← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

فأعدى الأعداء من عَدَا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذُحُول [¬١] الجاهلية، فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾. ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ يقول: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جَبَله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: ليس هذا كهذا. كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وكقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ثم قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. قال عكرمة: ﴿مثل الجنة﴾ أي: نعتها. ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: يعني غير متغير. وقال قتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني: غير منتن. والعرب تقول: أسِنَ الماء إذا تَغَيَّر ريحه. وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: ﴿غير آسن﴾ يعني: الصافي [¬٢] الذي لا كدر فيه. وقال ابن أبي حاتم (١٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله: أنهار الجنة تُفجَّر من جبل من مسك. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة. وفي حديث مرفوع: "لم يخرج من ضُرُوع الماشية".

стр. 5707

﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل، ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾، ﴿لا يصدعون عنها ولا يُنزِفون﴾، ﴿بيضاء لذة للشاربين﴾، وفي حديث مرفوع: "لم تعصرها [الرجال بأقدامها"] [¬١]. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي: وهو في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، وفي حديث مرفوع: "لم يخرج من بطون النحل". وقال الإِمام أحمد (١٨): حدثنا يزيد هارون، أخبرنا الجريري، عن حكيم [بن معاوية] [¬٢]، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد". ورواه الترمذي في "صفة الجنة"، عن محمد بن بَشار [¬٣]، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن إياس الجريري، به. وقال: حسن صحيح. وقال أبو بكر بن مردويه (١٩): حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو [¬٤] قدامة الأيادي، حدثنا أبو عمران الجَوني، عن [أبي بكر] [¬٥] بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "هذه الأنهار تشخُبُ من جنة عدن في جوبة [¬٦] ثم تصدع بعد أنهارًا". وفي الصحيح (٢٠): " إذا سألتم الله فاسألوه [¬٧] الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنة تُفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن".

стр. 5708

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وعبد الله بن الصقر السكري قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي [¬١]، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش، عن دلهم بن الأسود [بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر] [¬٢] قال دلهم: وحدثنيه أيضًا أبي [¬٣] الأسودُ عن عاصم بن لقيط أن [¬٤] لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ ، قلت: يا رسول الله، فعلام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة [¬٥]، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه [¬٦]، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة". قلت: يا رسول الله، أو لنا فيها أزواج مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن. مثل لذاتكم في الدنيا ويلذنكم [¬٧]، غير أن لا توالد". وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة، عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري، عن معاوية بن قرة، [عن أبيه] [¬٨] عن أنس بن مالك قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض، والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. وقد رواه أبو بكر بن مَرْدُويه، من حديث مهدي بن حكيم، عن يزيد بن هارون، به مرفوعًا. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. كقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾. وقوله [¬٩]: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: مع ذلك كله. وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [أي: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار؟] [¬١٠] ليس هؤلاء كهؤلاء، أي [¬١١]: ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ أي: حارًّا شديد الحر، لا يستطاع ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذًا بالله من ذلك!

стр. 5709

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَال آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه ولا يفهمون منه شيئًا، فإذا خرجوا من عنده ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ أي: الساعة، لا يعقلون ما يقال، ولا يكترثون له. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ أي: والذين [¬١] قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ أي: ألهمهم رُشْدَهم. وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: وهم غافلون عنها، ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أمارات اقترابها، كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ و [¬٢] كقوله: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾، وقوله: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ وقوله: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾، فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله به الدين، وأقام به [¬٣] الحجة على العالمين. وقد أخبر صلوات الله وسلامه عليه بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته [نبي قبله] [¬٤]، كما هو مبسوط في موضعه.

стр. 5710

وقال الحسن البصري: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة. وهو كما قال، ولهذا جاء في أسمائه ﵇ أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يُحشَر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي. وقال البخاري (٢١): حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم [¬١]، حدثنا سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله على الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا -بالوسطى والتي تليها-: "بعثت أنا والساعة كهاتين". ثم قال تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي: فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك. كقوله تعالى: ﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ ﴿وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك؛ ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾. وفي الصحيح (٢٢) أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هَزْلي وجدي، وخَطَئي وعَمْدي، وكل ذلك عندي". وفي الصحيح (٢٣) أنه كان يقول في آخر الصلاة: "اللهم؛ اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت". وفي الصحيح (٢٤) أنه قال: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".

стр. 5711

وقال الإِمام أحمد (٢٥): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول قال: سمعت عبد الله بن سَرْجس قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فأكلت معه من طعامه [¬١] فقلت: غفر الله لك بها رسول الله؛ [قال: "ولك"] [¬٢]، فقلت: أستغفر لك؟ [فقال رسول الله على الله عليه وسلم] [¬٣]: "نعم، ولكم". وقرأ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم نظرت إلى نُغْض كتفه الأيمن أو كتفه الأيسر -شعبة الذي شك- فإذا هو كهيئة الجُمع عليه الثآليل. رواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق عن عاصم الأحول له. وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى (٢٦): حدثنا محمد بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور، عن أبي نَصِيرَةَ، عن أبي رجاء، عن أبي بكر الصديق ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما [¬٤]، فإن إبليس بهال: أهلكتُ الناس بالذنوب، وأهلكوني بـ: لا إله إلا الله، والاستغفار. فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون". وفي الأثر المروي: "قال إبليس: وعزتك وجلالك [¬٥] لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال إلَّا : وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني" والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدًّا. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. وكقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهذا القول ذهب إليه ابن جريج وهو اختيار ابن جرير. وعن ابن عباس: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة.

стр. 5712

وقال السدي: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم. والأول أولى وأظهر، والله أعلم. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله -عز رجل- وأمر به نَكَل عنه كثير من الناس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. وقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: مشتملة على حُكْم القتال، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء. ثم قال مشجعًا لهم: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي: في الحالة الراهنة، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جد الحال، وحضر القتال، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أي: أخلصوا له النية، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. وقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: عن الجهاد ونَكَلتم عنه، ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ أي: تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء، وتقطعون الأرحام، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. وهذا نهي عن الإِفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا، بل قد أمر تعالى بالإِصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الاقارب في المقال والفعال وبذل الأموال. وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله ﷺ ، من طرق عديدة، ووجوه كثيرة.

стр. 5713

قال البخاري (٢٧): حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مُزَرّد، عن سعيد بن يسَار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحَقو [¬١] الرحمن فقال: منه! فقالت: بهذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك. قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. ثم رواه البخاري من طريقين آخرين، عن معاوية بن أبي مُزَرد به [] [¬٢] قال رسول الله ﷺ : "اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ". ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مُزرد به. وقال الإِمام أحمد (٢٨): حدثنا إسماعيل، أخبرنا [¬٣] عُيينة بن عبد الرحمن بن جَوشَن، عن أبيه، عن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من حديث إسماعيل -هو ابن عُلَية- به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال الإمام أحمد (٢٩): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي [¬٤]، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: "من سره النساء في الأجل، والزيادة في الرزق فليصل رحمه". تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيح. وقال أحمد أيضًا (٣٠): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حَجّاج بن أرطاة، عن عمرو بن

стр. 5714

شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم [¬١]؟ قال: "لا، إذن تتركون [¬٢] جميعًا، ولكن جُد بالفضل وصلهم، فإنه لن -يزال معك ظهير من الله ما كنت على ذلك". تفرد به من هذا الوجه، وله شاهد من وجه آخر. وقال الإِمام أحمد (٣١): حدثنا يعلى، حدثنا فطْرٌ [¬٣]، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ [¬٤]،، ولكن الواصل الذي إذا قطعت -رحمه وصلها". رواه البخاري. وقال أحمد (٣٢): حدثنا بهز، حدثنا حَمَّاد بن سلمة، أخبرنا قتادة، عن أبي ثُمَامَة الثقفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "تُوضَعُ الرّحِمُ يوم القيامة لها حُجْنَة [¬٥] كحُجنَة [¬٦] المغزل تكلم بلسانٍ طُلقٍ ذُلَقٍ، فتصل من وصلها وتقطع من قطعها". وقال الإِمام أحمد (٣٣): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو- يبلغُ به النبي ﷺ قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شجنَة [¬٧] (*) مِنَ الرحمن، من وصلها وصلته، ومن قطعها بنته [¬٨] ".

стр. 5715

وقد رواه أبو داود والترمذي، من حديث سفيان [¬١] بن عُييَنة، عن عمرو بن دينار، به [¬٢]. وهذا هو الذي يروى بتسلسل الأوّلية وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد (٣٤): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله قارظ [¬٣]: أن أباه خدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو مريض، فقال له [عبد الرحمن] [¬٤]: وصلتك رَحمٌ، إن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن يصلها [¬٥] أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبته -أو قال: من بيتها [¬٦] أبته". تفرد به من هذا الوجه. ورواه أحمد أيضًا من حديث الزهريّ، عن أبي سلمة، عن الرَّدَّاد [¬٧]-أو أبي الرّدّاد [¬٨]- عن عبد الرحمن بن عوف به. ورواه أبو داود والترمذي، من رواية أبي سلمة، عن أبيه. والأحاديث في هذا كثيرة. وقال الطبراني [¬٩] (٣٥): حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى بن يونس، عن الحجاج بن يونس، عن [¬١٠] الحجاج بن الفُرَافِصَة، عن أبي عمر البصري، عن سليمان؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".

стр. 5716

وبه قال رسول الله ﷺ (٣٦): " إذا ظهر القول، وخزن العمل، وائتلفت الألسنة، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم. وأعمى أبصارهم". ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٢٨)﴾ يقول تعالى آمرًا بتدبر القرآن وتفهمه، وناهيًا عن الإعراض عنه، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: بل على قلوب أقفالها، فهي [¬١] طبقةٌ [¬٢] لا يخلص إليها شيء من معانيه. قال ابن جرير (٣٧): حدثنا بشر؛ [قال: حدثنا يزيد؛ قال: حدثنا سعيد؛ قال] [¬٣]: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: تلا رسول الله ﷺ يومًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فقال شابٌّ من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى [يكون الله ] [¬٤] يفتحها أو يفرجها. فما زال الشاب في نفس عمر [﵁] حتى ولي فاستعان به. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم﴾ أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى

стр. 5717

الكفر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زين لهم ذلك وَحسّنَه، ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي: غَرّهم وخدعهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ﴾ أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن علي الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض [¬١] أرواحهم، وتَعَصَّت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ … ﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَينَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ أي: اعتقَدَ المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟! بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله [¬٢] تعالى في ذلك سورة "براءة"، فبين فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم؛ ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن، وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره. وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَينَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يقول تعالى: ولو نشاء -يا محمد- لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانًا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك [¬٣] في جميع المنافقين سترًا منه علي خلقه، وحملًا للأمور على ظاهر السلامة، وردّ السرائر إلى عالمها، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي: فيما يبدو من كلامهم الدال علي مقاصدهم، يفهم

стр. 5718

المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما أسَرَّ أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات [¬١]، وجهه، وفلتات لسانه (٣٨). وفي الحديث (٣٩): " ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر". وقد ذكرنا ما يستدل به علي نفاق الرجل، وتكلمنا علي نفاق العمل والاعتقاد في أول "شرح البخاري"، بما أغنى عن إعادته هاهنا. [وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين] [¬٢]. قال الإمام أحمد (٤٠): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي [¬٣] مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: خَطبنا رسول الله ﷺ خطبةً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم. ثم قال: قم يا فلان، قم [¬٤] يا فلان، قم [¬٥]، يا فلان -حتى سمى ستةً وثلاثين رجلا- ثم قال: إن فيكم -أو: منكم- فاتقوا الله. قال [¬٦]: فمر عمر برجل ممن سمى مُقَنّع قد كان يعرفه، فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ ، فقال: بعدًا لك سائر اليوم. وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. وليس في تَقَدّم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد: حتى نعلم وقوعه؛ ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم، أي: لنرى. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى

стр. 5719

لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه ليخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله، فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عَقّبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة (*): حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يظنون أنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾. فخافوا أن يبطل الذنب العمل. ثم روي من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرني بُكَير [¬١] بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾. فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف علي مَن أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها. ثم أمر تعالى [عباده المؤمنين] [¬٢] بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾ أي: بالردة؛ ولهذا قال بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ … ﴾. الآية.

стр. 5720

ثم قال لعباده المؤمنين ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا [¬١] تضعفوا عن الأعداء، ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عَدَدِكم وعُدَدِكُم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم [¬٢] قوة [¬٣] وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صدّه كفار قريش عن مكة، ودَعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم إلى ذلك. وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: فيه بشارة عظيمة بالنصر [¬٤] والظفر علي الأعداء، ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ﴾ أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم [¬٥] إاها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئًا. ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ (٣٨)﴾ يقول تعالى تحقيرًا لأمر الدنيا وتهوينًا لشأنها: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها [¬٦] لله ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالكُمْ﴾ أي: هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئًا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساةً لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم. ثم قال: ﴿إنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ أي: يحوجكم [¬٧] تبخلوا: ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾.

стр. 5721

قال قتادة: قد علم الله أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وصدق قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ أي: لا يجيب إلى ذلك، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: إنما نَقَص نفسَه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه [¬١]، دائمًا؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ أي: بالذات إليه. فوصفُهُ بالغني وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، لا ينفكون عنه [¬٢]. وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي: عن طاعته واتباع شرعه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ﴾ أي: ولكن يكونون [¬٣] سامعين مطيعين له ولأوامره. وقال ابن أبي حاتم، وابن جرير (٤١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم [¬٤] بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ﴾. قالوا: يا رسول الله؛ من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده [¬٥] على كتف سلمان الفارسي ثم قال: "هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس". تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلّم فيه بعض الأئمة، والله أعلم. آخر تفسير سورة القتال [¬٦]. * * *

стр. 5722

تفسير سورة الفتح وهي مدنية قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة؛ قال [¬١]: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح [في مسيره] [¬٢] سورة الفتح علي راحلته فرجع فيها. قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم [¬٣] قراءته. أخرجاه من حديث شعبة به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صدّه المشركون عن الوصول إلي المسجد الحرام ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلي المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلي ذلك علي تكرّه من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله. فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع، أنزل الله هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما رُوِيَ عن ابن مسعود ﵁ وغيره [¬٤] أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتحَ مكة، ونحن نعد الفتحَ صلحَ الحديبية. وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر؛ قال: ما كنا نعدّ الفتح إلا يوم الحديبية. وقال البخاري (٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن

стр. 5723

البراء؛ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعةَ الرضوان يوم الحديبية، كنا معَ رسول الله ﷺ أربع عَشرةَ مائة، والحديبيةُ [بئر، فنزحناها فلم نَتْرُكْ [¬١]] [¬٢] فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صَبَّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدَرَتنَا ما شئنا نحن وركائبنا. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو [¬٣] نوح، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، قال [¬٤]: فسألته عن شيء -ثلاث مرات- فلم يرد علي، قال: فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا بن الخطاب نَزَرْتَ رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك [¬٥]؟ قال: فركبت راحلتي فتقدمت مخافة أن يكون نزل [¬٦] فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد ينادي [¬٧]: يا عمر، [أين عمر] [¬٨]؟. قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء، قال: فقال النبي ﷺ : "نزلت علي الليلة [¬٩] سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. ورواه البخاري، والترمذي، والنسائي، من طرق عن مالك ﵀. وقال علي بن المديني: هذا إسناد مديني لم نجده إلا عندهم. وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ مَرجِعَه من الحديبية. قال النبي ﷺ : "لقد أنزلت

стр. 5724

عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض"، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئًا [¬١] مريئًا يا نبي الله؛ لقد [¬٢] بين الله ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت [¬٣] عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به. وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب؛ قال [¬٤]: سمعت أبي يحدث، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن جارية [¬٥] الأنصاري -وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس يُنفِرُونَ [¬٦] الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ ، فخرجنا مع الناس نوجفُ [¬٧]، فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند [¬٨] كراع الغَميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : أي رسولَ الله؛ وَفَتحٌ هو؟ قال: "إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح". فقسمت [¬٩] خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ عل [¬١٠] ثمانية عشر سهمًا، [وكان الجيش] [¬١١] ألفًا وخمسمائة [منهم ثلاثمائة] [¬١٢] فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا. ورواه أبو داود [في الجهاد] [¬١٣] عن محمد بن [عيسى عن مُجَمّع] [¬١٤] بن يعقوب به [¬١٥].

стр. 5725

وقال ابن جرير (٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو بحر [¬١]، حدثنا شعبة [¬٢]، حدثنا جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم. قال: فقلنا: "امضوا". فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: "افعلوا كما [¬٣] كنتم تفعلون، [وكذلك] [¬٤] من نام أو نسي". قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ ، فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامُها بشجرة، فأتيته بها فركبها، فبينا نحن [¬٥] نسير إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا إتاه اشتد عليه، فلما سُري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾. وقد رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به. وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة؛ قال: سمعتُ المغيرةَ بن شعبة، يقول: كان النبي، ﷺ ، يصلي [¬٦] حتى تَرِم [¬٧] قدماه، فقيل له: أليس قد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك ومما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ ". أخرجاه، وبقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث زياد به. وقال الإمام أحمد (٨): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر،

стр. 5726

عن ابن قسيط، عن عروة [بن] [¬١] الزبير، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتَفطر رجلاه، فقالت له عائشة: يا رسول الله، أتصنع [¬٢] هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا عائشة؛ أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ ". أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به. وقال ابن أبي حاتم (٩): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عون الخراز -وكان ثقة بمكة- حدثنا محمد [¬٣] بن بشر، حدثنا مسعر، [عن قتادة] [¬٤]، عن أنس، قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه -أو قال: ساقاه- فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنْبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". غريب من هذا الوجه. فقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي: بيّنًا ظاهرًا، والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض [¬٥]، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإِيمان. وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾: هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه- التي لا يشاركه فيها [¬٦] غيره. وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غَفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ ، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- في جميع أموره علي الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بَشَرٌ سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر علي الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة.

стр. 5727

ولما كان أطوع خلق الله لله، وأكثرهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: "حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم شيئًا يعظمون به حُرمات الله إلا أجبتهم إليها" (١٠). فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح، قال الله له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: بسبب خضوعك لأمر الله يرفعُك الله وينصرك على أعدائك. كما جاء في الحديث الصحيح (١١): " وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". وعن عمر بن الخطاب أنه قال: ما عاقبت-[أي: في الدنيا والآخرة] [¬١]- أحدًا عصى الله تعالى فيكَ بمثل أن تطيعَ الله فيه. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة. قاله ابن عباس، وعنه: الرحمة.

стр. 5728

وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين. وهم الصحابة يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك، واستقرت، زادهم ايمانًا مع إيمانهم. وقد استدل به البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب. ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ولو أرسل عليهم مَلكًا واحدًا لأباد خَضْراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، قد تقدم حديث أنس (١٢): قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله؛ هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم [¬١] عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: ﴿عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي: أبعدهم من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ثم قال مؤكدًا لقدرته علي الانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾

стр. 5729

يقول تعالى لنبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه- ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: علي الخلق، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي: للمؤمنين، ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: للكافرنى. وقد تقدم تفسيرها في "سورة الأحزاب". ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعظموه. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾، من التوقير وهو الاحترام والإِجلال والإِعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: يسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار وآخره. ثم قال تعالى لرسوله، ﷺ ، تشريفًا له وتعظيمًا وتكريمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويري مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع [¬١] بواسطة رسوله ﷺ ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله". وحدثنا أبي (١٣)، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ في الحَجَر: "والله ليبعثنه [¬٢] الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد علي من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود وَبَالُ ذلك

стр. 5730

على الناكث، والله غني عنه، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ قيل: ألف [¬١] وثلثمائة. وقيل: أربعمائة [¬٢]. وقيل: وخمسمائة. والأوسط أصح. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك قال البخاري (١٤): حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة. ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به. وأخرجاه (١٥) أيضًا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر؛ قال: كنا يومئذ ألفًا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فنبع الماء [¬٣] من بين أصابعه، حتى رَوَوْا كلهم. وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهمًا من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء، حتى كفتهم، فقيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وفي رواية في [¬٤] الصحيحين (١٦) عن جاير أنهم كانوا خمس عشرة مائة. وروى البخاري (١٧) من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة. [قلت: فإن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال ﵀: وَهِمَ، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول: خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال: أربع عشرة مائة] [¬٥].

стр. 5731

وروى العوفي [¬١] عن ابن عباس؛ أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين. والمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي (١٨)، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس الدوري، عن يحيى بن معين [¬٢]، عن شَبَابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة. وكذلك هو في رواية سلمة بن الأكوع (١٩)، ومعقل بن يسار (٢٠)، والبراء بن عازب (٢١). وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير. وقد أخرج صاحبا الصحيح (٢٢) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، قال [¬٣]: سمعت عبد الله بن أبي أوفى؛ يقول: كان أصحاب الشجرة ألفًا وأربعمائة [¬٤]، وكانت أسْلَمُ يومئذ ثُمْنَ المهاجرين. وروى محمد بن إسحاق في السيرة (٢٣)، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المشور [ابن مخرمة] [¬٥] ومَرْوان بن الحكم أنهما حدثاه؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، كل بدنة عن عشرة نفر. وكان جابر بن عبد الله -فيما بلغني عنه- يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة كذا قال ابن إسحاق، وهو [معدود من أوهامه [¬٦]] [¬٧]، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة.

стр. 5732

ذكر سبب هذه البيعة العظيمة قال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة (٢٤): ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، ليبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا علي نفسي، وليس بمكة من بني عَديّ بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغِلَظي عليها، ولكني أدلك علي رجل أعَزّ بها مني، عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت، ومعظّمًا لحرمته. فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بَلّغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى [¬١] أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [¬٢] رسول الله، ﷺ . واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسولَ الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتل. قال ابن إسحاق (٢٥): فحدثني عبد الله بن أبي بكر؛ أن رسول الله ﷺ ، قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم". ودعا رسول الله ﷺ الناسَ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم [¬٣] رسول الله، ﷺ ، على الموت. وكان جابر بن عبد الله، يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ. فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجَدّ بن قيس أخو بني سلمة [¬٤]، فكان جابر يقول: والله لكأني [¬٥] أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبَأ إليها [¬٦] يستتر [¬٧]

стр. 5733

بها من الناس ثم أتى رسول الله، ﷺ ، أن الذي كان من أمر عثمان باطل. وذكر ابن لَهِيعة (٢٦)، عن الأسود، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وزاد في سياقه: أن قريشًا بعثوا وعندهم عثمان [] [¬١] سهيلَ بن عمرو، وحُويطب بن عبد العُزَّى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ ، فبينما هم عندهم [¬٢] إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين مَنْ عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ : ألا إن [¬٣] روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ ، فأمر [¬٤] بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدًا، فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد [¬٥] الصفار، حدثنا تمتام [¬٦]، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم؛ إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله". فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم. قال ابن هشام (٢٧): وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر؛ قال [¬٧]: بايع [رسول الله ﷺ ] [¬٨] لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى. وقال عبد الملك بن هشام النحْوي (٢٨): فذكر وكيع، عن إسماعيل بن [¬٩] أبي خالد،

стр. 5734

عن الشعبي أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنَان الأسدي. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (٢٩): حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان، فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ : "علام تبايعني؟ ". فقال أبو سنان: على ما في نفسك. هذا أبو سنان وَهبُ الأسدي، ﵁. وقال البخاري (٣٠): حدثنا. شجاع بن الوليد، سمع النضر [¬١] بن محمد، حدثنا صخر [¬٢]، عن نافع؛ قال: أن الناس يتحدثون أن ابن عُمَر أسلم قبل عُمَر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم [¬٣] للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يُبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسولَ الله ﷺ ، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر. ثم قال البخاري (٣١): وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عُمَر بن محمد العُمَري، أخبرني نافع، عن ابن عمر؛ أن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ [يوم الحديبية] [¬٤] قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس مُحدقونَ [¬٥] بالنبي ﷺ فقال -يعني عمر-: يا عبد الله؛ انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ . فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع. وقد أسنده البيهقي عن أبي [¬٦] عمرو الأديب، عن أبي بكر الإِسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دحيم: حدثني الوليد بن مسلم، فذكره.

стр. 5735

وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سَمُرة، وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم (٣٢)، عن قتيبة، عنه. وروى مسلم (٣٣) عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُرَيع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن [¬١] الأعرج، عن معقل بن يَسَار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرَّ. وقال البخاري (٣٤): حدثنا المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال يزيد: قلت: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت. وقال البخاري أيضًا (٣٥): حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عُبَيد، عن سَلَمة؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية ثم تنحيت، فقال: "يا سلمة؛ ألا تبايع؟ " قلت: قد بايعت. قال: "أقبل فبايع". فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؛ قال: على الموت. وأخرجه مسلم من وجه أخر عن يزيد بن أبي عبيد. وكذا روى البخاري (٣٦) عن عباد بن تميم: أنهم بايعوه على الموت. وقال البيهقي (٣٧): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع؛ قال: قَدمنا

стр. 5736

الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا تُرْويها [¬١]، فقعد رسول الله ﷺ علي جَبَاها -يعني الرّكي- فإما دعا وإما بَصَق [¬٢] فيها، فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلي البيعة في أصل الشجرة، فبايعتُه أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال [ ﷺ : "بايعني يا سلمة". قال: قلت: يا رسول الله، قد بايعتك في أول الناس] [¬٣]. قال: "وأيضًا". قال [¬٤]: ورآني رسول الله، ﷺ ، عَزِلًا فأعطاني حجفة -أو دَرَقَة- ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ﷺ : "ألا تبايع يا سلمة؟ ". قال: قلت: يا رسول الله؛ قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: "وأيضًا". فبايعته الثالثة، فقال: "يا سلمة؛ أين حَجَفَتك أو دَرَقَتك التي أعطيتك؟ ". قال: قلت: يا رسول الله؛ لقيني عامر عزلًا فأعطيتها أياه، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم؛ أبغني حبيبًا هو أحب إليّ من نفسي"، قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشي بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال: وكنت خادمًا لطلحة بن عُبَيد الله ﵁ أسقي فرسه وأحُسّهُ [¬٥] وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مُهَاجرًا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا نحن وأهلُ مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فَكَسَحْتُ [¬٦] شوكها [¬٧]، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، وتحولت إلي [¬٨] شجرة أخرى فَعلّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادي مناد من أسفل الوادي: [يا للمهاجرين] [¬٩]، قُتل ابن زُنَيم. فاخترطت سيفي فشددت علي أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثًا في يدي، ثم قلت: والذي كَرّم وجهَ محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلي رسول الله ﷺ . قال: وجاء عمي عامر برجُل من العَبَلات يقال له: "مكرَز [¬١٠] " من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم علي رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: "دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثنَاه". فعفا عنهم رسول الله صلي

стр. 5737

الله عليه وسلم وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ … الآية. وهكذا رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم بن راهوية بسنده نحوه أو قريبًا منه. وثبت في الصحيحين (٣٨) من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب؛ قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كان تَبَيّنتْ [¬١] لكم فأنتم أعلم. وقال أبو بكر الحميدي (٣٩): حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلي البيعة، وجدنا رجلًا منا يقال له: "الجد بن قيس" مختبئًا تحت إبط بعيره [¬٢]. رواه مسلم من حديث ابن جُرَيج، عن ابن الزبير به. وقال الحميدي أيضًا (٤٠): حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابرًا قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله ﷺ : "أنتم خير أهل [¬٣] الأرض اليوم". قال جابر: لو كنت أبصرُ لأريتكم موضع الشجرة. قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها. أخرجاه من حديث سفيان. وقال الإِمام أحمد (٤١): حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة". وقال ابن أبي حاتم (٤٢): حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سَعيدُ [¬٤] بن

стр. 5738

عمرو الأشعثي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحبُ الجمل الأحمر". قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا: تعال فبايع. فقال: أصيبُ بعيري أحبّ إليّ من أن أبايع. وقال عبد الله بن أحمد (٤٣): حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قُرّة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: "من يصعد الثنية ثَنيَّة المُرَار [¬١] فإنه يُحَطّ عنه ما حُطّ [¬٢] عن بني إسرائيل". فكان أول من صَعد خيل [¬٣] بني [¬٤] الخزرج، ثم تبادر الناس بعد فقال رسول الله ﷺ : "كلكم مغفور له [¬٥] إلا صاحب الجمل الأحمر". فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله. فقال: والله لأن أجد ضالتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم. فإذا هو رجل يَنْشُدُ ضالة. رواه مسلم عن عُبَيد الله به. وقال ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا؛ يقول: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد". قالت: بلي يا رسول الله. فانتهرها. فقالت لحفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فقال النبي ﷺ : "قد قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ". رواه مسلم (٤٤). وفيه أيضًا عن قتيبة (٤٥)، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن [عبدًا لحاطب] [¬٦] بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله؛ ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : "كذبت: لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحديبية".

стр. 5739

ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَي نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَي بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾. ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَي أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾. يقول تعالى مخبرًا رسوله [¬١]-صلوات الله وسلامه عليه- بما يعتذر به المخلفون بن الأعراب الذين اختاروا المُقَام في أهليهم وشغلهم، وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ ، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده فيكم -تعالى وتقدس- وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا وتابعتمونا؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ [¬٢] خَبِيرًا﴾. ثم قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: اعتقدتم أنهم يُقتلون وتُستأصل شأفتهم، وتستباد خَضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي:

стр. 5740

هلكى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وقال قتادة: فاسدين. وقيل: هي بلغة عمَّان. ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السماوات والأرض: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، وخضع لديه. ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا (١٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: إنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم [¬١] ومصابرتهم، فأمر الله رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله تعالى وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها [¬٢] غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعًا وقدرًا؛ ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. قال مجاهد، وقتادة، وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية. واختاره ابن جرير. وقال ابن زيد: هو قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في "براءة" نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن غزوة الحديبية. وقال ابن جريج: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: بتثبيطهم [¬٣] المسلمين عن

стр. 5741

الجهاد. ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعبد الله أهل الحديبية [قبل سؤالكم] [¬١] الخروج معهم، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم. ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد علي أقوال: أحدها: أنهم هَوَازن؛ رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة، أو جميعًا- ورواه هشيم عن أبي بشر، عنهما. وبه يقول قتادة في رواية عنه. الثاني: ثقيف. قاله الضحاك: الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، ورُوي مثله عن سعيد وعكرمة. الرابع: هم أهل فارس. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة [¬٢]- في إحدي الروايات عنه. وقال كعب الأحبار: هم الروم. وعن ابن أبي ليلي، وعطاء، والحسن، وقتادة: هم فارس والروم. وعن مجاهد: هم أهل الأوثان. وعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة. وبه بقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، قال: لم يأت أولئك بعد. وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن

стр. 5742

أبي هريرة في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون. قال (٤٦): وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "لا قوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذْلْفَ [¬١] الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة". قال سفيان: هم الترك. قال ابن أبي عمر [¬٢]: وجدت في مكان آخر: ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله ﷺ : "تقاتلون قومًا نعالهم [¬٣] الشعر". قال: هم البارزون؛ يعني: الأكراد. وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، يعني يشرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًّا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار. ثم قال: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا [¬٤] في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمي والعَرَج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه مُلحَقٌ بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ. ثم قال تعالى مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكلُ [¬٥] عن الجهاد، ويُقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار. ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾

стр. 5743

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾ يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سَمُرة بأرض الحديبية. قال البخاري (٤٧): حدثنا محمود، حدثنا عبيد [¬١] الله، عن إسرائيل، عن طارق بن [¬٢] عبد الرحمن؛ قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، فقلت [¬٣]: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان. فأتيتُ سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسيناها فلم نَقدِر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم، سلموها وعُلّمتموها [¬٤] أنتم، فأنتم أعلم. وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فأنزل [] [¬٥] السكينة﴾، وهي الطمأنينة، ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدئهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾. قال ابن أبي حاتم (٤٨): حدثنا [أحمد بن محمد] [¬٦] بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى -يعني إلي عبيدة- حدثني إياس بن سلمة، عن

стр. 5744

أبيه؛ قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : [أيها الناس؛ البيعةَ البيعةَ، نزل روح القدس. قال: فَثُرنا إلى رسول الله ﷺ ] [¬١] وهو تحت شجرة سَمُرة فبايعناه [¬٢]، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فبايع لعثمان بإحدى [¬٣] يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئًا لابن عفان، يطوف بالبيت ونحن هاهنا. فقال رسول الله ﷺ : "لو مكث كذا كذا سنةً ما طاف حتى أطوف". ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ قال مجاهد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، هي جميع المغانم إلي اليوم، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعني فتح خيبر. وروي العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعنيِ صلح الحديبية. ﴿وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كف أيدي الناس الذين خلفتموهم وراء أظهركم عن عيالكم وحريمكم، ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم وناصرهم علي سائر الأعداء، مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الخِيرَة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر، كما قال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾.

стр. 5745

﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله. وقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ أي: وغنيمة أخرى وفتحًا آخر معينًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يَسَّرها الله عليكم، وأحاط بها لكم؛ فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون. وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة، ما المراد بها؟ فقال العوفي، عن ابن عباس: هي خيبر. وهذا على قوله في قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: إنها صلح الحديبية. وقاله الضحاك، وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال قتادة: هي مكة. واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي ليلي، والحسن البصري: هي فارس والروم. وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلي يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي (٤٩): حدثنا شعبة، عن سماك الحَنَفي، عن ابن عباس: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾، قال: هذه الفتوح التي [¬١] تفتح إلى اليوم. وقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يقول تعالى مبشرًا لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار [¬٢] فارًّا مدبرًا لا يجدون وليًّا ولا نصيرًا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين. ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [¬٣]﴾ أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإِيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإِيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه [¬٤] المؤمنين نصرهم علي
следующие страницы →