← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة؛ فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شئونه، التي قد [¬١] أخبرت بها الأنبياء قبله [عليهم الصلاة والسلام] [¬٢]. واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬٣] أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم [¬٤] منه. وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) ينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتوّ والعناد والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى [¬٥] الكتاب -وهو التوراة- فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله تعالى من البينات، وهي: المعجزات. قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطر فينفخ فيها فتكون طيرًا [¬٦] بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده [¬٧] بروح القدس- وهو جبريل ﵇ - ما يدلهم [به] [¬٨] على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له،

стр. 562

وحسدُهم وعنادُهم لمخالفته التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة؛ [ففريقًا يكذبون، وفريقًا يكذبونه و] يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، ووإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان [ذلك يشق] [¬١] عليهم فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. والدليل على أن روح القدس هو جبريل -كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ابن عباس] [¬٢] ومحمد بن كعب القرظى [¬٣] وإسماعيل بن أبي [¬٤] خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣]- ما [¬٥] قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُروة، عن عائشة: إن رسول الله، ﷺ ، وضع لحسان بن ثابت مِنْبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله، ﷺ ، فقال رسول الله، ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ أيِّدْ حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك [¬٦] ". وهذا [¬٧] من البخاري تعليق (٥١٥). وقد رواه أبو داود في سننه، [عن لُوَين] [¬٨]، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به (٥١٦). وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد.

стр. 563

وفي الصحيحين (٥١٧): من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه [¬١]، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللَّهُمَّ، أيده بروح القدس"؟ فقال: الَّلهُمَّ نعم. وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك". [وفي شعر حسان قوله: وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] [¬٢] وقال محمد بن إسحاق: حدّثني [عبد الله بن] [¬٣] عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم (٥١٨). [وفي صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] [¬٤] " (٥١٩).

стр. 564

أقوال آخر: قال ابن أبي حاتم (٥٢٠): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا منجاب [¬١] بن الحارث، حدَّثنا بشر، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَأَيَّدْنَاهُ [¬٢] بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم [¬٣] الذي كان عيسى يُحيي به الموتى. وقال ابن جرير (٥٢١): حدثت [¬٤] عن المنجاب. . . فذكره. و [¬٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك. [ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضًا قال: وهو الاسم الأعظم] [¬٦]. وقال [ابن أبي نجيح] [¬٧]: الروح هو حفظة على الملائكة. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب ﵎. وهو قول كعب، [وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس هو الله تعالى، وروحه جبريل. فعلى هذا يكون القول الأوّل] [¬٨]. وقال السدي: القدس البركة. وقال العوفي، عن ابن عباس: القدس الطهر. وقال ابن جرير (٥٢٢) حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬٩] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا، كما جعل القرآن روحًا كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾. ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية. فذكر أنه أيده به، فلو كان

стр. 565

الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قولًا: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكرير قول لا معنى له، والله [ ] أعز وأجل [¬١] أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به [¬٢]. (قلت): ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق، ولله الحمد. [وقال الزمخشري: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة. وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، فتضمن كلامه قولًا آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدّسة المطهرة. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل؛ وفريقًا، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسُّمِّ والسحر، وقد قال ﵇ في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري". (قلت): وهذا الحديث في صحيح البخاري (٥٢٣) وغيره] [¬٣]. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ قال محمد بن إسحاق (٥٢٤)، حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: في أكنة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه.

стр. 566

وقال العوفي (٥٢٥)، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هي: القلوب المطبوع عليها. وقال مجاهد: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابع، وقال أبو العالية: أي لا تفقه [¬١]، وقال السدي: يقولون عليها غلاف، وهو الغطاء. وقال عبد الرزاق: عن مَعْمَر، عن قتادة [فلا تعي ولا تفقه، قاله مجاهد وقتادة. وقرأ ابن عباس: ﴿غُلْفٌ﴾ بضم اللام، وهو جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاءٍ. ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم الله وأبعدهم من كل خير. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا القليل] [¬٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هو كقوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ قال: تقول [¬٣]: قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما [¬٤] تقول [¬٥] شيء [¬٦]، وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾. وهذا هو [¬٧] الذي رجحه ابن جرير، واستشهد بما رُوي من حديث عمرو بن مرّة الجملي [¬٨]، عن أبي البختري، عن حذيفة قال: "القلوب أربعة" (٥٢٦) فذكر منها: "وقلب أغلف

стр. 567

مغضوب عليه، وذاك قلب الكافر". وقال ابن أبي حاتم (٥٢٧): حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَميُّ، أنبأنا [¬١] أبي، عن جدّي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن. وهذا القول يرجع معناه إلى ما تقدّم من عدم طهارة قلوبهم وأنها بعيدة من الخير. قول آخر: قال الضحاك عن ابن عباس (٥٢٨) [في قوله] [¬٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: يقولون [¬٣]: قلوبنا غلف [¬٤] مملوءة علمًا لا تحتاج [¬٥] إلى علم محمد، ولا غيره. وقال عطية العوفي [] [¬٦] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: أي: أوعية [¬٧] للعلم. وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ بضم اللام، [نقلها الزمخشري] [¬٨] أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادّعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر، كما كانوا يَمُنُّون بعلم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: ليس الأمر كما ادّعوا؛ بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾. وقد اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾.

стр. 568

فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم. وقيل فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان [¬١] لا ينفعهم؛ لأنه مغمور [¬٢] بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ . وقال بعضهم: إنما [¬٣] كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما [¬٤] رأيت مثل هذا قط. تريد: ما رأيت مثل هذا قط. [وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت. أي: لا تنبت شيئًا] [¬٥] حكاه [¬٦] ابن جرير، ﵀، والله أعلم. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ يقول تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: اليهود. ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ مصدّق لما معهم، يعني: من التوراة وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم. كما قال محمد بن إسحاق (٥٢٩)، عن عاصم بن [¬٧] عمر بن قتادة، [عن قتادة] [¬٨] الأنصاري، عن أشياخ منهم قال: قالوا [¬٩]: فينا والله وفيهم، يعني: في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة، يعني: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. قالوا [¬١٠]: كنا قد علوناهم قهرًا [¬١١] دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب،

стр. 569

فكانوا يقولون: إن نبيًّا يُبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه فنقتلكم [¬١] معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه [¬٢] كفروا به، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقال الضحاك عن ابن عباس (٥٣٠) في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك [¬٣] بل [¬٤] يكذبون. وقال محمد بن إسحاق (٥٣١): أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس أن يهودًا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله، ﷺ ، قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن مَعْرور، [أخو بني] [¬٥] سلمة: يا معشر يهود؛ اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ﷺ ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا] [¬٦] بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سَلام بن مِشْكم [¬٧] أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. الآية [¬٨]. وقال العوفى (٥٣٢): عن ابن عباس: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: يستنصرون بخروج محمد، صلى الله عليه: سلم، [على مشركي العرب، يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد، ﷺ ] [¬٩] ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.

стр. 570

وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد، ﷺ ، على مشركي العرب، يقولون: اللَّهُمَّ، ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا، ﷺ ، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله، ﷺ ، فقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقال قتادة: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. وقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. [قال: هم اليهود] [¬١]. ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ قال مجاهد: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل، وكتمانَ ما جاءَ به مُحَمَّد ﷺ ، بأن يبينوه. وقال السدي: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم. يعني: بئسما اعتاضوا لأنفسهم فَرَضُوا [¬٢] به، [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه وموازرته ونصرته] [¬٣]، وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ﴿أَنْ [¬٤] يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. ولا حسد أعظم من هذا. و [¬٥] قال ابن إسحاق: عن محمد عن عكرمة -أو سعيد- عن ابن عباس: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أي: أن الله جعله من غيرهم ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال ابن عباس: فالغضب على الغضب، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب عليهم [¬٦] بكفرهم بهذا النبي الذي بعث [¬٧] الله إليهم.

стр. 571

(قلت): ومعنى باءوا: أي [¬١] استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب، وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد، ﷺ ، وبالقرآن [¬٢]. و [عن عكرمة وقتادة مثله] [¬٣]. قال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأمأ الغضب [¬٤] الثاني فغَضِب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ . [وعن ابن عباس مثله] [¬٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] [¬٦]. وقد قال الإمام أحمد (٥٣٣): [حدثنا يحيى] [¬٧]، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، ﷺ ، قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور [¬٨] الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَسُ، تعلوهم [¬٩] نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عُصارةِ أهل النار". ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾

стр. 572

يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي] [¬١] على محمد ﷺ ، وصدقوه واتبعوه ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني بما يعد [¬٢] بعده ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد، ﷺ ، الحق ﴿مُصَدِّقًا﴾ منصوب [¬٣] على الحال، أي: في حال تصديقه [¬٤] لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. ثم [¬٥] قال تعالى ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] [¬٦]﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل اليكم فَلِمَ قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾. وقال السدي في هذه الآية: يعيرهم الله ﵎ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال أبو جعفر بن جرير: قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل الذين [¬٧] إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا: لم تقتلون -إِن كنتم يا معشر يهود [¬٨]، مؤمنين بما أنزل الله عليكم-[أنبياء الله] [¬٩]؟ وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم [¬١٠]؛ بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعييرٌ لهم. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات [¬١١]، والدلائل القاطعات [¬١٢] على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، و [الآيات] [¬١٣] البينات هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن،

стр. 573

والسلوى، والحجر وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه [¬١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله -كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [أي وأنتم ظالمون] [¬٢]، في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ يعدد سبحانه [¬٣] وتعالى عليهم خطأهم، ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم [¬٤] عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه، ثم خالفوه؛ ولهذا قال [¬٥]: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا﴾. وقد تقدّم تفسير ذلك. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. قال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [¬٦]﴾. قال: أشربوا [في قلوبهم] [¬٧] حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس. وقال الإمام أحمد (٥٣٤): حدثنا عصام بن خالد، حدثني [¬٨] أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ : قال "حبك الشيء يُعْمي وَيُصِم".

стр. 574

ورواه أبو داود، عن حيوة بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، به. وقال السدي: أخذ موسى ﵇ العجلَ فذبحه [ثم حرقه] [¬١] بالمبرد، ثم ذراه [¬٢] في البحر، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وفع فيه شيء منه [¬٣] ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب؛ فذلك حين يقول الله [¬٤] تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٥٣٥)، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبدٍ [¬٦] وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد [¬٧] (٥٣٦)، فبرده [¬٨] بها [¬٩] وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفرّ وجهه مثل الذهب. وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. [قال: لما أحرق العجل] [¬١٠] بُرِد، ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران. [وحكى القرطبي عن كتاب القشيري أنه ما شرب أحد منه ممن عبد العجل إلا جنّ، ثم قال القرطبي: وهذا شيء غير ما هاهنا؛ لأن القصود من هذا السياق أنه ظهر على شفاههم ووجوههم، والمذكور هاهنا أنهم أشربوا في قلوبهم العجل، يعني في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجه عثمة: تغلغل حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي … فباديه مع الخافي يسيرُ تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور

стр. 575

أكاد إذا ذكرتُ العهد منها … أطير لو أن إنسانا يطيرُ] [¬١] وقوله [¬٢]: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ وهذا أكبر ذنوبكم وأشد الأمور عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان، وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل [من دون الله] [¬٣]؟! ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ قال محمد بن إسحاق (٥٣٧): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﵁: يقول الله تعالى لنبيه محمد [¬٤] ﷺ : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ ﴿ولنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: بِعِلْمِهِم [¬٥] بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات. وقال الضحاك (٥٣٨): عن ابن عباس: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾: فسلوا [¬٦] الموت. وقال عبد الرزاق (٥٣٩): عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا

стр. 576

﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود [¬١] الموت لماتوا. وقال ابن أبي حاتم (٥٤٠): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه. وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس. وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أنّ النبي [¬٢] ﷺ قال: "لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله، ﷺ ، لرجعوا لا يجدون أهلًا، ولا مالا". حدَّثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ . ورواه الإمام أحمد (٥٤١)، عن إسماعيل بن يزيد الرقي، حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به. وقال ابن أبي حاتم (٥٤٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه [¬٣] أبدًا [¬٤] بما قدّمت أيديهم. قلت: أراُيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم ﴿تَمَنَّوُا الْمَوْتَ [¬٥]﴾ أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله، ما كانوا ليموتوا لو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه وقد قال الله -ما سمعت-: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على

стр. 577

أي الفريقين أكذب منهم، أو في المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى! ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فهم -عليهم لعائن الله تعالى! - لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة، والدعاء عدى أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين. فلما نكلوا [¬١] عن ذلك عَلِم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم، وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم- إلى المباهلة، فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تَطْرِفُ، فعند ذلك [جنحوا للسلم] [¬٢] وبذلوا [¬٣] الجزية عن يد، وهم صاغرون، فضوبها عليهم، وبعث معهم أبا [¬٤] عبيدة بن الجراح ﵁ أمينًا. ومثل هذا المعنى، أو قريب منه [قول الله] [¬٥] تعالى لنبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. أي: من كان في الضلالة منا أو منكم، فزاده الله مما هو فيه، ومدّ له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله تعالى. فأما من فسر الآية على معنى ﴿[قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ] [¬٦] إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: [إن كنتم صادقين] [¬٧] في دعواكم فتمنوا الآن الموت، ولم يتعرض هؤلاءِ للمباهلة، كما قرره [¬٨] طائفة من التكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول؛ فإنه قال (٥٤٣): القول في تأويل [¬٩] قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ

стр. 578

كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. الآية [¬١]. فهذه [¬٢] الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه به ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ [أن يدعوهم] [¬٣] إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر [¬٤] من النصارى إذ خالفوه في عيسى [ابن مريم] [¬٥]﵇ وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإنّ ذلك غير ضارّ بكم إن كنتم محقين، فيما تدعون من الإيمان، وقرب النزلة من الله، بل أعطكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم [¬٦]؛ فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها [¬٧] أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى [الذين جادلوا النبي، ﷺ ، في عيسى -إذ دعوا للمباهلة- من المباهلة] [¬٨]. فهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره ففيه نظر، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه [¬٩] لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون [¬١٠] في دعواهم أن يتمنوا الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يودّ أن يعمر ليزداد [¬١١] خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء [في الحديث] [¬١٢]: "خيركم من طال عمره، وحسن عمله" (٥٤٤).

стр. 579

ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون أيها [¬١] المسلمون؛ أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت [¬٢]، فكيف تلزموننا [¬٣] بما لا يلزمكم [¬٤]؟! وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس، فلا يلزم عليه [¬٥] شيء من ذلك؛ بل قيل لهم كلام نَصَفٌ: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله [¬٦] من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من [¬٧] أهل الجنة، ومن عداكم من [¬٨] أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم، أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة. فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم، وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة!! [وسميت هذه الباهلة تمنِّيًا، لأنّ كل محق يودّ لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة؛ لا يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] [¬٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. أي: على طول عُمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، وما [يحاذرون منه] [¬١٠] واقع بهم لا محالة، حتى وَهُم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم، وهذا من باب عطف [الخاص على العام] [¬١١]. قال ابن أبي حاتم (٥٤٥): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.

стр. 580

وكذا [¬١] رواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي. وقال الحسن البصري: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. قال: المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾. أي: يودّ [¬٢] أحد اليهود، كما يدل عليه نظم السياق. وقال أبو العالية: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي [¬٣]: أحد [¬٤] المجوس، وهو يرجع إلى الأوّل ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال الاعمش: عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال [¬٥]: هو كقول الفارسي "زه هزارسال" يقول: عشرة آلاف [¬٦] سنة، وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضًا. وقال ابن جرير (٥٤٦): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال [¬٧]: سمعت أبي [عليًّا] [¬٨] يقول: حدثنا [¬٩] أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو قول الأعاجم: " [هزار سال نوروز مهرجان] [¬١٠] ". وقال مجاهد: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حَببتْ [إليهم الخطئةُ طولَ العمر] [¬١١]. وقال محمد [¬١٢] بن إسحاق (٥٤٧)، عن محمد [بن أبي محمد] [¬١٣] عن [¬١٤] سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: و [¬١٥] ما هو بمنجيه من

стр. 581

العذاب، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي لو [¬١] عرف مآله في الآخرة من الخزي ما [¬٢] ضيع ما عنده من العلم. وقال العوفي (٥٤٨): عن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل. وقال أبو العالية وابن عمر: فما ذاك بمغيثه من العذاب، ولا منجيه منه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [في هذه الآية] [¬٣]: يهود أحرص على الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء لو [¬٤] يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عُمرَ، كما أنّ عمر إبليس لم ينفعه، إذ كان كافرًا. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: خبير بصير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا، أنّ هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليٌّ لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم، وبين رسول الله ﷺ في [¬٥] أمر نبوّته. (ذكر من قال ذلك) حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بَهرام، عن شهر بن حَوشب، عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود إلى [¬٦] رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، حدِّثْنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله، ﷺ : "سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم [عن شيء] [¬٧] فعرفتموه لتتابعني [¬٨] على الإسلام" فقالوا: ذلك لك. فقال رسول

стр. 582

الله ﷺ : "سلوني عما شئتم" فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهنّ: أخبرنا أيّ الطعام [¬١] حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ومن [¬٢] وليُّه من الملائكة؟ فقال النبيُّ ﷺ : "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني [¬٣]؟ " فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال: "نشدتكم بالذي أنزل التوراةَ على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا؛ لئن عافاه الله من سقمه ليُحرِّمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم [¬٤] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها" فقالوا: اللَّهم نعم. فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهم اشهد عليهم، وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل [غليظ أبيض] وأن ماء المرأة [رقيق أصفر]، فأيهما علا كان له الولد، والشبه بإذن الله [ ]، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله [ ] ". قالوا: اللَّهم نعم. قال: "اللَّهم اشهد -قال:- وأنشدكم [بالله الذي] [¬٥]، أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ " قالوا: اللَّهم نعم، قال: "اللَّهم اشهد" قالوا: أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: "فإن وليي جبريل، ولم يبعث اللَّه نبيًّا قط إلا وهو وليه" قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: "فما يمنعكم [¬٦] أن تصدقوه؟ " قالوا: إنه عدوُّنا؛ فأنزل الله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ]﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فعندها باءوا بغضب على غضب (٥٤٩). وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٥٥٠)، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد بن حميد في تفسيره، عن أحمد بن يونس كلاهما، عن عبد الحميد بن بَهرام به. ورواه الإمام أحمد أيضًا (٥٥١)، عن الحسين بن محمد المروزي، عن عبد الحميد به [¬٧]،

стр. 583

بنحوه. وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلًا (٥٥٢)، وزاد فيه. قالوا: فأخبرنا عن الروح؟ قال: "أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: اللَّهم [¬١] نعم، ولكنه [عدو لنا]، وهو مَلَكٌ إنما يأتي بالشدة، وسفك الدماء، فلولا ذلك لاتبعناك [¬٢]؛ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ [¬٣] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ] [¬٤]﴾ إلى قوله ﴿كَأَنَّهُمْ [¬٥] لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال الإمام أحمد (٥٥٣): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا [¬٦]: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنّ عرفنا أنك نبي، واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل علي بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، قال: "هاتوا" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟ قال: "يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة؛ أذكرت [¬٧]، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أنثت" قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا" -قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل؛ فحرم لحومها- قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "مَلَكٌ من ملائكة [¬٨] الله موكل بالسحاب، بيديه -أو في [يديه- مِخْراق] [¬٩] من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله " قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال [¬١٠]: "صوته" قالوا: صدقت. قالوا [¬١١]: إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها [¬١٢]، إنه ليس من نبي إلا و [¬١٣] له مَلَك يأتيه بالخبر فأخبرنا من

стр. 584

صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇ "قالوا: جبربل ذاك الذي [¬١] ينزل بالحرب، والقتال، والعذاب عدونا، لو قلتَ ميكائيل الذي ينزل بالرحمة، [والقطر والنبات] لكان؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد به، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال سنيد (٥٥٤) في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني القاسم بن أبي بزة [¬٢]: أن يهود سألوا النبي ﷺ عن [¬٣] صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي قال: "جبريل" قالوا: فإنه لنا عدو، ولا يأتي إلا بالشدة، والحرب، والقتال؛ فنزلت [¬٤]: ﴿قُلْ [¬٥] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية، قال ابن جريج: و [¬٦] قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال؛ فإنه لنا عدوّ؛ فنزل: ﴿قُلْ [¬٧] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية. وقال البخاري (٥٥٥): قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية [¬٨]، قال عكرمة: جبر، وميك [¬٩] وإسراف: عبد، وإيل: الله. حدثنا عبد الله بن مُنِير [¬١٠]، سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حُمَيد، عن أنس بن مالك قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ ، وهو في أرض يخترف [¬١١] [- يجتني- الثمر] [¬١٢] فأتى النبيَّ، ﷺ ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي؛ ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا" قال: جبريل؟ قال: "نعم" قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾، "و [¬١٣] أمّا أوّل أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة:

стр. 585

فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق [ماء الرجل] [¬١] ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت أنثى [¬٢] " قال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بُهتٌ، وإنهم [] [¬٣] إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود فقال [لهم النبي ﷺ ] [¬٤]: "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " فقالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج عبد الله فقال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد [¬٥] أن محمدًا رسول الله، فقالوا: هو [¬٦] شَرُّنا وابنُ شَرِّنا؛ فانتقصوه فقال [¬٧]: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. انفرد به البخاري من هذا الوجه. وقد أخرجه [¬٨] (٥٥٦) من وجه آخر عن أنس بنحوه. وفي صحيح مسلم (٥٥٧)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه. [إن شاء الله تعالى] [¬٩] وحكاية البخاري [كما تقدم] [¬١٠] عن عكرمة هو المشهور أن "إيل" هو الله. وقد رواه سفيان الثوري، عن خصيف، عن عكرمة. [ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه عن عكرمة] [¬١١] ورواه ابن جرير (٥٥٨)، عن الحسين بن يزيد الطحان، عن إسحاق بن منصور، عن قيس بن [¬١٢] عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن [¬١٣] جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل: اسمه [¬١٤] عبيد الله، إيل: الله. ورواه نريد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله سواء. كذا قال غير واحد من السلف

стр. 586

-كما سيأتي قريبًا- ومن الناس من يقول: "إيل" عبارة في عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع، فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل، فعبدٌ موجودة [¬١] في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبربل، وميكائيل، [وعزرائيل، وإسرافيل] ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم. ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك؛ من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب، ﵁، وبينهم، في أمر النبي ﷺ . (ذكر من قال ذلك) حدثني محمد بن المثنى (٥٥٩) حدثني ربْعِي بن عُلَيّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما بال [¬٢] هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله، ﷺ ، صلى هاهنا، قال: فكره ذلك، وقال: إيما [¬٣] رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أدركته الصلاة بواد فصلاها، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مِدْراسهم، فأعجب من التوراة و [¬٤] كيف تصدق الفرقان؟ ومن القرآن [¬٥] كيف يصدق التوراة؟ فبينما [¬٦] أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب؛ ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك. قلت: ولم ذلك؟ قالوا: لأنك [¬٧] تغشانا وتأتينا، قلت: إني آتيكم، فأعجب من الفرقان [¬٨] كيف يصدق التوراة؟ ومن التوراة كيف تصدق [¬٩] الفرقان؟ قال: وَمَرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم، فَالْحَقْ به. قال [¬١٠]: فقلت [¬١١] لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من

стр. 587

حقه، وما [¬١] استودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه، [قالوا: فأنت] [¬٢] عالمنا، وكبيرنا فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به؛ فإنا نعلم أنه رسول الله. قال [¬٣]: قلت: ويحكم فأنَّى هلكتم، قالوا: إنا [¬٤] أنهلك. قال [¬٥] ": قلت: كيف ذلك [¬٦]، وأنتم تعلمون أنه رسول الله، و [¬٧] لا تتبعونه، ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وَسِلْمًا من الملائكة، وإنه قرن بنبوّته عدوّنا من الملائكة. قال: قلت: ومن عدوّكم؟ ومن سلمكم؟ قالوا: عدوّنا جبريل، وسلمنا ميكائيل. [قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل، وفيم سالمتم ميكائيل؟] [¬٨] قالوا: إن جبريل ملك الفظاطة والغلظة، والإعسار، والتشديد، والعذاب، ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة، والرأفة، والتخفيف، ونحو هذا. قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: قلت: فواللهِ [¬٩] الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، و [¬١٠] ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ فلحقته، وهو خارج من خَوْخة [¬١١] [-باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصب عليها باب-] [¬١٢] لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل، فقرأ عليَّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ حتى قرأ هذه [¬١٣] الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت [¬١٤] يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا [أريد أن] [¬١٥] أخبرك، فأسمع [¬١٦] اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.

стр. 588

وقال ابن أبي حاتم (٥٦٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، أنبأنا [¬١] عامر قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدّونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا، قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما من رب العالمين؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله. قال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدوّ جبريل، وما كان جبرائيل ليسالم عدوّ ميكائيل، فبينما [¬٢] هو عندهم إذ مرّ النبي ﷺ فقالوا: هذا صاحبك يا بن الخطاب؛ فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله عليه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدّث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك وفاته، والله أعلم. وقال ابن جرير (٥٦١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن [¬٣] قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه [¬٤] رحبوا به؛ فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم، ولا لرغبة [¬٥] فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا، مَنْ صاحبُ صاحبِك؟ فقال لهم: جبريل، فقالوا: ذاك عدوّنا من أهل السماء، يُطِلعُ محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب [¬٦] والسَّنَة [¬٧]، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل [¬٨] تعرفون جبريل، وتنكرون محمدًا ﷺ ؟ ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدّثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآيات.

стр. 589

ثم قال: حدثني المثنى (٥٦٢)، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى [¬١] اليهود يومًا، فذكر نحوه، وهذا [] [¬٢] أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط، عن السدّي، عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضًا. وقال ابن أبي حاتم (٥٦٣): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن [يعني الدَّشْتَكي] [¬٣]، حدثنا [¬٤] أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهوديًّا لقي [¬٥] عمر بن الخطاب فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا. فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال: فنزلت على لسان عمر، ﵁. [ورواه عبد بن حميد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر هو الرازي] [¬٦]. وقال ابن جرير (٥٦٤): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن [¬٧] عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو [¬٨] الذي ينزل عليكم لتبعناكم؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، فإنه [عدوّ لنا] [¬٩]، قال: فنزلت هذه الآية. [حدثني (٥٦٥) يعقوب، قال] [¬١٠]: حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بنحوه. وقال عبد الرزاق (٥٦٦): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل [عدوّ لنا] [¬١١]؛ لأنه ينزل بالشدة والسَّنَة، وإن ميكائيل ينزل

стр. 590

بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا، فقال الله تعالى: [﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. الآية. وأما تفسير الآية فقوله تعالى] [¬١]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل، فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم، على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله مَلكي، ومن عادى رسولًا، فقد عادى جميع الرسل، [كما أنّ من آمن برسول، فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] [¬٢]، وكما أنّ من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. الآيتين. فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبريل فإنه عدوّ لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. وقد روى البخاري في صحيحه (٥٦٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب"، ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المتقدّمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هدى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. الآية. ثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي- ورسله تشمل [¬٣] رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿[] [¬٤] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال [¬٥]﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصِّصَا [¬٦] بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير

стр. 591

بين الله وأنبيائه، وقرن معه [¬١] ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوّهم وميكائيل وليهم [¬٢]، فأعلمهم [الله تعالى] [¬٣] أن [¬٤] بن عادى واحدًا منهما، فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على [أنبياء الله] [¬٥] بعض الأحيان، كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذاك بالهدى، وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل [بالنفخ في الصور للبعث] [¬٦] يوم [¬٧] القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح (٥٦٨): أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: "اللَّهم رب جبربل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك، فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وقد تقدّم مما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير، عن عكرمة، وغيره [¬٨] أنه قال: جبر [¬٩] وميك وإسراف: عبيد [¬١٠]، وإيل: الله. وقال ابن أبي حاتم (٥٦٩): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، [عن ابن عباس] [¬١١] قال: إنما كان قوله جبريل كقوله: عبد الله، وعبد الرحمن، وقيل [¬١٢] جبر: عبد، وإيل: الله. وقال محمد بن إسحاق (٥٧٠): عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: أتدرون [¬١٣] ما اسم جبريل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبد [¬١٤] الله، قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا لا. قال اسمه عبيد [¬١٥] الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله [ ]. قال ابن أبي حاتم (٥٧١): وروي عن [عكرمة، ومجاهد] والضحاك، ويحيى بن يعمر نحو

стр. 592

ذلك، ثم [] [¬١] قال حدثني [¬٢] أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَاري، حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله، قال: فحدَّثتُ به أبا سليمان الداراني فانتفض، وقال: لَهَذا الحديثُ أحبُّ إليَّ من كلِ شيءٍ في دفتر كان بين يديه. وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات، تذكر في كتب اللغة والقراءات، [ولم نطول] [¬٣] كتابنا هذا بسرد ذلك، إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ [¬٤] عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المُظْهَر مكان المضمر حيث لم يقل: فإنه عدوّ للكافرين؛ بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر: لا أرى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيء [¬٥] … نغص [¬٦] الموتُ ذا [¬٧] الغنى والفقيرا وقال الآخر [¬٨]: ليتَ الغرابَ غداةَ ينعَبُ دائبًا … كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأوداج وإنما أظهر [الله هذا] [¬٩] الاسم هاهنا؛ لتقرير [¬١٠] هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى وليًّا [¬١١] لله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدوّ له، ومن كان الله عدوّه، فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدّم الحديث: "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب" (٥٧٢)، وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحَرِبُ". وفي الحديث [¬١٢] الصحيح: "وَمَنْ كنتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُه". ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ

стр. 593

أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٥٧٣) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. الآية [¬١]. أي: أنزلنا إليك يا محمد؛ علامات واضحات دالات [¬٢]، على نبوّتك، وتلك الآيات هي ما حواه [¬٣] كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم، وبدّلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة. فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه [¬٤] إلى هلاكها الحسد والبغي؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وَصَفَ من غير تَعَلُّمٍ تعلَّمه من بشر [¬٥]، ولا أخذ شيئًا منه عن آدمي. كما قال الضحاك: عن ابن عباس (٥٧٤): ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت

стр. 594

تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمّي لا [¬١] تقرأ كتابًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، يقول الله تعالى [لهم في ذلك] [¬٢] عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون. وقال محمد بن إسحاق (٥٧٥): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس؛ قال: قال ابن صوريا الفطيُوني [¬٣] لرسول الله ﷺ : يا محمد؛ ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك. فأنرل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ [¬٤] بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ﴾. وقال مالك بن الصيف [¬٥] (٥٧٦) - حين بُعث رسولُ الله ﷺ وذكَّرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ : والله ما عَهِد إلينا في محمد [ ﷺ ] ولا أخذ علينا ميثاقًا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. وقال الحسن البصري: في قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا. وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ . وقال قتادة: نبذه فريق منهم، أي نقضه فريق منهم. وقال ابن جرير (٥٧٧): أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سُمي اللقيط منبوذًا، ومنه سُمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء. قال أبو الأسود الدؤلي: نظرتَ إلى عنوانه فنبذْتَه … كنبذك نعلًا أخْلَقَتْ من نعالكا قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم، وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعتُه، وصفتُه وأخباره، وقد أُمروا فيها باتباعه، ومؤازرته، ومناصرته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ

стр. 595

الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية. وقال هاهنا ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. الآية. أي: طرح [¬١] طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم، أي: تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه، ولهذا أرادوا كيدًا برسول [¬٢] الله ﷺ وسحروه في مُشْط ومُشَاقة وجُفّ طلعة ذَكَر تحت راعوثة [¬٣] (٥٧٨) ببئر [¬٤] ذي أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم - لعنه الله وقبحه [¬٥] فأطلع [¬٦] الله على ذلك رسوله، ﷺ ، وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه. و [¬٧] قال السدي: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال قتادة في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه، وجحدوا به. وقال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام [¬٨] (٥٧٩) من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما أرجع [¬٩] الله إلى سليمان مُلْكَه، وقام الناس على الدين كما كان، أو أن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حِدْثَان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا [¬١٠] فأخذوا به فجعلوه دينًا؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ

стр. 596

لَا يَعْلَمُونَ﴾. الآية. واتبعوا الشهوات التي كانت [تتلو الشياطين] [¬١]، وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله. وقال ابن أبي حاتم (٥٨٠): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان [¬٢] آصف كاتب سليمان، وكان يَعْلَمُ الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته [¬٣] الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال [¬٤]: فأكفره [¬٥] جُهَّالُ الناس وَسَبُّوه، ووقف [علماء الناس] [¬٦]، فلم يزل [جهال الناس] [¬٧] يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال ابن جرير (٥٨١): حدّثني أبو السائب سلم [¬٨] بن جنادة السُّوائي، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه أعطى الجرادة - وهي امرأته [¬٩]- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ - بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين، والجن، والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فقالت: كذبت، لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابْتُلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها [¬١٠] على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال فبرئ الناس من سليمان، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا ﷺ وأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.

стр. 597

ثم قال ابن جرير (٥٨٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران -وهو ابن الحارث- قال: بينما [¬١] نحن عند ابن عباس ﵄ إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيَه؟ قال: من الكوفة قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليًّا خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جُرِّب منه وصُدق كذب معها سبعين كذبة. قال: فَتَشْرَبُها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇ فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطانُ الطريق فقال: أفلا أدلكم على كنزه [¬٢] المُمَنَّع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحره [¬٣] فتناسخها الأمم -حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق- فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية. وروى الحاكم في مستدركه، عن أبي زكريا العَنْبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به (٥٨٣). وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما [¬٤] يكون في الأرض من موت، أو غيب، أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فَتُحَدِّثُ الكهنةُ الناسَ، فيجدونه كما قالوا، فلما [¬٥] أمنتهم الكهنة كذبوا لهم؛ وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناسُ ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك [¬٦] في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربتُ عنقه. فلما مات سليمان، ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خَلْف - تمثل الشيطان [¬٧] في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم:

стр. 598

هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب [¬١] معهم، وأراهم [¬٢] المكان وقام ناحية، فقالوا له [¬٣] فادنُ. فقال [¬٤]: لا، ولكنني [¬٥] هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب؛ فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس، والشياطين، والطير بهذا السحر. ثم طار وذهب. وفشا في الناس أن سليمان إنما [¬٦] كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه [¬٧] ما سألوه [¬٨] عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وإن الشياطين عمدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السحر، والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي [¬٩] مجلس سليمان، وكان سليمان [¬١٠]﵇ لا يعلم الغيب. فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسده [¬١١] الناس عليه، فأخبرهبم النبي ﷺ بهذا الحديث فرجعوا من عنده، وقد حزنوا [¬١٢] [وقد] [¬١٣] أدحض الله حجتهم. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع [¬١٤] الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسل سليمان، ﵇، إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته [¬١٥] الشياطين وعلمته [¬١٦] الناس، وهو

стр. 599

السحر. وقال سعيد بن جبير: كان سليمان ﵇ يتتبع [¬١] ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر [¬٢] الشياطين أن يصلوا إليه، فدبت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما [¬٣] العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به. الإنسُ، واستخرجوه، [وعملوا به] [¬٤]، فقال أهل الحجا [¬٥]: كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر. فأنزل الله تعالى على لسان [¬٦] نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇ فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇ فكتبوا أصناف السحر: "من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل [¬٧] كذا وكذا"، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه [¬٨] بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في [¬٩] عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود [﵉] من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك [¬١٠] سليمان [بن داود] [¬١١] إلا بهذا؛ فأفشوا السحر في الناس، فتعلموه [¬١٢] وعلموه [¬١٣]، [فليس هو] [¬١٤] في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله! فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود وعدَّه فيمن عدّ [¬١٥] من المرسلين. قال من كان بالمدينة من اليهود [¬١٦]: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنزل الله في [¬١٧] ذلك من [¬١٨] قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا

стр. 600

مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية. وقال ابن جرير (٥٨٤): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا حسين حدثنا [¬١] حجاج عن أبي بكر، عن شَهْر بن حَوْشب قال: لما سُلِبَ سليمان ﵇ ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت: "من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا؛ ومن أراد أن يفعل كذا وكذا، فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا؛ فكتبتْه وجعلتْ عنوانَه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵉ من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنته تحت كرسيه، فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس لعنه الله! خطيبًا، فقال [¬٢]: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه، وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تَعَبَّدَنا، وبهذا قهرنا. فقال [¬٣] المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي محمدًا [¬٤] ﷺ [جعل يذكر الأنبياء] [¬٥] حتى [¬٦]، ذكر داود وسليمان فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء. إنما كان ساحرًا يركب الريح، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ [وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ] [¬٧]﴾. الآية. وقال [¬٨] ابن جرير (٥٨٥): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عمران بن حُدَيْر [¬٩]، عن أبي مِجْلزَ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلي عنه، فزاد [¬١٠] الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا يعمل به سليمان [بن داود ﵉]؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٥٨٦): حدَّثنا [عصام بن رَوّاد] [¬١١]، حدَّثنا آدم، حدَّثنا المسعودي، عن
следующие страницы →