← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ يقول تعالى مقرّرًا للمعاد، ورَدًّا على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد، من الذين قالوا: ﴿أَإِذَا [مِتْنَا وَ] [¬١] كُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. وقولهم ذلكَ صَدَرَ منهم على وجه التكذيب والاستبعاد، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾، أي نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، أفليس الذي قدر على البَداءَة بقادر على الإِعادة بطريق الأولى [والأحرى] [¬٢]؛ فلهذا قال: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾، أي: فهلا تصدقون بالبعث! ثم قال مستدلًا عليهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، أي: أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها، أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ﴾. أي: صرفناه بينكم. وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: نحن بعاجزين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ﴾، أي: نغير خلقكم يوم القيامة، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: من الصفات والأحوال. ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾. أي: قد علمتم أنّ الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة -وهي البَدَاءة- قادر على النشأة الأخرى -وهي الإِعادة- بطريق الأولى والأحرى؟ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، وقال: [﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا﴾ وقال] [¬٣]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.

стр. 6022

أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ يقول: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾، وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾، أي: تنبتونه في الأرض ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أي: بلى [¬١] نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض. قال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجَرْمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشَام، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولن: زرعت، ولكن قل: حرثت". قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (٨٤) [و] [¬٢] رواه البزار عن محمد بن عبد الرحيم عن مسلم [¬٣] الجرمي [به] [¬٤]. [وقال] [¬٥] ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مرسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن عطاء عن أبي عبد الرحمن، لا تقولوا: زرعنا، ولكن قولوا: حرثنا. وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾: وأمثالها يقول: بل أنت يا رب. وقوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم

стр. 6023

رحمة بكم، ولو نشاء لجعلناه حطامًا، أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. ثم فسر ذلك بقوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: لو جعلناه حطامًا لظَلْتم تفكهون في المقالة، تنوعون كلامكم، فتقولون تارة: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لَمُلقَوْن [¬١]، وقال مجاهد، وعكرمة: إنا لمُولَع بنا. وقال قتادة: معذبون. وتارة تقولون: بل نحن محرمون. وقال مجاهد أيضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾: ملقون للشر، أي: بل نحن مُحَارَفون. قاله قتادة، أي: لا يثبت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح. وقال مجاهد: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [أي]: [¬٢] محدودون، يعني: لا حظ لنا. قال ابن عباس، ومجاهد: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. وقال مجاهد أيضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم. وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم. وهذا اختيار ابن جرير. وقال عكرمة: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تلاومون. وقال الحسن، وقتادة، والسدي: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، تندمون. ومعناه إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب. قال [الكسائي] [¬٣]: تفكَّه من الأضداد، تقول العرب: تفكهت [¬٤] بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت. ثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾، يعني: السحاب. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾، يقول: بل نحن المنزلون. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾، أي: زُعاقًا [¬٥]، مرًّا لا يصلح لشرب [¬٦] ولا زرع، ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾، أي: فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبًا زلالًا؟! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فُضَيل [¬٧] بن مرزوق، عن جابر، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ : أنه كان [¬٨] إذا

стр. 6024

شرب الماء قال: "الحمد لله الذي سقاناه عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا" (٨٥). ثم قال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾، أي: تقدحون من الزناد، وتستخرجونها من أصلها، ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾. أي: بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها، وللعرب شجرتان، إحداهما: المرخ [¬١]، والأخرى: العَفار [¬٢]، إذا أخِذَ منهما غصنان أخضران، فحُكّ أحدهما بالآخر، تناثر من بينهما شرر النار. وقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى. قال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "يا قوم؛ ناركم [¬٣] هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". قالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية! قال: "قد ضُربت بالماء ضربتين -أو: مرتين- حتى يستنفع بها بنو آدم ويدنوا منها" (٨٦). وهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" (٨٧). وقال الإِمام مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي يوقدون جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم". فقالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية. فقال: "إنها فُضلت عليها بتسعة وستين جزءًا" (٨٨).

стр. 6025

رواه البخاري من حديث مالك (٨٩)، ومسلم من حديث أبي الزناد (٩٠). ورواه مسلم، من حديث عبد الرزاق، عن معمر عن همام، عن أبي هريرة به (٩١). وفي لفظ "والذي نفسي بيده، لقد فضّلت [عليها] [¬١] بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرّها". وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحرامي، حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عمه أبي السهيل [¬٢]، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من ناركم هذه بسبعين [¬٣] ضعفًا" (٩٢). قال الضياء المقدسي: وقد رواه ابن مصعب عن مالك ولم يرفعه، وهو عندي على شرط الصحيح. وقوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والنضر بن عربي [¬٤]: معنى ﴿لِلْمُقْوينَ﴾: المسافر. واختاره ابن جرير، وقال: ومنه قولهم: أقوت الدار إذا رحل أهلها. وقال غيره: القي والقَوَاء: القفر الخالي البعيد من العمران. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقوي ها هنا: الجائع. وقال ليث بن أبي سليم: عن مجاهد: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ﴾: للحاضر والمسافر، لكل طعام لا يصلحه إلا النار. وكذا روى سفيان، عن جابر الجعفي، عن مجاهد. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: ﴿لِلْمُقْوينَ﴾ المستمتعين، الناس أجمعين. وكذا ذكر عن عكرمة. وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير، الكل محتاجون للطبخ والاصطلاء والإِضاءة وغير ذلك من المنافع. ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار وخالص الحديد، بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا

стр. 6026

احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى، وأوقد ناره فاطبخ بها واصطلى، واشتوى واستأنس بها، وانتفع بها سائر الانتفاعات. فلهذا أفردَ المسافرون وإن كان [¬١] ذلك عامًّا في حق الناس كلهم. وقد يستدل له بما رواه الإِمام أحمد وأبو داود من حديث أبي خدَاش حبَّانَ بن زَيد الشَّرعبي الشَّامي، عن رجل من المهاجرين من قرن [¬٢]، أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "المسلمون شركاء في ثلاثة: النار، والكلإ، والماء" (٩٣). وروى ابن ماجة بإسناد جيد عن أبي هريرة؛ قال: قال: رسول الله، ﷺ : "ثلاث لا يُمنعن: الماء، والكلأ، والنار" (٩٤). وله من حديث ابن عباس مرفوعًا مثل هذا وزيادة: "وثمنه حرام" (٩٥). ولكن في إسناده عبد الله بن خِرَاش بن حَوْشب، وهو ضعيف، والله أعلم. وقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء العذب الزلال البارد، ولو شاء لجعله ملحًا أجاجًا كالبحار المغرقة. وخَلَق النار المحرقة، وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم، وزاجرًا لهم في المعاد. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)

стр. 6027

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ قال جويبر عن الضحاك: إن الله لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه. وهذا القول ضعيف. والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته. ثم قال بعض المفسرين: "لا" هاهنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم. ورواه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. ويكون جوابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. وقال آخرون: ليست "لا" زائدة لا معنى لها، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسمًا به على منفي، كقول عائشة ﵂: لا، والله مَا مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قطُّ (٩٦). وهكذا هاهنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة، بل هو قرآن كريم. وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾، فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف القسم بعد فقيل: أقسم. واختلفوا في معنى قوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فقال حكيم بن جُبَير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مُفَرقًا في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية. وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآنُ جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السَّفَرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجَّمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد ﷺ عشرين سنة، فهو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: نجوم القرآن. وكذا قال عكرمة ومجاهد، والسدي وأبو حزرة. وقال مجاهد أيضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها. وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير. وعن قتادة: مواقعها: منازلها. وعن الحسن أيضًا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة.

стр. 6028

وقال الضحاك: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. يعني بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مُطِروا قالوا: مطرنا بنَوء كذا وكذا. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم﴾. أي: إن هذا القرآن الذي نَزَل على محمد لكتاب عظيم. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أي: معظم في كتاب معظم محفوظ موقر. قال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى [] [¬١]، أخبرنا شريك، عن حكيم -هو ابن جبير- عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: الكتاب الذي في السماء. وقال العَوفي: عن ابن عباس: ﴿إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾، يعني الملائكة. وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والضحاك، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نَهِيك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس. و [¬٢] قال: وهي في قراءة ابن مسعود: (ما يمسه إلا المطهرون). وقال أبو العالية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ليس أنتم، [أنتم] [¬٣] أصحاب الذنوب. وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. وهذا القول قولٌ جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله. وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به. وقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾، أي: من الجنابة والحدث. قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب. قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، كما روى مسلم، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسأنهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة

стр. 6029

أن يناله العدو (٩٧). واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، أن لا يمس القرآن إلا طاهر (٩٨). وروى أبو داود في المراسيل، من حديث الزهري؛ قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزَم، أن رسول الله ﷺ ، قال: "ولا يمس القرآن إلا طاهر" (٩٩). وهذه وجادة جيدة. قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم (١٠٠)، وعبد الله بن عمر (١٠١)، وعثمان بن أبي العاص (١٠٢)، وفي إسناد كل منها نظر، والله أعلم. وقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. أي: هذا القرآن منزل من رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحر، أو كهانة، أو شعر، بل هو الحق الذي لا مِرْية فيه، وليس وراءه حق نافع.

стр. 6030

وقوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، قال العَوفي: عن ابن عباس: أي: مكذبون غير مصدقين. وكذا قال الضحاك، وأبو حَزْرَة، والسُّدّي. وقال مجاهد: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي: تريدون أن تمالئوهم فيه، وتركنوا إليهم. ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، قال بعضهم: يعني وتجعلون رزقكم بمعنى شكركم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تكذبون [بدل الشكر. وقد روي عن علي وابن عباس أنهما قرآها: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) [¬١] كما سيأتي. وقال ابن جرير: وقد ذكر عن الهيثم [¬٢] بن عدي؛ أن من لغة أزد شَنُوءةَ: ما رزق فلان، بمعنى: ما شكر فلان. وقال الإِمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾، يقول: شكركم، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا" (١٠٣). وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن مُخَوّل بن إبراهيم النهدي، وابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبيد الله بن موسى، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن إسرائيل، به مرفوعًا (١٠٤). وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن مَنيع، عن حسين بن محمد -وهو المروزي- به (١٠٥). وقال: حسن غريب. وقد رواه سفيان [الثوري] [¬٣]، عن عبد الأعلى، ولم يرفعه. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة،

стр. 6031

عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: ما مُطِر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرًا، يقولون: مُطِرْنا بنَوء كذا و كذا. وقرأ ابن عباس: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) (١٠٦). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وقال مالك في الموطأ: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، [¬١] عن زيد بن خالد الجهني؛ أنه قال: صلي لنا [¬٢] رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل علي الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ". قالوا: الله ورسوله. أعلم."قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب [¬٣]. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب [¬٤] " (١٠٧). أخرجاه في الصحيحين، وأبو داود والنسائي كلهم من حديث مالك به (١٠٨). وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي وعَمْرو بن سَوّاد، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث: أن أبا يونس حَدّثه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزلُ الغيث فيقولون: بكوكب كذا وكذا" (١٠٩). تفرد به مسلم من هذا الوجه.

стр. 6032

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليُصْبحُ القوم بالنعمة أو يمسيهم [¬١] بها، فيصبح بها قوم كافرين، يقولون: مُطِرنا بنوء كذا وكذا" (١١٠). قال محمد -هو ابن إبراهيم-: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هُرَيرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس؛ فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا (١١١). قال: فما مضت ساعة حتى مُطِروا. وهذا مَحمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء يؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده. وقد تقدم شيء من هذه الأحاديث عند قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية -أحسبه أو غيره- أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا -ومطروا- يقول: مطرنا ببعض عثانين [¬٢] الأسد، فقال: "كذبت! بل هو رزق الله" (١١٢). ثم قال ابن جرير: حدثني أبو صالح الصراوي [¬٣]، حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: ما مُطِر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين. ثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا (١١٣).

стр. 6033

وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعًا: "لو قُحِط الناس سبع سنين ثم مطروا لقالوا: مطرنا بنوء المِجْدَح" (١١٤). وقال مجاهد: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا: هو من عند الله، هو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد. وقال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم! لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب. فمعنى [¬١] قول الحسن هذا: وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به؛ ولهذا قال قبله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ بقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أي الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ [أي: الحلق] [¬٢] وذلك حين الاحتضار. كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، ولهذا. قال هاهنا ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: إلى المحتضر [¬٣] وما يكابده من سكرات الموت، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ﴾ أي: بملائكتنا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: ولكن لا ترونهم كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها من [¬٤] الجسد إن كنتم ﴿غَيرَ

стр. 6034

مَدِينِينَ﴾. قال ابن عباس يعني: محاسبين. وروي عن مجاهد وعكرمة، والحسن وقتادة، والضحاك والسدي، وأبي حزرة مثله. وقال سعيد بن جبير والحسن البصري: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ﴾ غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس. وعن مجاهد: ﴿غَيرَ [¬١] مَدِينِينَ﴾ غير موقنين، وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين. ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم، إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى الجاهلين بأمر الله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي: المحتضر ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِين﴾ وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت. كما تقدم في حديث البراء أن ملائكة الرحمة؛ تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يقول راحة ﴿وَرَيحَانٌ﴾ يقول مستراحة، وكذا قال مجاهد: إن الروح الاستراحة. وقال أبو حزرة: الراحة من الدنيا، وقال سعيد بن جبير والسدي: الروح: الفرح. وعن مجاهد: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ﴾: جنة ورخاء. وقال قتادة: فروح ورحمة. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: ﴿وَرَيحَانٌ﴾ ورزق. وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربًا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور، والرزق الحسن ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [¬٢]. وقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان [الجنة فيقبض] [¬٣]

стр. 6035

روحه فيه. وقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار؟ وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ولو كتبت هاهنا لكان حسنًا، ومن جملتها حديث تميم الداري، عن النبي صلى الله عليه وطم؛ يقول: "يقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى [فلان فأتني به، فإنه قد جربته بالسراء والضراء] [¬١] فوجدته حيث أحب، ائتني به فلأريحنَّه، قال: فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة ومعهم ضبائر الريحان أصل الريحانة [واحد] [¬٢]، وفي رأسها عشرون لونًا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك" (١١٥). وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم، وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية. وقال الإِمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق [¬٣] عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ "فرُوح وريحان" برفع الراء. (١١٦) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث هارون، وهو ابن موسى الأعور به (١١٧). وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه، وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده، وخالفه الباقون فقرءوا: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ﴾ بفتح الراء. وقال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل؛ أنه سمع درة بنت معاذ تحدث عن أم هانيء؛ أنها سألت رسول الله ﷺ : أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "تكون النسم طيرًا يعلق بالشجر، حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها" (١١٨).

стр. 6036

هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن؛ ومعنى يعلق: يأكل، ويشهد له بالصحة أيضًا ما رواه الإمام أحمد، عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (١١٩). وهذا إسناد عظيم ومتن قويم. وفي الصحيح [أن رسول الله، ﷺ ؛ قال] [¬١]: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في [رياض] [¬٢] الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش … " الحديث (١٢٠). وقال الإِمام أحمد: [حدثنا عفان] [¬٣] حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب؛ قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى رأيت شيخا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع [¬٤] جنازة، فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله، ﷺ ؛ يقول: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". قال: فأكب القوم يبكون؛ فقال [¬٥]: "ما يبكيكم؟ " فقالوا: إنا نكره الموت. قال: "ليس ذاك ولكنه إذا احتضر [¬٦] ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك كره لقاء الله. والله تعالى للقائه أكره (١٢١). هكذا رواه الإِمام أحمد [وفي الصحيح] [¬٧] عن عائشة ﵂ شاهد لمعناه (١٢٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي وأما إن كان المحتضر من

стр. 6037

أصحاب اليمين ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: تبشرهم الملائكة بذلك تقول لأحدهم: سلام لك. أي: لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله، وسلّمت عليه ملائكة الله. كما قال عكرمة تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن. ويكون ذلك [كقول الله] [¬١] تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾. وقال البخاري: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ أي: مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وألغيت [إن وهو] [¬٢] معناها. كما تقول: أنت [مصدق] [¬٣] مسافر عن قليل إذا كان [قد] [¬٤] قال: إني مسافر عن قليل. وقد يكون كالدعاء له كقولك: سقيًا لك من الرجال إن رفعت السلام فهو من الدعاء. وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية ومال إليه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي؛ فضيافة ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو [المذاب] [¬٥] الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: إذ هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. قال الإمام [¬٦] أحمد (١٢٣): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي،

стр. 6038

حدثني عمي إياس بن عامر عن عقبة بن عامر الجهني؛ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: "اجعلوها في ركوعكم". ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال رسول الله ﷺ : "اجعلوها في سجودكم". وكذا رواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب به (١٢٤). وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: سبحان الله العظيم وبحمده- غُرسَت له نخلة في الجنة". هكذا رواه الترمذي من حديث روح، ورواه هو والنسائي أيضًا من حديث حمّاد بن سلمة [من حديث أبي الزبير] [¬١] عن جابر عن النبي ﷺ به (١٢٥). وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي [¬٢] الزبير. وقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن إشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" (١٢٦). ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث محمد بن فضيل بإسناده مثله (١٢٧). [آخر تفسير سورة الواقعة، ولله الحمد والمنّة].

стр. 6039

تفسير سورة الحديد وهي مدنية قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني بحير [¬١] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد. وقال: "إن فيهن آية أفضل من ألف آية". وهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق [¬٢] عن بقية به. وقال الترمذي: "حسن غريب". ورواه النسائي (٢) عن ابن [أبي السرح] [¬٣]، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان؛ قال: كان رسول الله ﷺ ..... فذكره [¬٤] مرسلًا، لم يذكر عبد الله بن أبي بلال، ولا العرباض بن سارية، والآية المشار إليها في الحديث هي -والله أعلم- قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة. ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ يخبر تعالى أنه يسبح له ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الحيوانات والنبات،

стр. 6040

كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز﴾، أي: الذي قد خضع له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾، في خلقه وأمره وشرعه. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: هو المالك المتصرف في خلقه، فيحيي ويميت، ويعطي من يشاء ما يشاء، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن﴾، وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن سارية، أنها أفضل من ألف آية. وقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة -يعني ابن عمار- حدثنا أبو زُمَيل؛ قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ … ﴾. الآية. قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا فقل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣). وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية، وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولًا. وقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علمًا، والباطن على كل شيء علمًا. قال شيخنا الحافظ المزّي [¬١]: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه "معاني القرآن". وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش [¬٢]، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم: "اللهم، رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت أخذ بناصيته، أنت الأول ليس [¬٣] قبللت

стр. 6041

شيء وأنت الآخر ليس [¬١] بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس [] [¬٢] فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر" (٤). ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، [حدثنا جرير [¬٣] عن سهيل؛ قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: "اللهم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته. اللهم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر". وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٥). وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا، فقال: حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى، ثم همس -ما يُدرَى ما يقول- فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: "اللهم، رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء، ورب كل شيء، ألا [¬٤] منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى. أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ ناصيته. اللهم؛ أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس [فوقك] [¬٥] شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر" (٦). السري بن إسماعيل هذا ابن عم الشعبي، وهو ضعيف جدًّا، والله أعلم.

стр. 6042

وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبدُ بن حميد وغير واحد -المعنى واحد- قالوا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة؛ قال: حدث الحسن، عن أبي هريرة؛ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ : "هل تدرون ما هذا؟ "قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا العَنَان، هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه". ثم قال: "هل [¬١] تدرون ما فوقكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الرقيع سقف محفوظ، وموج مكفوف". ثم قال: "هل تدرون كم بينكم وبينها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "بينكم وبينها خمسمائة سنة". ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن فوق ذلك سماءين [¬٢] بُعدُ ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة"، حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء [] [¬٣] بعدُ ما بين السماءين"، ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن تحتها أرضًا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة"، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دليتم رجلًا [¬٤] بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله"، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧). ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس -يعني ابن عبيد- وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف في كتابه. انتهى كلامه. وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سُريج، في الحكم بن عبد الملك، [] [¬٥] عن قتادة، عن الحسَن، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ … فذكره، وعنده: "بعد ما بين الأرضَين مسيرة سبعمائة عام". وقال: لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض

стр. 6043

السفلى السابعة لهبط على الله، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (٨). ورواه ابن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة … فذكر الحديث، ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره [¬١] وهو قوله: "لو دليتم بحبل". وإنما قال: حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام. ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (٩). وقال البزار: لم يروه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة. ورواه ابن جرير، عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال: "هل تدرون ما هذا؟ … " (١٠). وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ، و الله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ وأرضاه، رواه البزار في مسنده، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات (١١) ولكن في إسناده نظر، وفي متنه غرابة ونكارة، والله أعلم.

стр. 6044

وقال ابن جرير عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي من السماء السابعة وتركته ثَمَّ. قال الآخر: أرسلني ربي من الأرض السابعة وتركته ثَم. قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثَمَّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثَم (١٢). وهذا غريب جدًّا، وقد يكون الحديث الأول موقوفًا علي قتادة كما روي هاهنا من قوله، والله أعلم. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾ يخبر تعالى عن خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر باستوائه علي العرش بعد خلقهن. وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في "سورة الأعراف" [بما أغنى عن إعادته هاهنا] [¬١]. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. من زرع ونبات وثمار، كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقوله: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: من الأمطار، والثلوج والبرد [¬٢]، والأقدار والأحكام مع الملائكة الكرام، وقد تقدم في "سورة البقرة" أنه ما ينزل [من] [¬٣] قطرة من

стр. 6045

السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمره [¬١] الله به حيث يشاء تعالى. وقوله: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، أي: من الملائكة والأعمال، كما جاء في الصحيح: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" (١٣). وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه علي السواء، وتحت به بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم. كما قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فلا إله غيره ولا رب سواه. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجبريل -لما سأله عن الإحسان-: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن، تراه فإنه يراك" (١٤). وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة، حدثني أبي، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ؛ قال: قال عمر: جاء رجل إلي النبي ﷺ ؛ فقال: زودني كلمة أعيش بها. قال [¬٢]: "استح الله كما تستحي رجلا من صالح عشيرتك لا يفارقك" (١٥). هذا حديث غريب. وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري [¬٣] مرفوعًا: "ثلاث من فعلهن

стр. 6046

فقد طَعِم الإيمان: من عبد الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة [¬١]، ولا الشَّرَط اللئيمة (*)، ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم، وزكى نفسه". وقال رجل: يا رسول الله؛ ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: "يعلم أن الله معه حيث كان" (١٦). وقال نُعيم بن حماد ﵀: حدثنا عثمان [بن سعيد] [¬٢] بن كثير بن دينار الحمصي، عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت" (١٧). غريب. وكان الإمام أحمد ينشد هذين البيتين: إذا ما خَلوتَ الدهرَ يَومًا فلا تَقُلْ: … خَلَوتُ، ولكن قُل: عَليّ رقيبُ ولَا تَحْسَبَنّ الله يَغفَلُ سَاعَة … ولا أن ما يخْفى عليه يغيبُ وقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. أي: هو المالك للدنيا والآخرة. كما قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ وهو المحمود على ذلك كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [وَمَا فِي] [¬٣] الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فجميع ما في السماوات والأرض ملك له [¬٤]، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه. كما قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.

стр. 6047

ولهذا قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. أي: إليه المرجع يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة، بل إن يكن أحدهم عمل حسنة واحدة يضاعفها إلي عشر أمثالها، ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وكما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيل﴾، أي: هو المتصرف في الخلق، يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين. وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعًا ثم قيظًا ثم خريفًا، وكل ذلك بحكمته وتقدوره لما يريده بخلقه، ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾، أي: يعلم السرائر وإن دقت، و [¬١] خفيت. ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾ أمر تعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أي: [مما] [¬٢] هو معكم علي سبيل العاريّة، فإنه قد كَان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى [إلي] [¬٣]

стр. 6048

استعمال ما [استخلفهم] [¬١] فيه من المال في طاعته، [فإن] [¬٢] يفعلوا وإلا حاسبهم عليه وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه. وقوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾: إشارة إلي أنه سيكون مخلفًا عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه، فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله [به] [¬٣] فتكون قد سعيت في معاونته علي الإِثم والعدوان. قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث، عن مطرف -يعني ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه؛ قال: انتهيت إلي رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من [مالك] [¬٤] إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟! " (١٨). ورواه مسلم من حديث شعبة به (١٩)، وزاد: "ومما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس" (٢٠). وقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير﴾. ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة. ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾. أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول بين أظهركم، يدعوكم إلي ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين علي صحة ما جاءكم به؟ وقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح "كتاب الإيمان" من صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: "أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟! قالوا: الملائكة. قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالأنبياء. قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم". قالوا: فنحن؟ قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانًا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها" (٢١).

стр. 6049

وقد ذكرنا طرفًا من هذا في أول سورة البقرة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾. وقوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ كما قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ويعني بذلك بيعة الرسول ﷺ . وزعم ابن جرير: أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. وهو مذهب مجاهد، فالله أعلم. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. أي: حججًا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات، ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين والإيمان، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس، وإزاحة العلل وإزالة الشبه. ولما أمرهم أولًا بالإيمان والإنفاق، ثم حثّهم على الإيمان، وبين أنه قد أزال عنهم موانعه، [] [¬١] حثّهم أيضًا علي الإنفاق فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، [أي: أنفقوا ولا تخشوا فقرًا وإقلالًا، فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السماوات والأرض] [¬٢] وبيده مقاليدهما، وعنده خزائنهما [¬٣]، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ فمن توكل علي الله أنفق، ولم بخش من ذي العرش إقلالًا، وعلم أن الله سيخلفه عليه. وقوله: ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك [] [¬٤] قبل فتح مكة كان الحال شديدًا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. والجمهور علي أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة. وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا: صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حُميد الطويل، عن أنس؛ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطلون علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: "دعوا لي

стр. 6050

أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد -[أو] [¬١]: مثل الجبال- ذهبًا، ما بلغتم أعمالهم" (٢٢). ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: "صبأنا صبأنا". فلم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا". فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك. والذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه" (٢٣). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث ابن وهب: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمال". فقلنا: من هم يا رسول الله؟ أقريش؟ قال: "لا، ولكن أهل اليمن، هم أرق أفئدَةَ وألين قلوبًا". فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟ قال: "لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه، ما أدرك مُدَّ أحدكم ولا نصيفه، ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس. ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٤) [وهذا الحديث غريب بهذا السياق، والذي في الصحيحين من رواية جماعة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد -ذكر الخوارج-: "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمية" (٢٥). الحديث.

стр. 6051

ولكن روى ابن جرير هذا الحديث من وجه آخر فقال: حدثني ابن البرقى، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد التمار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم". قلنا: من هم يا رسول الله؟ قريش؟ قال: "لا، ولكن أهل اليمن، لأنهم أرق أفئدة، وألين قلوبًا". وأشار بيده إلي اليمن، فقال: "هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية". فقلنا: يا رسول الله؛ هم خير منا؟ قال: "والذي نفسي بيده، لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدى مدّ أحدكم ولا نصيفه". ثم جمع أصابعه ومد خنصره، وقال: "ألا، إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس، ﴿لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾] [¬١] (٢٦). فهذا السياق ليس فيه ذكر الحديبية، فإن كان ذاك محفوظًا كما تقدم، فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخبارًا عما بعده، كما في قوله تعالى في "سورة المزمل" -وهي مكية، من أوائل ما نزل-: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. فهي بشارة بما يستقبل، وهكذا هذه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يعني المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء، كما قال: ﴿لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وهكذا الحديث الذي في الصحيح: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير" (٢٧). وإنما نَبّه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم مترهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه؛ مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي: فلخبرته

стр. 6052

فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق. وفي الحديث: "سبق درهم مائة ألف" (٢٨). ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر ﵁ له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها. وقد قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي عند تفسير هذه الآية: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد، عن آدم بن عليّ، عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، [فنزل جبريل فقال: ما لي أرى ألا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟] [¬١] فقال: "أنفق ماله علي قبل الفتح". قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه¬ السلام، وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا [أم] [¬٢] ساخط؟ فقال رسول الله: "يا أبا بكر، إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أراض أنت [عني] [¬٣] في فقرك هذا أو ساخط؟ ". فقال أبو بكر ﵁: أسخط علي ربي ! إني عن ربي راض. هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه (٢٩). وقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله. وقيل: هو النفقة على العيال. والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة، دخل في عموم هذه الآية؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ له﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَضْعَافًا

стр. 6053

كَثِيرَةً ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيم﴾ أي: جزاءٌ جميلٌ، ورزق باهرٌ -وهو الجنة- يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾. قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله؛ وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: "نعم، أبا الدحداح". قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي -وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. فقال: اخرجي، فقد أقرضته ربي وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح. ونقلت منه متاعها وصبيانها، وأن رسول الله ﷺ قال: "كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح". وفي لفظ: "رب نخلة مدلاة، عروقها در وياقوت، لأبي الدحداح في الجنة" (٣٠). ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ

стр. 6054

الْمَصِيرُ (١٥)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين: إنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرَصَات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ﴾، قال: علي قدر أعمالهم يمرون علي الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتّقد مرة ويطفأ مرة. رواه [¬١]، ابن أبي حاتم، وابن جرير (٣١). وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، كان يقول: "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عَدَن أبين وصنعاء، فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه" (٣٢). وقال سفيان الثوري: عن حُصَين (٣٣)، عن مجاهد، عن جُنَادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم، وسيماكم وحُلاكم، ونجواكم مجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان، هذا نورك. يا فلان، لا نور لك. وقرأ: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ﴾ (٣٣). وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. وقال الحسن: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ﴾: يعني على الصراط. وقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبو عبيد [¬٢] الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن مسعود، أنه سمع عبد الرحمن بن جُبَير يحدث؛ أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يُخبران عن النبي ﷺ قال: "أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من

стр. 6055

بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، فأعرف أمتي من بين الأمم". فقال له رجل: يا نبي الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم، ما بين نوح إلى أمتك؟! قال: "أعرفهم، مُجَجَّلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد [¬١] من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وذريتهم" (٣٤). وقوله: ﴿وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ قال الضحاك: أي: وبأيمانهم كتبهم. كما قال: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾. وقوله: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾. [أي: يقال لهم: بشراكم اليوم جنات. أي: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار] [¬٢]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العَرَصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله، وعمل بما أمر الله، وترك ما عنه زجر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا علي جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلّى علي الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس؛ إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون [¬٣] أن تظعنوا منه إلي منزل آخر، وهو [¬٤] هذا -يشير إلي القبر- بيت الموحدة، وبيت الظلمة، [وبيت الدود] [¬٥]، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلي مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن [حتى] [¬٦] يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلي منزل آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطي

стр. 6056

المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه اللَّه في كتابه، قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [] [¬١]﴾. وهي خدعة اللَّه التي خدع بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، [فينصرفون] [¬٢] إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب، ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ … الآية. يقول سليم بن عامر: فما نزال المنافق مغترًّا حتى يقسم النور، ويميز اللَّه بين المؤمن والمنافق (٣٥). ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: تُبعَثُ ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا [¬٣] كافر يرى [كفه] [¬٤]، حتى يبعثَ اللَّه بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. وقال العوفي، والضحاك، وغيرهما، عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمةٍ إذ بعث اللَّه نورًا، فلما راى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم [¬٥] دليلًا من اللَّه إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم، فأظلم اللَّه على المنافقين، فقالوا حينئذ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، فإنا كنا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا﴾ من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور (٣٦). وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن [¬٦] بن علوية القطان [¬٧]، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر بن حذيفة، حدثنا ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترًا منه على عباده. وأما عند الصراط فإن اللَّه يعطي كل مؤمن نورًا، وكل

стр. 6057

منافق نورًا، فإذا استووا على الصراط سلب اللَّه نور المنافقين [¬١] والمنافقات، فقال المنافقون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. وقال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. فلا يذكر عند ذلك أحد أحدًا (٣٧). وقوله: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، قال الحسن، وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَينَهُمَا حِجَابٌ﴾. وهكذا روي عن مجاهد ﵀ وغير واحد، وهو الصحيح. ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾، أي: ابنة ومافيها، ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، أي النار. قاله قتادة وابن زيد، وغيرهما. قال ابن جرير: وقد قيل: إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم، ثم قال: حدثنا ابن [] [¬٢] البرقي، حدثنا عصو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوام -مؤذن بيت المقدس- قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو [¬٣]؛ يقول: إن السور الذي ذَكَر اللَّه في القرآن: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، هو السور الشرقي [باطنه] [¬٤] المسجد وما يليه، وظاهره وادي جهنم (٣٨). ثم روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار، وعلي بن الحسين زين العابدين نحو ذلك، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى [] [¬٥] مثالًا لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين ونفس المسجد وما وراء من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السماوات في أعلى عليين، والنار في الدركات أسفل سافلين،

стр. 6058

وقول كعب الأحبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد، فهذا من إسرائيلياته وتُرَّهاتِه. وإنما المراد بذلك سور يُضرَب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دُخولهم أغلق الباب، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة، ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين: أما [¬١] كنا معكم في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾، أي: فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: ﴿بَلَى﴾، قد كنتم معنا، ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾، أي: أخرتم التوبة من وقت إلى وقت. وقال قتادة: ﴿تَرَبَّصْتُمْ﴾ بالحق وأهله. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾، أي: بالبعث بعد الموت، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، أي: قلتم: سيغفر لنا. وقيل: غرتكم الدنيا. ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، أي: ما زلتم في هذا حتى جاء الموت، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، أي: الشيطان. قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، واللَّه ما زالوا عليها حتى قذفهم اللَّه في النار. ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: أنكم كنتم معنا بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك، فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون اللَّه إلا قليلًا. قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم [ويعينونهم] [¬٢] ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويعطون النور جميعًا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويُماز [¬٣] بينهم حينئذ. وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر اللَّه به عنهم، حيث يقول - وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. فهذا إنما خرج منهم على وجه التقرى لهم والتوبيخ، ثم قال تعالى: ﴿فَمَا

стр. 6059

تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. كما قال تعالى هاهنا: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبًا ومثله معه ليفتدي به من عذاب اللَّه، ما قبل منه. و [¬١] قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّار﴾ أي: هي مصيركم، وإليها منقلبكم. وقوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم، وبئس المصير. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ يقول تعالى: أما آنَ للمؤمنين ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. قال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا صالح المرّي [¬٢]، عن قتادة، عن ابن عباس أنه قال: أن اللَّه استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن حسين المروزي، عن ابن المبارك. به. ثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، [أخبرنا إلى وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال -يعني الليثي- عن عون بن عبد اللَّه] [¬٣] عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللَّه بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين. كذا رواه مسلم في آخر الكتاب (٣٩).

стр. 6060

وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به (٤٠). وقد رواه ابن ماجة من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي خازم، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، مثله (٤١). فجعله من مسند ابن الزبير. لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود، فذكره (٤٢). وقال سفيان الثوري عن المسعودي، عن القاسم؛ قال: ملَّ [¬١] أصحاب رسول اللَّه ﷺ ملة [¬٢]، فقالوا: حدثنا يا رسول اللَّه، [فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، قال: ثم مَلّوا مَلة؛ فقالوا: حَدثْنا يا رسول اللَّه، فأنزل اللَّه تعالى] [¬٣]: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. ثم ملوا [ملة] [¬٤]، فقالوا: حَدثْنا يا رسول اللَّه. فأنزل اللَّه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤٣). وقال قتادة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: ذُكر لنا أن شَداد بن أوس كان يروي عن رسول اللَّه ﷺ ؛ قال: "إن أول ما يرفع من الناس الخشوع" (٤٤). وقوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
следующие страницы →