← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل؟ استُطير (*)؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح -أو قال: في السحر- إذا نحن به يجيء من قِبَل حراء، فقلنا: يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال: "إنه أتاني داعي الجن [¬١] فأتيتهم فقرأت عليهم". قال: فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال: وقال الشعبي: سألوه الزاد - قال عابر: سألوه [ليلتئذٍ الزاد] [¬٢]، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه [¬٣] لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال: "فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن". وهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل ابن عُلَية، به نحوه. وقال مسلم أيضًا (٣٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود - و [¬٤] هو ابن أبي هند - عن عامر قال: سألتُ علقمةَ: هل كان ابن مسعود ﵁ شَهِدَ مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألتُ ابنَ مسعود، فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه [¬٥] فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا [¬٦]: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال: فقلنا: يا رسول الله؛ فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: "كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بَعْرَة أو روثة علف لدوابكم". قال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم".

стр. 5672

(طريق أخرى عن ابن مسعود) قال أبو جعفر بن جرير (٣٤): حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أن [¬١] ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بت الليلة أقرأ على الجن رُبعًا [¬٢] بالحَجُون". (طريق أخرى فيها [¬٣] أنه كان معه ليلة الجن، قال ابن جرير (٣٥) ﵀: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي [¬٤] عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سَنَّة الخزاعي، - وكان من أهل الشام -: أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: "من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل". فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي [¬٥] برجله خطأ، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودةٌ (*) كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ [¬٦]

стр. 5673

رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرّز، ثم أتاني فقال: "ما فعل الرهط؟ ". فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثًا زادًا، ثم نهى [¬١] أن يستطيب أحد بروث أو عظم. ورواه ابن جرير (٣٦) عن [محمد بن] [¬٢] عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به. ورواه البيهقي (٣٧) في "الدلائل" من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن يونس، له. وقد روى إسحاق ابن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر نحو ما تقدم. ورواه الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة [¬٣]، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى، عن ابن مسعود، فذكر نحوه أيضًا. [(طريق أخرى) قال أبو نعيم (٣٨): حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن

стр. 5674

أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان [وعارم] [¬١] قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة، عن عمرو - ولعله قد يكون قال: البكالي - يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استبعثني (*) رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خِطَّةً [¬٢] فقال: "كن بين ظهري هذه لا تخرج منها؛ فإنك إن خرجت منها هلكت" … فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة] [¬٣]. (طريق أخرى) قال ابن جرير (٣٩): وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي محمير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي: أنه قال لابن مسعود: حُدِّثتُ [¬٤] أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ قال: أجل. قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطًّا، وقال: "لا تبرح منها" … فذكر مثل العَجَاجة (**) السوداء غشيت رسولَ الله ﷺ ، فذُعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبًا من الصبح، أتاني النبي ﷺ [فقال: "أنمت؟ " [¬٥] فقلت: لا والله، ولقد هممت مرارًا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: "اجلسوا" فقال: "لو خرجت لم آمن أن يخطفك بعضهم". ثم قال: "هل رأيت شيئًا؟ " فقلت: نعم، رأيت رجالًا سودًا [مستشعرين (* * *) ثيابًا بياضًا] [¬٦]. قال: "أولئك جن نَصيبين، سألوني المتاع - والمتاع: الزاد -[فمتعتهم

стр. 5675

بكل] [¬١] عظم حائل (*)، أو بعْرَة، أو روثة". فقلت: يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ فقَال: "إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمة يوم أكل، ولا روثًا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحدٌ منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة". (طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٤٠): أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قالا: أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: استتبعني [¬٢] رسولُ الله ﷺ فقال: "إن نفرًا من الجن - خمسةَ عشَرَ بني إخوة وبني عم - يأتونني [¬٣] الليلة، فأقرأ عليهم القرآن". فانطلقتُ معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطًّا، وأجلسني فيه، وقال لي: "لا تخرج من هذا". فبتُ فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة [حُمَمة (**) فقال لي: "إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء". قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن] [¬٤] علمي [¬٥] حيث كان رسول الله ﷺ . قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا. (طريق أخرى) قال البيهقي (٤١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري [¬٦]، حدثنا عثمان بن عمر، عن المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود قال: انطقلت مع رسول الله صلى الله

стр. 5676

عليه وسلم ليلة الجن، حتى أتى الحَجُون. فخط لي خِطًّا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال سيّد لهم، يقال له "وَرْدان": أنا أرَحّلُهم عنك. فقال: إني لن يجيرني من الله أحد. (طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (٤٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد - مولى عمرو بن حريث - عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن قال لي النبي ﷺ : "أمعك ماء؟ ". قلت: ليس معي ماء، ولكن معي إداوة فيها نبيذ. فقال النبي ﷺ : "تمرة طيبة، وماء طهور". فتوضأ [¬١]. ورواه أبو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث أبي [¬٢] زيد به [¬٣]. (طريق أخرى) قال أحمد (٤٣): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لَهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حَنَش [¬٤] الصَّنعاني، عن ابن عباس، عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال رسول الله: "يا عبد الله، أمعك ماء؟ " قال: معي نبيذ في إداوة. فقال: "اصبب عليَّ". فتوضأ، فقال النبي ﷺ : "يا عبد الله، شراب وطهور". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر [¬٥] عن ابن مسعود.

стр. 5677

(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (٤٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي، عن ميناء، عن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس، فقلت: ما شأنك؟ فقال لي [¬١]: "نُعيَت إليَّ نفسي يا بن مسعود". هكذا رأيته في المسند مختصرًا [¬٢]، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه "دلائل النبوة" فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم. وحدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء، عن [¬٣] ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فتنفس، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: "نُعيت إليَّ نفسي يا بن مسعود". قلت: استخلف. قال: "مَن؟ " قلت: [أبا بكر] [¬٤]. فسكت ثم مضى ساعة فتنفس [¬٥]، فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: "نُعِيَت إليَّ نفسي يا بن مسعود". قلت: استخلف. قال: "من؟ " قلت: عمر. فسكت ثم مضى ساعة، ثم تنفس فقلت: ما شأنك؟ قال: "نُعيَتْ إليَّ نفسي". قلت: فاستخلف. قال ﷺ : "من؟ " قلت: علي بن أبي طالب. قال ﷺ : "أما والذي نفسي بيده، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين (*) ".

стр. 5678

وهو حديث غريب جدًّا وأحْرِ به أن لا يكون محفوظًا، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده، فإن في ذلك الوقت في آخر الأمر لما فتحت مكة، ودخل الناس والجان أيضًا [¬١] في دين الله أفواجًا، نزلت سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه كما قد نص على ذلك ابن عباس، ووافقه عمر بن الخطاب عليه. وقد ورد في ذلك حديث سنورده عند تفسيرها، والله أعلم. وقد رواه أبو نعيم أيضًا (٤٥) عن الطبراني [¬٢]، عن محمد بن عبد الله الحضرمي [¬٣]، عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن سعيد [¬٤] الأسلمي، عن حرب بن صبيح، عن سعيد بن مسلمة، عن أبي مُرَّة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن ابن مسعود، فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب، وسياق عجيب. (طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (٤٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ خط حوله، فكان يجيء أحدهم مثل سواد النخل، وقال لي: "لا تبرح مكانك فأقرأهم كتاب الله". فلما رأى الزُّطَّ [¬٥] قال: "كأنهم هؤلاء". وقال النبي ﷺ : "أمعك ماء؟ ". قلت: لا. قال: "أمعك نبيذًا". قلت: نعم. فتوضأ به.

стр. 5679

(طريق أخرى مرسلة) قال ابن أبي حاتم (٤٧): حدثنا أبو [¬١] عبد الله الطهراني، أخبرنا حفص بن عمر العَدَني [¬٢]، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى [¬٣]: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: هم اثنا عشر ألفًا جاءوا من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود: "أنظرني حتى آتيك"، وخط عليه [خِطّةً] [¬٤]، وقال: "لا تبرح حتى آتيك". فلما خشيهم ابنُ مسعود كاد أن يذهب، فذكر قولَ رسول الله ﷺ فلم يرح، فقال له النبي ﷺ : "لو ذهبتَ ما التقينا إلى يوم القيامة". (طريق أخرى مرسلة أيضًا) قال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: ذُكر لنا أنهم صُرفوا إليه [¬٥] من نينوَى، وأن نبي الله ﷺ قال: "إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟ ". فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله؛ إن ذاك لذو ندبة (*) فأتبعه ابن مسعود أخو هذيل، قال: فدخل النبي ﷺ شعبًا يقال له "شعب الحَجُون"، وخط عليه، وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال (**) وأرى [¬٦] أمثال النسور تمشي في رفوفها، وسمعت لغطًا [¬٧] (* * *) شديدًا حتى خفت

стр. 5680

على نبي الله ﷺ ثم تلا القرآن، فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، ما اللغط [¬١] الذي سمعت؟ قال: "اختصموا في قتل، فقضي بينهم بالحق" (٤٨). رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدًا، فتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت. وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس ﵄. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود، وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي. وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى والله أعلم. كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قَلْ أُوْحِيَّ﴾ من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عُمَر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين. وتأوله البيهقي على أنه يقول: "فبتنا بشر ليلة بات بها قوم". على غير ابن مسعود ممن [¬٢] لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بُعْد، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٤٩): أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أخبرنا أبو بكر الإِسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثني سُوَيد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة يَتْبَع رسول الله ﷺ بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يومًا فقال: "من هذا؟ " قال: أنا أبو هريرة. قال: "ائتني بأحجار أستنجي [¬٣] بها، ولا تأتني بعظم ولا رَوْثَة". فأتيته بأحجار في

стр. 5681

ثوبي، فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته، فقلت: يا رسول الله، ما بال العظم والروثة؟ قال: "أتاني وَفدُ جن نصيبين، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة [¬١] إلا وجدوا طعامًا". أخرجه البخاري في صحيحه، عن موسى بن إسماعيل، عن عمرو بن يحيى، بإسناده قريبًا منه. فهذا يدل مع ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك، وسنذكر ما يدل على تكرار ذلك. وقد رُوِيَ عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولًا من وجه جيد فقال ابن جرير (٥٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحمَّاني، حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ … الآية، قال [¬٢] كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رُسُلًا إلى قومهم، فهذا يدل على أنه قد روى القصتين.

стр. 5682

وقال ابن أبي حاتم (٥١): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ … الآية. قال: كانوا سبعة نفر، ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نَصيببن، وكانت أسماؤهم حيي وحسي ومسي، وشاصر، وناصر، والأزد [¬١]، وإبيان، والأحقم. وذكر [أبو حَمْزَة] [¬٢] الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم: بنو الشيصبان، وكانوا أكثر [] [¬٣] الجن عددًا وأشرفهم [¬٤] نسبًا، وهم كانوا عامة جنود إبليس. وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر [¬٥]، عن ابن مسعود. كانوا تسعة، أحدهم ذوبعة [¬٦]، أتوه من أصل نخلة (٥٢). وتقدم عنه أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية: أنهم كانوا على ستين راحلة. وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان. وقيل: كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفًا، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه، ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه (٥٣): حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر -هو ابن محمد- أن سالمًا حدثه، عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط [¬٧]: إني [لأظنه كذا] [¬٨] إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مَرَّ به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ [¬٩] ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم - عَلَيّ بالرجل، فَدُعي له [¬١٠] فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استُقبِلَ به رجل مسلم.

стр. 5683

قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنَهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك [¬١] به جِنِّيَّتُك. قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت: ألم تر الجن وإبلاسها (¬*) … ويأسها من بعد إنكاسها (¬**) ولحوقها بالقلاص وأحلاسها (¬***). قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ كه صارخ، لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه، يقول: يا جَليح، أمرٌ نَجِيح، رجل فصيح يقول: "لا إله إلا الله". فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا؟ ثم نادى: يا جَليِح؛ أمر نَجِيح، رجل فصيح، يقول: "لا إله إلا الله". فقمت، فما نَشِبنا (¬****) أن قيل: هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب، بنحوه، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يُوهم [¬٢] أن عمر بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذُبِح، وكذلك هو صريح و [¬٣] في رواية ضعيفة عن عمر [في إسلامه] [¬٤]، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر كذلك عن رؤيته [¬٥] وسماعه. والله أعلم (٥٤). وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه، وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت [¬٦] هذا مُستقصى في "سيرة عمر" ﵁ فمن أراده فليأخذه من ثَمَّ، ولله الحمد. قال البيهقي (٥٥): حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا: هو [¬٧] الكاهن الذي لم

стр. 5684

يذكر اسمه في الحديث الصحيح. أخبرنا أبو القاسم الحسن بن [محمد بن] [¬١] حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا أبو جعفر [¬٢] أحمد بن موسى الحمَّار الكوفي بالكوفة [¬٣]، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه أبو كر القصري، حدثنا محمد بن النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: يا [¬٤] أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة، فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر: إن سواد بن قارب كان بَدْءُ اسلامه شيئًا عجييًا، قال: فبينا نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب، قال: فقال له عمر: يا سواد، حدِّثْنا

стр. 5685

ببدء [¬١] إسلامك، كيف كان؟ قال سواد: فإني كنت نازلًا بالهند، وكان [¬٢] لي رَئِيٌّ (*) من الجن، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم، إذ جاءني في منامي ذلك قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول: عجبتُ للجنِّ [¬٣] وأنجاسها [¬٤] … وَشدِّها العِيسَ [¬٥] بأحلاسها تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … مَا مُؤمنُو الجِنّ كأرْجَاسِها فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسمُ بعينيك إلى راسها قال: ثم أنبهني فأفزعني، وقال: يا [¬٦] سواد بن قارب، إن الله بعث نبيًّا [¬٧]." فانهض إليه تَهْتَد وتَرشُد. فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم أنشأ، يقول كذلك: عَجِبْتُ للْجِنّ وَتَطْلابها … وشدها العيس بأقتابها تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … لَيس قداماها [¬٨] كَأَذنَابِها فَانْهَض إلى الصَّفْوَة مِن هَاشِم … واسمُ بعينيك إلى نَابِها فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال: عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … لَيس ذَوُو الشرِّ كأخيارهَا فَانْهَض إلَى الصَّفْوَة منْ هَاشِم … ما مُؤمنُو الجِنّ كَكُفَّارها قال [] [¬٩]: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإِسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي [¬١٠]، فما حللت نشعةً ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ ، فإذا هو بالمدينة -يعني مكة- والناس عليه كعُرْف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: ""مرحبًا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك". قال:

стр. 5686

قلت: يا رسول الله، قد قلت شعرًا، فاسمعه مني. قال سواد: فقلت: أَتانِي رَئِيٌّ بعد لَيلٍ وهَجْعَةٍ … وَلم يَكُ فِيما قَدْ بَلَوتُ بِكَاذبِ ثَلاثُ لَيَال قَولُه كُلَّ لَيلَة: … أتاك رسولٌ من لُؤيّ بن غَالبَ فَشَمَّرتُ عَنْ سَاقي الإزَارَ ووسطت … بي الزِّعلب الوَجْنَاءُ [¬١] عند السَّبَاسب فأشهد أن الله لا شيء غيرُه … وأنَّك مأمونٌ على كلِّ غائبِ وأنكَ أدنى المرسلينَ شفاعةً … إلى الله يا بنَ الأكرمينَ الأطايبِ فَمُرنَا بمَا يَأتِيكَ يا خَيرَ مرسل [¬٢] … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ … سِوَاكَ بمغن عن سَوَاد بن قَارب قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: "أفلحت يا سواد": فقال له عمر: هل يأتيك رَئيّك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوضُ كتابُ الله من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين. ومما يدل على وفادتهم إليه ﵇ بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة": حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عبدة [¬٣] المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم: أنه سمع أبا سلام يقول: حَدَّثَني من حَدَّثه عَمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له: حُدِّثت أنك كنتَ مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ قال: أجل. قلت: حدثني كيف كان شأنه؟ فقال: أن أهل الصفة (*) أخَذَ كل رجلٍ منهم رجلٌ يُعَشيه، وتُركت فلم يأخذني أحد منهم، فمر بي رسول الله ﷺ فقال: "من هذا؟ " فقلت: أنا ابن مسعود. فقال: "ما أخذك أحد يعشِّيك؟ ". فقلت: لا، قال: "فانطلق لعلِّي أجد لك شيئًا". قال [¬٤]: فانطلقنا حتى أتى حُجرة أم سلمة فتركني ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية فقالت: يا بن مسعود، إن رسول الله لم يجد لك عشاءً، فارجع إلى مضجعك. قال: فرجعت إلى المسجد، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته، والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلًا حتى جاءت الجارية، فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العَشاء، حتى إذا [¬٥] بلغت مقامي، خرج رسول الله ﷺ وفي يده

стр. 5687

عَسِيب (*) من نخل فعرض [¬١] به على صدري فقال [¬٢]: "أتنطلق أنت معي حيث انطلقت؟ ". قلت: ما شاء الله. فأعادها علي ثلاث مرات، كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق وانطلقت معه، حتى أتينا بقيع الغَرْقد، فخط بعصاه خِطَّة [¬٣]، ثم قال: "اجلس فيها، ولا تبرح حتى آتيك". ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت العَجَاجة السوداء، فَفَرقْتُ (**) فقلت: ألحق برسول الله ﷺ ، فإني أظن أن هوازن مَكَروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت، فاستغيث الناس. فذكرت أن رسول الله ﷺ أوصاني: أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: "اجلسوا". فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله ﷺ فقال: "أنمت بعدي؟ " فقلت: لا، ولقد فزعت الفزعة الأولى، حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيثَ الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن، مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه. فقال: "لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟ ". فقلت: رأيت رجالًا سودًا مستشعرين [¬٤] بثياب بيض. فقال رسول الله ﷺ : "أولئك وفد جن نَصيبين، أتوني [¬٥] فسألوني الزاد [¬٦] والمتاع، فمتعتهم بكل [¬٧] عظمًا حائل أو روثة أو بعرة". قلت: وما يغني عنهم ذلك؟ قال: "إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان علية يوم أُكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أُكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة". وهذا إسناد غريب جدًّا، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد، حدثني [نمير بن زيد القنبر، حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة حدثني الزبير] [¬٨] بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف، قال: "أيكم يتبعني إلى وفد الجبن الليلة؟ ". فأسكت القوم ثلاثًا، فمر بي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح، [مستشعرين بثيابهم من بين

стр. 5688

أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة] [¬١] … ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم. ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم (٥٦): حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التميمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج، حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيضَ، ينفح منه ركح المسك، فقلت لأصحابي: امضوا، فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال: فما لبثت أن ماتت، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها، وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب، فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرًا؟ قلنا: ومن عَمْرو؟، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: قلت: أنا. قالت: أما والله لقد دفنت صوَّامًا قوَّامًا، يأمر بما أنزل الله، ولقد آمن بنبيكم، وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب في المدينة فأنبأته بأمر الحية، فقال: صدقت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة". وهذا حديث غريب جدًّا والله أعلم. قال أبو نعيم: وقد روى الثوري، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف، بنحوه (٥٧). وروى عبد الله بن أحمد والطهراني، عن صفوان بن المعطل -هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة- وأنهم قالوا: أما [¬٢] إنه آخر التسعة موتًا الذين أتوا رسول

стр. 5689

الله ﷺ يستمعون القرآن (٥٨). وروى أبو نعيم (٥٩) من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه عن معاذ بن عبيد [¬١] الله بن معمر قال: كنت جالسًا عند عثمان بن عفان فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين [¬٢] اقتتلا ثم قتل أحدهما الآخر، قال: فذهبت إلى المعترك، فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذا ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة، حتى وجدت ذلك من [¬٣] حية صفراء دقيقة [¬٤]، فلففتها في عمامتي ودفنتها. فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله؛ لقد هديت! هذان [¬٥] حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا، فكان من القتل [¬٦] ما رأيت، واستشهد الذي دفنته، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ . قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقًا فقد رأت عجبًا، وإن كنت كاذبًا فعليك كذبك. فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي: استمعوا وهذا أدب منهم.

стр. 5690

وقد قال الحافظ البيهقي (٦٠): حدثنا الإِمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قرأ رسول الله ﷺ "سورة الرحمن" حتى ختمها، ثم قال: "ما لي أراكم سكوتًا لَلْجنّ كانوا أحسن منكم ردًّا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك - ربنا - نكذب، فلك الحمد. ورواه الترمذي. في التفسير، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، عن الوليد بن مسلم، به. قال: "خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن … ، فذكره، ثم قال الترمذي: غرب لا نعرفه إلا من حديث الوليد، عن زهير. كذا قال: وقد رواه [¬١] البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري عن زهير بن محمد به مثله. وقوله: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أي: فرغ. كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمُ الصَّلَاةَ﴾. ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾. ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ ، كقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. وقد استُدِلَّ بهذه الآية على أنه في الجن نُذُرٌ، وليس فيهم رسل. ولا شك أن الجن لم

стр. 5691

يبعث الله منهم رسولًا لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وقال عن إبراهيم الخليل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته، فأما قوله تعالى في الأنعام: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾، فالمراد من مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإِنس، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، أي: أحدهما. ثم إنه تعالى فسر [¬١] إنذار الجن لقومهم فقال مخبرًا عنهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإِنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. وهكذا قال ورقة بن نوفل، حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل عليه أول مرة، فقال: بَخٍ بَخٍ هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، يا ليتني أكون فيها جذعًا. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله على الأنبياء. وقولهم: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: في الاعتقاد والإِخبار، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، في الأعمال، فإن القرآن يشتمل [¬٢] على شيئين: خبر، و [¬٣] طلب، فخبره صدق، وطلبه عدل، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح. وهكذا قالت الجن: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في العمليات. ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾، فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن حيث دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب القومين [¬٤]، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾. وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: إن "من" هاهنا زائدة، وفيه نظر، لأن

стр. 5692

زيادتها في الإِثبات [¬١] قليل. وقيل: إنها على بابها للتبعيض، ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ويقيكم من عذابه الأليم. وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام، وهو مقام تبجح [¬٢] ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإِيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه. قال ابن أبي حاتم (٦١): حدثنا أبي قال: حُدِّثت عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة، لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة. والحق أن مُؤمنَهم كمؤمن [¬٣] الإنس يدخلون الجنة، كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ وفي هذا الاستدلال نظر. وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي [¬٤] أبلغ من الإِنس، فقالوا: "ولا بِشَيءٍ [¬٥] من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد". فلم يكن تعالى ليمتنّ عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يجازى كافرهم بالنار - وهو مقام عدل - فَلأنْ يجازى [¬٦] مؤمنهم بالجنة - وهو مقام فَضل- بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضًا على ذلك عمومُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾، وما أشبه ذلك من الآيات. وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة، ولله الحمد والمنة. وهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشيء الله لها خلقًا، أفلا يسكنها من آمن به وعمل له صالحًا؟ وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإِيمان من تكفير الذنوب والإِجارة من العذاب الأليم، هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار

стр. 5693

دخل الجنة لا محالة. ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني [¬١] الجن لا يدخلون الجنة وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم. وهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٢]﴾. ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة، فكذلك هؤلاء. وقد حُكي فيهم أقوال غريبة فعن عُمَر بن عبد العزيز: أنهم لا يدخلون بُحْبُوحَةَ [¬٣] (*) الجنة وإنما يكونون في رَبَضِها (**) وحولها وفي أرجلائها [¬٤]. ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون هم بني آدم عكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: يأكلون في الجنة ولا يشربون، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس، عِوَضًا عن الطعام والشراب كالملائكة، لأنهم من جنسهم. وكل هذه الأقوال فيها نظر، ولا دليل عليها. ثم قال مخبرًا عنهم: (﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به، ﴿وَلَيسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ أي: لا يجيرهم منه أحد ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا مقامُ تهديد وترهيب، فَدَعَوا [¬٥] قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودًا وفودًا، كما تقدم بيانه [ولله الحمد والمنة] [¬٦]. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ

стр. 5694

مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة، المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: ولم يَكْرثهُ [¬١] (*) خَلْقُهن، بل قال لها: "كوني" فكانت، بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وَجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا قال: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال متهددًا ومتوعدًا لمن كفر به: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: يقال لهم: أما هذا حق؟ أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ أي: لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. ثم قال تعالى آمرًا رسوله بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: [على تكذيب] [¬٢]. قومهم، وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال، وأشهرها أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء كلهم محمد، ﷺ و [¬٣] قد نص الله على [¬٤] أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سُورَتَي "الأحزاب" و"الشورى" وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرُّسُل، وتكون "من" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم (٦٢): حدثنا محمد بين الحجاج الحضرمي، حدثنا السري [¬٥] بن حَيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت لي عائشة: ظل رسول الله

стр. 5695

ﷺ صائمًا ثم طواه، ثم ظل صائمًا ثم طواه، ثم ظل صائمًا. قال: "يا عائشة، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن [¬١] محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وإني - والله - لأصبرن كما صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله". ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي: لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم. كقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ وكقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَينَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وقوله: ﴿بَلَاغٌ﴾. قال ابن جرير: يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون تقديره: وذلك لبثَ بلاغ. والآخر: أن يكون تقديره: هذا القرآن بلاغ. وقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب. [آخر تفسير سورة الأحقاف]. * * *

стр. 5696

تفسير سورة محمد وهي مدنية ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾ يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله، ﴿وَصَدُّوا﴾ غيرهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾ أي: أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها جزاءً ولا ثوابًا، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت جوارحهم وبواطنهم [¬١] وظواهرهم، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾، عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإِيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جملة معترضة حسنة، ولهذا قال: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالهُمْ﴾. قال ابن عباس: أي أَمَرَهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن [¬٢] زيد: حالهم. والكل متقارب وقد جاء في حديث تشميت العاطس: "يهديكم الله، ويصلح بالكم" (١). ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ أي [¬٣]: [إنما أبطلنا أعمال الكفار. وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شئونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي:] [¬٤] اختاروا الباطل على الحق، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾ أي: يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.

стр. 5697

﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٩)﴾ يقول تعالى مرشدًا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدًا بالسيوف، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أهلكلتموهم قتلًا ﴿فَشُدُّوا﴾ الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم؛ إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم [¬١] أساراهم مجانًا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله سبحانه عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى ورمئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقليل من القتل يومئذ فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية رواه العوفي عن ابن عباس. وقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج. وقال الآخرون - وهم الأكثرون -: ليست منسوخة. ثم قال بعضهم: إنما الإِمام مُخَيَّرٌ بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله. وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعَيط من أسارى بدر (٢).

стр. 5698

وقال ثمامة بن أثال [¬١] لرسول الله ﷺ حين قال له: "ما [¬٢] عندك [¬٣] يا ثمامة؟ " فقال: إِن تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإِن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فَسَلْ [¬٤] تعطَ منه ما شئت (٣). وزاد الشافعي ﵀ فقال: الإِمام مخير بين قتله أو المنّ عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضًا. وهذه المسألة مُحَرّرة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا "الأحكام"، ولله الحمد والمنة. وقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم. وكأنه أخذه من قوله ﷺ : "لا تزال [طائفة من] [¬٥] أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال" (٤). وقال الإِمام أحمد (٥): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم

стр. 5699

ابن سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جُبَير بن نُفَير أن سلمة بن نُفَيل أخبرهم: أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني سَيَّبْتُ الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: لا قتال. فقال له النبي ﷺ : "الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله [¬١] قلوب أقوام فيقاتلونهم. ويرزقهم [¬٢] الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. ألا إن [عُقْرَ دار المؤمنين الشام] [¬٣]. والخيل معقود [¬٤] في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وهكذا رواه النسائي من طريقين، عن جبير بن نُفَير، عن سلمة بن نُفَيل السكوني [¬٥]، به. وقال أبو القاسم البغوي (٦): حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن [مسلم عن] [¬٦] محمد بن مهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جبير بن نُفَير، عن النواس بن سمعان قال: لما [¬٧] فتح على رسول الله ﷺ فَتْح فقالوا: يا رسول الله سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، قالوا: لا قتال، قال: "كذبوا! الآن جاء القتال، لا يزال الله يُرَفِّع قلوب قوم يقاتلونهم [¬٨]، فيرزقهم منهم،

стр. 5700

حتى يأتي أمر الله وهم [¬١] على ذلك، [وعُقْر دار المسلمين بالشام"] [¬٢]. وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن [¬٣] رُشيد، به. والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نُفَيل كما تقدم. وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب. وقال قتادة: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ حتى لا يبقى شرك. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. ثم قال بعضهم: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله . وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله . وقوله: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم. كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي "آل عمران" و"براءة" في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ وقال في سورة براءة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم لما كان من شأن القتال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ﴾ أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها [¬٤] ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول بَرْزَخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإِمام أحمد في مسنده (٧)، حيث قال:

стр. 5701

حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مُرَّة، عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﷺ : "يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه يُكفّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوّج من الحور العين، ويُؤَمَّن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حُلَّة الإِيمان" تفرد به أحمد ﵀. (حديث آخر) قال أحمد أيضًا (٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن [بَحير بن سعد] [¬١]، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دَفعة [¬٢] من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حُلَّة [¬٣] الإِيمان، ويزوج من الحور العين، ويُجَار من عذاب القبر، ويأمَن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، وَيُشَفَّع في سبعين إنسانًا [¬٤] من أقاربه". وقد أخرجه الترمذي وصححه، وابن ماجة. وفي صحيح مسلم (٩) عن عبد الله بن عَمرو، وعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "يُغفَر للشهيد كل شيء إلا الدَّين". ورُوي من حديث جماعة من الصحابة (١٠).

стр. 5702

وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ : " [يشفع الشهيد] [¬١] في سبعين من أهل بيته" (١١) رواه [¬٢] أبو داود والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدًّا. وقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي: إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. وقوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالهُمْ﴾ أي: أمرهم وحالهم، ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي: عرفهم بها وهداهم إليها. قال مجاهد: يهتدي أهلها [¬٣] إلى بيوتهم [¬٤] ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا. وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا.

стр. 5703

وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وُكِلَ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابنُ آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرّفه كل شيء أعطاه الله في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل [إلى] [¬١] منزله وأزواجه، وانصرف الملك عنه. ذكرهن ابن أبي حاتم ﵀! وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضًا، رواه البخاري (١٢) من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصّون [¬٢] مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله [] [¬٣] كان في الدنيا". ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، كقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، كما جاء في الحديث: "من بَلَّغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدمه على الصراط يوم القيامة". ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾، عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله ولرسوله ﷺ . وقد ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تعس عبد الدينار، [تعس عبد الدرهم] [¬٤]، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش" (١٣).

стр. 5704

وقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾ أي: أحبطها وأبطلها. ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي: لا يريدونه ولا يحبونه، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ﴾] [¬١]. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾ يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يعني المشركين بالله المكذبين لرسوله ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ أي: عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي: ونجى المؤمنين من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ولهذا قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحُدٍ حين - سأل عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر وعمر فلم يُجَبْ، وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا. وأجابه عمر بن الخطاب فقال: كذبت يا عدو الله، بل أبقى الله لك ما يسوءك، وإن الذين [¬٢] عَدَدت لأحياءٌ. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مُثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم ذهب يرتجز ويقول: * اعل هُبَل، اعل هُبَل * فقال رسول الله ﷺ : "ألا تجيبوه؟ " قالوا: يا رسول الله؟ وما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". ثم قال أبو سفيان: لنا العُزّى، ولا عُزى لكم. فقال: "ألا تجيبوه؟ " قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" (١٤).

стр. 5705

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ أي: في دنياهم، يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام، خَضْمًا وقضمًا، ليس لهم همة إلا في ذلك. ولهذا ثبت في الصحيح (١٥): " المؤمن يأكل في مِعى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء". ثم قال: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: يوم جزائهم. وقود: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ يعني: مكة، ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد لأهل مكة، في تكذيبهم لرسول الله ﷺ ، وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله، بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟ فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة، فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي: الذين أخرجوك من بين أظهرهم. قال [¬١] ابن أبي حاتم (١٦): ذكر [¬٢] أبي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار - أراه [¬٣] قال [¬٤]: التفت [¬٥] إلى مكة - وقال: "أنت أَحبّ بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك".

стр. 5706

فأعدى الأعداء من عَدَا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذُحُول [¬١] الجاهلية، فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ يقول: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جَبَله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: ليس هذا كهذا. كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وكقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ثم قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. قال عكرمة: ﴿مثل الجنة﴾ أي: نعتها. ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: يعني غير متغير. وقال قتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني: غير منتن. والعرب تقول: أسِنَ الماء إذا تَغَيَّر ريحه. وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: ﴿غير آسن﴾ يعني: الصافي [¬٢] الذي لا كدر فيه. وقال ابن أبي حاتم (١٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله: أنهار الجنة تُفجَّر من جبل من مسك. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة. وفي حديث مرفوع: "لم يخرج من ضُرُوع الماشية".

стр. 5707

﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل، ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾، ﴿لا يصدعون عنها ولا يُنزِفون﴾، ﴿بيضاء لذة للشاربين﴾، وفي حديث مرفوع: "لم تعصرها [الرجال بأقدامها"] [¬١]. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي: وهو في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، وفي حديث مرفوع: "لم يخرج من بطون النحل". وقال الإِمام أحمد (١٨): حدثنا يزيد هارون، أخبرنا الجريري، عن حكيم [بن معاوية] [¬٢]، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد". ورواه الترمذي في "صفة الجنة"، عن محمد بن بَشار [¬٣]، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن إياس الجريري، به. وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر بن مردويه (١٩): حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو [¬٤] قدامة الأيادي، حدثنا أبو عمران الجَوني، عن [أبي بكر] [¬٥] بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه الأنهار تشخُبُ من جنة عدن في جوبة [¬٦] ثم تصدع بعد أنهارًا". وفي الصحيح (٢٠): " إذا سألتم الله فاسألوه [¬٧] الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنة تُفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن".

стр. 5708

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وعبد الله بن الصقر السكري قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي [¬١]، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش، عن دلهم بن الأسود [بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر] [¬٢] قال دلهم: وحدثنيه أيضًا أبي [¬٣] الأسودُ عن عاصم بن لقيط أن [¬٤] لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله، فعلام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة [¬٥]، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه [¬٦]، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة". قلت: يا رسول الله، أو لنا فيها أزواج مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن. مثل لذاتكم في الدنيا ويلذنكم [¬٧]، غير أن لا توالد". وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة، عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري، عن معاوية بن قرة، [عن أبيه] [¬٨] عن أنس بن مالك قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض، والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. وقد رواه أبو بكر بن مَرْدُويه، من حديث مهدي بن حكيم، عن يزيد بن هارون، به مرفوعًا. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. كقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾. وقوله [¬٩]: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: مع ذلك كله. وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [أي: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار؟] [¬١٠] ليس هؤلاء كهؤلاء، أي [¬١١]: ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ أي: حارًّا شديد الحر، لا يستطاع ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذًا بالله من ذلك!

стр. 5709

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَال آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه ولا يفهمون منه شيئًا، فإذا خرجوا من عنده ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ أي: الساعة، لا يعقلون ما يقال، ولا يكترثون له. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ أي: والذين [¬١] قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ أي: ألهمهم رُشْدَهم. وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: وهم غافلون عنها، ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أمارات اقترابها، كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ و [¬٢] كقوله: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾، وقوله: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ وقوله: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾، فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله به الدين، وأقام به [¬٣] الحجة على العالمين. وقد أخبر صلوات الله وسلامه عليه بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته [نبي قبله] [¬٤]، كما هو مبسوط في موضعه.

стр. 5710

وقال الحسن البصري: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة. وهو كما قال، ولهذا جاء في أسمائه ﵇ أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يُحشَر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي. وقال البخاري (٢١): حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم [¬١]، حدثنا سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله على الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا -بالوسطى والتي تليها-: "بعثت أنا والساعة كهاتين". ثم قال تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي: فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك. كقوله تعالى: ﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ ﴿وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك؛ ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وفي الصحيح (٢٢) أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هَزْلي وجدي، وخَطَئي وعَمْدي، وكل ذلك عندي". وفي الصحيح (٢٣) أنه كان يقول في آخر الصلاة: "اللهم؛ اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت". وفي الصحيح (٢٤) أنه قال: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
следующие страницы →