← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

لَا يَعْلَمُونَ﴾. الآية. واتبعوا الشهوات التي كانت [تتلو الشياطين] [¬١]، وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله. وقال ابن أبي حاتم (٥٨٠): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان [¬٢] آصف كاتب سليمان، وكان يَعْلَمُ الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته [¬٣] الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال [¬٤]: فأكفره [¬٥] جُهَّالُ الناس وَسَبُّوه، ووقف [علماء الناس] [¬٦]، فلم يزل [جهال الناس] [¬٧] يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال ابن جرير (٥٨١): حدّثني أبو السائب سلم [¬٨] بن جنادة السُّوائي، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه أعطى الجرادة - وهي امرأته [¬٩]- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ - بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين، والجن، والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فقالت: كذبت، لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابْتُلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها [¬١٠] على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال فبرئ الناس من سليمان، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا ﷺ وأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.

стр. 597

ثم قال ابن جرير (٥٨٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران -وهو ابن الحارث- قال: بينما [¬١] نحن عند ابن عباس ﵄ إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيَه؟ قال: من الكوفة قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليًّا خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جُرِّب منه وصُدق كذب معها سبعين كذبة. قال: فَتَشْرَبُها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇ فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطانُ الطريق فقال: أفلا أدلكم على كنزه [¬٢] المُمَنَّع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحره [¬٣] فتناسخها الأمم -حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق- فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية. وروى الحاكم في مستدركه، عن أبي زكريا العَنْبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به (٥٨٣). وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما [¬٤] يكون في الأرض من موت، أو غيب، أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فَتُحَدِّثُ الكهنةُ الناسَ، فيجدونه كما قالوا، فلما [¬٥] أمنتهم الكهنة كذبوا لهم؛ وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناسُ ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك [¬٦] في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربتُ عنقه. فلما مات سليمان، ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خَلْف - تمثل الشيطان [¬٧] في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم:

стр. 598

هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب [¬١] معهم، وأراهم [¬٢] المكان وقام ناحية، فقالوا له [¬٣] فادنُ. فقال [¬٤]: لا، ولكنني [¬٥] هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب؛ فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس، والشياطين، والطير بهذا السحر. ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان إنما [¬٦] كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه [¬٧] ما سألوه [¬٨] عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وإن الشياطين عمدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السحر، والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي [¬٩] مجلس سليمان، وكان سليمان [¬١٠]﵇ لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسده [¬١١] الناس عليه، فأخبرهبم النبي ﷺ بهذا الحديث فرجعوا من عنده، وقد حزنوا [¬١٢] [وقد] [¬١٣] أدحض الله حجتهم. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع [¬١٤] الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسل سليمان، ﵇، إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته [¬١٥] الشياطين وعلمته [¬١٦] الناس، وهو

стр. 599

السحر. وقال سعيد بن جبير: كان سليمان ﵇ يتتبع [¬١] ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر [¬٢] الشياطين أن يصلوا إليه، فدبت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما [¬٣] العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به. الإنسُ، واستخرجوه، [وعملوا به] [¬٤]، فقال أهل الحجا [¬٥]: كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر. فأنزل الله تعالى على لسان [¬٦] نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇ فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇ فكتبوا أصناف السحر: "من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل [¬٧] كذا وكذا"، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه [¬٨] بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في [¬٩] عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود [﵉] من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك [¬١٠] سليمان [بن داود] [¬١١] إلا بهذا؛ فأفشوا السحر في الناس، فتعلموه [¬١٢] وعلموه [¬١٣]، [فليس هو] [¬١٤] في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله! فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود وعدَّه فيمن عدّ [¬١٥] من المرسلين. قال من كان بالمدينة من اليهود [¬١٦]: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنزل الله في [¬١٧] ذلك من [¬١٨] قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا

стр. 600

مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية. وقال ابن جرير (٥٨٤): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا حسين حدثنا [¬١] حجاج عن أبي بكر، عن شَهْر بن حَوْشب قال: لما سُلِبَ سليمان ﵇ ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت: "من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا؛ ومن أراد أن يفعل كذا وكذا، فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا؛ فكتبتْه وجعلتْ عنوانَه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵉ من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنته تحت كرسيه، فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس لعنه الله! خطيبًا، فقال [¬٢]: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه، وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تَعَبَّدَنا، وبهذا قهرنا. فقال [¬٣] المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي محمدًا [¬٤] ﷺ [جعل يذكر الأنبياء] [¬٥] حتى [¬٦]، ذكر داود وسليمان فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء. إنما كان ساحرًا يركب الريح، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ [وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ] [¬٧]﴾. الآية. وقال [¬٨] ابن جرير (٥٨٥): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عمران بن حُدَيْر [¬٩]، عن أبي مِجْلزَ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلي عنه، فزاد [¬١٠] الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا يعمل به سليمان [بن داود ﵉]؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٥٨٦): حدَّثنا [عصام بن رَوّاد] [¬١١]، حدَّثنا آدم، حدَّثنا المسعودي، عن

стр. 601

زياد مولى ابن مصعب عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة. وقال (٥٨٧): حدثنا الحسن بن أحمد، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدّثني سُرور [¬١] بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ وتبعته [¬٢] اليهود على ملكه. وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان. فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهم، والله الهادي. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من [¬٣] بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله محمد ﷺ ما تتلوه [¬٤] الشياطين، أي: [ما ترويه وتخبر به] [¬٥] وتحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعدّاه بـ "على"، لأنه ضمن "تتلو" "تكذب". وقال ابن جرير: "على" هاهنا بمعنى "في"، أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جُرَيج، وابن إسحاق (قلت): والتضمين أحسن وأولى، والله أعلم. وقول الحسن البصري ﵀: "و [¬٦] قد كان السحر قبل زمان [¬٧] سليمان بن داود" صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. ثم ذكر [¬٨] القصة بعدها، وفيها: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ - لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [أي: المسحورين على المشهور] [¬٩]. و [¬١٠] قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى

стр. 602

يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أنّ "ما" نافية، أعني: التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾. [قال القرطبي: ما نافية، ومعطوف في قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل، وميكائيل، فأكذبهم الله، وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدلًا من الشياطين. قال: وصح ذلك؛ إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، أو لكونهما لهما أتباع، أو ذُكرا من بينهم لتمردهما. تقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل وهاروت، وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح، ولا يلتفت إلى ما سواه] [¬١]. وروى ابن جرير بإسناده (٥٨٨)، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الآية. يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر [وما أنزل على الملكين] [¬٢] ببابل هاروت، وماروت. فيكون قوله: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ من المؤخر الذي معناه المقدَّم. قال: فإن قال لنا قائل: كيف [¬٣] وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ [من السحر] [¬٤]، وما كفر سليمان، وما أنزل الله السحر [¬٥] على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيًّا بالملكين جبريل وميكائيل ﵉ لأنّ سحرة [¬٦] اليهود فيما ذكر كانت تزعم: أن الله أنزل السحر على لسان جبريل، وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا، ﷺ أن حبريل، وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرَّأ سليمان ﵇ مما

стр. 603

نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًّا عليهم. هذا لفظه بحروفه (٥٨٩). وقد قال ابن أبي حاتم (٥٩٠): حدثت [¬١] عن عُبَيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله [¬٢] على جبريل، وميكائيل السحر. [قال ابن أبي حاتم (٥٩١)] [¬٣]: وحدثنا الفضل [¬٤] بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا [معلى]-يعني ابن أسد- حدثنا بكر -يعني ابن مصعب- حدثنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: "وما أنزل على الملكين داود وسليمان". وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول [¬٥]: عَلِما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشدّ النهي. رواه ابن أبي حاتم. ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وارعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارًا لعباده، وامتحانًا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى: أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به. وهذا الذي سلكه غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم: أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] [¬٦]. وروى ابن أبي حاتم (٥٩٢) بإسناده، عن الضحاك بن مزاحم: أنه كان يقرؤها ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل. وَوَجَّه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخَلْق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 604

أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَيُنَزِّلُ [¬١] لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾. وفي الحديث: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء" (٥٩٣)، وكما يقال: "أنزل الله الخير والشر". [وحكى القرطبي عن ابن عباس، وابن أبزى، رالحسن البصري: أنهم قرءوا ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ بكسر اللام، وقال ابن أبزى: وهما داود وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضًا] [¬٢]. رذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [وما: نافية] [¬٣] قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد: وسأله رجل عن قول الله تعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ قال الرجل: يعلمان الناس السحر، و [¬٤] ما أنزل عليهما، أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت (٥٩٤). ثم روى عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان، إني آمنت به (٥٩٥). وذهب كثيرون من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده- ﵀ -كما سنورده إن شاء الله تعالى، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا، وبين ما ورد [¬٥] من الدلائل على عصمة الملائكة- أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، رفي قول: إنه كان من الملائكة: لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أنّ شأن هاررت وماروت على

стр. 605

ما ذكر، أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى! [وقد حكاه القرطبي، عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] [¬١]. (ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه) قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- في مسنده (٥٩٦): حدثنا يحيى بن أبي بكير [¬٢]، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: "إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض، قالت الملائكة: أي رب، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض [فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض] [¬٣] ومثلت لهما الزهرة، امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، ففالت: لا والله حتى تتكلما [¬٤] بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا [¬٥]، والله لا نقتله أبدًا، فذهبت ثم [¬٦] رجعت [¬٧] بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا، والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخُيرا بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، وهكذا رواه أبو حاتم [] [¬٨] ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بُكير، به. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، روى عن ابن عباس، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب [¬٩] بن مالك، رَوَى عنه ابنه عبد السلام، وبكر

стр. 606

ابن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب. وروى له أبو داود، وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئًا [¬١] من هذا، ولا هذا فهو مستور الحال (٥٩٧)، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ . وروي له متابع من وجه آخر، عن نافع كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام [بن علي بن هشام] [¬٢]، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس [¬٣]، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي، ﷺ ، يقول … فذكره بطوله. وقال أبو جعفر بن جرير ﵀ (٥٩٨): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير- حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل، قال: يا نافع؛ انظر، طلعت الحمراء؟ قلت لا - مرتين أو ثلاثًا - ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع. قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله، ﷺ ، أو قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن الملائكة قالت: يارب؛ كيف صبرك على بني آدم في الخطايا [¬٤] والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال [¬٥]: فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت، وهذان أيضًا غريبان جدًّا. وأقرب ما يكون [¬٦] في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي، ﷺ ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار [¬٧] قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال [¬٨] لهما: إني أرسل

стр. 607

إلى بني آدم رسلًا، ليس [¬١] بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر. قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نُهيا عنه. ورواه ابن جرير من طريقين (٥٩٩)، عن عبد الرزاق، به. ورواه ابن أبي حاتم (٦٠٠)، عن أحمد بن عصام، عن مؤمّل، عن سفيان الثوري، به. ورواه ابن جرير أيضًا (٦٠١): حدثني المثنى، حدثنا المعلى -وهو ابن أسد- حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار، فذكره. فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في [¬٢] أبيه من [¬٣] مولاه نافع. فدار الحديث، ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم. ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين قال ابن جرير (٦٠٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحدٌ [¬٤] يعرج به إلى السماء، فعلماها فتكلمت به [¬٥] فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبًا. وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدًّا. وقال ابن أبي حاتم (٦٠٣): حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا

стр. 608

إبراهيم بن موسى، أخبرنا [¬١] أبو معاوية، عن [ابن أبي خالد] [¬٢]، عن عمير بن سعيد، عن علي ﵁ قال: هما ملكان [¬٣] من ملائكة السماء. يعني: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾. ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي- مرفوعًا، وهذا لا يثبت من هذا الوجه. ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عِن أبي الطفيل، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت [¬٤] الملكين هاروت وماروت". وهذا أيضًا لا يصح (٦٠٤)، وهو منكر جدًّا، والله أعلم. وقال ابن جرير (٦٠٥): حدّثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا [تمهلهم] [¬٥] تهلكهم [¬٦] فأوحى الله إلى الملائكة: إني [أزلت [¬٧] الشهوة والشيطان من قلوبكم] [¬٨] [وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم] [¬٩]، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا. قال: فحدّثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم، فاختاروا هاروت وماروت، فأهُبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس [يسمونها بيدخت] [¬١٠]، قال [¬١١]: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.

стр. 609

وقال ابن أبي حاتم (٦٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا [¬١] عبيد الله -يعني ابن عمرو- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، ويونس بن خباب، عن مجاهد قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر! هل [¬٢] طلعت الحمراء؟ لا مرحبًا بها ولا أهلًا، ولا حياها الله، هي صاحبة الملَكَين، قالت الملائكة: يارب [¬٣]؛ كيف تَدَعُ عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟ قال: إني قد ابتليتهم، فلعل [¬٤] إن [¬٥] ابتليتكم [¬٦] بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاووا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إلى مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا، ولا تزنيا، ولا تخونا، فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشهوة [¬٧]، وأهبطت لهما الأرض في أحسن صورة امرأة، فتعرّضت لهما، فراوداها [¬٨] عن نفسها. فقالت: إني على دين لا يصح [¬٩] لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا: وما دينك. قالت: المجوسية، قالا: الشرك! هذا شيء لا نقرّ به، فمكثت عنهما ما شاء الله تعالى، ثم تعرضت لهما فراوداها [¬١٠] عن [¬١١] نفسها. فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرّا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اخْتُطِفَتْ منهما، وقطعت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة!، فأتياه، فقال: رحمكما الله، كيف يطلب التوبة [¬١٢] أهل الأرض لأهل السماء؟! قالا: إنا قد ابْتُلِينا، قال: ائتياني يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أُجِبْتُ فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية،

стр. 610

فأتياه، فقال: اختارا فقد خيّرتما؛ إن أحببتما [¬١] معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله، فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا قليل [¬٢]. وقال الآخر ويحك! إني قد أطعتك في الأمر الأوّل، فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى. فقال [¬٣]: و [¬٤] إننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، عاليهما سافلهما. وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدّم في رواية ابن جرير من حديث معاوية ابن صالح، عن نافع، عنه، رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو -والله أعلم- من رواية ابن عمر. عن كعب. كما تقدّم بيانه [من رواية] [¬٥] سالم، عن أبيه. وقوله إن الزهرة نزلت على [¬٦] صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جدًّا. وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم (٦٠٧)، حدثنا عصام بن رواد [¬٧]، حدثنا آدم، أخبرنا [¬٨] أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس ﵄ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يارب، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، [] [¬٩] قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الحمر. فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غيب فلم يعذروهم. فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم مَلَكَين، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونُهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمن [¬١٠] إدريس ﵇ وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول، وأراداها [¬١١] على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها [¬١٢] عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا. فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا فذهبا

стр. 611

[فغبرا ما شاء الله] [¬١]، ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، [ففعلت مثل ذلك] [¬٢]. فذهبا، ثم أتيا عليها فراوداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، [وإما أن تقتلا هذه النفس] [¬٣] وإما أن تشربا هذه الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر. فشربا الخمر. [فأخذت فيهما] [¬٤] فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكُشِفَ الغطاء فيما بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا، ببابل فهما يعذبان. وقد رواه الحاكم في مستدركه مطوَّلًا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي [¬٥]-وكان ثقة- عن أبي جعفر الرازي، به، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم (٦٠٨). وقال ابن أبي حاتم (٦٠٩): حدثنا أبي، حدثنا مسلم [¬٦] حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني [¬٧]، حدثنا يزيد -يعني الفارسي- عن ابن عباس قال [¬٨]: إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي، فقالوا: يارب؛ أهل الأرض كانوا [¬٩] يعملون بالمعاصي. فقال الله: أنتم معي، وهم في [¬١٠] غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل، فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية.

стр. 612

فهوياها جميعًا، ثم أتيا منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. فقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي [¬١] إذا قلتماها طِرْتُما؟. فأخبراها. فطارت، فمسخت جمرة، وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فَخَيَّرَهُما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا. فهما مناطان بين السماء والأرض. وهذا السياق فيه زيادات كثيرة، وإغراب ونكارة. والله أعلم بالصواب. وقال عبد الرزاق (٦١٠): قال معمر: قال قتادة والزهري: عن عبيد الله بن عبد الله ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم [¬٢] خُيَّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر فأخذ عليهما أن لا يعلما [¬٣] أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. وقال أسباط: عن السدى أنه قال: كان [¬٤] من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل، فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس، فنزلا ببابل دنياوند [¬٥] فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما [] [¬٦] حسنها واسمها بالعربية زهرة [¬٧]، وبالنبطية [¬٨] بيذخت [¬٩] وبالفارسية أناهيد [¬١٠] فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك، فقال الآخر، هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله.

стр. 613

فلما جاءت تخاصم زوجها ذكر إليها نفسها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها، فأخبراها فتكلمت، فصعدت، فأنساها الله -تعالى- ما تنزل [¬١] به فثبتت [¬٢] مكانها وجعلها الله كوكبًا، فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال [¬٣] هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين [¬٤] عذاب الدنيا و [¬٥] عذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني، آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم -تعالى-: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض [بين بني آدم] [¬٦]، فاختاروا فلم يألوا هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما [¬٧] من بني آدم من ظلمهم و [] [¬٨] معصيتهم وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء رراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا و [¬٩] كذا، فأمرهما بأمر ونماهماشم [¬١٠] نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا، فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان، فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتنا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما، فتكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما [¬١١] في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك، واستحلا افتُتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عرجا فزُجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بنى آدم، فأتياه. فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؛ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه. فقال: ألا تعدم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل، فثم عذابهما. وزعم أنهما معلقان في

стр. 614

الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما. وقد روى في قصة [¬١] هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدى، والحسن، وقتادة، وأبي العالية، والزهرى، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان [¬٢]، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله -تعالى- والله أعلم بحقيقة الحال. وقد ورد [في ذلك] [¬٣] أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه. قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٦١١) - رحمه الله تعالى-: حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة زوج النبي، ﷺ ، أنها قالت: قدمت [عليّ امرأة] [¬٤] من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله، ﷺ ، بعد موته حداثة ذلك، تسأله [] [¬٥] أشياء دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به قالت عائشة، ﵂، لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله، ﷺ ، فيشفيها، فكانت [¬٦] تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز، فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وَرَكَبَتْ الآخر، فلم يكن كشيء [¬٧] حتى وقفنا ببابلَ، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا: ما جاء بك؟ فقلت [¬٨]: أتعلم [¬٩] السحر؟ فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي، فأبيت، وقلت [¬١٠]: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا: هِل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أرى [¬١١] شيئًا. فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري فَأرْبَبْتُ [¬١٢]، وأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. [فذهبت فاقشعررت، وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد

стр. 615

فعلت. فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أرى شيئًا. فقالا: كذبت؛ لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك، فَأرَبْبَتُ وأبيت. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه] [¬١] فذهبت إليه فبلت [¬٢] فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد [خرج مني] [¬٣]، فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج [¬٤] مني [¬٥] فذهب في السماء حتى ما أراه. فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك. اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما قالا لي شيئًا. فقالت: بلى لم تريدي شيئًا إلا كان: خذي هذا القمح فابذر [¬٦]؛ فبذرت، وقلت: اطلعي فأطلعت [¬٧]، وقلت: [احقلي فأحقلت] [¬٨] ثم قلت: افركي، فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت، ثم قلت: اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان، سُقِطَ في يدي، وندمت، -والله- يا أم المؤمنين؛ والله [¬٩] ما فعلت شيئًا قط، ولا أفعله أبدًا. ورواه ابن أبي حاتم (٦١٢) عن الربيع بن سليمان، به [¬١٠] مطولًا كما تقدم. رزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا: فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه رسلم-، حداثة وفاة رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافررن، فما دَرَوْا ما يقولون لها، وكلهم هاب، وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس -أو بعض من كان عنده لو كان أبواك حيين أو أحدهما؟. قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان. قال ابن أبي الزناد: ركان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع رالخشية [¬١١] من الله. ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نَوْكَى، أهل حمق رتكلف بغيرعلم. فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂. وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان، لأن هذه المرأة بذرت، واستغلت في الحال.

стр. 616

وقال آخرون: بل ليس له القدرة [¬١] إلا على التخييل، كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنباوند [¬٢] كما قاله السدي وغيره، ثم إن الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم (٦١٣): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدّثني ابن وهب، حدّثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [¬٣]: أن علي بن أبي طالب ﵁[مرّ ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه لصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ] [¬٤] قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أُصلي [بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي] [¬٥] ببابل فإنها ملعونة. وقال أبو داود (٦١٤): حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [¬٦]: أن عليًّا مر ببابل، وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن، فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي، ﷺ ، نهاني: أن أصلي في المقبرة، ونهاني: أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة. حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر، وابن لهيعة، عن حجاج [¬٧] بن شداد، عن أبي صالح الغفاري [¬٨]، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود قال: فلما "خرج" مكان "برز". وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه، وسكت عليه [¬٩]، ففيه من الفقه كراهيةُ الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.

стр. 617

قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، [ويقال له] [¬١] "أوقيانوس [¬٢] " سبعون درجة. ويسمون هذا طولًا، وأمّا عرضها، وهو بعد [¬٣] ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان [¬٤] وثلاثون درجة، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشدّ النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. قال [¬٥]: فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطانَ فعلَّمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء فيقول: يا حسرتاه يا ويله [¬٦] ماذا أصنع؟. وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذة الآية: نعم أُنزل الملكان بالسحر، ليعلما [¬٧] الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. رواه ابن أبي حاتم. وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة -أي: بلاء ابتلينا به فلا تكفر. وقال السدّي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فَبُلْ عليه. فإذا بال عليه، خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان. وأقبل شيء أسودُ كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه [¬٨] وكلِّ شيء. وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. الآية. وقال سُنيد: عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجتريء على السحر إلا كافر.

стр. 618

وأما الفتنة: فهي المحنة، والاختبار، ومنه قول الشاعر: وقد فُتِن النَّاسُ في دينهم … وخلَّى ابنُ عفان شرًّا طويلا وكذلك [¬١] قوله تعالى، إخبارًا عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك، واختبارك، وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [¬٢]. وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويُستَشْهَدُ له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار (٦١٥)، حدَّثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله قال: "من أتى كاهنًا، أو ساحرًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". وهذا إسناد جيد، وله شواهد أخر. وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرّقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف. وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه (٦١٦)، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال: "إن الشيطان ليضع [¬٣] عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم [¬٤] عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركتُه وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرّقت بينه، وبين أهله قال: فَيُقَرِّبُه ويدنيه، ويلتزمه، ويقول: نعم أنت". وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر، ما يخيل إلى الرجل، أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق، أو نحو ذلك، أو عقد، أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنَّى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا

стр. 619

هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشإ الله [¬١] لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى. وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول [¬٢] ﷺ لمن فعل فعلهم؛ ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق. قال ابن عباس، ومجاهد، والسدّى: من نصيحب، [وقال عبد الرازق: عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله، وقال عبد الرازق، وقال الحسن: ليس له دين] [¬٣]. وقال سعد [¬٤]: عن قتادة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: ولقد [¬٥] علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم؛ أن الساحر لا خلاق له في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل: ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان، ومتابعة الرسل، لو كان لهم [¬٦] علم بما وعظوا به. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ﴾. أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله [¬٧]، واتقوا المحارم، لكان مثوبةُ الله على ذلك خيرًا لهم، مما [¬٨] استخاروا لأنفسهم ورضُوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾. وقد يستدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل (٦١٧)، وقول طائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حدُّه ضربُ عنقِه، لما رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل رحمهما الله قال [¬٩]: أخبرنا سفيان [-هو ابن

стр. 620

عيينة-] [¬١] عن عمرو بن دينار أنه سمع بِجَالةَ بن عَبَدةَ يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كلَّ ساحر، وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري (٦١٨) في صحيحه أيضًا. وهكذا صح أن حفصة أمَّ المؤمنين سحرتها جاريةٌ لها، فأمرت بها فقتلت (٦١٩). قال الإمام أحمد بن حنبلٍ: [صح عن] [¬٢] ثلاثة [¬٣] من أصحاب النبي، ﷺ ، في قتل الساحر. وروى الترمذي (٦٢٠) من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "حدّ الساحر ضربه بالسيف". ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإِسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح عن الحسن، عن جندب موقوفًا. قلت: قد رواه الطبراني (٦٢١) من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب مرفوعًا، والله أعلم. وقد روي من طرف متعددة أنّ الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به فيردّ إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملًا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقًا [¬٤] فَلُيحيي نفسَهُ. وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك؛ فسجنه ثم أطلقه (٦٢٢)، والله أعلم. و [¬٥] قال الإمام [¬٦] أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، حدثنا

стр. 621

يحيى بن سعيد، حدّثني أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كان [¬١] عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملًا على سيفه فقتله، قال [¬٢]: أراه كان ساحرًا. وحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا، والله أعلم. (فصل) حكى أبو عبد الله الرازي في "تفسيره " عن المعتزلة، أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كَفَّروا من اعتقد وجوده، قال: وأمّا أهلُ السنة فقد جوَّزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا [¬٣] والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: أن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك، والنجوم، فلا، خلافًا للفلاسفة، والمنجمين، والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومن الأخبار: بأن رسول الله، ﷺ ، سُحِرَ، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂ وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابلَ، وتعلمها السحر. قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا [¬٤]: (المسألة الخامسة) في أنّ العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك، لأنّ العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ولأنّ [¬٥] السحر لو لم يكن [¬٦] يُعْلَم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز [¬٧] معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا وما يكون واجبًا، فكيف [¬٨] يكون حرامًا وقبيحًا؟!. هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه: أحدها [¬٩] قوله: العلم بالسحر ليس بقبيحٍ شرعًا [¬١٠]، [إن عنى به ليس بقبيح عقلًا] [¬١١]، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذة الآية الكريمة تبشيع

стр. 622

لتعلم السحر، [وفي الصحيح (٦٢٣): " من أتى عرافًا أو [¬١] كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمَّد"] [¬٢]. وفي السنن (٦٢٤): " من عقد عقدة، ونفث فيها فقد سحر". وقوله: "ولا محظورًا [¬٣]- اتفق المحققون على ذلك". كيف لا يكون [محظورًا مع] [¬٤] ما [¬٥] ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاقُ المحققين يقتضي أن يكون قد [¬٦] نصَّ على هذه المسألة أئمة العلماء، أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله علم [¬٧] السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، وَلِم قُلتَ إن هذا منه؟ ثم [¬٨] ترقيه [¬٩] إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم

стр. 623

بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ثم إن [¬١] العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر، ولا تعلموه ولا علَّموه، والله أعلم. ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن [¬٢] أنواع السحر ثمانية - (الأول): سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة [¬٣] المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله [¬٤] إليهم إبراهيم الخليل، ﷺ ، مبطلًا لمقالتهم، ورادَّا [¬٥] لمذهبهم [¬٦]، وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما [¬٧] ذكره [¬٨] القاضي ابن خلكان وغيره، ويقال: إنه تاب منه، وقيل: بل [¬٩] صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم [¬١٠] في مخاطبة كلٍّ من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتنسكون [¬١١] به. قال: (والنوع الثاني) - سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية [¬١٢]، ثم استدل على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه، قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى [¬١٣] الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك [¬١٤] إلا لأن النفوس خلقت مطيعةً [¬١٥] للأوهام. قال: ولقد [¬١٦] اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.

стр. 624

وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح (٦٢٥): أن رسول الله ﷺ قال: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين". قال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًّا، فتستغني في هذه الأفاعيل [¬١] عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة؛ فتحتاج إلى الاستعانة بهذة الآلات. وتحقيقُه أن النفس إذا كانت [مستعلية على] [¬٢] البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذة الذات [¬٣] البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرفٌ ألبتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن [الناس] [¬٤] [والرياضة] [¬٥]. (قلت): وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو علي قسمين: تارة تكون [¬٦] حالًا صحيحة شرعية يتصرف [بها فيما] [¬٧] أمر الله ورسوله [ ﷺ ]، ويترك [¬٨] ما نهى الله تعالى عنه ورسوله، ﷺ ، فهذه [¬٩] الأحوال مواهبٌ من الله تعالى؛ وكراماتٌ للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحالة فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله، ﷺ ، ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال -لعنه الله- له من [¬١٠] الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة مع إنّه مذموم شرعًا لعنه الله!. وكذلك عن شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًّا؛ وليس هذا موضعه. قال: (والنوع الثالث) من السحر: الاستعانة [بالأرواح [¬١١] الأرضية] [¬١٢]؛ وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنين [¬١٣]، وكفار وهم الشياطين.

стр. 625

قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة، وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن [¬١] والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير [¬٢]. (النوع الرابع) من السحر: التخييلات [¬٣] والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على [¬٤] أن البصر قد يخطئ، ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق و [¬٥] نحوه، عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة، وحينئذ يُظهر لهم شيئًا [¬٦] آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت [ولم تكلم] [¬٧] بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله. (قال): وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشدَّ، كان العملُ أحسن، مثل أن يجلس [¬٨] المشعبذ في موضع مضيء جدًّا -أو مظلم- فلا تقف القوة الناظرة [¬٩] على أحوالها بكلالها، والحالة هذه. (قلت): وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم. (النوع الخامس من السحر): الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت [¬١٠] ساعة من النهار ضرب بالبوق، من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصوروها [¬١١] ضاحكة وباكية. إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطف أمور المخاييل.

стр. 626

قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل. (قلت): يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال، والعصي، فحشوها زئبقًا، فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها. قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة. قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطَّلع عليها قدر عليها. (قلت): ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفيةً إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطفة تروج على العوام منهم، وأما الخواص فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون: أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم، وفيه شبهة للجهلة الأغبياء من متعبدي الكرّامية، الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ : "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٦٢٦) وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا علي؛ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار" (٦٢٧). ثم ذكر هاهنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت، ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترقُّ له، فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصّل إلى أن جعله أجوفَ، فإذا دخلته الريح يُسمع له صوتُ كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح باب من ناحيته فيدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتَها كُلُّ طائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور، فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه، ففتنهم

стр. 627

بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. قال الرازي: (النوع السادس من السحر): الاستعانة بخواص الأدوية؛ يعني في الأطعمة والدهانات، قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير المغناطيس مشاهد. (قلت): يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًّا أنها أحوال له من مخالطة النيران، ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات. قال: (النوع السابع من السحر) تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز؛ اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب، والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. (قلت): هذا النمط يقال له: التنبلة، وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المتنبل حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره. قال: (النوع الثامن من السحر) السعي بالنميمة، والتضريب من وجوه خفيفة لطفة، وذلك شائع في الناس. (قلت): النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس، وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: "ليس بالكذاب من ينم خيرًا" (٦٢٨)، أو يكون على وجه التخزيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: "الحرب خدعة" (٦٢٩)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب، وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء، فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة، والله المستعان.

стр. 628

ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه، وأصنافه. (قلت): وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عمَّا لطف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا" (٦٣٠). وسمي السحور لكونه يقع خفيًّا آخر الليل. والسَّحْرُ: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك؛ لخفائها؛ ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرك أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري (٦٣١). وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، أي أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم. وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافًا للمعتزلة، وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، حيث قالوا: إنه تمويه، وتخييل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي: البريد؛ لخفة سيره. قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام البادية. قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقىً من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية، وأدخنة، وغير ذلك. قال: وقوله ﵇: "إن من البيان لسحرًا" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًّا للبلاغة قال: وهذا أصح. قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال ﵊: "فلعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض فأقضي له" (٦٣٢) الحديث.

стр. 629

(فصل) وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمَّد بن هبيرة، ﵀، في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) بابًا في السحر؛ فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر، ويستعمله، فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إنْ تعلمه ليتقيه، أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه، أو أنه ينفعه كفر. وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر؛ قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر. قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد [¬١]: نعم. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا. فأمَّا إن قتل بسحره إنسانًا فإنه يقتل عند مالك، والشافعي، وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يقتل، حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين. وإذا قتل، فإنه يقتل حدًّا عندهم، إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا. قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنهم [¬٢]: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل. وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة فإنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك، [وأحمد والشافعي]: لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن الأعصم. واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله اُعلم. وقال أبو بكر الخلال (٦٣٣): أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قُرئ على أبي عبد الله -يعني

стр. 630

أحمد بن حنبل-: عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهريّ قال: يقتل ساحر المسلمين، ولا يققال ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها. [وقد نقل القرطبي، عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي إذا سحر: يقتل إن قتل سِحْرُهُ، وحكى ابن خويز منداد، عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم، وإلا قتل. والثانية: أنه يُقْتَل وإن أسلم. وأمّا الساحر المسلم، فإن تضمَّن كفرًا؛ كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، لكن قال مالك: إذا ظُهِرَ عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يُظهر عليه وجاءنا] [¬١] [تائبًا قبلناه، فإن قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ. قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية. (مسألة) وهل يُسْأَلُ الساحرُ حلًّا لسحره؟ فأجارُه سعيد بن المسيب، فيما نقله نقلًا عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (٦٣٤). وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله! هلا تنشرت؟ فقال: "أمّا الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًّا" (٦٣٥)، وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته. (قلت): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهو المعوذتان، وفي الحديث: "لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما" (٦٣٦) وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشيطان] [¬٢].

стр. 631

انتهى بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)

стр. 632

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾ نهى اللَّه تعالى عباده [¬١] المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم، وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه توريةٌ لما يقصدونه من التنقص [¬٢] عليهم لعائن اللَّه؛ فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا. يقولون: راعنا. يورُّون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم، والسام: هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم" (٦٢٤). وإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا. والغرض أن اللَّه -تعالى- نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾. وقال الإمام أحمد (٦٢٥): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية [¬٣]، عن أبي مُنيب الجُرَشي [¬٤]، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ : "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له،

стр. 633

وجعل رزقي تحت ظل رمحي، [وجعلت الذلة] [¬١]، والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم". وروى أبو داود (٦٢٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به: "من تشبه بقوم فهو منهم" ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نُقَرر عليها. و [¬٢] قال ابن أبي حاتم (٦٢٧): حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن مَعْن دمعون -أو أحدهما- أنّ رجلا أتى عبد اللَّه بن مسعود فقال: اعهد إليَّ، فقال: إذا سمعت اللَّه يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه. وقال الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرءون [¬٣] في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فإنه في التوراة: يا أيها المساكين. وقال محمد بن إسحاق (٦٢٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ﴿راعنا﴾ أي: أرعنا سمعك. وقال الضحاك (٦٢٩): عن ابن عباس (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾. قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ : أرعنا سمعك، وإنما ﴿راعنا﴾ كقولك: عاطنا. وقال ابن أبي حاتم (٦٣٠): وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، نحو ذلك.

стр. 634

وقال مجاهد (٦٣١): ﴿لا تقولوا راعنا﴾: لا تقولوا خلافا. وفي رواية: لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك. وقال عطاء (٦٣٢): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ كانت لغة تقول [¬١] الأنصار فنهى اللَّه عنها. وقال الحسن (٦٣٣): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ قال: الراعنُ من القولِ السخريُّ منه. نهاهم اللَّه أن يسخروا من قول محمد ﷺ وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله. وقال أبو صخر: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ قال: كان رسول اللَّه ﷺ ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول [¬٢]: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له. وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع، يدعى [¬٣] رفاعة بن زيد، يأتي النبيَّ، ﷺ ، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مُسْمَع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع: غَيرَ صاغر. وهي كالتي في سورة النساء. فتقدم [¬٤] الله إلى المؤمنين ألا يقولوا: راعنا. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا. قال ابن جرير (٦٣٤): والصواب من القول في ذلك عندنا: أن اللَّه نهى المؤمنين: أن يقولوا لنبيه ﷺ : راعنا، لأنها كلمة كرهها [¬٥] اللَّه تعالى أن يقولها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنة قال: "لا تقولوا للعنب الكرم؛ ولكن قولوا: الحبلة، ولا تقولوا: عبدي ولكن قولوا: فتاي" (٦٣٥) وما أشبه ذلك.

стр. 635

وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يبين [تعالى بذلك] شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر اللَّه [¬١] تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودّة بينهم وبينهم. وينبه [¬٢] تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيه محمد ﷺ حيث يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ قال ابن أبي طلحة (٦٣٦): عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما نبدل من آية. وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي [¬٣]: ما نَمْحُ [¬٤] من آية. وقال ابن أبي نَجِيح (٦٣٧)، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قال: نثبت خطها ونبدّل حكمها. [حدّث به] [¬٥] عن أصحاب عبد الله بن مسعود. وقال ابن أبي حاتم (٦٣٨): وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك. وقال الضحاك: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما نُنْسِكَ [¬٦]. وقال عطاء: أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾: فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم: يعني تُرك فلم ينزل على محمد، ﷺ . وقال السدي ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ نَسْخُها: قَبْضُها.
следующие страницы →