحانه ملائكته المقربين أن يَدْعُوا للمؤمنين بظهر الغيب، [ولما كان هذا من سجايا الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - كانوا يُؤمِّنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب] [¬٣]، كما ثبت في
стр. 5450
صحيح مسلم: "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملَك: أمين، ولك بمثل [¬١] " (١٦).
وقد قال الإِمام أحمد (١٧): حدَّثنا عبد الله بن محمد -هو ابن أبي شيبة - حدَّثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس؛ أن رسول الله ﷺ صدق أمية في شيء من شعره فقال:
رَجُلٌ [¬٢] وَثَورٌ تَحْتَ رِجْل يَمينه … وَالنَّسْرُ [¬٣] للأُخْرَى، وَلَيثٌ مُرْصَدُ
فقال رسول الله ﷺ : "صدق"، فقال:
وَالشمسُ تَطلعُ كلّ آخر لَيلَةٍ … حَمراءَ يُصبحُ لَونُها يَتَوَرَّدُ [¬٤]
تأبى فما تطلع لنا في رسلها … إلَّا معذبة وإلا تجلد
فقال النبي ﷺ : "صدق". وهذا إسناد جيد. وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان هم القيامة [كانوا ثمانية] [¬٥]، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
وهنا سؤال، وهو أن يقال: ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أَبو داود (١٨):
стр. 5451
حدَّثنا محمد بن الصباح البزاز، حدَّثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عبد الله بن عَميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال: "ما تسمون هذه؟ " قالوا: السحاب. قال: "والمزن" قالوا: والمزن. قال: "والعَنَان". قالوا: والعنان -قال أَبو داود: ولم أتقن العنان جيدًا- قال: "هل تدرون بُعد ما بين السماء والأرض؟ ". قالوا: لا ندري. قال: "بُعد ما بينهما إما واحدة، أو اثنتان [¬١] أو ثلاث [¬٢] وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك - حتَّى عَدَّ سبع سماوات - ثم فوق السماء السابعة بحر، بين [¬٣] أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء". ثم فوق ذلك ثمانية
стр. 5452
أوْعَال، بين أظلافهن ورُكَبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك"؟ ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من حديث سماك بن حرب، به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب.
وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية، كما قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة يقولون: "سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك". وأربعة يقولون: ["سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك".
ولهذا] [¬١] يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: إن رحمتك تَسَع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به، من فعل الخيرات وترك المنكرات، ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع الأليم. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: اجمع [¬٢] بينهم وبينهم، لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ أي: ساوينا بين الكل في المنزلة، لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتَّى يساوي الداني، بل رفعنا الناقص في العمل، [فساويناه بكثير العمل] [¬٣]، تفصلًا منا [¬٤] ومنة.
قال سعيد بن جبير (١٩): إن المؤمن إذا دخل الجنَّة سأل عن أبيه وابنه وأخيه، وأين هم؟
стр. 5453
فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل. فيقول: إني إنما عملت لي ولهم. فَيُلحَقُونَ به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
قال مُطرّف بن عبد الله بن الشِّخير (٢٠): أنصَحُ عبادِ الله للمؤمنين الملائكةُ، ثم تلا هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾. وأغشُّ عباد الله للمؤمنين الشياطينُ.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: الذي لا يمانع ولا يغالب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك، من شرعك وقَدَرك.
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: فعلها أو وَبَالها ممن وقعت منه، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: لطفت به ونجَّيته من العقوبة، ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إلا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار: إنهم يُنَادَرن يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله ما لا قِبَلَ لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة، التي كانت سببَ دخولهم إلى النار: فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارًا عاليًا، نادوهم نداء بأن [¬١] مقت الله لهم في الدنيا - حين كان يُعرَض عليهم [¬٢] الإِيمان، فيكفرون - أشدُّ من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة.
стр. 5454
قال قَتَادة في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يقول: لمقتُ اللَّه أهلَ الضلالة حين عُرض عليهم الإِيمان في الدنيا، فتركوه وأَبوَا أن يقبلوه، أكبرُ مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة.
وهكذا قال الحسن البصري، ومجاهد، والسدي، وذر بن عبد [¬١] الله الهَمْداني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن [¬٢] جرير الطبري، ﵏.
وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ قال الثَّوري (٢١): عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾. وكذا قال ابن عبَّاس، والضحاك، وقتادة، وأَبو مالك. وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.
وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة.
وقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم [ثم أحياهم] [¬٣] يوم القيامة.
وهذان القولان - من السدي، وابن زيد - ضعيفان، لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات. والصحيح قول ابن مسعود، وابن عبَّاس ومن تابعهما. والمقصود من هذا كله: أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله في عرَصات القيامة، كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، فلا يجابون. ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها، ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنَّكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة، فلا يجابون، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فإذا دخلوا النار وذاقوا مَسها وحسيسها ومقامعها وأغلالها، كان سُؤالهم للرجعة أشد وأعظمَ، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ
стр. 5455
نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مُقدمة، وهي قولهم: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ أي: قدرتك عظيمة، فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتًا، ثم أمتنا ثم أحييتنا، فأنت قادر على ما تشاء، وقد [¬١] اعترفنا بذنوبنا، وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: فهل أنت مجيبنا [إلى أن تعيدنا] [¬٢] إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك، لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون. فأجيبوا: أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا. ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تَجْحَده وتنفيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي: أنتم هكذا تكونون، وإن رددتم إلى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أي: هو الحاكم في خلقه، العادل الذي لا يجور، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم [¬٣] من يشاء، ويعذب من يشاء، لا إله إلَّا هو.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العُلوي والسفلي في الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس، من اختلاف ألوانه وطعومه، وروائحه وأشكاله وألوانه، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إلا مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: من [¬٤] هو بصير منيب إلى الله عَزَّ رجل.
وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.
قال الإِمام أحمد (٢٢): حدَّثنا عبد الله بن نمير، حدَّثنا هشام - يعني: ابن عروة بن
стр. 5456
الزبير - عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: "لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلَّا بالله، لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلَّا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون". قال: وكان رسولُ الله ﷺ يُهلِّل [¬١] بهن دبر كل صلاة.
ورواه مسلم وأَبو داود والنَّسائي، من طرق، عن هشام بن عروة، وحجاج بن أبي عثمان، وموسى بن عقبة، ثلاثتهم عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر الصلاة: "لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له". وذكر تمامه.
وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير: أن رسول الله ﷺ كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: "لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلَّا بالله، لا إله إلَّا الله ولا نعبد إلَّا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
وقال ابن أبي حاتم (٢٣): حدَّثنا الربيع حدَّثنا الخصيب بن ناصح، حدَّثنا صالح -يعني المزي- عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاة من قلب غافل لاهٍ".
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ
стр. 5457
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾
يقول تعالى عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها، كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، وسيأتي بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة، في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله. وقد ذكر غير واحد: أن العرش من يقوتة حمراء، اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة. وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقد تقدم في حديث "الأوعال" (٢٤) ما يدل على ارتفاعه عن [¬١] السماوات السبع بشيء عظيم.
وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، كقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.
وكقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ولهذا قال: ﴿لِيُنْذِرَ [¬٢] يَوْمَ التَّلَاقِ﴾، قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: يوم التلاق: اسم من أسماء يوم القيامة، حذر منه عباده.
وقال ابن جريج: قال ابن عبَّاس: يلتقى فيه آدم وآخر ولده.
وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد.
وقال قتادة، والسدي، وبلال بن سعد، وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض.
وقال قتادة أيضًا: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق.
وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم.
وقد يقال: إن يوم القيامة هو يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر. كما قاله آخرون.
وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أي: ظاهرون بادون كلهم، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا
стр. 5458
يسترهم؛ ولهذا قال: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ﴾ أي: الجميع في علمه على السواء.
وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قد تقدم في حديث [¬١] ابن عمر (٢٥): " أنَّه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " وفي حديث الصور (٢٦): " أنه تعالى إذا قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبق سواه، وحده لا شريك له، حينئذ يقول: لمن الملك اليوم؟ - ثلاث مرات - ثم يجيب نفسه قائلا: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه.
[وقد قال] [¬٢] ابن أبي حاتم (٢٧): حدَّثنا محمد بن غالب الدقاق، حدَّثنا عبيد بن عبيدة، حدَّثنا معتمر، عن أبيه، حدَّثنا أبو نضرة، عن ابن عبَّاس قال: ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس، أتتكم الساعة. فيسمعها الأحياء والأموات، قال: وينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول [¬٣]: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه، أنَّه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة واحدة، ولهذا قال: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. كما ثبت في صحيح مسلم (٢٨)، عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه أنَّه قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" إلى أن قال: "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم [ثم أوفيكم إياها] [¬٤] فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنّ إلَّا نفسه".
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: يحاسب الخلائق كلهم، كما يحاسب نفسًا واحدة، كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.
стр. 5459
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾
يوم الآزفة: هو اسم من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ قال قَتَادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها. وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد.
ومعنى ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي -: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾.
وقال ابن جريج: ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي: باكين.
وقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع فيشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذو الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنَّه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي [¬١] عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر.
قال ابن عبَّاس في قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: وهو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غضّ بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غضّ، وقد اطلع الله من قلبه
стр. 5460
أنَّه ود لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم (٢٩).
قال الضحاك: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: هو الغمز وقول الرجل: رأيت ولم ير، أو لم أر وقد رأى.
وقال ابن عبَّاس: يعلم تعالى من العين في نظرها، هل تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد وقَتَادة.
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟
وقال السدي: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: يحكم بالعدل.
وقال الأعمَش (٣٠): عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾: قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وهذا الذي فسره ابن عبَّاس في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.
وقوله ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان والأنداد، ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيءٍ﴾ أي: لا يملكون شيئًا ولا يحكمون بشيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي: سميع لأقوال خلقه، بصير بهم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ
стр. 5461
مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)
يقول تعالى: أو لم يَسِرْ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي [¬١]: من الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حلّ بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أثروا في الأرض من البنايات [¬٢] والمعالم والديارات، ما لا يقدر عليه هؤلاء، كما قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ وقال: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي: ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، أخذهم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق] [¬٣].
ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلكهم ودمَّر عليهم وللكافرين أمثالها، ﴿إِنَّهُ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: ذو [¬٤] قوة عظيمة وبطش شديد، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: عقابه أليم شديد وجيع. أعاذنا الله منه.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيدُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَال فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَال مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾
يقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشرًا له بأن
стр. 5462
العاقبة النصرة له في الدنيا والآخرة، كما جرى لموسى بن عمران، فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات؛ ولهذا قال: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، والسلطان هو: الحجة والبرهان ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هو: ملك القبط بالديار المصرية، ﴿وَهَامَانَ﴾ وهو: وزيره في مملكته، ﴿وَقَارُونَ﴾ وكان أكثر الناس في زمانه مالًا وتجارة ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أي: كذبوه وجعلوه ساحرًا مجنونًا مموهًا كذابًا في أن الله أرسله، وهذه كقوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله تعالى أرسله إليهم، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾. وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول: فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإِذلال [¬١] هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين. وأما الأمر الثاني: فللعلة الثانية، لإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى ﵇؛ ولهذا قالوا: (﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَال عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ قال قَتَادة: هذا أمر بعد أمر.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيدُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينُصَروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال.
﴿وَقَال فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: و [¬٢] هذا عَزْمٌ من فرعون - لعنه الله - على قتل موسى ﵇، أي: قال لقومه: دعونى حتَّى [¬٣] أقتل لكم هذا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي: لا أبالي منه. وهذا في غاية الجحد والتجهرم والعناد.
وقوله قبحه [¬٤] الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ يعني: موسى، يخشى فرعون أن يُضِلَّ موسى الناسَ ويغير رسومهم وعاداتهم. وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مُذكِّرًا! [يعني: واعظًا] [¬٥]، يشفق على الناس من موسى ﵇.
وقرأ الأكثرون: ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. وقرأ آخرون: (أو أن يُظْهِرَ في الأرض الفسادَ) وقرأ بعضهم: "يَظْهرَ في الأرض الفسادُ"، بالضم.
وقال موسى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: لما
стр. 5463
بلغه قولُ - فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، [قال موسى] [¬١]: استجرتُ بالله وعُذْتُ به من شره وشر أمثاله؛ ولهذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أيها المخاطَبون، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: عن الحق، مجرم، ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: "اللهم، إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم" (٣١).
﴿وَقَال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَال فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾
المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيًّا من آل فرعون.
قال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال: إنه الذي نجا مع موسى. واختاره ابن جرير (٣٢)، وَرَدَّ قول من ذهب إلى أنَّه كان إسرائيليًّا؛ لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه، وكفَّ عن قتل موسى ﵇ ولو كان إسرائيليًّا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم.
وقال ابن جريج: عن ابن عبَّاس: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٣٣).
وقد كان هذا الرجلُ يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون:
стр. 5464
﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، فأخذت الرجلَ غضبةٌ لله : "وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" كما ثبت بذلك الحديث (٣٤) ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، اللَّهم إلَّا ما رواه البخاري في صحيحه (٣٥) حيث قال:
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن ايراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء مما صنعه المشركون برسول الله ﷺ . قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط، فأخذ بمَنْكب رسول الله ﷺ ولَوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبه [¬١] ودَفَع عن النبي ﷺ ، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي. قال: وتابعه محمد بن إسحاق، عن يحيى [¬٢]. عن عروة، عن أبيه به.
وقال ابن أبي حاتم (٣٦): حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عَبْدة، عن هشام -يعني ابن عروة-، عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه سئل: ما أشد ما رأيت قريشًا بلغوا من
стр. 5465
رسول الله ﷺ ؟ قال: مر بهم ذات يوم فقالوا له [¬١]: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: "أنا ذاك". فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيتُ أبا بكر محتضنه من ورائه، وهم يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان، وهو يقول: يا قوم، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ حتى فرغ من الآية كلها.
وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة، فجعله من مسند عمرو بن العاص، ﵁.
وقوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: كيف تقتلون رجلًا لكونه يقول: ﴿ربي الله﴾، وقد أقام لكم البرهان على صدق ماجاءكم به من الحق؟ ثم تنَزّل معهم في المخاطبة فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه، فلا تؤذوه، فإن يك كاذبًا فإن الله سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يك صادقًا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالقتموه بعذاب في الدنيا والأخرى، فمنَ الجائز عندكم أن يكون صادقًا، فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه.
وهكذا أخبر الله عن موسى ﵇ أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. وهكذا قال رسول الله ﷺ لقريش [¬٢] أن يتركوه يدعو إلى الله عبادَ الله، ولا يمسوه بسوء، وأن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: إلا أن لا تُؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس. وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحًا مبينًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أي [¬٣]: لو كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبًا كما تزعمون، لكان أمره بيِّنًا، يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدًا ومنهجه مستقيمًا، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله.
ثم قال المؤمن محذرًا قومه زوال نعمة الله عنهم [¬٤]، وحلول نقم [¬٥] الله بهم: ﴿يَاقَوْمِ