← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

الله لله، لا يؤتمن عليهن إلا الله. قال أبو القاسم ﷺ : "كما أنه لا يُجتنى [¬١] من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار" (٢). هذا حديث غريب [¬٢]. من هذا الوجه. وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" (٣) أنهم وجدوا حجرًا بمكة في أسِّ الكعبة مكتوبًا عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب. وقد روى الطبراني (٤) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي الضحى، عن مَسروُق: أن تميمًا الداريّ قام ليلة حتى أصبح يرُدّد هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، وقال] [¬٣]: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ثم قال: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه. وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين. وعن مالك -فيما روي عنه من التفسير-: لا يهوى شيئًا إلا عَبَدَهُ. وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، يحتمل قولين: أحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر [¬٤]: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس. ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ أي: فلا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئًا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ

стр. 5637

الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: ما ثَمّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثَمَّ معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البدَاءة والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدهرية الدّورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، أي: يتوهمون ويتخيلون. فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح، وأبو داود، والنسائي، من رواية سفيان بن عُيَينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره" (٥). وفي رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" (٦). وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدًّا فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا، يميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا [¬١] مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾. قال [¬٢]: "ويسبون الدهر، فقال الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (٧). وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن سُريج بن النعمان، عن ابن عيينة، مثله. ثم روى عن يونس، عن ابن وهب [] [¬٣] عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يسبّ ابن آدم الدهر

стр. 5638

وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار". وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد [¬١] به (٨). وقال محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " [يقول الله] [¬٢]: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي يقول: وادهراه وأنا الدهر" (٩). قال الشافعي وأبو عبيد [¬٣] وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﵊: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر": كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر. فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله، فكأنهم إنما سبوا الله لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نُهِيَ عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال. هذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم. وقد غَلِطَ ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذًا من هذا الحديث! وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: إذا استُدِلّ عليهم وبُيّن لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها، ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقًّا. قال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: كما تشاهدون ذلك، يخرجكم [¬٤] من العدم إلى الوجود، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولَى والأخرَى. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: إنما يجمعكم ليوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا: ﴿ائتوا بآبائنا [إن كنتم صادقين] [¬٥]﴾، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾. ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. وقال هاهنا: ﴿ثم [¬٦] يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا ينكرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ

стр. 5639

﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ أي: يرون وقوعه بعيدًا والمؤمنون يرون ذلك سهلًا قريبًا. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، الحاكم فيهما في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ [¬١] يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾، وهم الكافرون بالله الجاحدون ما أنزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات. وقال ابن أبي حاتم: قَدِمَ سفيان الثوري المدينة، فسمع المَعَافريّ يتكلم ببعض ما ضحك به الناس. فقال له: يا شيخ، أما علمتَ أن لله يومًا يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تعرف في المعافري [¬٢] حتى لحق بالله . ذكره ابن أبي حاتم. ثم قال: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي: على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل، ويقول: نفسي، نفسي، نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى إن عيسى ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني. قال مجاهد، وكعب الأحبار، والحسن البصري: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي: على الركب. وقال عكرمة: جاثية متميزة على ناحيتها، وليس على الركب. والأول أولى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عبد الله بن باباه: أن رسول الله قال: "كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم" (١٠). وقال إسماعيل بن رافع المديني عن محمد بن كعب عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا في حديث الصور [¬٣]: فيتميز الناس، وتجثو الأمم" (١١)، وهي التي يقول الله: ﴿وَتَرَى كُلَّ

стр. 5640

أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾. وهذا فيه جمع بين القولين، ولا منافاة، والله أعلم. وقوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾، يعني كتاب أعمالها. كقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾؛ ولهذا قال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ ثم قال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص، كقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾. وقوله: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ أي: إنا كنا نأمر الحفَظة أن تكتب أعمالكم عليكم. قال ابن عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيديهم مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما [قد] [¬١] كتَبه الله في القِدَم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفًا ولا ينقص حرفًا. ثم قرأ: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ يخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 5641

الصالحات﴾ أي: آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحات، وهي الخالصة الموافقة للشرع. ﴿فيدخلهم ربهم في رحمته﴾، وهي الجنة. كما ثبت في الصحيح [أن الله] [¬١] قال للجنة: "أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء" (١٢). ﴿ذلك هو الفوز المبين﴾ أي: البين الواضح. ثم قال: ﴿وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا: أما قُرئت عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عند سماعها؟ ﴿وكنتم قومًا مجرمين﴾ أي: في أفعالكم، مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟. ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيبَ فِيهَا﴾ أي: إذا قال لكم المؤمنون ذلك، ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ أي: لا نعرفها، ﴿إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ أي: إن [¬٢] نتوهم وقوعها إلا توهمًا، أي مرجوحًا؛ ولهذا قالوا [¬٣]: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ﴾ أي: بمتحققين، قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: من العذاب والنكال، ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ أي: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم، ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: [فلم تعملوا] [¬٤] له لأنكم لم تصدقوا به، ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: "ألم أزوجك، ألم أكرمك، ألم أسَخِّر لك الخيل والإبل، وأذرك [¬٥] تَرأس وتَربَع؟! فيقول: بلى، يارب. فيقول: أفظنت أنك مُلاقيّ. فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني" (١٣). قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حُجَج الله عليكم سخريًّا، تسخرون وتستهزئون بها، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها، فأصبحتم من الخاسرين؛ ولهذا قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: من النار ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا [¬٦] منهم العُتْبى، بل

стр. 5642

يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنةَ بغير عذاب ولا حساب. ثم لما ذكر حكمه في المؤمنين والكافرين قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ أي: المالك لهما وما فيهما؛ ولهذا قال: ﴿رب العالمين﴾. ثم قال: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال مجاهد: يعني السلطان. أي: هو العظيم المجد، الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه. وقد ورد في الحديث الصحيح: "يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما أسكنته ناري". ورواه [¬١] مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي [¬٢] مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن رسول الله ﷺ بنحوه (١٤). وقوله: ﴿وهو العزيز﴾ أي: الذي لا يُغالبُ ولا يمانَعُ، ﴿الحكيم﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس، لا إله إلا هو. [آخر تفسير سورة الجاثية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة]. * * * انتهى بحمد الله وحسن توفيقه الجزء الثاني عشر ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث عشر وأوله تفسير سورة الأحقاف

стр. 5643

تفسير سورة الأحقاف وهي مكية ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ يخبر تعالى أنه نزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾ أي: لا على وجه العبث والباطل، ﴿وأجل مسمى﴾ أي: وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي: لاهون [¬١] عما يراد بهم، وقد أنزل إليهم كتاب وأرسل إليهم رسول، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غِبَّ (*) ذلك. ثم قال: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: ﴿أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إنِ الملكُ والتصرّفُ كُلّه إلا لله فكيف تعبدون معه غيره، وتشركون به؟ مَن أرشدكم إلى هذا؟ مَن دعاكم إليه؟ أهو

стр. 5644

أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتابًا من كتب الله المنزلة على الأنبياء [¬١]- عليهم الصلاة والسلام - يأمركم بعبادة هذه الأصنام، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو [¬٢] دليل بيّن على هذا المسلك الذي سلكتموه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إذ [¬٣]: لا دليل لكم نقليًّا ولا عقليًّا على ذلك. ولهذا قرأ آخرون: (أو أثرَة من علم) أي: أو علم صحيح [يأثرونه عن] [¬٤] أحد ممن قبلهم، كما قال مجاهد في قوله: ﴿أو أثارة عن علم﴾: أو أحد يأثُر علمًا. وقال العوفي عن ابن عباس: أو بينة من الأمر. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثنا صفوان بن سُلَيم [¬٥]، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس- قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه

стр. 5645

وسلم -: (أو أَثَرَة من علم) قال: "الخط". وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم. وقال الحسن البصري: أو آثارة شيء يستخرجه فيثيره. وقال ابن عباس ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضًا: ﴿أو أثارة عن علم﴾ يعني: الخط. وقال قتادة: ﴿أو أثارة من علم﴾: خاصة من علم. وكل هذه الأقوال متقاربة وهي راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير ﵀ وأكرمه وأحسن مثواه. وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصنامًا، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول [¬١]، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش، لأنها جماد، حجَارة، صُمّ. وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: سيخونونهم [¬٢] أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: إنهم إذا تتلى عليهم آيات الله

стр. 5646

بينات، أي: في حال بيانها ووضوحها وجلائها، يقولون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: سحر واضح، وقد كَذَبوا وافتروا وضَلُّوا وكفروا. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعنون محمدًا ﷺ . قال الله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني - وليس كذلك - لعاقبني أشد العقوبة، ولم يَقْدرْ أحد [من أهل الأرض] [¬١]، لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إلا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ قال: تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾. هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد. وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ترغيب لهم إلى التوبة والإِنابة، أي: ومع هذا كله [¬٢] إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرُّسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا [¬٣] بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ما أنا بأول رسول. ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك. وقوله: ﴿وَمَا [¬٤] أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة: إنها منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بيّن الله ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾. هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح (٢) أن المؤمنين قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله،

стр. 5647

فما لنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وقال الضحاك: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ و [¬١] ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا؟ وقال أبو بكر الهذلي، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال: أما في الآخرة فمعاذ الله قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج [¬٢] كما أخرجت الأنبياء قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أَيُخسف بكم أو تُرمَون كالحجارة. وهذا القول هو الذي عَوَّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يئول إليه أمره وأمر مشركي قريس إلى ماذا؛ أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم [¬٣]؟ فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٣): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء - وهي امرأة من نسائهم - أخبرته - وكانت بايعت رسول الله، ﷺ قالت: طار لهم في السُّكنى - حين اقترعت [¬٤] الأنصار على سكنى المهاجرين - عثمان بن مظعون فاشتكى عثمان عندنا فَمرَّضناه، حتى إذا توفي أدْرَجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت: رحمةُ الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك أن الله أكرمه؟ ". فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي! فقال رسول الله ﷺ : "أما هو [¬٥] فقد [¬٦]، جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما [¬٧] أدري وأنا

стр. 5648

رسول الله ما يفعل بي! ". قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك عمله". فقد انفرد بإخراجه البخاري، دون مسلم وفي لفظ له: "ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به". وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: فأحزنني ذلك. وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمُعيَّن بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم، كالعشرة، وابن سلام، والغُميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء. وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: إنما أتبع ما ينزله الله عليَّ من الوحي، ﴿وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين النَّذارة، وأمري ظاهر لكل ذي لب وعقل. ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد؛ لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله عليَّ لأبلغكموه وقد كَفَرتم به وكذبتموه، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: وقد شهدَتْ بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به.

стр. 5649

وقوله: ﴿فَآمَنَ﴾ أي: هذا الذي شهد [¬١] بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته. ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن اتباعه. وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه، وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سَلَام وغيرَه، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. قال مسروق، والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم، واختاره ابن جرير (٤). وقال مالك، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله، ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: "إنه من أهل الجنة". إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (٥).

стр. 5650

رواه البخاري ومسلم والنسائي، من حديث مالك، به. و [¬١] كذا قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وهلال بن يَسَاف [¬٢]، والسدي، والثوري، ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام. وقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ أي: قالوا عن المؤمنين بالقرآن: لو كان القرآن خيرًا ما سبقنا [¬٣] هؤلاء إليه. يعنون بلالًا وعمارًا وصُهَيبًا [¬٤] وخبابًا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإِماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطًا فاحشًا، وأخطئوا خطأ بينًا، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا﴾ أي: يتعجبون: كيف اهتدى هؤلاء دوننا؟ ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ وأما أهل السنة والجماعة فيقولون [¬٥] في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة، لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها. وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: كذب. ﴿قَدِيمٌ﴾ أي: مأثور عن الأقدمين، فينتقصون [¬٦] القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله ﷺ : "بَطَر الحق، وغَمْص [¬٧] الناس" (٦). ثم قال: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾، وهو التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ﴾، يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي: لما قبله من الكتب ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: فصيحًا بينًا واضحًا، ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: مشتمل على النّذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين.

стр. 5651

وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ تقدم تفسيرها في سور (حم السجدة). وقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلون، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، على ما خلفوا، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسُبُوغها [¬١] عليهم. ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيدَ له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه - عطف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال هاهنا: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ﴾ أي: أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما. وقال [¬٢] أبو داود الطيالسي (٧): حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال [¬٣]: سمعت مُصْعب بن سعد يحدث عن سعد قال: قالت أم سعد لسعد [¬٤]: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين، فلا آكل طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى [¬٥] تكفر بالله. فامتنعتْ من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون [فاها بالعصا] [¬٦]، ونزلت هذه الآية ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ

стр. 5652

بِوَالِدَيهِ حُسْنًا﴾. الآية. ورواه مسلم وأهل السنن إلَّا ابن ماجة من حديث شعبة بإسناده نحوه [¬١] وأطول منه. ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبًا، من وِحَام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي: بمشقة أيضًا من الطلق وشدته، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ﴾. وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع [¬٢] التي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾، [وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾] [¬٣]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوى صحيح. ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃. قال محمد بن إسحاق بن يسار (٨): عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن بَعجَةَ [¬٤] بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جُهَينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟! فوالله ما التبس لي أحد من خلق الله غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أُتيَ بها عثمان أمر برجمها، فبلغ ذلك عليًّا فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدتْ تمامًا لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وقال: ﴿حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾. فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان: والله ما [¬٥] فطنت لهذا، عليّ بالمرأة. فوجدوها قد فُرِغَ منها، قال: فقال بَعْجَةُ: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه [] [¬٦]. فلما رآه أبوه قال: ابني! والله لا أشك فيه. قال: وأبلاه الله بهذه القرحة قرحة الأكلة [¬٧] فما [¬٨] زالت تأكله حتى مات. رواه ابن أبي حاتم،

стр. 5653

وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٩): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المَغْرَاء [¬١]، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر، كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كافاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: قوي وشب وارتجل ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال: إنه لا يتغير غالبًا عما يكون عليه ابن [¬٢] الأربعين. قال أبو بكر بن عياش (١٠): عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال [¬٣]: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بَلَغْتَ الأربعين، فَخُذْ حذرك. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١١): حدثنا عُبَيد [¬٤] الله القواريري، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي - وكان قد بلغ مائة سنة - حدثنا أبو الحسن السلولي عنه وزادني قال: قال [¬٥] محمد بن عمرو بن عثمان، عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: "العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة، خفف الله حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبَّه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشَفَّعه الله في أهل

стр. 5654

بيته، وكتب في السماء: أسير الله في أرضه". وقد روي هذا من غير هذا الوجه، وهو في مسند الإمام أحمد. وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي [¬١] أحد أمراء بني أمية بدمشق: تركت المعاصي والذنوب [] [¬٢] أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركنها حياء من الله . وما أحسن قول الشاعر: صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلَا الشَّيْبُ رَأْسَهُ … فَلَمَّا عَلَاهُ قَال لِلْبَاطِلِ: ابطُلِ ﴿قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ أي: في المستقبل، ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: نسلي وعَقبي، ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين يجدد التوبة والإِنابة إلى الله ويعزم [¬٣] عليها. وقد روى أبو داود في سننه (١٢)، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: "اللهم، ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سُبُل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجَنِّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتممها علينا [إنك أنت التواب الرحيم] [¬٤]. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم] [¬٥] فيغفر لهم الكثير من الزلل، ويتقبل منهم اليسير من العمل، ﴿فِي

стр. 5655

أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وَعَد الله من تاب إليه وأناب، ولهذا قال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قال ابن جرير (١٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ، عن الروح الأمين - عليه [¬١] السلام - قال: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة". قال: فدخلتُ على يزداد [¬٢] فَحُدِّث بمثل هذا الحديث [¬٣] قال: قلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ (*) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ (**) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان، وإسناده مثله. وزاد: عن الروح الأمين. قال: "قال الرب ﷻ : يؤتى بحسنات العبد وسيئاته … " فذكره، وهو حديث غريب، وإسنادٌ جيد لا بأس به. وقال ابن أبي حاتم (١٤): حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد [¬٤]، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي [¬٥]، حدثنا أبو عوانة، عن [أبي بشر] [¬٦] جعفر بن أبي وَحْشية، عن

стр. 5656

يوسف بن [¬١] سعد، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر عليٌّ على أهل البصرة، فقال لي يومًا: لقد شهدتُ أمير المؤمنين علما وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر، فذكروا عثمان فنالوا منه، وكان [علي ﵁] [¬٢] على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم. فسألوه، فقال علي: كان عثمان من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ (*) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ (**) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قال: والله عثمان وأصحاب عثمان - قالها ثلاثًا - قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا من عليّ؟ قال: آلله لسمعت هذا من علي ﵁. ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾ لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارّين بهما ومالهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. وروى، العوفي، عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق. وفي صحة هذا نظر، والله أعلم.

стр. 5657

وقال ابن جريج [¬١]، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر. [وهذا أيضًا] [¬٢] قاله ابن جريج. وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر [وهذا أيضًا قاله] [¬٣] السدي. وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: عقهما. وقال ابن أبي حاتم (١٥): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد [الله بن] [¬٤] المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مَرْوان فقال: "إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًّا حسنًا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعُمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، وما [¬٥] جعلها معاوية [في ولده] [¬٦] إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسولُ الله ﷺ أباك. قال: وسمعتهما عائشة فقالت: يا مروان؛ أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبتَ، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها [¬٧] حتى [¬٨] انصرف. وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر، فقال (١٦): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن مَاهَكَ قال: كان مَرْوانُ على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل [¬٩] يذكر بن يزيدَ بن معاوية لكي [¬١٠] يبايع له

стр. 5658

بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾. فقالت عائشة مِن وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أن الله أنزل عُذْري. (طريق أخرى) قال النسائي (١٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا … ﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان! والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان، ومروانُ في صلبه، فمروان فَضَضٌ [¬١] (*) من لعنة الله. وقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أبعث ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾. أي: يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما: ﴿وَيلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ أي: دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. [وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بعد قوله ﴿وَالَّذِي قَال﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك] [¬٢].

стр. 5659

وقال الحسن، وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه، المكذب بالبعث. وقد روى الحافظ ابن عساكر (١٨) في ترجمة سهل بن داود، من طريق هشام بن عمار: حدثنا حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن [¬١] الزبرقان الحلبي [¬٢]، عن سليمان [¬٣] بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي ﷺ قال: "أربعة لعنهم الله من فوق عرشه، وأمَّنت عليهم الملائكة: مضل المساكين". قال خالد: الذي يهوي بيده إلى المسكين [¬٤] فيقول: هلم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء. "والذي يقول للمكفوف [¬٥]: اتق [¬٦] الدابة [¬٧] وليس بين يديه شيء، والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها. والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا". غريب جدًّا. وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: لكل عذاب بحسب عمله، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها [قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات النار تذهب سفالًا ودرجات الجنة تذهب علوًّا] [¬٨]. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا. وقد تَورّعَ عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب، وتنزه عنها، ويقول: أخاف أن أكون

стр. 5660

كالذين قال الله تعالى لهم وَقرَّعهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾. وقال أبو مِجْلَز: ليتفقَّدَنّ [¬١] أقوامٌ حَسَنات كانت لهم في [¬٢] الدنيا، فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾. وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، فجوزوا من جنس عملهم، فكما نَعَّموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله بعذاب الهون،. وهو الإِهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة [¬٣]، أجارنا الله من ذلك كله [¬٤]! ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَال إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ يقول تعالى مسليًا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ - وهو

стр. 5661

هود ﵇ بعثه الله إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف - جمع حِقْف وهو: الجبل من الرمل - قاله ابن زيد. وقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار. وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأحقاف: واد بحضرموت، يدعى بَرَهوت، تُلقى [¬١] فيه أرواح الكفار. وقال قتادة: ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمن، أهل رمل [] [¬٢]، مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر [¬٣]. قال ابن ماجة (١٩): " باب إذا دعا فليبدأ بنفسه": حدثنا [الحسن بن علي الخلال] [¬٤] حدثنا زيد بن الحباب حدثنا [عن أبي إسحاق] [¬٥] عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يرحمنا الله، وأخا عاد". وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ [¬٦] مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني: وقد أرسل الله إلى مَن حَول بلادهم من القرى مرسلين ومنذرين، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، وكقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا [¬٧] فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾

стр. 5662

أي: قال لهم هود ذلك، فأجابه قومه قائلين: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ أي: لتصدنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادًا منهم وقوعه، كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قَال [¬١] إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فيفعل ذلك بكم، وما أنا فمن شأني أن أبلغكم ما أرسلت به، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعقلون ولا تفهمون. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر [¬٢]، ففرحوا واستبشروا، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هو العذاب الذي قلتم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تخرب. ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ من بلادهم مما [من شأنه الخراب] [¬٣]. ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي: بإذن الله لها في ذلك، كقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي: كالشيء البالي؛ ولهذا قال: ﴿فَأَصْبَحُوا [لَا يُرَى] [¬٤] إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا، وخالف أمرنا. وقد ورد حديث في قصتهم، وهو غريبٌ جدًّا من غرائب [¬٥] الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو [¬٦] المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن [¬٧] الحضرمي إلى رسول الله ﷺ ، فمررت بالرَّبذَة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجةً، فهل أنت مبلِّغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله، وإذا راية

стр. 5663

سوداء تخفق، وإذا بلال مُتقَلِّدُ السيف بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجْهًا. قال: فجلست، فدخل منزله -أو قال: رحله- فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت. [فسلمت، فقال: "هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ " قلت: نعم، وكانت لنا الدَّبَرَة (*) عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلَتْ] [¬١]، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء. فحَمِيت العجوز واستوفزت، وقالت: [يا رسول الله] [¬٢]، فإلى [¬٣] أين يضطرُ [¬٤] مُضَرُك؟ قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول: "معْزَى [¬٥] حَمَلت حَتْفها"، حَمَلْتُ هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عادٍ. قال: "هيه، وما وافد عاد؟ " - وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه - قلت: إن عادًا قُحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قَيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان - يقال لهما: "الجرادتان" - فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهْرة فقال: اللهم؛ انك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويَه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم؛ اسق عادًا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: "اختر"، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنُودي منها: "خذها رمادًا رِمْدَدًا [¬٦]، لا تُبقي من عاد أحدًا". قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا - قال أبو وائل: وصدق - وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: "لا تكن كوافد عاد". و [¬٧] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة كما تقدم في سورة "الأعراف". وقال الإِمام أحمد (٢١): حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو: أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يَسَار [¬٨]، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله

стр. 5664

ﷺ مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لَهوَاته (*)، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيمًا -أو ريحًا- عُرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرِفَت في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة، ما يُؤْمنُني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا". وأخرجاه من حديث ابن وهب. (طريق أخرى) قال أحمد (٢٢): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئًا (**) في أفق من آفاق [¬١] السماء، ترك عمله وإن كان في صلاته، ثم يقول: "اللهم، إني أعوذ بك من شر ما فيه". فإن كشفه الله حمد الله، وإن أمطرت قال: "اللهم، صَيِّبًا (* * *) نافعًا". (طريق أخرى) قال مسلم في صحيحه (٢٣): حدثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب،

стр. 5665

سمعت ابن جريج يُحدِّث عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عَصَفت الريح قال: "اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسِلَت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسِلَتْ به". قالت: وإذا تَخَيَّلت [¬١] (*) السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت [¬٢] سري عنه، فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: "لعله يا عائشة -كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. وقد ذكرنا قصة هلاك عاد في سورتي [¬٣] "الأعراف" و"هود"، بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة. وقال الطبراني (٢٤): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البَدْو [¬٤] إلى الحضر فلما رآها أهل الضر قالوا: هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا. وكان أهل البوادي فيها، فأُلقي أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا. قال: عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب". ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا

стр. 5666

أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨). قول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة [¬١] في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبًا منه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي: فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم، فيصيبَكم مثلُ ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ يعني: أهل مكة، قد أهلك الله [¬٢] الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، و [¬٣] كانوا بالأحقاف لحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانو يمرون بها أيضًا. وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: بيَّناها وَوَضَّحناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ أي: فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم، ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: بل [¬٤] ذهبوا عنهم أحوجَ ما كانوا إليهم، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم، ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ

стр. 5667

بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ قال الإِمام أحمد (٢٥): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو: سمعت عكرمة، عن الزبير: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال سفيان: اللِّبَد: بعضهم على بعض، كاللبد بعضه على بعض. تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنهم سبعة من جن نَصِيبين. وقال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (خ). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة": أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل [] [¬١] القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض

стр. 5668

ومغاربها [وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها] [¬١] يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين [¬٢] توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحاده صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا - والله - الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك حين رَجَعُوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا، ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. وإنما أوحي إليه قول الجن (٢٦). رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ، عن أبي عوانة، به. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير، من حديث أبي عوانة. وقال الإِمام أحمد أيضًا (٢٧): حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًّا وما زادوا باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رُمي بشهاب يُحرِقُ ما أصاب، فَشَكَوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حَدَث، فبثَّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما، من حديث إسرائيل به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضًا بمثل هذا السياق بطوله. وهكذا قال الحسن البصري: إنه ﵇ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله عليه بخبرهم.

стр. 5669

وذكر محمد بن إسحاق (٢٨)، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القُرَظي قصَّةَ خروج رسول الله ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله وإبائهم عليه. فذكر القصة بطولها، واورد ذلك الدعاء الحسن: "اللهم، إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي … " إلى آخره. قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعته [¬١] الجن من أهل نَصيبين. وهذا صحيح، ولكن قوله: "إن الجن كان استماعهم تلك الليلة". فيه نظر، لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإِيحاء، كما دل عليه حديث ابن عباس المذكور، وخروجه ﵇ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره. وقال أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ (٢٩): حدثنا أبو أحمد الزَّبيريّ، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا. قال: صه. وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالًا (*) قومًا بعد قوم، وفوجًا بعد فوج، كما ستأتي [¬٢] بذلك الأخبار في موضعه [¬٣]

стр. 5670

والآثار، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة. فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا (٣٠)، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السَّرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مسعر بن كدام، عن مَعن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقًا: من آذَنَ النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك -يعني ابن مسعود- أنه آذنته [¬١] بهم شجرة - فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدَّمًا على نفي ابن عباس، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة [¬٢]، أي: أعلمته باستماعهم، والله أعلم. قال الحافظ البيهقي (٣١): وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ [¬٣]- إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله صلى الذ عليه وسلم وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله -كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁. [ذكر الرواية عنه بذلك] قال الإِمام أحمد (٣٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود، عن الشعبي - وابن أبي زائدة، أخبرنا داود، عن الشعبي، عن [¬٤] علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صَحِب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد،

стр. 5671

ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل؟ استُطير (*)؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح -أو قال: في السحر- إذا نحن به يجيء من قِبَل حراء، فقلنا: يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال: "إنه أتاني داعي الجن [¬١] فأتيتهم فقرأت عليهم". قال: فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال: وقال الشعبي: سألوه الزاد - قال عابر: سألوه [ليلتئذٍ الزاد] [¬٢]، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه [¬٣] لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال: "فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن". وهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل ابن عُلَية، به نحوه. وقال مسلم أيضًا (٣٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود - و [¬٤] هو ابن أبي هند - عن عامر قال: سألتُ علقمةَ: هل كان ابن مسعود ﵁ شَهِدَ مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألتُ ابنَ مسعود، فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه [¬٥] فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا [¬٦]: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال: فقلنا: يا رسول الله؛ فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: "كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بَعْرَة أو روثة علف لدوابكم". قال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم".

стр. 5672

(طريق أخرى عن ابن مسعود) قال أبو جعفر بن جرير (٣٤): حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أن [¬١] ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بت الليلة أقرأ على الجن رُبعًا [¬٢] بالحَجُون". (طريق أخرى فيها [¬٣] أنه كان معه ليلة الجن، قال ابن جرير (٣٥) ﵀: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي [¬٤] عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سَنَّة الخزاعي، - وكان من أهل الشام -: أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: "من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل". فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي [¬٥] برجله خطأ، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودةٌ (*) كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ [¬٦]

стр. 5673

رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرّز، ثم أتاني فقال: "ما فعل الرهط؟ ". فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثًا زادًا، ثم نهى [¬١] أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه ابن جرير (٣٦) عن [محمد بن] [¬٢] عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به. ورواه البيهقي (٣٧) في "الدلائل" من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن يونس، له. وقد روى إسحاق ابن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر نحو ما تقدم. ورواه الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة [¬٣]، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى، عن ابن مسعود، فذكر نحوه أيضًا. [(طريق أخرى) قال أبو نعيم (٣٨): حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن

стр. 5674

أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان [وعارم] [¬١] قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة، عن عمرو - ولعله قد يكون قال: البكالي - يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استبعثني (*) رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خِطَّةً [¬٢] فقال: "كن بين ظهري هذه لا تخرج منها؛ فإنك إن خرجت منها هلكت" … فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة] [¬٣]. (طريق أخرى) قال ابن جرير (٣٩): وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي محمير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي: أنه قال لابن مسعود: حُدِّثتُ [¬٤] أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ قال: أجل. قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطًّا، وقال: "لا تبرح منها" … فذكر مثل العَجَاجة (**) السوداء غشيت رسولَ الله ﷺ ، فذُعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبًا من الصبح، أتاني النبي ﷺ [فقال: "أنمت؟ " [¬٥] فقلت: لا والله، ولقد هممت مرارًا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: "اجلسوا" فقال: "لو خرجت لم آمن أن يخطفك بعضهم". ثم قال: "هل رأيت شيئًا؟ " فقلت: نعم، رأيت رجالًا سودًا [مستشعرين (* * *) ثيابًا بياضًا] [¬٦]. قال: "أولئك جن نَصيبين، سألوني المتاع - والمتاع: الزاد -[فمتعتهم

стр. 5675

بكل] [¬١] عظم حائل (*)، أو بعْرَة، أو روثة". فقلت: يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ فقَال: "إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمة يوم أكل، ولا روثًا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحدٌ منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة". (طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٤٠): أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قالا: أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: استتبعني [¬٢] رسولُ الله ﷺ فقال: "إن نفرًا من الجن - خمسةَ عشَرَ بني إخوة وبني عم - يأتونني [¬٣] الليلة، فأقرأ عليهم القرآن". فانطلقتُ معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطًّا، وأجلسني فيه، وقال لي: "لا تخرج من هذا". فبتُ فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة [حُمَمة (**) فقال لي: "إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء". قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن] [¬٤] علمي [¬٥] حيث كان رسول الله ﷺ . قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا. (طريق أخرى) قال البيهقي (٤١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري [¬٦]، حدثنا عثمان بن عمر، عن المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود قال: انطقلت مع رسول الله صلى الله
следующие страницы →