← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) يقول تعالى: أو لم يَسِرْ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي [¬١]: من الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حلّ بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أثروا في الأرض من البنايات [¬٢] والمعالم والديارات، ما لا يقدر عليه هؤلاء، كما قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ وقال: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي: ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، أخذهم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق] [¬٣]. ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلكهم ودمَّر عليهم وللكافرين أمثالها، ﴿إِنَّهُ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: ذو [¬٤] قوة عظيمة وبطش شديد، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: عقابه أليم شديد وجيع. أعاذنا الله منه. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيدُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَال فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَال مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾ يقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشرًا له بأن

стр. 5462

العاقبة النصرة له في الدنيا والآخرة، كما جرى لموسى بن عمران، فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات؛ ولهذا قال: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، والسلطان هو: الحجة والبرهان ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هو: ملك القبط بالديار المصرية، ﴿وَهَامَانَ﴾ وهو: وزيره في مملكته، ﴿وَقَارُونَ﴾ وكان أكثر الناس في زمانه مالًا وتجارة ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أي: كذبوه وجعلوه ساحرًا مجنونًا مموهًا كذابًا في أن الله أرسله، وهذه كقوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله تعالى أرسله إليهم، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾. وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول: فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإِذلال [¬١] هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين. وأما الأمر الثاني: فللعلة الثانية، لإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى ﵇؛ ولهذا قالوا: (﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَال عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ قال قَتَادة: هذا أمر بعد أمر. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيدُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينُصَروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال. ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: و [¬٢] هذا عَزْمٌ من فرعون - لعنه الله - على قتل موسى ﵇، أي: قال لقومه: دعونى حتَّى [¬٣] أقتل لكم هذا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي: لا أبالي منه. وهذا في غاية الجحد والتجهرم والعناد. وقوله قبحه [¬٤] الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ يعني: موسى، يخشى فرعون أن يُضِلَّ موسى الناسَ ويغير رسومهم وعاداتهم. وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مُذكِّرًا! [يعني: واعظًا] [¬٥]، يشفق على الناس من موسى ﵇. وقرأ الأكثرون: ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. وقرأ آخرون: (أو أن يُظْهِرَ في الأرض الفسادَ) وقرأ بعضهم: "يَظْهرَ في الأرض الفسادُ"، بالضم. وقال موسى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: لما

стр. 5463

بلغه قولُ - فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، [قال موسى] [¬١]: استجرتُ بالله وعُذْتُ به من شره وشر أمثاله؛ ولهذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أيها المخاطَبون، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: عن الحق، مجرم، ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: "اللهم، إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم" (٣١). ﴿وَقَال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَال فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيًّا من آل فرعون. قال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال: إنه الذي نجا مع موسى. واختاره ابن جرير (٣٢)، وَرَدَّ قول من ذهب إلى أنَّه كان إسرائيليًّا؛ لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه، وكفَّ عن قتل موسى ﵇ ولو كان إسرائيليًّا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم. وقال ابن جريج: عن ابن عبَّاس: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٣٣). وقد كان هذا الرجلُ يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون:

стр. 5464

﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، فأخذت الرجلَ غضبةٌ لله : "وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر" كما ثبت بذلك الحديث (٣٤) ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، اللَّهم إلَّا ما رواه البخاري في صحيحه (٣٥) حيث قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن ايراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء مما صنعه المشركون برسول الله ﷺ . قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط، فأخذ بمَنْكب رسول الله ﷺ ولَوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبه [¬١] ودَفَع عن النبي ﷺ ، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي. قال: وتابعه محمد بن إسحاق، عن يحيى [¬٢]. عن عروة، عن أبيه به. وقال ابن أبي حاتم (٣٦): حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عَبْدة، عن هشام -يعني ابن عروة-، عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه سئل: ما أشد ما رأيت قريشًا بلغوا من

стр. 5465

رسول الله ﷺ ؟ قال: مر بهم ذات يوم فقالوا له [¬١]: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: "أنا ذاك". فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيتُ أبا بكر محتضنه من ورائه، وهم يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان، وهو يقول: يا قوم، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ حتى فرغ من الآية كلها. وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة، فجعله من مسند عمرو بن العاص، ﵁. وقوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: كيف تقتلون رجلًا لكونه يقول: ﴿ربي الله﴾، وقد أقام لكم البرهان على صدق ماجاءكم به من الحق؟ ثم تنَزّل معهم في المخاطبة فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه، فلا تؤذوه، فإن يك كاذبًا فإن الله سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يك صادقًا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالقتموه بعذاب في الدنيا والأخرى، فمنَ الجائز عندكم أن يكون صادقًا، فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وهكذا أخبر الله عن موسى ﵇ أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. وهكذا قال رسول الله ﷺ لقريش [¬٢] أن يتركوه يدعو إلى الله عبادَ الله، ولا يمسوه بسوء، وأن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: إلا أن لا تُؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس. وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحًا مبينًا. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أي [¬٣]: لو كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبًا كما تزعمون، لكان أمره بيِّنًا، يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدًا ومنهجه مستقيمًا، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله. ثم قال المؤمن محذرًا قومه زوال نعمة الله عنهم [¬٤]، وحلول نقم [¬٥] الله بهم: ﴿يَاقَوْمِ

стр. 5466

لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله، وتصديق رسوله ﷺ ، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ أي [¬١]: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئًا من بأس الله إن أرادنا بسوء. ﴿قَال فِرْعَوْنُ﴾ لقومه، رادًّا على ما أشار له هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان [¬٢] أحق بالملك من فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى﴾ أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلَّا ما أراه لنفسي. وقد كذب فرعون، فإنه كان يتحقق صدق موسى فيما جاءه [¬٣] به من الرسالة ﴿قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾. وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. فقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى﴾: كذب فيه [¬٤] وافترى، وخان الله ورسوله ورعيته، فغشهم وما نصحهم. وكذا قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: وما أدعوكم إلَّا إلى طريق الحق والصدق والرشد. وقد كذب أيضًا ذلك، وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ وفي الحديث (٣٧): " ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرِح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسائة عام".

стр. 5467

﴿وَقَال الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ هذا إخبار من الله عن هذا الرجل الصالح، مؤمن [¬١] آل فرعون؛ أنه حذر قومه بأس الله في الدنيا والآخرة فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر، كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حَلَّ بهم بأس الله، وما رَدَّه عنهم رادّ، ولا صده عنهم صاد. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: إنما أهلكهم الله بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره، فأنفذ فيهم قَدَره، ثم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾، يعني: يوم القيامة. وسُمي بذلك؛ قال بعضهم: لما جاء في حديث الصور (٣٨): إن الأرض

стр. 5468

إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك، ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضًا. وقال آخرون - منهم الضحاك -: بل ذلك إذا جيء بجهنم، ذهب الناس هِرَابا، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ وقد روي عن ابن عباس والحسن والضحاك: أنهم قرءوا: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتشديد الدال من ندَّ البعير إذا شرد وذهب. وقيل: لأن الميزانَ عنده مَلَك، و [¬١] إذا وُزنَ عَمَلُ العبد فرجحَ نادى بأعلى صوته: ألا قد سَعِد فلانُ بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا. وإن خَفّ عَمَلُهُ نادى: ألا قد شقي فلانُ بن فلان. وقال قتادة: ينادى كل قوم بأعمالهم؛ ينادى أهلُ الجنة أهلَ الجنة، وأهلُ (*) النار أهلَ النار. وقيل: سُمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهلَ النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾. ومناداة أهل النار أهلَ الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ولمناداة أصحاب الأعراف أهلَ الجنة وأهلَ النار كما هو مذكور في سورة الأعراف. واختار البغوي وغيره: أنه سمى بذلك لمجموع ذلك. وهو قول حسن جيد، والله أعلم. وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي: ذاهبين هاربين، ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. ولهذا قال ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: ما لكم من مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من أضله الله فلا هادي له غيره. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: أهل مصر قد بعث اللَّه فيهم رسولًا من قبل موسى، وهو يوسف ﵇ كان عزيز أهل مصر، وكان رسولًا يدعو إلى الله أمته القبط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [أي: يئستم فقلتم طامعين: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾] [¬٢] وذلك لكفرهم وتكذيبهم، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾، أي: كحالكم [¬٣]، هذا يكون حال من يضله الله لإِسرافه في أفعاله وارتياب قلبه. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: الذين يدفعون الحق

стр. 5469

بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله، فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: والمؤمنون أيضًا يُبغضُون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفًا، ولا ينكر منكرًا، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: على اتباع الحق ﴿جَبَّارٍ﴾. وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة - وحكى عن الشعبي - أنه قال: لا يكون الإنسان جبارًا حتى يقتل نفسين. وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق. ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن فرعون وعتوه وتمرده، وافترائه في تكذيبه موسى ﵇: أنه أمر وزيره هامان أن بيني له ﴿صَرْحًا﴾، وهو: القصر العالي المنيف الشاهق. وكان اتخاذه من الآجرّ المضروب من الطين المشوي، كما قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون البناء بالآجر، وأن يجعلوه في قبورهم. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾، قال سعيد بن جبير، وأبو صالح: أبواب السماوات. وقيل: طرق السماوات، ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وهذا من كفره وتمرده، أنه كذب موسى في أن الله أرسله إليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئًا يتوصل به إلى تكذيب موسى ﵇ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَيدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي تَبَابٍ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد: يعني: إلَّا في خسار. ﴿وَقَال الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، ونسي الجبار الأعلى، فقال لهم:

стр. 5470

﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، لا [¬١]، كما كذب فرعون في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. ثم زهدهم في الدنيا التي آثروها على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أي: قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل [¬٢]، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [أي: الدار] [¬٣] التي لا زوال لها، ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا﴾ أي: واحدة مثلها، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا [¬٤] يتقدر بجزاء، بل [¬٥] يثيبه الله ثوابًا كثيرًا لا انقضاء له ولا نفاد. ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيهِ لَيسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ يقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسوله الذي بعثه، ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي على: جهل بلا دليل ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيهِ﴾، يقول: حقًّا.

стр. 5471

قال السدي وابن جرير: يعني قوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا [¬١]. وقال: الضحاك: ﴿لَا جَرَمَ﴾: لا كذب. وقال علي بن أبي طلحة (٣٩)، عن ابن عباس: ﴿لَا جَرَمَ﴾، يقول: بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ﴿لَيسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾. قال مجاهد: الوثن ليس بشيء. وقال قتادة: يعني الوثن لا ينفع ولا يضر. وقال السدي: لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ وقوله: - ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: في الدار الآخرة، فيجازي كلًّا بعمله، ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو بصير بهم، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإِضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ. وقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في [¬٢] الدنيا فنجاه الله مع موسى ﵇ وأما في الآخرة فبالجنة. ﴿فَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو: الغرَق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم. [فإن أرواحهم] [¬٣] تعرض على النار صباحًا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يومُ القيامة اجتمعت أرواحُهم وأجسادهم [¬٤] في النار؛ ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي: أشدَّه ألمًا وأعظمه نكالًا. وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. ولكن هاهنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإِمام أحمد (٤٠):

стр. 5472

حدثنا هاشم -هو ابن القاسم أبو النضر-، حدثنا إسحاق بن سعيد -هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص- حدثنا سعيد -يعني أباه عن عائشة: أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر. قالت: فدخل رسول الله ﷺ على فقلت: يا رسول الله؛ هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال: "لا، وعمَّ ذلك؟ " قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئًا من المعروف إلا قالت" وقاك الله عذاب القبر. قال: "كذبت يهودية، وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة". ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصفَ النهار مشتملًا بثوبه، محمرَّة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: " [أيها الناس أظلتكم الفتن] كقطع الليل المظلم، أيها الناس، لو تعلمون ما أعلم بكيتم كثيرًا وضحكتم قليلًا؛ أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن [¬١] عذاب القبر حق". وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. وروى أحمد ومسلم (٤١) حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - قال [¬٢]: سألتها امرأة يهودية فأعطتها، فقالت لها [¬٣]: أعاذك الله من عذاب القبر! فأنكرت [¬٤] عائشة ذلك، فلما رأت رسول الله ﷺ قالت له، فقال: "لا". [قالت عائشة] [¬٥]: ثم قال لنا رسول الله ﷺ بعد ذلك: "وإنه أُوحيَّ إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم". وهذا أيضًا على شرطهما فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ؟ والجواب أن الآية دلت على عرض الأرواح على النار غدوًّا وعشيًّا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصًّا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال: إن هذه الآية إنما دلَّتْ على عذاب الكفار في البرزخ، ولا [¬٦] يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب. ومما يدل على هذا ما رواه الإِمام أحمد (٤٢):

стр. 5473

حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول: أشعرت [¬١] أنكم تُفتنُون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله ﷺ وقال: "إنما يُفتنُ يهود". قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ : "أشعرث أنه أوحيَ إليَّ أنكم تفتنون في القبور؟ " وقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر. وهكذا رواه مسلم، عن هارون بن سعيد وحرملة، كليهما [¬٢] عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، به. وقد يقال: إن هذه الآية دلَّتْ على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه، والله أعلم. وقد روى البخاري (٤٣) من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ﵂؛ أن يهودية دخلت عليها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر! فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟ فقال: "نعم، عذابُ القبر حقّ". قالت عائشة: فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ بعدُ صلَّى صلاة إلا تَعَوَّذ من عذاب القبر. فهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه. وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدًّا. وقال قتادة في قوله: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: صباحًا ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم: كما آل فرعون؛ هذه منازلكم، توبيخًا ونقمة وصَغَارًا لهم.

стр. 5474

وقال ابن زيد: هم فيها اليوم يُغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة. وقال ابن أبي حاتم (٤٤): حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثَرْوان، عن هُزَيل، عن عبد الله -هو ابن مسعود ﵁ قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خُضْر، تَسرَح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيت شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش؛ وإن أرواح آل فوعون في أجواف طير سُود، تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها. وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن [الهزيل] بن شرحبيل (٤٥) من كلامه في أرواح آل فرعون، وكذلك قال السدي. وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ ؛ قال فيه: "ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجالٍ، كلُّ [¬١]، رجل منهم بطنُه مثلُ البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدوًّا وعشيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وآل فرعون كالإِبل المسومة [¬٢] يخبطون [¬٣] الحجارة والشجر ولا يعقدون [¬٤] ". وقال ابن أبي حاتم (٤٦): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي، حدثنا عتبة -يعني ابن يقظان [¬٥]- عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ؛ قال: "ما أحسن [من محسن] [¬٦]

стр. 5475

مسلم أو كافر إلا أثابه الله". قال: قلنا: كما رسول الله؛ ما إثابة الكافر؟ فقال: "إن كان قد وصل رَحمًا أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولدَ والصحة وأشباه ذلك". قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال: "عذابًا دون العذاب"، وقرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. رواه البزار في مسنده عن زيد بن أخزم ثم قال: لا نعلم له إسنادًا غير هذا. وقال ابن جرير (٤٧): حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاوي البلخي؛ قال: سمعتُ الأوزاعيّ وسأله وجل فقال: رحمك الله، وأرينا طيورًا تخرج من البحر، تأخذ ناحية الغرب، بيضًا، فوجًا فوجًا، لا يعلم عددها إلا الله فإذا كان العشي وجع مثلها سودًا؟ قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم. قال: إن تلك [¬١] الطير في حواصلها أرواح آل فرعون، تُعرض على النار غدوًّا وعشيًّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشُها وصارت سودًا، فينبت عليها من الليل ريش أبيض، وتتناثر السود، ثم تغدو على النار غدوًّا وعشيًّا، ثم ترجع إلى وكورها. فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، قال: وكانوا يقولون: إنهم ستمائة ألف مقاتل. وقال [¬٢] الإمام أحمد (٤٨): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال:

стр. 5476

قال رسول الله ﷺ : "إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار؛ فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة". أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به. ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَينَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَال الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم -وفرعونُ وقومه من جملتهم- فيقول الضعفاء -وهم: الأتباع- للذَّين استكبروا -وهم: القادة والسادة والكبراء-: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: قسطًا تتحملونه [¬١] عنا. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي: لا نتحمل عنكم شيئًا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: يَقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: ﴿قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون﴾. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: لما علموا أن الله سبحانه لا يستجيب منهم، ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ سألوا الخزنة -وهم كالبوَّابين لأهل النار - أن يدعُوا لهم الله في أن يخفف عن الكافرين ولو يومًا واحدًا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادّين عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: أو ما قامت عليكم الحججُ في الدنيا على ألسنة الرسل؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم، ولا نسمع منكم، ولا نود

стр. 5477

خلافكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه [¬١] سواء دعوتم أو لم تدعوا، لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: إلا في ذهاب، لا يتقبل ولا يستجاب. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ قد أورد أبو جعفر بن جرير -رحمه الله تعالى- عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سؤالًا فقال: قد عُلِم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد [¬٢] قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرًا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ [ثم أجاب] [¬٣] عن ذلك بجوابين أحدهما: أن يكون الخبر خرج عامًّا، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة. الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فُعِل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح ﵇، من اليهود، فسلط الله عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وأظهرهم الله عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم إمامًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام؛ وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه، أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري (٤٩) عن أبي هريرة -

стр. 5478

﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب". وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرِب". ولهذا أهلك تعالى قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم وأضرابهم، ممن كذب الرسل وخالف الحق؛ وأنجى الله من لكنهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدًا، وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدًا [¬١]. قال السدى: لم يبعث الله رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا، قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها [¬٢]. وَهكذا نصر الله نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه على من [خالفه وناوأه] [¬٣]، وكذبه وعاداه، فجعل [¬٤] كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان؛ وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذَّلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد؛ ثم منّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا؛ ثم قبضه الله تعالى إليه، لما له عنده من الكزامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دينَ الله، ودعوا عباد الله إلى الله. وفتحوا البلاد والرّساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجلّ. قال مجاهد: الأشهاد الملائكة. وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بدَل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. وقرأ آخرون: (يومُ) بالرفع، كأنه فسره به (يومَ يقوم الأشهادُ: يومُ لا ينفع الظالمين)، وهم المشركون ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: لا يقبل منهم عذر ولا فدية، ﴿ولهم اللعنة﴾ أي: الإبعاد والطرد من الرحمة، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهي النار. قاله السدي، بئس المنزل

стр. 5479

والمقيل. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أي: سوء العاقبة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾، وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أي: جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلادَ فرعونَ وأمواله وحواصله وأرضه، مما صبروا على طاعة الله واتباع رسوله موسى - علمه السلام- وفي الكتاب الذي أورثوه -وهو التوراة- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهي: العقول الصحيحة السليمة. وقوله: ﴿فاصبر﴾ أي: يا محمد، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد. وهذا الذي أخبرناك به حق [¬١] لا مرية فيه ولا شك. وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، هذا تهييج للأمة على الاستغفار، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أي: في أواخر النهار وأوائل الليل، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، وهي أوائل النهار وأواخر الليل. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به [¬٢]، وليس ما يرومونه من [¬٣] إخمال الحق لاعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: من حال مثل هؤلاء، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أو: من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان. هذا تفسير ابن جرير. وقال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، قال أبو العالية: وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم، وأنهم يملكون به الأرض. فقال الله لنبيه ﷺ آمرًا له أن يستعيذ من فتنة الدجال؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله أعلم. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ

стр. 5480

لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ يقول تعالى منبهًا على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه، يسير لديه بأنه خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناسِ بدأةَ وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأوْلى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ] [¬١] بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا [¬٢] يتأملونها، كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله خلق السماوات والأرض، وينكرون المعاد، استبعادًا وكفرًا وعنادًا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا. ثم قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، والبصير الذي يرى ما انتهي إليه بصره، بل بينهما فرق عظّم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار، ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس! ثم قال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي: لكائنة وواقعة، ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بها، بل يكذبون بوجودها. قال ابن أبي حاتم (٥٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ قديم من أهل اليمن -قدم من ثَمَّ- قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس، واشتد حر الشمس. ﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ هذا من فضله ﵎ وكرمه؛ أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما

стр. 5481

كان سفيان الثوري يقول: يا مَنْ أحبُّ عباده إليه مَنْ سأله كبر سؤاله، ويا مَنْ أبغض عباده إليه مَن لم يسأله، وليس كذلك غيرك يارب. رواه ابن أبي حاتم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: الله يغْضبُ أنْ تركْتَ سُؤَالهُ … وَبُنيُّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغْضبُ! وقال قتادة: قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثًا لم تُعطهُنّ [¬١] أمة قبلهم إلا نبي: كان إذا أرسل الله نبيًّا قيل له: أنت شاهد على أمتك، وجعلتكم شهداء على الناس. وكان يقال له: ليس عليك في الدين من حرج. وقال لهذه الأمة: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وكان يقال له: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادعوني استجب لكم﴾. رواه ابن أبي حاتم. وقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده (٥١)، حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح المُري [¬٢]؛ قال: سمعت الحسن يحدّث عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ ، فيما يروي عن ربه قال: "أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي؛ فأما التي لي فتعبددي لا تشرك بي شيئًا وأما التي لك عليّ فما عملتَ من خير جزيتُك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإِجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارضَ لهم ما ترضى لنفسك". وقال الإمام أحمد (٥٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذَرّ، عن يُسيع الكنْدي، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.

стр. 5482

وهكذا رواه أصحاب السنن: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن جرير، كلهم من حديث الأعمش به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وابنُ جرير أيضًا، من حديث شعبة، عن منصور، عن ذرّ به. وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث الثوري عن منصور والأعمش كليهما [¬١] عن ذّر به. ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الإمام أحمد (٥٣): حدثنا وكيع، حدثنا أبو مليح [¬٢] المدني -شيخ من أهل المدينة- سمعه عن أبي صالح، وقال مرة: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع الله غضب الله [¬٣] عليه". تفرد به أحمد (*)، وهذا إسناد لا بأس به. وقال الإمام أحمد أيضًا (٥٤): حدثنا مَروان الفزَاري، حدثنا صُبيح أبو المليح، سمعتُ أبا صالح يحدث عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لا يسأله يغضب عليه". قال ابن معين: أبو المليح هذا اسمه: صُبيح. كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد؛ وأما أبو صالح هذا فهو [¬٤] الخُوزي، سكن شعب الخُوز. قاله البزار في مسنده. وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي، عن أبي صالح الخُوزي، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لا يسأل الله يغضب عليه".

стр. 5483

وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (٥٥): حدثنا همام، حدثنا إبراهيم بن الحسن، حدثنا نائل بن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد؛ قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لربكم في بقية دهركم نفحات، فتعرضوا له، لعل دعوة أن تُوافق رحمة فيسعد بها [¬١] صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدًا". وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي وتوحيدي، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين حقيرين [¬٢]، كما قال الا مام أحمد (٥٦): حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عَجلان، حدثني عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ؛ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ، في صُوَر

стр. 5484

الناس، يعلوهم كلّ شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الحبال: عصاوة أهل النار". وقال ابن أبي حاتم (٥٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خُنيس، سمعت أبي يحدث عن وُهيب بن الورد، حدثني رجل؛ قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، فسمعت هاتفًا من فوق رأس جبل وهو يقول: يارب؛ عجبتُ لمن عرفك كيف يرجو أحدًا غيرك! يارب؛ عجبت لمن عرفك كيف يطلبُ حوائجه إلي أحد غيرك؛ قال: ثم ذهبت، ثم جاءت الطامةُ الكبرى، قال: ثم عاد الثانية فقال: يارب؛ عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك برضى [¬١] غيركَ. قال وَهيب: وهذه الطامة الكبرى. قال: فناديتُه: أجنيّ أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي، اشغلْ نفسك بما يَعْنيك عما لا يَعْنيك. ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٦٥)﴾ يقول تعالى ممتنًّا علي خلقه، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه، ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار ﴿مُبْصِرًا﴾، أي: مضيئًا، ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم.

стр. 5485

ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد، خالق الأشياء، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون غيرَه من الأصنام، التي لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة منحوتة. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حُجج الله وآياته. وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: جعلها مستقرًّا لكم، بساطًا مهادًا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تَميد بكم، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي: سقفًا للعالم محفوظا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من المآكل والمشارب في الدنيا. فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق، فهو الخالق الرازق، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقال هاهنا بعد خلق هذه الأشياء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم. ثم قال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: هو الحي أزلًا وأبدًا، لم يزل ولا يزال [¬١]، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. قال ابن جرير (٥٨): كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين [عملًا] [¬٢] بهذه الآية. ثم روى (٥٩) عن محمد [¬٣] بن علي بن الحسن [¬٤] بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من قال: "لا إله إلا الله"، فليقل

стр. 5486

علي [¬١]، أثرها: "الحمد لله رب العالمين"، [فذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [¬٢]. وقال أبو أسامة وغيره (٦٠)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قرأت: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فقل: "لا إله إلا الله" وقل على أثرها: "الحمد لله رب العالمين"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله ينهى أن يُعْبَد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان. وقد بين تعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها، وحده لا شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك كله، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلي هذا العالم، بل تُسقطُه أمّه سقْطا، ومنهم من يتوفى صغيرًا وشابًّا، وكهلًا قبل الشيخوخة، كقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وقال هاهنا، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، قال ابن جريج: تتذكرون البعث.

стр. 5487

ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المتفرد بذلك، لا يقدر على ذلك أحد سواه، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: لا يخالف ولا يمانع، بل ما شاء كان. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾ يقول تعالى: ألا تعجَبُ يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون في الحق بالباطل، كيف تُصرَفُ عقولهم عن الهدى إلى الضلال، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أي: من الهدى والبيان، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: [هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد] [¬١]، من الرب ﷻ لهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. وقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ أي: متصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم؛ ولهذا قال: ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. وقال بعد ذكره [¬٢] أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ إلي أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ

стр. 5488

صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك علي وجه التقريع والتوبيخ، والتحقير والتصغير، والتهكم والاستهزاء بهم. قال ابن أبي حاتم (٦١): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا منصور بن عمار، حدثنا بَشير بن طلحة الخزامي [¬١]، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن مُنْيَةَ -رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: "ينشئ الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة، ويقال: يا أهل النار، أي شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون: نسأل بَرْدَ الشراب. فتمطرهم أغلالًا تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلهب النار عليهم". هذا حديث غريب. وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: قيل لهم: أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل ينصرونكم اليوم؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعونا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا﴾ أي: جحدوا عبادتهم، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ وقوله [¬٢]: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أي: تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاءٌ على فَرَحكم في الدنيا بغير الحق، ومَرَحكم وأشركم وبطركم، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: فبئس المنزلُ والمَقِيلُ الذي فيه الهوانُ والعذاب الشديد، لمن استكبر عن آيات الله، واتباع دلائله وحُجَجه! ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَينَا

стр. 5489

يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله صلوات الله وسلامه عليه بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، فإن الله سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك، وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: في الدنيا. وكذلك وقع، فإن الله أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم، أيبدوا في يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في أيام حياته، ﷺ . وقوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ أي: فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة. ثم قال مسليًا له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ﴾ كما قال في "سورة النساء". سواء، أي: منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ﴾، وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف، كما تقدم التنبيه على ذلك في "سورة النساء" ولله الحمد والمنة. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات، إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيدُلّ ذلك علي صدقه فيما جاءهم به، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، وهو عذابه ونَكَاله المحيط بالمكذبين، ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾، فينجو [¬١] المؤمنون، ويهلك الكافرون، ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾. ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ يقول تعالى ممتنًّا علي عباده، بما خلق لهم من الأنعام، وهي: الإِبل والبقر والغنم، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، فالإِبل تركب وتُؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال في

стр. 5490

الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة. والبقر تؤكل، ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض. والغنم تؤكل، ويشرب لبنها. والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها، فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة، كما فصَّل وبيَّن في أماكن تقدم ذكرها في "سورة الأنعام" و "سورة النحل" وغير ذلك، ولهذا قال هاهنا: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾، أي: لا تقدرون [¬١] على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا. ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حلّ بهم من العذاب الشديد، مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئًا، ولا رَدّ عنهم ذَرّةً من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل. وقال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منه، لن نبعث ولن نعذب. وقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله ما لا قِبَل لهم به ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه. ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي: وحدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تُقَال العثرات، ولا تنفع المعذرة. وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ

стр. 5491

بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، أي، فلم يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه عليه حين قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وهاهنا قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي: هذا حكم الله في جميع مَن تاب عند معاينة العذاب: أنه لا يقبل. ولهذا جاء في الحديث: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ" (٦٢)، أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملَكَ، فلا توبة حينئذ؛ ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾. آخر تفسير سورة المؤمن [¬١]، ولله الحمد والمنة. * * *

стр. 5492

[تفسير حم السجدة وهي مكية] [¬١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ يقول تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، وقوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي: بُيّنت معانيه وأحكمت أحكامه، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: في حال كونه لفظًا عربيًّا، بيِّنًا واضحًا، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقوله؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يعرف هذا البيانَ والوضوحَ العلماءُ الراسخون، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أكثر قريش، فهم لا يفهمون منه شيئًا مع بيانه ووضوحه، ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أي: في غلف مغطاة ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْر﴾ أي: صمم عما جئتنا به، ﴿وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ﴾، فلا يصل إلينا [¬٢] شيء مما تقول [¬٣]، ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ أي: اعمل أنت على طريقتك، ونحن علي طريقتنا لا نتابعك. قال الإمام العَلَم عبد بن حُمَيد في مسنده (١): حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الذَّيَّال بن حَرْمَلَة الأسدي، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: اجتمعت [¬٤] قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا

стр. 5493

الرجل الذي قد فَرّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وعاب ديننا، فَلْيكلمه وَلْننظُرْ ماذا يَرُدّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عُتْبَة بن ربيعة. فقالها: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ ، قال [¬١]: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكَلَّم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سَخْلةً (*) قطٌّ أشأم على قومك (**) منك، فَرَّقت جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وعِبْتَ ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا! والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحُبْلي أن يقوم بعضنا إلي بعض بالسيوف، حتى نتفانى! أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أيّ نساء قريش فَلْنُزوجك عشرًا. فقال رسول الله ﷺ : "فرغت؟ ". قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. فقال عتبة: حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: "لا". فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ قال: لا، والذي نصبها بَنيَّةً (* * *) ما فهمتُ شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك! يكلمك [¬٢] الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟! قال: لا، والله ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة (٢). وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله سواء. وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل، عن الأجلح -وهو ابن عبد الله الكنْدي، وقد ضُعّف بعض الشيء- عن الذّيَّال بن حرملة، عن جابر، فذكر الحديث إلى

стр. 5494

قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً [مِثْلَ صَاعِقَةِ] [¬١] عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرَّحِم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلي قريش واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صَبَا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه. فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة، ماحَبَسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب عتبة، وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته وقَصَصتُ عليه القصة [¬٢] فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يَكُفَّ، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب. وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى، والله أعلم. وقد أورد هذه القصة الإِمام محمد بن إسحاق بن يَسَار في كتاب "السيرة" (٤) على خلاف هذا النمط [¬٣]، فقال: حدثني يزيد [¬٤] بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: حُدّثتُ أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدًا- قال يومًا، هو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلِّمَه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيَّها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم [¬٥] حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من [السِّطَة في] [¬٦] العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فَرَّقْتَ به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها. قال: فقال له رسول الله ﷺ : "قل يا أبا الوليد أسمع". قال: يا ابن أخي، إن كنتَ إنما تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا؛ حتى تكون من أكثرنا أموالًا. وإن كنت تريد به شرفًا سَوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك. وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا. وإن كان هذا [¬٧] الذي يأتيك رَئيًّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غَلَب التابعُ على الرجل حتى يُداوي منه -أو كما قال له-

стр. 5495

حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: "أَفرَغْتَ يا أبا الوليد؟ ". قال: نعم، قال: "فاستمع مني". قال: أفعل. قال: "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ ". ثم مضي رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه. فلما سمع عتبةُ أنصتَ لها [¬١]، وألقي يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه، ثم انتهي رسول الله ﷺ إلي السجدة منها [¬٢]، فسجد، ثم قال: "قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك". فقام عتبة إلي أصحابه، فقال بعضهم لبعض: أقسم -يحلف بالله- لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا الكهانة [¬٣]. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها قط [¬٤]، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونَنّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر علي العرب فمُلكُه مُلككم، وعِزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأبي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (٥). وهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾ يقول تعالى: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء [¬٥] المكذبين المشركين: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، لا كما تعبدونه من الأصنام والأرباب والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد، ﴿فاستقيموا إليه﴾ أي [¬٦]: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم له على ألسنة الرسل ﴿واستغفروه﴾ أي: لسالف الذنوب، ﴿وويل للمشركين﴾ أي: دَمَارٌ لهم وهلاك

стр. 5496

عليهم، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وكذا قال عكرمة. وهذا كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾. وكقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ وقوله: ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾. والمراد بالزكاة هاهنا: طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك. وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تُطَهّره من الحرام، وتكون سَببًا لزيادته وبركته وكثرة نفعه، وتوفيقًا إلي استعماله في الطاعات. وقال السدي: ﴿وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: الذين لا يدينون بالزكاة. وقال معاوية بن قرة [¬١]: ليس هم من أهل [¬٢] الزكاة. وقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم. وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير. وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلي المدينة، علي ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية، اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الزكاة والصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، فأما الزكاة ذات النُّصُب والمقادير فإنما بين أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله الصلوات الخمس، وفَضّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئًا فشيئًا، والله أعلم. ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، قال مجاهد وغيره: لا مقطوع ولا مجبوب. كقوله: ﴿ماكثين فيه أبدًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾. وقال السدي: ﴿غير ممنون﴾ عليهم. وقد رد عليه بعض الأئمة هذا التفسير، فإن المنة لله علي أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ وقال رسول الله ﷺ : "إلا أن يَتَغَمَّدني الله برحمة منه وفضل" (٦).

стр. 5497

﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقدَّر لكل شيء، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أي: نظراء وأمثالًا تعبدونها معه، ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم. وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ففصّل هاهنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولًا لأنها كالأساس، والأصل أن يُبْدَأ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية. فأما قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ ففي هذه الآية أن دَحْيَ الأرض كان بعد خلق السماء فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه، فإنه قال: وقال المنهال: عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجدُ في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فقد كتموا في هذه الآية؟ وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾، إلي قوله: ﴿دَحَاهَا﴾، فذكر خَلْقَ

стр. 5498

السماء قبل الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾، إلي قوله: ﴿طائعين﴾، فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء؟ وقال: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾، ﴿عزيزًا حكيمًا﴾، ﴿سميعًا بصيرًا﴾، فكأنه كان ثُمّ مضي. قال -يعني ابن عباس-: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور، ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم [¬١] في النفخة الأخرى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾، ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾، فإن الله يغفر لأهل الإِخلاص ذنوبهم [¬٢]، فقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم علي أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يعرف أن الله لا يُكتَمُ حديثًا، وعنده ﴿يود الذين كفروا﴾ الآية. وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دَحَى الأرض، ودَحْيُها: أن أخرج منها الماء والمرعي، وخلق الجبال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله ﴿دحاها [¬٣]﴾، وقوله: ﴿خلق الأرض في يومين﴾ فَخُلِقَتِ الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلِقَت [¬٤] السموات في يومين ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾: سمي نفسه بذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك، فإن الله لم يُرِد شيئًا إلا أصاب به الذي أراده، فلا يختلفَنّ عليك القرآن، فإن كلًّا من عند الله ، قال البخاري (٧): حدثنيه يوسف بن عَدي، حدثنا عُبَيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال -هو ابن عمرو- بالحديث. فقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾، يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين، ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ وهو: ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزدرع [¬٥] وتغرس، يعني يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه. وقال مجاهد وعكرمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: جعل في كل أرض ما [¬٦] لا يصلح في غيرها، ومنه، العصب باليمن، والسابوري [¬٧] بسابور، والطيالسة بالري. وقال ابن عباس، وقتادة، والسدي في قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك.

стр. 5499

وقال ابن زيد: معناه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: علي وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله قَدّر له ما هو محتاج إليه. وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾، والله أعلم. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وهو بخار الماء المتصاعد منه [¬١] خلقت السماء [¬٢] ﴿فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: استجيبا لأمري وانفعلا لفعلي [طائعتين أو مكرهتين] [¬٣]. قال الثوري: عن ابن جُرَيج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، قال: قال الله تعالى للسماوات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك. فقالتا: ﴿أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ واختاره ابن جرير ﵀. ﴿قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ أي: بل نستجيب لك ميعين بما فينا، مما تريد خلقه من الملائكة والإِنس والجن جميعًا مطيعين لك. حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية. قال: وقيل: تنزيلًا لهن معاملة من يعقل بكلامهما [¬٤]. وقيل: إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة، ومن السماء ما يسامته منها، والله أعلم. و [¬٥] قال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذابًا يجدان ألمه. رواه إلي أبي حاتم. ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ أي: ففرغ من تسويتهن سبع سماوات في يومين، أي: آخرين، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي: ورتب مقررًا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وهنّ الكواكب النيرة [¬٦] المشرقة على أهل الأرض، ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حرسًا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: العزيز الذي قد عَزّ كل شيء فغلبه وقهره، العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم.

стр. 5500

قال ابن جرير (٨): حدثنا هَنّاد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد [¬١]- البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس- قال هَنَّاد: قرأت سائر الحديث- أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: "خلق الله الأرض يوم [¬٢] الأحد ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة، ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾: لمن سأل. قال: "وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلي ثلاث ساعات بقيت منه، [فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الأجال، حين يموت من مات] [¬٣]، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في أخر ساعة". ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: "ثم استوى علي العرش". قالوا: قد أصبت لو أتممت! قالوا: ثم استراح. فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (٩). هذا الحديث فيه غرابة. فأما حديث ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخَلْق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى [¬٤] الليل". فقد [¬٥]، رواه مسلم والنسائي في كتابيهما، من حديث ابن جريج، به. وهو من
следующие страницы →