← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدي محمَّد ﷺ ، وشرّ الأمُور محدثاتها، وكلَّ مُحْدّثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار. أما بعد: فإن أحق ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية ما كان لله في العلم به رضىً، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هُدًى، وإنَّ أجمع ذلك لباغيه هو كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مِرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسني الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ومن تمام جزيل نعم الله علينا أن تكفل الله بحفظ كتابه الكريم فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأن يسر درسه وفهمه فقال عز اسمه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. وإن من أعظم وسائل حفظه، وتيسير درسه وفهمه أن يعني العلماء قديمًا وحديثًا بتفسيره وإيضاح معانيه، وكشف أسراره وبيان أحكامه.

стр. 2

ومن هؤلاء العلماء الذين سخروا أنفسهم لخدمة كتاب ربهم، شيخ الإِسلام، وقدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ، أبو الفداء إسماعيل بن كثير -رحمه الله تعالى- الذي انتهت إليه رياسة العلم في الحديث والتفسير والتاريخ، وكتبه التي بين أيدينا شاهدة له بذلك، وحسبك منها ما نحن بصدده، وهو كتابه: "تفسير القرآن العظيم" الذي قال عنه السيوطي: "وله التفسير الذي لم يُؤلَّف على نمطه مثله". ويُعدُّ هذا التفسير من التفاسير المأثورة، والتي ضاع أكثرها قبل عصر ابن تيمية ﵀ المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. وقيمة تفسير ابن كثير لا تنحصر في أنه تفسير أثري، جمع كثيرًا من الروايات والأخبار المأثورة، إذ من الممكن الحصول عليها من مصدر آخر، لكن امتياز تفسير ابن كثير عن جميع التفاسير التي بلغتنا - سواء كانت بالمأثور أو غيره - يرجع إلى تطبيقه الفذ لمنهج تفسير القرآن، إذ جمع الآيات المتماثلة، وأحصاها عدًّا، وأبان الأسرار الدقيقة في تناسقها، وانسجام ألفاظها، وتساوق أساليبها، وعظمة معانيها، وهو بهذا يمثل معجمًا مفهرسًا لألفاظ القرآن الكريم وآياته، لكنه لم يطبع على ورق، بل على قلبٍ واعٍ لآيات الله وكلماته. ويرجع امتياز تفسيره أيضًا إلى حشده لكثير من الأحاديث والأخبار والروايات وأقوال الصحابة والتابعين مبينًا - في الغالب - درجة الأحاديث والروايات المأثورة من الصحة والضعف، كاشفًا عن أسانيدها وطرقها ومتونها على أسس علم الجرح والتعديل، مرجحًا في أغلب الأحيان الأقوال الصحيحة، مضعفًا لغيرها. وقد كان ابن كثير من كبار المحدثين الحفاظ، لذلك غلبت عليه تلك الطريقة الحديثية في تفسيره، ويكفي أن تعرف - دعمًا لهذه الحقيقة - أن مجموع مصادر السنة في تفسيره يوازي ثلث المصادر كلها، وأن الأحاديث التي ذكرها عن الكتب الستة ومسند الإمام أحمد بلغت عددًا هائلًا. ومن ميزات ابن كثير أيضًا أنَّه كان يتمتع بمَلَكة نقدية فاحصة، سلَّطها على هذا الحشد الهائل من الروايات المأثورة، والأخبار المتوارثة، فأقر منها ما يتفق مع النقل الصحيح والعقل السليم، وندَّد بالروايات المنكرة، والأخبار المختلقة التي لا حاجة لنا بها في ديننا، ولا في دنيانا. ويرجع امتياز تفسير ابن كثير كذلك إلى أنَّه ليس في التفاسير كلها - مأثورة وغير مأثورة - ما ناقش الإسرائيليات وأبان زيفها، ودحض إفكها على هدًى من قواعد علم الجرح والتعديل كتفسير ابن كثير، فهو في هذا الجانب لا يفوقه مفسر حافظ ولا يضاهيه. وتلك حقيقة واضحة وضوح الشمس لمن تأمل تفسيره وأمعن النظر

стр. 3

فيه. ويمتاز ابن كثير في تفسيره بأنه كان يمثل السلف الصالح في آرائهم وتصوراتهم كما بينها القرآن والسنة. كما يعتبر تفسير ابن كثير من أهم تفاسير المحدثين إن لم يكن أهمها على الإطلاق لاعتبارات كثيرة منها: * كثرة المصادر التي ذكرها من كتب السنة والتفسير، والإكثار من النقل عنها. * ذكر الطرق المختلفة للحديث الواحد. * ذكر المواضع المتعددة للحديث في الكتاب الواحد. * عدم الاكتفاء بحديث أو اثنين في الموضع الواحد. * بيان درجة الحديث وذكر الثقات والضعفاء والمجاهيل من الرواة على ضوء ما قاله علماء الجرح والتعديل. * تحذير ابن كثير المتكرر من الإسرائيليات، والروايات المضطربة في التفسير والحديث ونقده لها. * يضاف إلى هذا تأخر ابن كثير زمنيًّا -إذ عاش في القرن الثامن الهجري- مما وفَّر تحت يديه عدد هائلًا من المراجع والمصادر في التفسير والحديث، وهذا ما لم يكن متوفرًا لغيره من المفسرين قبله. لذلك فقد عُدَّ تفسير ابن كثير من أحسن التفاسير وأجودها وأدقها بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر محمَّد بن جرير الطبري، كما يقول أبو الأشبال أحمد شاكر رحمه الله تعالى. بل إنه قد فاقه في جوانب كثيرة، واستدرك عليه كثيرًا من الأمور، ولهذا وضع لهذا التفسير القبول في الأرض، فوجد له رواج بين عوام المسلمين قبل طلبة العلم منهم، ولا نعلم تفسيرًا بلغ في عدد طبعاته مثل هذا الكتاب. لذلك فقد عزمنا -بعد استخارة المولى ﵎ أن نخرج هذا التفسير في ثوبٍ قشيب، قلَّ أن تجد مثله - إن شاء الله تعالى - في الطبعات السابقة. وقبل الشروع في المقصود رأينا أن تقدم بين يدي الكتاب مقدمة متضمنة ثلاثة فصول:

стр. 4

الفصل الأوّل: ترجمة الحافظ ابن كثير. الفصل الثاني: منهج ابن كثير في تفسيره. الفصل الثالث: منهجنا في التحقيق.

стр. 5

الفصل الأول ترجمة الحافظ ابن كثير (١) هو الإمام الحافظ الحجة المحدّث المؤرخ الثقة، ذو الفضائل، عماد الدين، أبو الفداء: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي، الدمشقي، الشافعي. ولد ﵀ بقرية "مِجْدَل" من أعمال "بُصْرَى" وكان أبوه من أهل "بصرى"، وأمه من قرية "مجدل". وقومه كانوا ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نِسَب. كما قال هو في ترجمة أبيه، في تاريخه "البداية والنهاية": "وقف على بعضها شيخنا المزي فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي". - وتاريخ مولده سنة ٧٠٠ هـ، كما ذكر أكثر من ترجم له "أو بعدها بقليل" كما قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة. وهو تاريخ تقريبي. الراجح أنَّه مستنبط من كلامه في ترجمة أبيه، حيث ذكر أن أباه "توفي سنة ٧٠٣ هـ: وكنت إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم". و"ابن ثلاث سنين" لا يعرف تواريخ السنين - على اليقين - في تلك السن. فقد سمع إذن تحديد السنة التي مات فيها أبوه ممن حوله من إخوة أو أهل أو جيران. ولكنه يدرك أباه "كالحلم" فالذي هو في سن أقل من الثلاث ما أظنه يذكر شيئًا "كالحلم" ولا أبعد من الحلم ولا أقرب. فهو حين موت أبيه قد جاوز الثالثة - في أكبر ظني - ولذلك أرجح أن مولده كان في سنة ٧٠٠ أو قبلها بقليل. وهو أقرب إلى الصحة من قول الحافظ ابن حجر: "أو بعدها بقليل" لأنَّ الذي "بعدها" لا يكاد يبلغ الثالثة عند موت أبيه. - وَكان أبوه "الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير" من العلماء الفقهاء الخطباء. ولد -كما قال ابنه- في حدود سنة ٦٤٠ وترجم له ابنه الحافظ في تاريخه الكبير "البداية والنهاية" ج ١٤ ص ٣١ - ٣٣ ومما قال في ترجمته: "اشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى. فقرأ البداية في مذهب أبي حنيفة. وحفظ جمل الزجاجي. وعُني بالنحو والعربية واللغة. وحفظ أشعار العرب، حتى

стр. 6

كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمرائي وقليل من الهجاء. وقرر بمدارس بصرى بمَبْرَك الناقة شمالي البلدة، حيث يزار، وهو المَبْرَك المشهور عند الناس! والله أعلم بصحة ذلك. ثمَّ انتقل إلى خطابة القرية شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النووي والشيخ تقي الدين الفزاري، وكان يكرمه ويحترمه، فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزملكاني. فأقام بها نحوًا من ١٢ سنة، ثمَّ تحول إلى خطابة مجدل: القرية التي منها الوالدة. فأقام بها مدة طويلة، في خير وكفاية وتلاوة كثيرة. وكان يخطب جيدًا، وله مقول عند الناس، ولكلامه وقع؛ لديانته وفصاحته وحلاوته. وكان يؤثر الإقامة في البلاد، لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله. وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها. أكبرهم إسماعيل. ثمَّ يونس، وإدريس. ثمَّ من الوالدة: عبد الوهاب، وعبد العزيز، وأخوات عدة. ثمَّ أنا أصغرهم وسميت باسم الأخ إسماعيل - لأنه كان قد قدم دمشق، فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده، وقرأ مقدمة في النحو، وحفظ التنبيه، وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصل المتتخب في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزملكاني. - ثمَّ إنه سقط من سطح الشامية البرانية، فمكث أيامًا ومات. فوجد الوالد عليه وجدًا كثيرًا، ورثاه بأبياتٍ كثيرة. فلما ولدت أنا له بعد ذلك سمانى باسمه. فأكبر أولاده: إسماعيل، وأصغرهم وآخرهم: إسماعيل، فرحم الله من سلف، وختم بخير لمن بقي. توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ٧٠٣ في قرية مجدل. ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتون. وكنت إذ ذاك صغيرًا، ابن ثلاث سنين أو نحوها. لا أدركه إلا كالحلم. ثمَّ تحولنا من بعده في سنة ٧٠٧ إلى دمشق، صحبة كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين -يعني سنة ٧٥٠. فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسر، وسهل منه ما تعسر". وقد بدأ الاشتغال بالعلم على يدي أخيه عبد الوهاب -كما قال آنفًا- ثمَّ اجتهد في تحصيل العلوم على العلماء الكبار في عصره. وحفظ القرآن الكريم، وختم حفظه سنة ٧١١، كما صرح بذلك في تاريخه ١٤: ٣١٢ وقرأ بالقراءات، حتى عدَّه الداودي من القراء، وترجم له في طبقاتهم التي ألفها. وسمع الحديث من كثير من أئمة الحفاظ في عصره. وعني بالسماع والإكثار منه. فمما ذكر في تاريخه ١٤: ١٤٩، أنَّه سمع صحيح مسلم في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين بن العسقلاني، بقراءة الوزير العالم أبي القاسم محمَّد بن محمَّد بن سهل الأزدي الغرناطي

стр. 7

الأندلسي، المتوفى بالقاهرة في ٢٢ محرم سنة ٧٣٠ - حين قدم دمشق في جمادى الأولى سنة ٧٢٤ عازمًا على الحج. وذكر في ترجمة شيخه الكبير المعمر الرحلة شهاب الدين الحجار المعروف بابن الشحنة: أنه سمع عليه "بدار الحديث الأشرفية في أيام الشتويات نحوًا من خمسمائة جزء بالإجازات والسماع". وهذا الشيخ "عاش مائة سنة محققًا، وزاد عليها". وتوفي سنة ٧٣٠. (التاريخ ١٤: ١٥٠). وتفقّه على الشيخين: برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة. وحفظ التنبيه للشيرازي في فروع الشافعية، ومختصر ابن الحاجب في الأصول. ولزم الحافظ الكبير أبا الحجاج المزي، وقرأ عليه مؤلفه العظيم في الرجال "تهذيب الكمال" وصاهره على ابنته زينب. وكان من أعظم تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية. ولازمه وتخرج على يديه، وكانت له به خصوصية ومناضلة عنه، واتباع له في كثير من آرائه. وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي. وكان من أفذاذ العلماء في عصره. أثنى عليه معاصروه وتلاميذه ومن بعدهم- الثناء الجم. - فذكره الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ [٤: ٢٩]، مع أن الذهبي يكاد يكون من طبقة شيوخه، لأنه مات سنة ٧٤٨، قبل ابن كثير بـ ٢٦ سنة. فقال في طبقات الحفاظ: "وسمعت من الفقيه المفتي المحدث، ذي الفضائل، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البُصْرَوي الشافعي … سمع من ابن الشحنة وابن الرداد وطائفة، له عناية بالرجال والمتون والفقه. خرَّج وناظر وصنف وفسر وتقدم". وقال الذهبي في "المعجم المختص"- فيما نقل ابن حجر وغيره: "الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال". وقال تلميذه شهاب الدين بن حجي: "كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث. وأعرفهم بتخريجها ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وكان يستحضر كثيرًا من التفسير والتاريخ، قليل النسيان. وكان فقيهًا جيد الفهم صحيح الذهن، ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت. ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر. وما أعرف أني اجتمعت به -على كثرة ترددي عليه- إلا واستفدت منه". (عن النعيمي في كتاب الدارس). وقال تلميذه الحافظ أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ (ص ٥٨):

стр. 8

"وصاهر شيخنا أبا الحجاج المزي فأكثر عنه. وأفتى ودرس وناظر، وبرع في الفقه والتفسير والنحو. وأمعن النظر في الرجال والعلل". وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "ولازم المزي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن بسببه. وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته. ولم يكن على طريقة المحدثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء. وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح، وله فيه فوائد". - ونقل السيوطي في ذيل طبقات الحفاظ كلام الحافظ ابن حجر في أنه "لم يكن على طريقة المحدثين … " ثم تعقبه بقوله: "العمدة في علم الحديث؛ معرفة صحيح الحديث وسقيمه، وعللَّه واختلاف طرقه، ورجاله جرحًا وتعديلًا، وأما العالي والنازل ونحو ذلك- فهو من الفضلات، لا من الأصول المهمة". وهذا حق. وقال السيوطي أيضًا: "له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله". يشير إلى هذا التفسير العظيم الذي بين أيدينا. وقال العلامة العيني- فيما نقل عنه ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: "كان قدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ، وسمع وجمع، وصنف ودرس، وحدث وألف. وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهى إليه علم التاريخ والحديث والتفسير. وله مصنفات عديدة مفيدة". ووصفه الحافظ العلامة شمس الدين بن ناصر، في كتاب "الرد الوافر"- بأنه "الشيخ الإمام العلامة الحافظ، عماد الدين، ثقة المحدثين، عمدة المؤرخين، علم المفسرين". وقال فيه ابن حبيب -فيما نقل الداودي في طبقات القراء، وابن العماد في "الشذرات": "إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنف، وحدَّث وأفاد، وطارت فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير". وروى له الحافظ ابن حجر في "إنباء الغمر"، وابن العماد في "الشذرات"- البيتين المشهورين، الذائعين على الألسنة:

стр. 9

تمُرُّ بنا الأيامُ تَتْرَى وإنما … نُسَاقُ إلى الآجال والعينُ تَنْظُرُ فلا عائدٌ ذاك الشبابُ الذي مَضَى … ولا زَائلٌ هذا المشَيبُ المُكَدِّرُ وصحبته وملازمته لشيخ الإسلام ابن تيمية أفادته أعظم الفوائد، في علمه ودينه، وتقوية خلقه، وتربية شخصيته المستقلة الممتازة. فهو مستقل الرأي، يدور مع الدليل حيث دار، لا يتعصب لمذهبه ولا لغيره. وكتبه العظيمة، وخاصة هذا التفسير الجليل -فيها الدلائل الوافرة. ونجده- مع أنه شافعي المذهب- يفتى في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، بما رجحته الدلائل الثابتة الصحاح، أنه يقع طلقة واحدة. ثم يمتحن ويلقى الأذى، فيثبت على قوله، ويصبر على ما يلقى في سبيل اللَّه. - وهو -وهو تلميذ شيخ الإسلام ومن خاصة أنصاره- يعرف ما كان بين شيخه شيخ الإسلام وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي- ومع ذلك فإنه لا يعين عليه في محنة لحقته، بل يعلن عن غبطته بأن تزول عنه المحنة. فيذكر في التاريخ- في حوادث سنة ٧٤٣ (١٤: ٢٠٤) أنه أرجف الناس كثيرًا بقاضي القضاة -في دمشق- "واشتهر أنه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الأيتام إلى الطنبغا وإلى الفخري. وكتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه، وداروا بها على المفتين، فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي، رأيت خطه عليها وحده بعد الصلاة. وسئلت في الإفتاء عليها فامتنعت، لما فيها من التشويش على الحكام". ثم يقول: "وكانوا له في نية عجيبة، ففرج اللَّه عنه بطلبه إلى الديار المصرية. فهذا خُلق أهل العلم النبلاء الأتقياء. وقد طار ذكره في الأقطار الإسلامية، حتى إنه ليذكر في حوادث سنة ٧٦٣ (١٤: ٢٩٤ - ٢٩٥) أن شابًّا أعجميًّا حضر من بلاد تبريز وخراسان، "يزعم أنه يحفظ البخاري ومسلمًا "وجامع المسانيد" و "الكشاف" للزمخشري وغير ذلك"، وأنه امتحنه بقراءة مجالس من البخاري وغيره، بحضرة قاضي القضاة الشافعي، وجماعة من الفضلاء، ثم قال: "وفرح بكتابتي له بالسماع على الإجازة. وقال: أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك، وأن تجيزني. وذكرك في بلادنا مشهور". وهذا الخبر يدل على أن كتابه "جامع المسانيد" وصل إلى أقصى الشرق، في بلاد تبريز وخراسان، حتى يحفظه هذا الشاب الأعجمي أو يحفظ شيئًا منه. في حين أن الحافظ ابن كثير لم يتم تأليف "جامع المسانيد" كما هو معروف، فكأن العلماء

стр. 10

وطلاب العلم كانوا ينسخون ما يخرج منه، ويتداولونه بينهم، حتى يصل من دمشق إلى تلك النواحي النائية. ولم يكن ممن يخدع في الفتاوى التي ظاهرها قصد الاستفتاء، ووراءها ألاعيب سياسية، أو أغراض شخصية غير سليمة، وإن كان المستفتي من الأمراء أو ممن يخشى بأسه، فهو يقول في حوادث سنة ٧٦٢: "وجاءتنى فتيا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلامًا، فأحسن إليه وأعطاه وقدمه، ثم إنه وثب على سيده فقتله، وأخذ ماله ومنع ورثته منه، وتصرف في المملكة، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدم عليه ليقتله؟ فهل له الامتناع منه؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيدًا؟ وهل يثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال؟ أفتونا مأجورين. فهذا استفتاء صيغ في صورة توحي بالجواب. وباطنه أن ذاك الأمير السائل يريد أن يمتنع على الملك الذي دعاه للحضور عنده، ويريد أن يثير فتنة وقتالًا على صاحب الأمر، لعله يصل إلى ما وصل إليه ذاك من المُلْك، كعادة الأمراء من المماليك في ذلك العهد. ولكن ابن كثير يجيبه جوابًا حكيمًا يكشف عن بعض مقصده، ويضمن جوابه النصيحة الواجبة في مثل هذه الحال، فيقول: "فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير: إن كان مراده خلاص ذمته فيما بينه وبين الله تعالى فهو أعلم بنيته في الذي يقصده! ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة في ذلك، فيؤخر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه! وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة، والأمراء عليه- فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولًا، ثم بعد ذلك بقية المفتين بطريقه" (التاريخ ١٤: ٢٨١ - ٢٨٢). وكان الإفرنج قد غدروا بمدينة الإسكندرية، وأشاعوا فيها الرعب، وارتكبوا الفظائع غدرًا، وذلك: أنهم وصلوا إليها من البحر يوم الأربعاء ٢٢ محرم سنة ٧٦٧ "فلم يجدوا بها نائبًا ولا جيشًا، ولا حافظًا للبحر ولا ناصرًا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار، بعدما حرقوا أبوابًا كثيرة منها. وعاثوا في أهلها فسادًا، يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال، ويأسرون النساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير المتعال. وأقاموا يوم الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء. فلما كان صبيحة الأربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج -لعنهم الله- عنها، وقد أسروا خلقًا كثيرًا يقاربون الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبًا وحريرًا وبهارًا وغير ذلك. ما لا يحد ولا يوصف. وقدم السلطان والأمير الكبير يلبغا ظهر يومئذ وقد تفارط الحال، وتحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل

стр. 11

والبكاء والشكوى والجار إلى الله، والاستغاثة به وبالمسلمين- ما قطع الأكباد، وذرفت به العيون وأصم الأسماع. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق طيهم ذلك جدًّا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر، فتباكى الناس كثيرًا. فإنا لله وإنا إليه راجعون". فهذه وقعة شنيعة غادرة من الإفرنج -كعادتهم- والنفوس تتقزز من مثلها، وتثور من أجلها. والملوك والأمراء الظالمون ينتهزون فرصة تعبئة الرأي العام الإسلامي -وثورته من أجل هذا الغدر، وغضبًا لهذه الفظائع- ليأكلوا أموال الناس بالباطل، وظاهر أمرهم الانتقام وباطنه السلب والنهب. ولكن الحافظ ابن كثير يلزم جانب الحق والعدل، ولا يرضى بالظلم، ولو كان ظاهره الانتقام والثأر للمسلمين، فيقول: "وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية، إلى نائب السلطنة، بمَسْك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم، لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الإفرنج. فأهانوا النصارى، وطلبوا من بيوتهم بعُنْف. وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب. ولم تكن هذه الحركة شرعية ولا يجوز اعتمادها شرعًا. وقد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر أي سنة ٧٦٧ إلى الميدان الأخضر، للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ، بعد الفراغ من لعب الكرة. فرأيت منه أنسًا كبيرًا، ورأيته كامل الفهم، حسن العبارة كريم المجالسة. فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، يعني المرسوم بالمصادرة. فقال: إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك! فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا. ومتى كانوا باقين على الذمة، يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة- لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد الفرد فوق ما يبذلونه من الجزية. ومثل هذا لا يخفى على الأمير! فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك؟ ولا يمكنني أن أخالفه؟! ". ثم ذكر أن نائب السلطنة كتب بذلك إلى الديار المصرية. ولكن هذا النائب لم يكن عند قوله، فنفذ المرسوم، وطلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه، وهم قريب من أربعمائة، فحلفهم: كم أموالكم؟ وألزمهم بأداء الربع من أموالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون"، وكانت هذه المصادرة الظالمة في شهر ربيع الأول سنة ٧٦٧. ثم قال الحافظ -في حوادث شهر ربيع الآخر: "وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني، بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهم مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهم، وإن كان الجميع ظلمًا، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم". (التاريخ ١٤: ٣١٤ - ٣١٥، ٣١٨).

стр. 12

فانظر إلى هذا الإمام العظيم، الذي يقف عند حدود الشريعة المطهرة، يقيم ميزان العدل الصحيح كما عرفه من دينه الحنيف، ويألم ويسترجع لما ناب النصارى من مصادرة ظالمة من أمراء طغاة جائرين. كما ألم واسترجع من قبل لما أصاب المسلمين من غدر النصارى وبغيهم، وشتان هذا وذاك، ولكنه لا يرضى إلا أن يقيم ميزان العدل. فكان هذا العقل المستقل العظيم الثابت على الحق، والذي لا تغلبه العواطف والأهواء، مما يجعل للرجل منزلة عند الناس كبيرة. يثق به أنصاره وغير أنصاره، وموافقوه ومخالفوه. بل جعله موضع الثقة والاستشارة عند الذميين، حتى ليستشيره بعض رؤسائهم، في أخص شئونهم الكنيسية، فإنه يذكر قصة طريفة، في استشارة أحد البتاركة إياه في ذلك. يحسن أن نذكرها بعبارته بحروفها: فقال- في حوادث سنة ٧٦٧: "وحضر عندي يوم الثلاثاء تاسع شوال، البَتْرَك بشارة، الملقب بميخائيل، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركا بدمشق عوضًا عن البترك بأنطاكية. فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة: بالإسكندرية، وبالقدس، وبأنطاكية، وبرومية، فنقل رومية إلى إسطنبول، وهي القسسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك. لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية. وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف، لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حل بهم من الخزي والنكال والجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الإسكندرية. وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك إسطنبول، وقرأها في من لفظه -لعنه الله- ولعن المكتوب إليهم أيضًا!! وقد تكلمت معه في دينهم، ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة وهم: الملكية، واليعقوبية -ومنهم الإفرنج والقبط- والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء. ولكن حاصله أنه حمار، من أكفر الكفار! لعنه الله". (التاريخ ١٤: ٣١٩ - ٣٢٠). ولا يعجبن القارئ من أن يكون ابن كثير أعلم بعقائد طوائف النصارى من أحد بتاركتهم. أستغفر الله، بل إنه يذكر عن ذاك البترك ميخائيل الذي تكلم معه "أنه يفهم بعض الشيء"- لأن ابن كثير ﵀ من أوسع العلماء اطلاعًا على أقوال أهل الملل والنحل، خاصة مذاهب المسيحيين. كما يدل عليه كلامه في مواضع كثيرة في التفسير والتاريخ. بل يكفي في الدلالة على سعة اطلاعه في ذلك أن يكون تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي ألف موسوعته النفيسة في ذلك: "كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". وهو مطبوع معروف.

стр. 13

وكان ﵀ قد أضر في آخر عمره. ثم مات يوم الخميس ٢٦ شعبان سنة ٧٧٤. وقال ابن ناصر: "وكانت له جنازة حافلة مشهورة. ودفن بوصية منه في تربة شيخ الإسلام ابن تيمية، بمقبرة الصوفية، خارج باب النصر من دمشق". * * * *

стр. 14

الفصل الثاني منهج ابن كثير في تفسيره (٢) رسم ابن كثير منهجه وحدد أصوله في مقدمة التفسير. وهذا المنهج قد وضعه شيخه ابن تيمية من قبل، بل إن أصول هذا المنهج من صياغة ابن تيمية نفسه، كما يتبين ذلك من "مقدمته في أصول التفسير". وقد بدأ ابن كثير مقدمة تفسيره بعد خطبة الكتاب ببيان طرق وأصول التفسير، فبدأ بالأصل الأول وهو: ١ - تفسير القرآن بالقرآن: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكانٍ فإنه قد بُسط في موضع آخر. وتجد هذا الأصل في مقدمة التفسير لابن تيمية بنفس العبارات مع تغيير طفيف. * وقد طبق ابن كثير هذا المنهج خير تطبيق، فنجده قد جمع الآيات المتعلقة في الموضوع الواحد: فهو يحشد في تفسيره بالقرآن الآيات المماثلة التي يجمعها وحدة الموضوع، أو تندرج تحت قاعدة عامة يلتزم بها القرآن الكريم. ومن الأمثلة على ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ﴾ قال: يعني أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى

стр. 15

قوله: ﴿عَنِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. والآيات في هذا كثيرة. ٢ - تفسير القرآن بالسنة: وقد صور ابن كثير هذا الأصل بقوله: "فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى-: "كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" -يعني السنة. ويستطرد ابن كثير في بيان هذا الأصل فيقول: والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه؛ فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فبم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله ﷺ قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله". وذكر أن هذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد. وهذا الأصل تراه بألفاظه عند ابن تيمية. * والأمثلة على تفسير القرآن بالسنة لا حصر لها حتى ليتحير المرء في اختيار بعضها؛ لكثرتها أولًا، ولطولها ثانيًا، ولتعدد جوانب الاستشهاد بها ثالثًا، ومن ثم ليكون معروفًا أن النماذج التي نسوقها لا تعطي رؤية كاملة وتامة لتفسير القرآن بالسنة عند ابن كثير، ومن أراد صورة مكتملة فليرجع إلى التفسير نفسه، فقد يصل الأمر بابن كثير أن يفسر بعض الآيات بما يزيد على خمسين حديثًا كما فعل عند تفسيره لآية الإسراء، ونورد هنا بعض الأمثلة القليلة والقصيرة والتي تصور إلى حد ما مدى إفادته من السنة في التفسير، ومدى ارتباطه بها، إذ قد توضح مبهمًا، أو تخصص عامًّا، أو تقيد مطلقًا، أو تفصل مجملًا وما إلى ذلك. * والسنة النبوية حين تفسر الآية تعطي المعنى الصحيح، فكثير من المفسرين -ومنهم مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم- قالوا في تفسير قوله تعالى ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أن

стр. 16

الضمير يرجع إلى إبراهيم ﵊، وقال مجاهد في رواية أخرى له: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر ﴿وَفِي هَذَا﴾ يعني القرآن، وعلق ابن كثير على هذا فقال: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على مما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿وَفِي هَذَا﴾. ثم ذكر حديثًا رواه النسائي عن الحارث الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جُثا جهنم". قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: لا نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله". * وقد يستشكل على المرء معنى آية بجانب حديث يوهم التعارض معها فيبدد الحافظ ابن كثير هذا الإشكال بحجج قوية. من ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد ﷺ . فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى على المسلم. فقال رسول الله ﷺ : "لا تفضلوني على الأنبياء؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبل أم جوزى بصعقة الطور، فلا تفضلوني على الأنبياء". وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء" فالجواب من وجوه: أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر. الثاني: أن هذا من باب الهضم والتواضع. الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر. الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية. الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به".

стр. 17

وقد ذكر بعض هذه الوجوه في موضع آخر. ٣ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة: قال ابن كثير في ذلك: "إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وعبد الله بن مسعود ﵃. وذكر روايتين عن ابن مسعود قال في إحداهما: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. ومن هؤلاء البحر الحبر عبد الله بن عباس ترجمان القرآن ببركة دعاء رسول الله ﷺ حيث قال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" وقد ذكر أن ابن مسعود قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. وقد مات ابن مسعود ﵁ في سنة اثنين وثلاثين على الصحيح، وعمِّر بعده عبد الله بن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود. وذكر أبو وائل أن عليًّا استخلف عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية سورة النور ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا. وانظر هذا الأصل عند ابن تيمية تجده منقولًا عنه. ٤ - تفسير القرآن بأقوال التابعين: وهذا هو الأصل الرابع من أصول التفسير وطرقه، وفيه يقول ابن كثير: "إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى قول التابعين كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير. ونقل عن محمد بن إسحاق عن مجاهد قوله: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منها وأسأله عنها. وقال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به". ومن التابعين أيضًا سعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن رباح،

стр. 18

والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم، وهؤلاء تذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم في ينص على الشيء بعينه والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن، فليتفطن لذلك والله الهادي. وأورد ابن كثير اعتراضًا ذكره شعبة بن الحجاج وغيره قال فيه: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟! وأجاب ابن كثير -نقلًا عن ابن تيمية- يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة. فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بعض، ولا على من بعدهم. ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك. ٥ - لا يختص بالتفسير الرسول ﷺ أو السلف الصالح: يتعرض ابن كثير قبل بحث هذا الأصل لموضوع تفسير القرآن بالرأي فيقول: فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، وذكر رواية عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "من قال في القرآن برأيه، وبما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار" وبين أن هذا الحديث قد أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود وقال الترمذي: حديث حسن. وروى ابن جرير عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ" وعلق ابن كثير على هذا الحديث فقال: وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حَزم القُطعي، وقال الترمذي: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل، وفي لفظ لهم: "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ"، أي لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به. والله أعلم. ثم يقول: "وهكذا سمى الله القذفة كاذبين فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب. ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم. ويذكر ابن كثير روايات كثيرة عن جماعة من السلف الصالح تفيد تحرجهم عن

стр. 19

التفسير. منها ما روي عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وعن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا هو التكلف يا عمر. وعلّق على هاتين الروايتين فقال: وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل. أما رواية ابن أبي مليكة فقد قال فيها: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: فما يوم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكر الله في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم. وقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا. وذكر عنه أيضًا أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وسئل ابن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء. يعني عكرمة. وعن عبد الله بن عمر العمري قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن السيب، ونافع. ويعلق ابن كثير على هذه الآثار فيقول: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلم بما يسلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه. ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ولا جاء في الحديث الذي روي من طرق:

стр. 20

"من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار". وذكر ابن كثير عن الطبري رواية من طريق جعفر بن محمد الزبيري، عن عائشة ﵂ قالت: ما كان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيات بعدد، علمهن إياه جبريل ﵇. قال ابن كثير: وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبرائيل. وهذه عبارة الطبري من تفسيره: "أما الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئًا إلا آيات تعد، فإن ذلك مصحح ما قلنا من القول في الباب الماضي قبل، وهو أن من تأويل القرآن ما لا يدرك علمه إلا ببيان الرسول ﷺ ، وذلك بتفصيل مجمل ما في آية، من أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمل في ظاهر التنزيل، وللعباد إلى تفسيره الحاجة. لا يدرك علم تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسول الله ﷺ ، وما أشبه ذلك مما تحويه آي القرآن من سائر حكمه الذي جعل بيانه لخلقه إلى رسول الله ﷺ ، فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان رسول الله ﷺ ، ولا يعلمه رسول الله ﷺ إلا بتعليم الله إياه ذلك بوحيه إليه، إما مع جبريل أو مع من شاء من رسله إليه، فذلك هو الآي التي كان رسول الله ﷺ يفسرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه، وهن لا شك آي ذوات عدد. ومن آي القرآن ما قد ذكر أن الله جل ثناؤه استأثر بعلم تاويله فلم يطلع على علمه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده وأنه لا يعلم تأويله إلا الله، فأما ما لا بد للعباد من تأويله ببيان الله ذلك له، بوحيه مع جبريل، فذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم؛ فقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان لا يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا تعد هو ما يسبق إليه أوهام أهل البدع من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه؛ كأنه إنما أنزل إليه ﷺ الذكر ليترك للناس ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أنزل. وفي أمر الله جل ثناؤه نبيه ﷺ ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه ما أنزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيام الحجة على أن النبي ﷺ قد بلغ وأدى ما أمره الله ببلاغه وأدائه على ما أمره به، وصحة الخبر عن عبد الله بن مسعود لقوله: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن-: ما ينبيء عن خطأ من ظن أو توهم أن معنى الخبر

стр. 21

الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئًا إلا آيات تعد، وهو أنه لم يمكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه. هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلة، التي في إسناده، التي لا يجوز الاحتجاج به لأحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين، لأن راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار وهو جعفر بن محمد الزبيري". ويوضح ابن كثير هذه العلة التي أشار إليها ابن جرير الطبري فيقول: "إنه حديث منكر غريب، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري. قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث". وعلق على تأويل الطبري لحديث عائشة فقال: "وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته كما صرح بذلك ابن عباس. قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه أحد إلا الله". ٦ - نقد الإسرائيليات: عرض ابن كثير هذا الأصل كما فعل شيخه ابن تيمية، غير أنه فصل ووضح موقفه من الإسرائيليات بحيث يعتبر -في هذا الأصل- قد أضاف جديدًا. لقد نقل ابن كثير عن كتب السنة الصحيحة في مواضع مختلفة من تفسيره- عدة أحاديث تفيد النهي الصريح عن الأخذ من أهل الكتاب. فذكر عن الإمام أحمد، فيما رواه عبد الله بن ثابت قال: "جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسري عن النبي ﷺ وقال: "والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين". وذكر عن الحافظ أبي يعلى فيما رواه عن جابر قال رسول الله ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل

стр. 22

وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي". وفي رواية للإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه هن بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال: فغضب وقال: "أمتهوِّكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني". وقد قسم ابن كثير الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام فقال: أحدها: ما علمنا صحته بما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، ويجوز حكايته. ويتحدث عن القسم الثالث في موضع آخر فيقول: ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم". ويستطرد في شرح هذا القسم فيقول: وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي من المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهم الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم. ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى حكى منهم ثلاثة أقوال، ضغف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلًا لردّه كما ردّهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته. فقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ

стр. 23

بِعِدَّتِهِمْ﴾ بأنه ما يعلم ذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها، وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم. فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلًا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقولًا متعددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى، فقد ضيع الزمان، وتكثر مما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب. ونخرج من هذا النص بما يلي: ١ - أن ما أخذ عن أهل الكتاب مما هو مسكوت عنه تجوز روايته. ٢ - أن هذا المروي لا فائدة فيه. ٣ - كثرة الخلاف في هذه المرويات. ٤ - وجوب استيعاب الأقوال في حكاية الخلاف والتنبيه على الصحيح والباطل وذكر فائدة وثمرة الخلاف. ٥ - عدم إثارة الخلاف فيما لا طائل تحته حتى لا يتشعب الخلاف ويضيع الزمان. ويؤكد ابن كثير حرصه على الإعراض على كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما فيها من ضياع الوقت، وما اشتملت عليه من كذب فاضح فيقول في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾: وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب، وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام، فنظر إلى الكواكب والمخلوقات، فتبصر فيها، وما قصد كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب

стр. 24

منها فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له بما ينتفع به في الدين، أو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم، لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة. والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية، لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرفة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة". منهج ابن كثير في نقد الإسرائيليات: ومنهج ابن كثير في مهاجمة الإسرائيليات ذو جوانب متعددة، فقد يشير إليها بدون أن يذكرها، أو يذكرها منسوبة إلى بعض المفسرين، أو ينسبها إلى قائلها، مع مناقشته لها وبيان بطلانها. وإليك بيان بعض جوانب هذا المنهج. ١ - الإعراض عن ذكر الإسرائيليات: يذكر ابن كثير في كثير من الآيات أنه قد قيل ها هنا إسرائيليات ضربنا عنها صفحًا، وقد علل وجهة نظره في عدم إيرادها بأن بعض الروايات يستحى من ذكرها، وبعضها الآخر لا يذكره خشية الإطالة، والروايات الإسرائيلية كلها باطلة غير صحيحة، ولا يرجي منها نفع أو خير. وانظر أمثلة لهذا في تفسير الآية (٨١) من سورة القصص، والآية (٤) من الإسراء، والآية (٣٧) من الأحزاب. والعجب أن يردد هذه الإسرائيليات مُفسر كبير كالطبري والزمخشري، والعجب أن يردده بعض الأساتذة المحدثين كما فعلت الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها "نساء النبي" فضلًا عن المستشرقين الذين يكيدون للإسلام وأهله. وها أنت ذا ترى ابن كثير يرد على هذا بأنها روايات باطلة لا يصح منها شيء. قال الدكتور مصطفى زيد بصدد رده لهذه الإسرائيليات: "ولسنا ندري كيف تبلغ بهم الجرأة إلى حد الدفاع عن إسرائيليات لفقت قبل الطبري، واستغلال ما وقع فيه المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل من أنه من وضع المستشرقين المبشرين؟ ثم لماذا يحتجون بمفسر كالزنحشري، لم يعرف بالحفظ والرواية في أمر يحتاج إليهما، ويغفلون مفسرًا حافظًا محدثًا هو الحافظ ابن كثير؟! ثم نقل النص الذي أوردناه عن ابن كثير سابقًا.

стр. 25

٢ - الإسرائيليات في أقوال من أسلم من أهل الكتاب: لقد كان للذين أسلموا من أهل الكتاب دور كبير في نقل كثير من الإسرائيليات في التفسير والحديث والقصص والتاريخ وغير ذلك، ومن بين الذين اضطلعوا بهذا الأمر الخطير: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فقد أدخلا كثيرًا مما اعتقداه في الديانات السابقة إلى الدين الإسلامي، لدرجة أنك لا تكاد تفتح كتابًا مأثورًا في التفسير أو الحديث أو القصص أو التاريخ إلا وجدت روايات كثيرة عنهما، ولا يقبلها العقل ولا الشرع، ولسنا في حاجة إليها كما قرر ابن كثير دائمًا. كعب الأحبار: هو كعب بن ماتع الحميري (أبو إسحاق) كان من كبار علماء اليهود، توفي (٣٣ هـ ٦٥٢ م) وقد ذُكرت له أقوال كثيرة في كتب التفسير وغيرها، وقد نقد ابن كثير كثيرًا من هذه النقول التي أخذت عنه. فانظر مثلًا: تفسير الآية (١٠٢) من سورة الصافات، والآية (٥٧) من سورة مريم. وهب بن منبه: هو وهب بن منبه الصنعاني، من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، ولد (٢٤ هـ - ٦٤٥ م) وتوفي (١١٤ هـ - ٧٧٢ م)، وقد أدخل في التفسير والتاريخ والحديث روايات كثيرة أبان ابن كثير عن زيفها وبطلانها. فانظر مثلًا تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام، والآية (٢٤٨) من سورة البقرة. ٣ - الإسرائيليات في أقوال الصحابة: رُوي عن بعض الصحابة آثار غريبة في التفسير والحديث، تلقيت عن بعض من أسلم من أهل الكتاب، ككعب الأحبار ووهب بن منبه، وبعض ما نقل عن أهل الكتاب لم يصرح فيه بأنه أخذ عنهم، ولكن كان مصدره بعض كتب أهل الكتاب كما قال ابن كثير عن عبد الله بن عمرو: إن بعض رواياته الغريبة مأخوذة من الزاملتين اللتين حملهما معه من اليرموك. هذا، وقد نسب إلى بعض الصحابة كابن عباس كثير من الروايات التي لم يثبت عنه شيء منها، ومن هنا نجد بعض ما يكشف لنا السر عن الروايات المتناقضة

стр. 26

للصحابي الواحد في الآية الواحدة. فمن الإسرائيليات التي رويت عن ابن عباس ﵁: وأبطل ابن كثير نسبتها إليه؛ ما روي عنه في تفسير الآية (٢٨) من سورة الحجر، والآية (١١) من سورة الإسراء، والآية (٢٢) من سورة المائدة. إسرائيليات عن أنس بن مالك: وقد روى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رواي غريبة أيضًا عن طول هؤلاء الجبارين. إسرائيليات عن عبد الله بن عمرو ﵁: وأكثرها مأخوذ من الزاملتين اللتين أحضرهما معه من اليرموك كما يقول ابن كثير … ومن أمثلة ما روي عنه ما جاء في تفسير الآية (٢٥) من سورة الفرقان، والآية (١٥٨) من سورة الأنعام ٤ - الإسرائيليات في أقوال التابعين: وفي أقوال التابعين آثار إسرائيلية كثيرة، وضعها بعض زنادقة أهل الكتاب؛ ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس، وليلبسوا الحق بالباطل. فمن ذلك ما أورده ابن كثير عن سعيد بن المسيب وعكرمة والقرظي: قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ [الفجر: ٧]: وعقب عليه قائلًا: فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.

стр. 27

مصادر ابن كثير في التفسير أولًا: مصادره السلفية: أكثر الحافظ ابن كثير من نقله عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم، كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والحسن البصري، وأبي الشعثاء، والسدي، والربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن أبي عروبة، وابن جريج، وعطية العوفي، وإبراهيم النخعي، وعلي بن أبي طلحة، وسفيان الثوري، وعطاء بن يسار، والأعمش، وأبي وائل، ومحمد بن كعب وغيرهم. كما نقل ابن كثير عن أهل اللغة والشروح كالخليل بن أحمد والأصمعي وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والزجاج وغيرهم. ثانيا: مصادره من الكتب (٣): ها هي ذي مصادر ابن كثير في التفسير، مرتبة ترتيبًا موضوعيًّا أولًا، ثم أبجديًّا داخل كل موضوع ثانيًا، مع مراعاة الاسم المشهور وحذف كلمة (ال) و (ابن) منه. أولًا: الكتب المقدسة: ١ - القرآن الكريم. ٢ - التوراة من نسختين. ٣ - الإنجيل. ثانيا: في الفسير وعلوم القرآن: (أ) في التفسير: ٤ - تفسير آدم بن أبي إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ أو ٢٢١ هـ. ٥ - تفسير أبي بكر بن المنذر المتوفى سنة ٣١٨ هـ. ٦ - تفسير ابن أبي حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.

стр. 28

٧ - تفسير أبي مسلم الأصبهاني (محمَّد بن بحر) المتوفى سنة ٣٢٢ هـ واسم كتابه: "جامع التأويل لمحكم التنزيل". ٨ - تفسير ابن أبي نجيح (عبد الله بن يسار الأعرج المكي مولى ابن عمر). ٩ - تفسير البغوي (أبي محمَّد الحسين بن مسعود بن محمَّد الفراء المتوفى سنة ٥١٦ هـ) (واسم كتابه (معالم التنزيل). ١٠ - تفسير ابن تيمية (تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم المتوفى سنة ٧٢٨ هـ) وهو جزء في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ﴾. ١١ - تفسير الثعلبي (أحمد بن محمَّد بن إبراهيم أبي إسحاق النيسابوري المتوفى سنة ٤٢٧ هـ). ١٢ - تفسير الجبائي (أبي علي) المتوفى سنة ٣٠٣ هـ. ١٣ - تفسير ابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ). واسم الكتاب (زاد المسير في علم التفسير). ١٤ - تفسير ابن دحيم (أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم) المتوفى سنة ٣١٩ هـ. ١٥ - تفسير الرازي (محمَّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري أبي عبد الله المشهور بفخر الدين الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وكتابه يسمى (التفسير الكبير المشهور بمفاتيح الغيب). ١٦ - تفسير الزمخشري (جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الخوارزمي المتوفى سنة ٥٣٨ هـ) كتابه يدعى (الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل). ١٧ - تفسير السدي الكبير المتوفى سنة (١٢٧ هـ - ٧٤٥ هـ). ١٨ - تفسير سنيد بن داود. المتوفى سنة ٢٢٦ هـ. ١٩ - تفسير شجاع بن مخلد المتوفى سنة ٢٣٥ هـ. ٢٠ - تفسير الطبري. المتوفى سنة ٣١٠ هـ. ٢١ - تفسير عبد بن حميد. المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.

стр. 29

٢٢ - تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. المتوفى سنة ١٨٢ هـ. ٢٣ - تفسير عبد الرزاق الصنعاني، المتوفى سنة ٢١١ هـ. ٢٤ - تفسير ابن عطية العوفي. المتوفى سنة ١١١ هـ. ٢٥ - تفسير القرطبي (أبي عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ)، وتفسيره يسمى (الجامع لأحكام القرآن الكريم). ٢٦ - تفسير مالك بن أنس إمام دار الهجرة. وهو جزء مجموع له. ٢٧ - تفسير الماوردي (أبي الحسن علي بن محمَّد بن حبيب المتوفى سنة ٤٥٥ هـ). واسم تفسيره (النكت والعيون). ٢٨ - تفسير ابن مردويه. ٢٩ - تفسير الواحدي (علي بن أحمد بن محمَّد بن علي أبي الحسن المتوفى سنة ٤٦٨ هـ). ٣٠ - تفسير وكيع بن الجراح. المتوفى سنة ١٩٧ هـ. (ب) في علوم القرآن: ٣١ - (البيان) لأبي عمرو الداني (الحافظ أبي عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد المعروف بالداني (٣٧١ - ٤٤٤ هـ) وهو حافظ محدث مفسر. واسم الكتاب "جامع البيان في القراءات السبع")، وهو من أحسن مصنفاته يشتمل على نيف وخمسمائة رواية وطريق قيل: إنه جمع فيه كل ما يعلمه في هذا العلم. ٣٢ - (التبيان) لأبي زكريا النووي (محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٧ هـ. أما اسم الكتاب فهو (التبيان في آداب حملة القرآن) وقد رتب على عشرة أبواب ثم اختصره وسماه (مختار التبيان). ٣٣ - جزء فيمن جمع القرآن من المهاجرين للحافظ ابن السمعاني القاضي أبي سعيد عبد الكريم بن أبي بكر، محمَّد بن أبي المظفر المنصور التميمي المروزي المتوفى سنة ٥١٢ هـ. ٣٤ - جمع مصاحف الأئمة. ٣٥ - شرح الشاطبية للشيخ شهاب الدين أبي شامة (عبد الرحمن بن إسماعيل

стр. 30

المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ٦٦٥ هـ). ٣٦ - فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤ هـ. ٣٧ - مصحف أبي بن كعب وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن: (زيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد الأنصاري) وقد توفي أبيُّ سنة ١٩ هـ، وقيل ٢٥ أو ٢٢ أو ٢٣ هـ. ٣٨ - معاني القرآن للزجاج (أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج المتوفى سنة ٣١١ هـ). ٣٩ - الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلام. تعليق عام حول مصادر ابن كثير في التفسير: لو ألقينا نظرة فاحصة على المصادر التفسيرية التي استقى ابن كثير منها "تفسيره" فإننا يجب أن نراعي النقاط الآتية: ١ - الطابع العام لهذه التفاسير. ٢ - أكثر التفاسير ذكرًا عند ابن كثير. ٣ - مدى صحة النقول التي نقلها. ٤ - موقف ابن كثير من هذه المصادر. والطابع العام الذي تتميز به المصادر التفسيرية في تفسير ابن كثير هو التفسير بالمأثور، ومن هنا نرى قائمة كبيرة منها؛ كتفسير الطبري وابن أبي حاتم، وسنيد بن داود، وابن مردويه، وعبد الرزاق، ووكيع بن الجراح. . . إلخ وكثير من هذه التفاسير مفقود. وهناك تفاسير أخرى ذات طابع خاص لكنها قليلة؛ كتفسير الجبائي، وأبي مسلم الأصبهاني، والزمخشري، ولقد كان لهذه التفاسير منهج اعتزالي فلسفي أخضع الآيات والتراكيب القرآنية لخدمة أهداف المعتزلة ومبادئهم، ولا يذكر ابن كثير هذه التفاسير إلا بصدد عرض فكرة المذهب، ثم يشرع في بيان وجهة نظره التي كثيرًا ما تعارض تلك الأفكار غير السلفية والتي تتسم بالتعصب لمذهبها. وقد يكتفي الحافظ ابن كثير بالإشارة إلى أن تفسيرًا "فلان" قد قال غير الحق لأن أغراضًا معينة قد دفعته إلى قول ما قال:

стр. 31

ومن أمثلة رده على هذه التفاسير ذات النزعة الخاصة ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ سورة البقرة الآية (٧) تفنيدًا لرأي الزمخشري. وأما أكثر التفاسير دورانًا في تفسير ابن كثير فخمسة: تفسير ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق الصنعاني، وأبي بكر بن مردويه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وأخص هذه الخمسة تفسير ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم، فقد كاد يذكرهما في كل صفحة من صفحات التفسير. ولعل السبب في هذا ما سبق أن قررناه من أن هذه الكتب تحوي بين دفتيها عددًا هائلًا من الأحاديث والروايات والأخبار الواردة عن السلف الصالح، وهذا يلائم منهج التفسير بالمأثور الذي آثره ابن كثير لنفسه. وهناك من المصادر التفسيرية ما لم يذكر إلا مرة أو مرتين، كتفسير الثعلبي صاحب "العرائس" والمعروف بسرد الأخبار والروايات الإسرائيلية والقصص الخرافية، ذكر ابن كثير رواية له عن ابن عباس وعائشة ﵄ تتحدث عن سحر النبي ﷺ على يد لبيد بن الأعصم الذي حصل على مشاطة النبي ﷺ وعدة من أسنان مشطه، فسحره بها، فمرض رسول الله ﷺ ، وانتشر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن … إلخ. علق ابن كثير على هذه الرواية فقال: "هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة وفيه بعض نكارة، ولبعضه شواهد مما تقدم والله أعلم". وأما مدى صحة النقول التي كان ينقلها عن المصادر، فإننا قد قمنا ببعض المقارنات بين النقل وأصله في تفسيري ابن جرير والبغوي، وتبين أن النقول - أكثرها صحيح، وأن بها بعض الزيادات التي لا تتجاوز بعض الكلمات القليلة مثل "﵁" أو " "، وكذلك تجد بعض الكلمات الناقصة، ولكنها قليلة. مثال ذلك نقله عن ابن جرير في تفسير أول سورة الشورى. وعلى أية حال فإن هذه الزيادة أو النقصان لا تؤثر في المعنى كثيرًا، وقد تكون هناك بعض النقول التي تجد فيها زيادة أو نقصًا عن الأصل أكثر مما رأينا مما يرجع إلى تعدد النسخ واختلافها، أو سهو بعض النساخ وغير ذلك. ويلخص ابن كثير - أحيانًا - ما ينقله عن غيره، وهو في هذا يبلغ القمة في الأمانة حين يحافظ على النصوص وما تتضمنه من أفكار، بحيث لا تجد في تلخيصه

стр. 32

بعدًا عن المعنى الأصلي أو تحريفًا أو تبديلًا، مثال ذلك تلخيصه رأي الطبري في تفسير الآية (١٢٤) سورة البقرة. وقد بينا فيما سبق بعض النصوص التي نقلها - نصًّا - ولم يغير فيها شيئًا وقد فعلنا ذلك مع بعض النصوص التي لم نثبتها خشية الإطالة. وقد ترى الرواية الواحدة بعدة طرق فيقتصر ابن كثير - أحيانًا - على إحداهما ويشير إلى أن الرواية قد رويت من غير وجه، على نحو ما فعل في روايات تفسير الآية المشار إليها آنفًا. لقد كانت آراء ابن كثير مستمدة من أوثق الكتب الإِسلامية المعتمدة، لكن ما موقفه من هذا الحشد الهائل من المصادر؟ ونخص الكتب الخمسة التي سبق ذكرها وقلنا: إنه اعتمد عليها كثيرًا؟ هل كان موقفه مجرد "النقل" فقط. الحقيقة أن ابن كثير عالم حافظ ناقد مدقق وليس مجرد فقال، كما قيل. فإنه إذا لم يتفق مع غيره من المفسرين في بعض الآراء وجدناه يحشد عددًا هائلًا من الأدلة لدحض هذا الرأي أو ذاك. ومن طبيعته التدرج في وحدة المعارضة، فإذا استحسن رأيًا نقله بعبارة: "قال فلان" أو: "في تفسير فلان كذا" لكنه إذا خالف رأي غيره قال: "واختار فلان كذا وفيه نظر". وإذا اشتد الخلاف درجة قال: "زعم فلان كذا" فإذا حمي الجدال وجدته يقول: "والعجب كل العجب أن يقول فلان هذا" وقد يزيد: "مع جلالة قدره" أو يقول: "وقد روي فلان خبرًا عجيبًا منكرًا جدًّا" وما شابه ذلك. وينبه ابن كثير كثيرًا إلى الإسرائيليات في كتب التفسير والحديث والسيرة وغيرها. وما أكثر هذه الإسرائيليات وما أكثر تحذير ابن كثير منها! إن تفسير ابن كثير من أمهات كتب التفسير التي تدحض هذه الخرافات التي امتلأت بها كتب كثيرة من التفسير والحديث والسيرة وغيرها. ولقد كان السيوطي صادقًا حين وصف تفسير ابن كثير بأنه "لم يؤلف على نمطه مثله" وبخاصة في مسألة الإسرائيليات ونقدها وتفنيدها وبيان بطلانها؛ فلقد نقد ابن كثير كثيرًا من الروايات الإسرائيلية التي وجدت في أمهات كتب التفسير كالطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه وعبد الرزاق الصنعاني والبغوي … إلخ. ونحن إذا ألححنا على تأكيد هذه الحقيقة فإننا نهدف من وراء ذلك إلى تنبيه الأذهان إلى الخطر الكبير الذي امتلأت به كتب التفسير والمتمثل في الأخبار الواهية والروايات الضعيفة والنقول التي أخذت عن أهل الكتاب بلا نقد ولا روية.

стр. 33

ومن جانب آخر يتبين لنا مدى أهمية تفسير ابن كثير المتحرر من تلك الروايات التي لا تستند إلى دليل عقلي صحيح، أو نقلي صريح. ومن جهة ثالثة يظهر لنا ثقل المسئولية الملقاة على كاهل العلماء والهيئات العلمية لتحرير كتب التفسير والحديث من تلك الروايات الإسرائيلية الباطلة. ونشير ها هنا إلى مواضع متفرقة من نقد ابن كثير للمرويات التي ينقلها عن الكتب الخمسة التي هي أهم الكتب التي نقل عنها: ١ - : فعن الطبري: نقد ما روى من إسرائليات في تفسير الآية (٧٤) من سورة الأنعام، والآية (٨٥) من سورة الإسراء، والآية (٩٣) من سورة الكهف. ٢ - وعن تفسير ابن أبي حاتم نقد مروايات تفسير الآية (١٩٠) من سورة الأعراف. ٣ - وعن تفسير عبد الرزاق نقد مرويات تفسير الآية (٦٤) من سورة النساء. ٤ - أما تفسير ابن مردويه فنقد ما رواه في تفسير الآية (٢٦١) من سورة البقرة. ٥ - وأما تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فنقد مرويات تفسير الآية (٢٠٥) من سورة الأعراف. يتبين من مراجعة هذه المواضع وغيرها أن موقف ابن كثير مما ينقل هو موقف العالم المدقق الناقد الذي لا يقبل رأيًا غريبًا، أو خبرًا عجيبًا، أو رواية إسرائيلية، بل يهاجمها وينقدها ويبين بطلانها، وتلك الأمثلة التي أشرنا إلى مواضعها هي قُلَّ من كُثير، وفيها ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع، وهو شهيد، والله أعلم. ثالثا: كتب السنة وعلوم الحديث وشروحه: (أ) الكتب الستة مضافًا إليها مسند أحمد بن حنبل: ٤٠ - الجامع الصحيح للإمام البخاري. ٤١ - صحيح مسلم. ٤٢ - سنن أبي داود. ٤٣ - سنن الترمذي (الجامع). ٤٤ - سنن النسائي.

стр. 34

٤٥ - سنن ابن ماجه. ٤٦ - مسند الإمام أحمد بن حنبل. (ب) بقية كتب السنة وعلوم الحديث وشروحه: ٤٧ - أحاديث الأصول للحافظ ابن كثير. ٤٨ - عارضة الأحوذي في شرح الترمذي للإمام أبي بكر محمَّد بن العربي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ. ٤٩ - الأسماء والصفات للبيهقي (أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ والكتاب يتضمن الأحاديث الواردة في أسماء الله تعالى وصفاته. ٥٠ - الأربعين الطائية: (لأبي الفتوح محمَّد بن محمَّد بن علي الطائي الهمداني المتوفى سنة ٥٥٥ هـ) وقد ذكر فيه أنه أملى أربعين حديثًا من مسموعاته عن أربعين شيخًا كل حديث عن واحد من الصحابة فذكر ترجمته وفضائله وأورد عقيب كل حديث بعض ما اشتمل عليه من الفوائد وشرح غريبه وأتبع بكلمات مستحسنة وسماه (الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل اليقين). ٥١ - الأطراف لأبي الحجاج المزي. ٥٢ - الأفراد للدارقطني أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني الشافعي المولود في دارقطن في محال بغداد (٢٠٦ هـ - ٩١٨ م) والمتوفى (٣٨٥ هـ - ٩٩٥ م) أما اسم الكتاب فهو: فوائد الأفراد. ٥٣ - الأمالي لأحمد بن سليمان النجاد (أبي بكر أحمد بن سليمان بن الحسن الحنبلي المعروف بالنجاد، فقيه محدث توفي (٣٤٨ هـ - ٩٦٥ م) ويبدو أن كتابه هذا هو ما أملاه في دروسه التي كان يعقدها بعد صلاة الجمعة (وكانت له حلقتان في جامع المنصور، حلقة قبل الصلاة للفتوى على مذهب الإِمام أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث، واتسعت رواياته وانتشرت أحاديثه ومصنفاته وكان رأسًا في الفقه رأسًا في الحديث. ٥٤ - الأنواع والتقاسيم في الحديث لابن حبان الحافط محمَّد بن أحمد بن حبان البستي المولود في بست من نواحي سجستان بين هراة وغزنة والمتوفى (٣٥٤ هـ - ٩٦٥ م). ٥٥ - الثقات لابن حبان.

стр. 35

٥٦ - جامع الأصول لابن الأثير (المبارك بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم الشيباني الجزري المتوفى ٦٠٦ هـ، جمع فيه ابن الأثير الأَصول الستة: البخاري، ومسلم، والموطأ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وله مختصر يسمى (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) لابن الديبع الشيباني المتوفى سنة ٩٤٤ هـ. ٥٧ - جامع الثوري (سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ). ٥٨ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للخطيب البغدادي (أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي والمتوفي سنة ٤٦٣ هـ). ٥٩ - جامع المسانيد لابن الجوزي. ٦٠ - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم. ٦١ - جزء من الأحاديث التي تنهى عن إتيان النساء في أدبارهن للذهبي. ٦٢ - جزء من الأحاديث الواردة في الاستغفار للدارقطني. ٦٣ - جزء من الأحاديث الواردة في فضل الأيام العشرة من ذي الحجة لابن كثير. ٦٤ - جزء من الأحاديث الواردة في كفارة المجلس لابن كثير. ٦٥ - جزء من حديث الصور لابن كثير أيضًا. ٦٦ - جزء من الرد على حديث السجل لابن كثير كذلك. ٦٧ - الخلافيات للبيهقي. ٦٨ - دلائل النبوة لأبي زرعة الرازي: (عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ الرازي (أبي زرعة) محدث حافظ توفي (٣٦٤ هـ - ٨٧٨ م). ٦٩ - دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني: (أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ) وصاحب حلية الأولياء، وكتابه ذاك ثلاثة أجزاء ذكر منها مؤلفها الأحاديث الواردة في شأن النبي ﷺ وما يتعلق بحياته ونشأته وبعثته وزواجه وغزواته إلخ. ٧٠ - دلائل النبوة للبيهقي: وموضوعه كسالفه. ٧١ - السنة للطبراني: (أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة (الكبير والأوسط والأصغر) (٣٦٠ هـ).

стр. 36

٧٢ - السنن لأبي بكر بن أبي عاصم: (الحافظ أحمد بن عمرو الشيباني المتوفى ٢٨٧ هـ). ٧٣ - سنن أبي بكر الأثرم: (من أصحاب أحمد بن حنبل، واسمه أحمد بن محمَّد بن هانئ، ويكنى أبا بكر. له من الكتب: كتاب السنن في الفقه، على مذهب أحمد، وشواهده من الحديث وكتاب التاريخ وكتاب العلل وكتاب الناسخ والمنسوخ في الحديث. ٧٤ - سنن أبي بكر البيهقي. ٧٥ - سنن الدارقطني. ٧٦ - سنن سعيد بن منصور الخراساني المتوفى ٢٢٧ هـ، وله تفسير كما ذكر الثعلبي في الكشف. ٧٧ - شرح البخاري للحافظ ابن كثير وهو من الكتب المفقودة. ٧٨ - شرح مسلم للنووي. ٧٩ - صحيح ابن خزيمة (محمَّد بن إسحاق النيسابوري المتوفى سنة ٣١١ هـ). ٨٠ - علل الخلال: أبي بكر أحمد بن محمَّد بن هارون البغدادي الحنبلي المعروف بالخلال المتوفى ٣١١ هـ. ٨١ - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي الحافظ أبي محمَّد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى ٣٦٠ هـ - ٩٧١ م. ٨٢ - المختارة للضياء المقدسي واسمه (الأحاديث المختارة). ٨٣ - المراسيل لأبي داود. ٨٤ - المستخرج على البخاري للحافظ أبي بكر البرقاني أحمد بن محمَّد بن أحمد بن غالب الخوارزمي المتوفى ٤٢٥ هـ. ٨٥ - المستخرج على الصحيحين للضياء المقدسي. ٨٦ - مستدرك الحاكم النيسابوري (لأبي عبد الله محمَّد بن عبد الله بن حمد بن نعيم الضبي النيسابوري الشهير بالحاكم المتوفى ٤٠٤ هـ). ٨٧ - مسند أبي بكر البزار، أحمد بن عمرو البصري البزار المتوفى ٢٩١ هـ أو

стр. 37

٢٩٢ هـ. ٨٨ - مسند أبي بكر الحميدي (الحافظ عبد الله بن الزبير المكي المتوفى ٢١٩ هـ). ٨٩ - مسند أبي بكر الصديق لابن كثير وقد تحدثنا عنه من قبل. ٩٠ - مسند أبي داود الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي الفارسي مولى بني الزبير المتوفى ٢٠٢ هـ، وقيل ٢٠٤ هـ. ٩١ - مسند أبي يعلى الموصلي (الحافظ أحمد بن علي بن المثنى الموصلي المتوفى (٣٠٧ هـ - ٩١٨ م). ٩٢ - مسند الحارث بن أبي أسامة (أبي محمَّد الحارث بن محمَّد بن أبي أسامة التميمي البغدادي ١٨٦ هـ - ٢٨٢ هـ). ٩٣ - مسند الدارمي (عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي شيخ مسلم وأبي داود والترمذي المتوفى ٢٥٥ هـ - ٨٦٩ م). ٩٤ - مسند الشافعي. ٩٥ - مسند ابن عباس ﵁ الجزء الثاني منه للحافظ أبي يعلى الموصلي. ٩٦ - مسند عبد بن حميد. ٩٧، ٩٨ - مسند عمر بن الخطاب، للحافظ ابن كثير. ٩٩ - المسند الكبير لابن كثير (واسمه جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن). ١٠٠ - مسند محمَّد بن يحيى العبدي: (الحافظ أبي عبد الله محمَّد بن إسحاق بن محمَّد بن يحيى بن منده بن الوليد العبدي المتوفى ٣٩٥ هـ -١٠٠٥ م). ١٠١ - مسند الهيثم بن كليب (ابن شريح الشاشي أبو سعيد المتوفى ٣٣٥ هـ- ٩٤٥ م وكتابه يسمى (المسند الكبير في الحديث) في مجلدين. ١٠٢ - مشكل الحديث لأبي جعفر الطحاوي (أحمد بن محمَّد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي المتوفى ٣٢١ هـ وقيل ٣٢٢ هـ). ١٠٣ - مشكل الحديث لابن قتيبة (عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبي محمَّد ٢١٣ هـ - ٢٧٦ هـ).

стр. 38

١٠٤ - مصنف عبد الرزاق الصنعاني. ١٠٥ - المطولات للطبراني. ١٠٦ - معجم أبي العباس الدغولي: المتوفى (٣٢٥ هـ - ٩٣٧ م)، أبو العباس محمَّد بن عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله السرخسي الدغولي). ١٠٧ - معجم أبي القاسم البغوي: (عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز البغوي ويعرف بابن بنت منيع المتوفى ٣١٧ هـ، وله المعجم الكبير، والمعجم الصغير، وكتاب السنن على مذاهب الفقهاء. ١٠٨ - المعجم الكبير للطبراني. ١٠٩ - الموضوعات لأبي الفرج ابن الجوزي. ١١٠ - الموطأ للإمام مالك. ١١١ - نوادر الأصول للحكيم الترمذي لأبي عبد الله محمَّد بن علي الحكيم الترمذي. تعقيب عام حول مصادر السنة يبدو لأول وهلة أن مصادر ابن كثير في الحديث كثيرة جدًّا وهي على وجه التحديد واحد وسبعون مصدرا، من بينها خمسة عشر مسندًا، وتسعة كتب من السنن، وشرح البخاري، وشرح مسلم، ومنها أيضًا كتب الصحاح، والمستخرجات، والمستدركات، والجوامع، والمعاجم، والمطولات، وكتب متفرقة في الجرح والتعديل، ونقد الحديث وغير ذلك. وإذا أضفنا إلى هذا كله كثيرًا من المصادر التفسيرية التي سبق ذكرها وهي تشتمل على أحاديث كثيرة فإن مصادر السنة وعلومها توازي ثلث المصادر كلها التي ذكرت في تفسير ابن كثير. وترجع أهمية هذه المصادر إلى أن كثيرًا منها قد فقد، وليس لدينا منها نسخة مطبوعة أو مخطوطة، ونستطيع أن نأخذ فكرة محددة إلى حد كبير عن بعضها من تلك النقول التي نقلها ابن كثير في تفسيره، وفكرة عامة عن بعضها الآخر. وعلى أية حال، فإن هذه الكثرة قد خلفت وراءها عددًا هائلًا من الأحاديث النبوية وآراء قيمة في علم الجرح والتعديل ونقد الحديث.

стр. 39

رابعًا: مصادره في الفقه وأصوله: ١١٢ - الأحكام الكبرى للحافظ ابن كثير. ١١٣ - الإرشاد في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى ٧٨٨ هـ. ١١٤ - الاستذكار لأبي عمر بن عبد البر (يوسف بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي المتوفى ٦٤٣ هـ). ١١٥ - الإملاء للإمام الشافعي. ١١٦ - الأم للإمام الشافعي. ١١٧ - الأموال الشرعية لأبي عبيد القاسم بن سلام. ١١٨ - الإيجاز في علم الفرائض لابن اللبان (أبي الحسين محمَّد بن عبد الله بن اللبان المصري المتوفى ٤٠٢ هـ). ١١٩ - الإيضاح في الفروع لأبي علي الطبري (أبي علي الحسن بن القاسم الطبري الشافعي المتوفى ٣٠٥ هـ). ١٢٠ - الحواشي للمنذري (للحافظ عبد العظيم بن عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري زكي الدين أبي محمَّد محدث فقيه). ١٢١ - جزء في تطهير المساجد لابن كثير. ١٢٢ - جزء في الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها. ١٢٣ - جزء في فضل يوم عرفة لابن كثير. ١٢٤ - جزء في الميراث لابن كثير. ١٢٥ - الشامل لابن الصباغ (واسمه الشامل في فروع الشافعية) لأبي نصر عبد السيد بن محمَّد المعروف بابن الصباغ الشافعي المتوفى ٤٧٧ هـ. قال ابن خلكان وهو من أجود كتب الشافعية وأصحها نقلًا. ١٢٦ - شرح المهذب للنووي وهو المعروف باسم "المجموع". ١٢٧ - الشرح الكبير للرافعي (أبي القاسم عبد الكريم بن محمَّد بن عبد الكريم

стр. 40

القزويني الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ وكتابه يسمى: (العزيز في شرح الوجيز). ١٢٨ - الصلاة للمروزي (أبي عبد الله محمَّد بن نصر المروزي كان من أشهر المحدثين في زمانه توفي (٢٩٤ ص- ٩٠٦ م). ١٢٩ - الصيام لابن كثير. ١٣٠ - العبادة الكاملة للهذلي (أبي القاسم يوسف بن علي بن جبارة بن محمد الهذلي المغربي المتوفى ٤٦٥ هـ - ١٠٧٤ م). ١٣١ - العدة للرافعي. ١٣٢ - فضائل الأوقات للبيهقي. ١٣٣ - فضائل الصلاة على النبي ﷺ من لأحمد بن فارس اللغوي (أبي الحسين) القزويني المتوفى (٣٩٥ هـ - ١٠٠٤ م). ١٣٤ - فضل الصلاة على النبي ﷺ للقاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي أبي إسحاق المتوفى ٢٨٢ هـ - ٨٩٦ م. ١٣٥ - كتاب جمعه الذهبي في الكبائر. ١٣٦ - كتاب لابن تيمية في إبطال التحليل تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل. ١٣٧ - كشف الغطا في تبيين الصلاة الوسطى للحافظ أبي محمَّد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي. ١٣٨ - المحلى لابن حزم أبي محمَّد علي بن حزم الظاهري المتوفى ٤٥٦ هـ. ١٣٩ - المختصر للإمام الشافعي. ١٤٠ - مصنف الإِمام البخاري في مسألة القراءة خلف الإِمام. ١٤١ - المقدمات لابن كثير. ١٤٢ - النهاية للإمام الجويني (واسم الكتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب). ١٤٣ - الياسق لجنكيزخان المتوفى (٦٢٤ هـ) والكتاب عبارة عن أحكام اقتبست من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والإِسلام وغير ذلك وكان دستور التتار.
следующие страницы →