الجهاد.
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعبد الله أهل الحديبية [قبل سؤالكم] [¬١] الخروج معهم، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم.
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾
اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد علي أقوال:
أحدها: أنهم هَوَازن؛ رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة، أو جميعًا- ورواه هشيم عن أبي بشر، عنهما. وبه يقول قتادة في رواية عنه.
الثاني: ثقيف. قاله الضحاك:
الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، ورُوي مثله عن سعيد وعكرمة.
الرابع: هم أهل فارس. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة [¬٢]- في إحدي الروايات عنه.
وقال كعب الأحبار: هم الروم. وعن ابن أبي ليلي، وعطاء، والحسن، وقتادة: هم فارس والروم. وعن مجاهد: هم أهل الأوثان. وعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة. وبه بقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، قال: لم يأت أولئك بعد.
وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن
стр. 5742
أبي هريرة في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون.
قال (٤٦): وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "لا قوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذْلْفَ [¬١] الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة". قال سفيان: هم الترك.
قال ابن أبي عمر [¬٢]: وجدت في مكان آخر: ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله ﷺ : "تقاتلون قومًا نعالهم [¬٣] الشعر". قال: هم البارزون؛ يعني: الأكراد.
وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، يعني يشرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًّا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.
ثم قال: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا [¬٤] في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمي والعَرَج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه مُلحَقٌ بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.
ثم قال تعالى مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكلُ [¬٥] عن الجهاد، ويُقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.
﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾
стр. 5743
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾
يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سَمُرة بأرض الحديبية.
قال البخاري (٤٧): حدثنا محمود، حدثنا عبيد [¬١] الله، عن إسرائيل، عن طارق بن [¬٢] عبد الرحمن؛ قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، فقلت [¬٣]: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان. فأتيتُ سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسيناها فلم نَقدِر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم، سلموها وعُلّمتموها [¬٤] أنتم، فأنتم أعلم.
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فأنزل [] [¬٥] السكينة﴾، وهي الطمأنينة، ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدئهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.
قال ابن أبي حاتم (٤٨): حدثنا [أحمد بن محمد] [¬٦] بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى -يعني إلي عبيدة- حدثني إياس بن سلمة، عن
стр. 5744
أبيه؛ قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : [أيها الناس؛ البيعةَ البيعةَ، نزل روح القدس. قال: فَثُرنا إلى رسول الله ﷺ ] [¬١] وهو تحت شجرة سَمُرة فبايعناه [¬٢]، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فبايع لعثمان بإحدى [¬٣] يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئًا لابن عفان، يطوف بالبيت ونحن هاهنا. فقال رسول الله ﷺ : "لو مكث كذا كذا سنةً ما طاف حتى أطوف".
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾
قال مجاهد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، هي جميع المغانم إلي اليوم، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعني فتح خيبر.
وروي العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعنيِ صلح الحديبية.
﴿وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كف أيدي الناس الذين خلفتموهم وراء أظهركم عن عيالكم وحريمكم، ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم وناصرهم علي سائر الأعداء، مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الخِيرَة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر، كما قال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾.
стр. 5745
﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله.
وقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ أي: وغنيمة أخرى وفتحًا آخر معينًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يَسَّرها الله عليكم، وأحاط بها لكم؛ فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.
وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة، ما المراد بها؟ فقال العوفي، عن ابن عباس: هي خيبر. وهذا على قوله في قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: إنها صلح الحديبية. وقاله الضحاك، وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة: هي مكة. واختاره ابن جرير.
وقال ابن أبي ليلي، والحسن البصري: هي فارس والروم.
وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلي يوم القيامة.
وقال أبو داود الطيالسي (٤٩): حدثنا شعبة، عن سماك الحَنَفي، عن ابن عباس: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾، قال: هذه الفتوح التي [¬١] تفتح إلى اليوم.
وقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يقول تعالى مبشرًا لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار [¬٢] فارًّا مدبرًا لا يجدون وليًّا ولا نصيرًا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين.
ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [¬٣]﴾ أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإِيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإِيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه [¬٤] المؤمنين نصرهم علي
стр. 5746
أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعُددهم.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾: هذا امتنان من الله علي عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي المؤمنين عن [¬١] المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلًّا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحًا فيه خِيَرَةٌ للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة. وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع حين جاءوا بأولئك السبعين الأساري فأوثقوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم وقال: "أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثِنَاه [¬٢] ". قال: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.
وقال الإِمام أحمد (٥٠): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك؛ قال: لما [¬٣] كان يوم الحديبية هبط علي رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غِرّة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا -قال عفان: فعفا عنهم- ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾.
ورواه مسلم وأبو داود في سننه، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، من طرق، عن حماد بن سلمة به.
وقال أحمد أيضًا [¬٤] (٥١): حدثنا زيد [¬٥] بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البُناني، عن عبد الله بن [مغفل المزني] [¬٦]، قال: كنا مع رسول الله، ﷺ ، في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك
стр. 5747
الشجرة علي ظهر رسول الله ﷺ وعليٌّ بن أبي طالب، وسهيلُ بن عمرو بين يديه- فقال رسول الله ﷺ لعليّ: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم. اكتب في قضيتنا ما نعرف. [قال: "اكتب باسمك اللهم". وكتب: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة". فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف] [¬١]. فقال: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله". فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ : "هل جئتم في عهد أحد؟ " أو: "هل جعل لكم أحد أمانا؟ ". فقالوا: لا. فخلي سبيلهم، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾. رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به.
وقال ابن جرير (٥٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي، حدثنا [¬٢] جعفر، عن ابن أبزي؛ قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهي إلي ذي الحليفة قال له عمر: يا نبي الله؛ تدخل [¬٣] على قوم لك حَرْب بغير سلاح ولا كُراع؟ قال: فبعث إلي المدينة، فلم يدع فيها كُراعًا ولا سلاحًا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتي مني، فنزل بمنى [فأتاه عينه] [¬٤] أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: "يا خالد؛ هذا [] [¬٥] ابن عمك أتاك في الخيل". فقال خالد: أنا سيف الله، وسيف رسوله -فيومئذ سُمي سيف الله- يا رسول الله؛ ارم بي أين شئت. فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إلى ﴿عذابًا أليمًا﴾. قال: فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا [¬٦] من المسلمين كانوا بقوا [¬٧] فيها كراهية أن تطأهم الخيل.
стр. 5748
ورواه ابن أبي حاتم (٥٣) عن ابن أبزي [¬١] بنحوه. وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدًا لم يكن أسلم، بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح. ولا يجوز أن يكون [في عمرة القضاء] [¬٢]؛ لأنهم قاضوه علي أن يأتي من العام المقبل [¬٣] فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، فلما قدم لم يمانعوه [¬٤] ولا حاربوه ولا قاتلوه. فإن قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح؛ لأنه لم يسق عام الفتح هَديًا [¬٥] وإنما جاء محاربًا مقلاتلًا في جيش عَرَمْرَم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم.
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس؛ أن قريشًا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يُطفيُوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصبيوا من أصحابه أحدًا، فأخِذُوا أخذًا، فَأتي بهم رسولَ الله ﷺ فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رَموا إلى عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.
وقال قتادة (٥٤): ذُكر لنا أن رجلًا يقال له: "ابن زُنيم" اطلع علي الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا فأتوه باثني عشر فارسًا من الكفار، فقال لهم: "هل لكم علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟ ". قالوا: لا. فأرسلهم، وأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ
стр. 5749
حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومَن مالأهم علي نصرتهم علي رسول الله ﷺ : ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هم الكفار دون غيرهم، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي أن يصل إلي محله، وهذا [من بغيهم] [¬١] وعنادهم، وكان الهديُ سبعين بدنة كما سيأتي بيانه.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة علي أنفسهم من قومهم، لكنا سَلَّطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خَضْراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي: إثم وغرامة ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عقوبتهم ليخلّص من بن أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلي الإِسلام.
ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلًا ذريعًا.
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥٥): حدثنا أبو الزنباع [¬٢] روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله أبو [¬٣] سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا حجر بن خلف: سمعت عبد الله بن عوف [¬٤]؛ يقول [¬٥]: سمعت جُنَيدَ بن سَبُع؛ قول: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرًا وقاتلت معه آخر النهار مسلمًا، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾. قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتين.
стр. 5750
ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه: عن أبي [¬١] جمعة جُنيد بن سبع … فذكره، والصواب أبو جعفر: حبيب بن سباع. ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر ابن خلف به. وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٥٦): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن عثمان [¬٢] بن جَبَلَة، عن أبي حمزة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين، لعذبهم الله عذابًا أليما بقتلهم إياهم.
وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وذلك حين أبوا أن يكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأبوا أن يكتبوا: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، وهي قول "لا إله إلا الله"، كما قال ابن جرير، وعبد الله بن الإمام أحمد (٥٧): حدثنا الحسن بن قَزَعة أبو علي البصري، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن ثُوَير، عن أبيه، عن الطفيل [¬٣]-يعني إلي أبيّ بن كعب- عن أبيه: سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: "لا إله إلا الله".
وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال: "غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه".
وقال ابن أبي حاتم (٥٨): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ أن أبا هريرة أخبره؛ أن رسول الله ﷺ ، قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه علي الله". وأنزل الله في كتابه، وذكر قومًا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ
стр. 5751
لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، وهي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية، وكاتبهم رسول الله ﷺ علي قضية المدة.
وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري. والظاهر أنها مُدرجة [¬١] من كلام الزهري، والله أعلم.
وقال مجاهد: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: الإِخلاص. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير.
وقال يونس بن بكير (٥٩)، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقال الثوري (٦٠)، عن سلمة بن كهيل، عن عَبَاية بن ربعي، عن عليٍّ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر. وكذا [قال ابن عمر ﵄] [¬٢] وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: يقول: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والجهاد في سبيله.
وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وقال عبد الله بن المبارك (٦١)، عن معمر، عن الزهري: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾،
قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال قتادة: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله.
[﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾،] [¬٣] كان المسلمون أحق بها وكانوا [¬٤] أهلها.
стр. 5752
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر.
وقد قال النسائي (٦٢): حدثنا إبراهيم بن سعيد [¬١]، حدثنا شبابة بن سوار، عن أبي رزين، عن [¬٢] عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عن [بُسْر بن عُبيد الله] [¬٣]، عن أبي إدريس، عن أبيّ بن كعب؛ أنه كان يقرأ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام. فبلغ ذلك عمر فأغلظ له، فقال: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله. فقال عمر: بل أنت رجل عندك [¬٤] علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله.
(وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقضية الصلح)
قال الإمام أحمد (٦٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، عي عروة بن الزبير، عن المسور بن مَخْرَمة ومَروان بن الحكم؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ [عام الحديبية] [¬٥] يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهَدي سبعين بَدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بَدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعُسْفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله؛ هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عَنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قَدّموه إلي كُرَاع الغميم، فقال رسول الله ﷺ : "يا ويح قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإِسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم علي الذي بعثني الله به [¬٦] حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة".
ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين [¬٧] ظهري الحمض علي طريق تخرجه علي ثنية المرار [¬٨] والحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل
стр. 5753
قريش قُتْرَة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين الي قريش، فخرج رسول ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار [¬١]، بركت نافته، فقال الناس: خلأت. فقال رسول الله ﷺ : "ما خلأت، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني [¬٢] قريش اليوم إلي خطة يسألوني [¬٣] فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها".
ثم [¬٤] قال للناس: "انزلوا". قالوا: يا رسول الله؛ ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَليب من تلك القُلُب، فغرزه [¬٥] فيه فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعَطَن. فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بُديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش؛ إنكم تَعجَلون على محمد، وإن [¬٦] محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.
قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: كانت [¬٧] خزاعة في عَيبة [¬٨] [] [¬٩] رسول الله ﷺ مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان [¬١٠] بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدًا علينا عَنوة، ولا يتحدث بذلك العرب. ثم بعثوا إليه مكْرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رجل غادر". فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ كلّمه رسول الله ﷺ بنحو مما كَلَّم به أصحابه، ثم رجع إلي قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله، فبعثوا إليه الحليس [¬١١]- بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم تألهون [¬١٢]، فابعثوا الهَدْي [في وجهه"] [¬١٣]، فبعثوا الهدي] [¬١٤]، فلما رأي الهدي يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره [¬١٥] من طول الحبس عن
стр. 5754
محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأي، فقال: يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صَده، الهدي في قلائده قد أكل أوتاره [¬١] من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقي منكم من تبعثون إلي محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني [¬٢] من قومي، [ثم جئت] [¬٣] حتى آسيتكم [¬٤] بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتي رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يا محمد، جمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم لبيضتك لتفضّها، إنها قريش قد خرجت معها العُود المطافيل، قد لبسوا جلُود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا. وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر قاعد خلف رسول الله ﷺ ، فقال: امصص بَظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟! قال: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أبي قُحافة". قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف علي رأس رسول الله ﷺ [في الحديد] [¬٥]، قال: فقَرع يده. ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ [قبل -والله- لا تصل إليك [¬٦]. قال: ويحك! ما أفظك [¬٧] وأغلظك! فتبسم رسول الله، ﷺ ،] [¬٨] قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ : "هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة" قال: أغُدَرُ، وهل غسلت [¬٩] سوأتك إلا بالأمس؟! قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا. قال [¬١٠]: فقام من عند رسول الله وقد رأي ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلي قريش فقال: يا معشر قريش، إني جئتُ كسري في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت مَلكًا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدًا، فَرَوا رأيكم. قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلي مكة، وحمله علي جمل له يقال له:
стр. 5755
"الثعلب"، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه، إلي مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عَدي أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلطتي [¬١] عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ [فبعثه إلى قريش] [¬٢] يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما [¬٣] جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته. فخرج عثمان حتى أتي مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله [¬٤] بين يديه ورَدِف خلفه، وأجاره حتى بَلّغَ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتي أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [¬٥] رسول الله قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله أن عثمان قد قُتل.
قال محمد: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا تكن [¬٦] في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تَحدّثُ العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ ؛ قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل". فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جري بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتي أبا بكر فقال: يا أَبا بكر؛ أو ليس برسول الله؟ أوَ لسنا بالمسلمين؟ أوَ ليسوا بالمشركين؟ قال: بلي. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: [يا عمر] [¬٧]، الزم غَرْزَه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد. ثم أتي رسول الله فقال: يا رسول الله، أوَ لسنا بالمسلمين؟ أوَ ليسوا بالمشركين؟ قال: "بلى". قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: "أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني". ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا. قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". [فقال سهيل بن عمرو] [¬٨]: ولا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهم. فقال رسول الله: "اكتب باسمك اللَّهم. هذا ما صالح [¬٩] عليه محمد
стр. 5756
رسول الله [سهيل بن عمرو"،] [¬١] فقال سهيل بن عمرو: ولو [¬٢] شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما صالح [¬٣] عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن من فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة [¬٤]، وأنه لا أسلال ولا أغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها لأصحابك، وأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير [¬٥] السيوف في القرب، فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بل سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله، قال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأورا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأي سهيل أبا جندل قام إليه [فضرب وجهه] [¬٦] وقال: يا محمد، قد لجّت [¬٧] القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: "صدقت". فقام إليه فأخذ بتلابيبه [¬٨]. قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلي أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد الناس شرًّا إلي ما بهم، فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا جندل [اصبر و] [¬٩] احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا فأعطيناهم [علي ذلك وأعطونا عليه] [¬١٠] عهدًا، وإنا لن نغدر بهم". قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب فجعل يمشي مع أبي جندل إلي جنبه وهو [¬١١] يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني [¬١٢] قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه.
стр. 5757
قال: فضنّ الرجل بأبيه. قال [¬١]: ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم، وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: "يا أيا الناس، انحروا واحلقوا". قال: فما قام أحد. قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل [حتى عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل] [¬٢].
فرجع رسول الله، ﷺ ، فدخل علي أم سلمة فقال: "يا أم سلمة، ما شأن الناس؟ ". قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تُكلِّمنَّ منهم إنسانًا، واعمد إلي هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتى أتى هديه فنحره، ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال: حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح.
هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن ابن إسحاق بنحوه وفيه إغراب. وقد رواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به نحوه، وخالفه في أشياء. وقد رواه البخاري ﵀ في صحيحه، فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيده، فقال في كتاب الشروط من صحيحه (٦٤):
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المشور بن مخرمة ومَروان بن الحكم، يصدّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زَمَن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتي ذا الحليفة قَلَّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بعُمرة وبعث عينًا له من خزاعة [¬٣]، وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط [¬٤] أتاه عينه فقال: إن قريشًا قد جَمَعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك. فقال: "أشيروا -أيا الناس- عليّ، أترون أن نميل على عيالهم. وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ " - وفي لفظ: "أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم. [فإن يأتونا كان الله قد قطع عُنقًا من المشركين وإلا تركناهم محزونين". وفي
стр. 5758
لفظ] [¬١]: "فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين [¬٢] محرُوبين [¬٣] وإن نجوا [¬٤] يكن عُنقًا قطعها الله، أم تَرَون أن نَؤُمّ البيت فمن صَدّنا عنة قاتلناه [¬٥]؟ ". فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربًا. فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه- وفي لفظ: فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله أعلم [¬٦] إنما جئتنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي ﷺ : "فروحوا إذن". وفي لفظ: "فامضوا على اسم الله".
حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ : "إن [¬٧] خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخدوا ذات اليمين". فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبَطُ عليهم منها، بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها". ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يتبرّضه الناس تَبَرّضًا، فلم يلبث [¬٨] الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّي حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَة [¬٩] نصح رسول الله من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، نزلوا أعدادًا [¬١٠] مياه الحديبية معهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نَهَكَتْهُم الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم [¬١١] مُدة ويخَلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن فاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمّوا [¬١٢]، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، و [¬١٣] لينفذن الله أمره". قال بُديل: سأبلغهم [¬١٤] ما تقول. فانطلق حتى أتى
стр. 5759
قريشًا فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول. قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله ﷺ ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استَنْفَرْتُ أهل عكاظ، فلما بَلَّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عَرض عليكم خُطة رُشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ له نحوًا من قوله لبُديل بن ورقاء. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخري فإني والله لأري وجوهًا، وإني لأري أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويَدَعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بَظْر اللات أنحن نفرّ وندعه؟! قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يَد كانت [¬١] لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي، ﷺ ، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة ﵁ قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له [¬٢]: أخِّرْ يدك عن لحية النبي ﷺ . فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غُدر، ألست أسعى في غَدْرتك؟! وكان المغيرة بن شعبة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال: النبي ﷺ : "أما الإِسلام فَأقبلُ، وأما المالُ فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يَرمُق أصحاب [¬٣] النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فَدلَك بها وجهه وجلْده، وإذا أمَرَهم ابتدَرُوا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خَفَّضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه، تعظيمًا له ﷺ . فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت [¬٤] على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيمًا له. وإنه قد عَرَض عليكم خُطة
стр. 5760
رشْد فاقبلوها. فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال النبي ﷺ : "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له"، فبُعثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلَّدت وأشْعرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام [¬١] رجل منهم يقال له: "مكْرَز بن حفص"، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : "هذا مكرز، وهو رجل فاجر [¬٢] ". فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.
وقال معمر: أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : "قد سَهُل لكم من أمركم".
قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا و بينك كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ : "اكتب [¬٣] بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا [¬٤] نكتبها إلا: "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال النبي ﷺ : "اكتب: باسمك اللَّهم". ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله". فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: "والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". فقال له النبي ﷺ : "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذْنَا ضُغْطَة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر [¬٥] المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تَرُدّه إليّ. فقال النبي ﷺ "إنا لم نقْضِ الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي ﷺ :
стр. 5761
"فَأجزْه لي". فقال: ما أنا بمجيز ذلك لك. مَال: "بل [¬١] فافعل". قال: ما أنا بفاعل. قال مكْرَز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله . قال عمر ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال ﷺ : "بلى". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى". قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله؛ ولستُ أعصيه، وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك [¬٢] أنا نأتيه العام؟ ". قلت: لا. قال: "فإِنك آتيه ومُطَّوِّف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر؛ أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت.: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل؛ إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. قال: [أفأَخبرك أنك تأتيه] [¬٣] العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به.
قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قواموا فانحروا ثم احلقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات!! فلما لم يقم منهم أحد دخل علي أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة: يا نبي الله؛ أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر كدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخري صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلي المدينة فجاءه أبو بصير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا؟. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأري سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستلَّه الآخر. فقال: أجَل والله إنه لجيد، لقد جَرّبت منه ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر
стр. 5762
إليه. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخر حتى أتي المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأي هذا ذُعْرًا". فلما انتهي إلي النبي ﷺ قال: قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله؛ قد -والله -أو في الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ : "ويل أمّه مِسْعَرُ حرب! لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتي سيفَ البحر: قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعِيرٍ خرجت لقريش إلي الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلي النبي ﷺ تناشده الله والرحم لمَّا أرسل إليهم: "فمن أتاه منهم فهو آمن". فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ حتى بلغ: ﴿حمية الجاهلية﴾، وكانت حميتهم أنهم لم يُقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.
هكذا ساقه البخاري هاهنا. وقد أخرجه في التفسير. وفي عُمرة الحديبية، وفي الحج، وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كليهما [¬١] عن الزهري به. ووقع في بعض الأماكن عن الزهري، عن عروة، عن [¬٢] مروان والمسور، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ بذلك. وهذا أشبه والله أعلم. ولم يسقه أبسط من هاهنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلي ما هاهنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقال البخاري في التفسير (٦٥): حدثنا أحمد بن إسحاق السّلَمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت؛ قال: أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلي كتاب الله؟ فقال علي بن أبي طالب: نعم. فقال سهل بن حُنَيف: اتّهمُوا [¬٣] أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ و [بين] [¬٤] المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا،
стр. 5763
فجاء عمر فقال: ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟ أليس قتلانا فِي الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: "بلى". قال: ففيم نُعطي الدنية في ديننا ونرجع ولَمَّا يحكم الله بيننا؟ فقال: "يا بن الخطاب؛ إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبًدا". فرجع مُتَغَيّظًا فلم يصبر حتى جاء [¬١] أبا بكر فقال: يا أبا بكر؛ ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟ فقال: يا بن الخطاب؛ إنه رسول الله، ولن يضيعه الله [¬٢] أبدًا. فنزلت سورة الفتح.
وقد رواه البخاري أيضًا في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان [¬٣] بن سلمة، عن سهيل [¬٤] بن حنيف به. وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس؛ اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر علي أن أرد علي رسول الله ﷺ أمره لرددته. وفي رواية: فنزلت سورة الفتح، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب فقرأها عليه.
وقال الإِمام أحمد (٦٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن قريشا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل [¬٥] بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعليّ: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: لا ندري، ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللَّهم. فقال: "اكتب من محمد رسول الله". قال: لو نعلم [¬٦] أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي ﷺ : "اكتب من محمد بن عبد الله". واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا [¬٧] نرده عليكم، ومن جاءكم [¬٨] منا رددتموه علينا. فقال: يا رسول الله؛ أنكتب [¬٩] هذا؟ قال: "نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله". رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به [¬١٠].
وقال أحمد أيضًا (٦٧): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار
стр. 5764
قال [¬١]: حدثني سماك، عن عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا [¬٢]، فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعليّ: "اكتب يا عليّ؛ هذا ما صالح عليه محمد رسول الله". قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله: "امح يا علي؛ اللهم؛ إنك تعلم أني رسولك، امح يا عليّ واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله". والله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي، بنحوه.
وروي الإِمام أحمد (٦٨)، عن يحيى بن آدم: [حدثنا زهير] [¬٣] عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقْسم، عن ابن عباس ﵄؛ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل، فلما صُدّت عن البيت حَنَّت كما تَحِنّ إلي أولادها.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾
كان رسول الله ﷺ قد أُرِيَ في المنام أنه دخل مكة وطاف [] [¬٤] بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح، ورجعوا عامهم ذلك علي أن يعودوابن قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، [] [¬٥] أفأخبرتك أنك تأتيه [¬٦] عامك هذا؟ ". قال: لا، قال: "فإنك آتيه ومُطَّوِّف به". وبهذا أجاب الصديق، ﵁، أيضًا حَذْو [القُذَّة
стр. 5765
بالقُذّة] [¬١]. ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء، ﴿آمنين﴾ أي: في حال دخولكم. وقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، حال مقدرة، لأنهم في حال حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره.
وثبت في الصحيحين (٦٩) أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين في الثالثة أو الرابعة.
وقوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾: حال مؤكدة في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد. وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلي المدينة فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلي خيبر ففتحها الله عليه بعضها عَنوة وبعضها صلحًا، وهي إقليم عظيم كثير النخيل [¬٢] والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها علي الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه، ولم يغب منهم أحد -قال ابن زيد: إلا ألا دجانة [سماك بن خرشة] [¬٣]، كما هو مقرر في موضعه- ثم رجع إلي المدينة. فلما كان في ذي القعدة سنة سبع خرج إلي مكة معتمرًا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحُلَيفة، وساق معه الهَدْي، قيل: كان ستين بدنة. فَلَبَّي وسار وأصحابه يُلَبّون. فلما كان قريبا من مَرّ الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رُعبوا رعبًا شديدًا وظنوا [¬٤] أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينه ولعنهم من وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر [¬٥] الظهران حيث ينظر إلي أنصاب الحرم بعث السلاح من [¬٦] القسي والنبل والرماح إلي بطن يَأجج، وسار إلي مكة بالسيوف مغمدة في قربها، كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء
стр. 5766
الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا مُحمد، ما عرفناك تنقض العهد. قال: "وما ذاك؟ " قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال: "لم يكن [¬١] ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج". فقال: بهذا عرفناك، بالبر والوفاء. وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه غيظًا وحنقًا. وأما بقية أهل مكة بن الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحاله يُلبّون، والهدي قد بعثه إلى ذي طُوَى وهو راكب ناقته القصواء [¬٢] التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رَوَاحة الأنصاري آخد بزمام ناقة رسول الله ﷺ يقودها، وهو يقول:
باسْم الذي لا دينَ إلا دينُهُ … باسْم الذي محمدٌ رَسُولُه
خَلّوا بَني الكُفَّار عَنْ سَبِيله … اليَوْمَ نَضْربكُم عَلَى تَأويله
كَمَا ضَرَبْنَاكُم عَلى تَنْزِيله … ضَرْبًا يُزِيلُ الهَام عَنْ مَقِيله
وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَن خليله … قَدْ أنْزَل الرّحْمَنُ في تَنْزِيله
في صُحُف تُتْلَى عَلى رَسُوله … بِأَن خَير القَتْل في سَبِيله
يا رَب إني مُؤمنٌ بقِيله
فهذا مجموع من روايات متفرقة.
قال يونس بن بكير (٧٠)، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عُمرة القضاء، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته ﷺ ، وهو يقول:
خَلّوا بَني الكُفّار عَنْ سَبِيله … إنّي شَهيدٌ أنه رَسُولُه
خَلّوا فَكلّ الخير في رَسُوله … يَارَبّ إنّي مُؤْمنٌ بقيله
نَحن قَتَلْنَاكُم عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيله
ضَربًا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … وَيُذهلُ الخَليلَ عَن خَلِيله
وقال عبد الرزاق (٧١): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة [¬٣] القضاء، مشى عبد الله بن رواحة بين
стр. 5767
يديه، وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغَرْزه، وهو يقول:
خَلّوا بَنِي الكُفَّار عَن سَبيله … قَدْ نَزل الرّحْمَنُ في تنزِيله
بأَنّ خَير القَتْل في سَبيله … يارَبّ إنّي مُؤمنٌ بقيله
نَحن قَتَلنَاكمْ عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلنَاكُم عَلى تَنزِيله
ضَربّا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … ويُذْهِل الخَليل عَنْ خَليله
وقال الإمام أحمد (٧٢): حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل -يعني ابن زكريا - عن عبد الله -يعني ابن عثمان- عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مَرّ الظهران في عمرته، بلغ أصحابَ رسول الله ﷺ أن قريشًا ما يتباعثون من العَجَف، فقال أصحابه: لو انتحرنا [¬١] من ظهرنا فأكلنا من لحمه، وحَسَونا من مَرَقه، أصبحنا غدًا حين ندخل على القوم وبنا جَمَامَة. قال: "لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم". فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا، وحثا [¬٢] كل واحد منهم في جرَابه. ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع [¬٣] بردائه، ثم قال: "لا يرى القوم فيكم غمير". فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم [لتنقُزُون نَقزَ] [¬٤] الظباء، [ففعل ذلك ثلاثة أشواط] [¬٥]، فكانتْ سُنَّة. قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع.
وقال أحمد أيضًا (٧٣): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد [] [¬٦] بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة
стр. 5768
وقد وَهَنتهم حُمَّى يثرب، ولقوا منها سوءًا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرًّا. وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أن يَرمُلوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جَلَدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد [¬١] وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد، به. وفي لفظ: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة، أي من ذي القعدة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم و [قد] [¬٢] قد وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإِبقاء عليهم.
قال البخاري (٧٤): وزاد ابن [¬٣] سلمة -يعني حماد بن سلمة- عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال: "ارملوا". ليُريَ المشركين [¬٤] قوتهم، والمشركون من قبل قُعَيقعَان [¬٥].
وحدثنا محمد (٧٥)، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: إنما سعى النبي ﷺ كالبيت وبالصفا والمروة، ليرى المشركون [¬٦] قوته.
ورواه في مواضع أخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن سفيان بن عيينة به.
وقال أيضًا (٧٦): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد سمع ابن أبي أوفى؛ يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين. ومنهم؛ أن يؤذوا رسول الله ﷺ . انفرد به البخاري دون مسلم.
стр. 5769
وقال البخاري أيضًا (٧٧): حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سُرَيج بن النعمان، حدثنا فُلَيح (ح) [¬١] وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا فُليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثًا [¬٢] أمروه أن يخرج، فخرج.
وهو في صحيح مسلم أيضًا.
وقال البخاري أيضًا (٧٨): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؛ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم في أن يُقيم [¬٣] بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: "هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله". قالوا: لا نقر بهذا، ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال: "أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله". ثم قال لعلي بن أبي طالب: "امحُ رسول الله". قال: لا، والله لا أمحوك أبدًا؛ فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن يكتبُ، فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يُدْخِلُ مكة السلاحَ إلا السيف في القرَاب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها". فلما دخلها ومضى الأجل، أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ. فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنةَ عمك. فحملتها [¬٤]، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم". وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك". وقال لجعفر: "أشبهت خَلقي وخُلُقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا". قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟
стр. 5770
قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة". انفرد به من هذا الوجه.
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي فعلم [¬١] الله تعالى من الخيرة والمصلحة في صَرْفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموه أنتم، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحًا قريبًا، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين.
ثم قال تعالى مبشرًا للمؤمنين بنصرة الرسول صلوات الله عليه على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ومليين [¬٢] ومشركين، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: أنه رسوله، وهو ناصره.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
يخبر تعالى عن محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أنه رسوله حقًّا بلا شك ولا ريب، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وهذا مبتدأ وخبر [¬٣]، وهو مشتمل على كل وصف جميل. ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًّا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾. وقال النبي ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم
стр. 5771
كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا". وشبك بين أصابعه. كلا الحديثين في الصحيح.
وقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإِخلاص فيها لله والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول [¬١]، كما قال: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾.
وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: سيماهم في وجوههم يعني: السمت الحسن.
وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع.
وقال ابن أبي حاتم (٧٩): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، قال: الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون.
وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم.
وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار.
وقد أسنده ابن ماجة في سننه (٨٠)، عن إسماعيل بن محمد الطّلْحي [¬٢]، عن ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". والصحيح أنه [¬٣] موقوف.
وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا [¬٤] في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.
стр. 5772
وقال أمير المؤمنين عثمان [¬١]: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
وقال [¬٢] أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن سلمة بن كُهَيل، عن جندَب بن سفيان البجلي؛ قال: قال النبي ﷺ : "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر". العرزمي متروك.
وقال الإِمام أحمد (٨١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنًا ما كان".
وقال الإِمام أحمد (٨٢): حدثنا حسن، حدثنا زُهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان؛ أن أباه حدثه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة". ورواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير به.
فالصحابة، ﵃، خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.
وقال [¬٣] مالك ﵀: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: "والله لهؤلاء [¬٤] خير من الحواريين فيما بلغنا [¬٥] ". وصدقوا في ذلك،
стр. 5773
فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فراخه، ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: شده ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي: شب وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي: فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
ومن هذه الآية انتزع الإِمام مالك ﵀ في رواية عنه - بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم [¬١] بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم.
ثم قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾، "من" هذه لبيان الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا، ووعد الله حق وصدق، لا يُخْلَف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم [¬٢]، ولهم [¬٣] الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، ﵃ وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل.
قال مسلم في صحيحه (٨٣): حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه".
آخر تفسير سورة الفتح، ولله الحمد والمنة.
. * * *
стр. 5774
تفسير سورة الحجرات وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾
هذه آدابٌ أدّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لا تتسرعوا [¬١] في الأشياء بين يديه، أي قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديثُ معاذ (١)، قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد رأيي. فضرب
стр. 5775
في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يرضي رسول الله". وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (٢).
وقال العوفي عنه: نهى أن يتكلموا وبين يدي كلامه (٣).
وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله على لسانه (٤).
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله في [¬١] شرائع دينكم (٥).
وقال سفيان الثوري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل (٦).
وقال الحسن البصري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، قال: لا تدعوا قبل الإِمام.
стр. 5776
وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا كذا. وكذا لو صنع كذا، فكره الله ذلك وتقدم فيه (٧).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: هذا أدب ثانٍ أدَّب الله به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ وقد روي [أنها نزلت] [¬١] في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.
وقال البخاري (٨): حدثنا بَسْرَة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة؛ قال: كاد الخيّران أن يَهْلكا، أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع: لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خلافي. قال: ما أردتُ خلافك [¬٢]. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمعُ رسولَ الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه [¬٣]، ولم يذكر ذلك عن أبيه؛ يعني أبا بكر ﵁. انفرد له دون مسلم.
ثم قال البخاري (٩): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا حجاج، عن ابن جرَيج، حدثني ابن أبي مليكة؛ أن عبد الله بن الزبير أخبره؛ أنه قَدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد. وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلى -أو: إلا- خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافَك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 5777
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، حتى انقضت الآية، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية.
وهكذا رواه هاهنا منفردًا به أيضًا.
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (١٠): حدثنا الفضل بن سهل [¬١]، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عُمَر، عن مُخارق، عن طارق بن شهاب، عن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، قلت: يا رسول الله، والله؛ لا أكلمك إلا كأخي السّرار.
حصين بن عمر هذا - وإن كان ضعيفًا - لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، بنحو ذلك، والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله؛ أنا أعلم لك علْمه. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا. قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة". تفرد به البخاري من هذا الوجه (١١).
وقال الإِمام أحمد (١٢): حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا
стр. 5778
الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ ، حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينًا ففقده رسول الله ﷺ ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول، حبلى عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ ، فأخبروه بما قال .. فقال: "لا، بل هو من أهل الجنة". قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تُعوّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتل.
وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .. إلى آخر الآية جلس ثابت في بيته، قال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قولَ رسول الله ﷺ ، فقال ثابت: أنْزلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ ؛ فقال رسول الله ﷺ : "بل هو [¬١] من أهل الجنة" (١٣).
ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حَيَّان بن هلال، عن سليمان بن المغيرة، به قال: ولم يذكر سعدَ بن معاذ. وعن [قطن بن نُسير] [¬٢] عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، بنحوه. وقال: ليس فيه ذكر سعد بن معاذ (١٤).
حدثنا هُرَيم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر [¬٣] بن سليمان، سمعت أبي يذكر [عن ثابت] [¬٤] عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية … واقتص [¬٥] الحديث، ولم يذكر سعدَ بن معاذ وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلٌ من أهل الجنة (١٥).
стр. 5779
فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا، لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل [سنة خمس] [¬١]، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شَمَّاس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾، قال: قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا صَيِّتٌ رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله ﷺ قال: وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة [¬٢] عبد الله بن أبي بن سلول فقال لها: إذا دخلت بين فَرَسي فشدّي عَليّ الضبَّة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله ﷺ . قال: وأتى عاصم رسولَ الله ﷺ فأخبره خبره، فقال: "اذهب فادعه لي". فجاء عاصم إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفَرَس، فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك. فقال: اكسر الضبة. قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "ما يبكيك، يا ثابت؟ " فقال: أنا صيّت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾. فقال له النبي ﷺ : "أما ترضى أن تَعيش حَميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ " فقال: رضيت ببشرى [¬٣] الله ورسوله ﷺ ، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت رسول الله ﷺ . قال: وأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية (١٦).
стр. 5780
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه سمع صَوتَ رجلين في مسجد رسول الله ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: مِن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيًّا وفي قبره صلوات الله وسلامه عليه دائمًا. ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، كما قال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدرى، كما جاء في الصحيح: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط. الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماوات والأرض" (١٧).
ثم ندب الله إلى خفض الصوت عنده، وحَثّ على ذلك وأرشد إليه ورغَّب فيه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي: أخلصها لها وجَعَلَها أهلًا ومحلًا، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
و [قد] [¬١] قال الإِمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: كُتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٨).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ