← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه اللَّه في كتابه، قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [] [¬١]﴾. وهي خدعة اللَّه التي خدع بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، [فينصرفون] [¬٢] إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب، ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ … الآية. يقول سليم بن عامر: فما نزال المنافق مغترًّا حتى يقسم النور، ويميز اللَّه بين المؤمن والمنافق (٣٥). ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: تُبعَثُ ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا [¬٣] كافر يرى [كفه] [¬٤]، حتى يبعثَ اللَّه بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. وقال العوفي، والضحاك، وغيرهما، عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمةٍ إذ بعث اللَّه نورًا، فلما راى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم [¬٥] دليلًا من اللَّه إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم، فأظلم اللَّه على المنافقين، فقالوا حينئذ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، فإنا كنا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا﴾ من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور (٣٦). وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن [¬٦] بن علوية القطان [¬٧]، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر بن حذيفة، حدثنا ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إن اللَّه يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترًا منه على عباده. وأما عند الصراط فإن اللَّه يعطي كل مؤمن نورًا، وكل

стр. 6057

منافق نورًا، فإذا استووا على الصراط سلب اللَّه نور المنافقين [¬١] والمنافقات، فقال المنافقون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. وقال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. فلا يذكر عند ذلك أحد أحدًا (٣٧). وقوله: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، قال الحسن، وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَينَهُمَا حِجَابٌ﴾. وهكذا روي عن مجاهد ﵀ وغير واحد، وهو الصحيح. ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾، أي: ابنة ومافيها، ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، أي النار. قاله قتادة وابن زيد، وغيرهما. قال ابن جرير: وقد قيل: إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم، ثم قال: حدثنا ابن [] [¬٢] البرقي، حدثنا عصو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوام -مؤذن بيت المقدس- قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو [¬٣]؛ يقول: إن السور الذي ذَكَر اللَّه في القرآن: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، هو السور الشرقي [باطنه] [¬٤] المسجد وما يليه، وظاهره وادي جهنم (٣٨). ثم روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار، وعلي بن الحسين زين العابدين نحو ذلك، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى [] [¬٥] مثالًا لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين ونفس المسجد وما وراء من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السماوات في أعلى عليين، والنار في الدركات أسفل سافلين،

стр. 6058

وقول كعب الأحبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد، فهذا من إسرائيلياته وتُرَّهاتِه. وإنما المراد بذلك سور يُضرَب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دُخولهم أغلق الباب، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة، ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين: أما [¬١] كنا معكم في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾، أي: فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: ﴿بَلَى﴾، قد كنتم معنا، ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾، أي: أخرتم التوبة من وقت إلى وقت. وقال قتادة: ﴿تَرَبَّصْتُمْ﴾ بالحق وأهله. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾، أي: بالبعث بعد الموت، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، أي: قلتم: سيغفر لنا. وقيل: غرتكم الدنيا. ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، أي: ما زلتم في هذا حتى جاء الموت، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، أي: الشيطان. قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، واللَّه ما زالوا عليها حتى قذفهم اللَّه في النار. ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: أنكم كنتم معنا بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك، فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون اللَّه إلا قليلًا. قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم [ويعينونهم] [¬٢] ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويعطون النور جميعًا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويُماز [¬٣] بينهم حينئذ. وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر اللَّه به عنهم، حيث يقول - وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. فهذا إنما خرج منهم على وجه التقرى لهم والتوبيخ، ثم قال تعالى: ﴿فَمَا

стр. 6059

تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. كما قال تعالى هاهنا: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبًا ومثله معه ليفتدي به من عذاب اللَّه، ما قبل منه. و [¬١] قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّار﴾ أي: هي مصيركم، وإليها منقلبكم. وقوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم، وبئس المصير. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ يقول تعالى: أما آنَ للمؤمنين ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. قال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا صالح المرّي [¬٢]، عن قتادة، عن ابن عباس أنه قال: أن اللَّه استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن حسين المروزي، عن ابن المبارك. به. ثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، [أخبرنا إلى وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال -يعني الليثي- عن عون بن عبد اللَّه] [¬٣] عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللَّه بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين. كذا رواه مسلم في آخر الكتاب (٣٩).

стр. 6060

وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به (٤٠). وقد رواه ابن ماجة من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي خازم، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، مثله (٤١). فجعله من مسند ابن الزبير. لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود، فذكره (٤٢). وقال سفيان الثوري عن المسعودي، عن القاسم؛ قال: ملَّ [¬١] أصحاب رسول اللَّه ﷺ ملة [¬٢]، فقالوا: حدثنا يا رسول اللَّه، [فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، قال: ثم مَلّوا مَلة؛ فقالوا: حَدثْنا يا رسول اللَّه، فأنزل اللَّه تعالى] [¬٣]: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. ثم ملوا [ملة] [¬٤]، فقالوا: حَدثْنا يا رسول اللَّه. فأنزل اللَّه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٤٣). وقال قتادة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: ذُكر لنا أن شَداد بن أوس كان يروي عن رسول اللَّه ﷺ ؛ قال: "إن أول ما يرفع من الناس الخشوع" (٤٤). وقوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ

стр. 6061

قُلُوبُهُمْ﴾: نهى اللَّه المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حُمّلوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بَدلوا كتاب اللَّه الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين اللَّه، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة؛ كما قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، أي: فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه؛ ولهذا نهى اللَّه المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام [بن عمار] [¬١]، حدثنا شهاب بن خرَاش، حدثنا حجاج بن دينار، عن منصور بن المعتمر، عن الرلعبن عَميلة الفزاري؛ قال: حدثنا عبد اللَّه بن مسعود حديثًا سمعت أعجب إليّ منه، إلا شيئًا من كتاب اللَّه، أو شيئًا قاله [¬٢] النبي ﷺ ، قالا: أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد [فقست] [¬٣] قلوبهم، اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم، واستحلَّته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كره أن يتابعنا قتلناه. ففعلوا ذلك، وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون عَمَدَ إلى ما يعرف من كتاب اللَّه فكتبه في شيء لطيف، ثم أدرجه، فجعله في قرن ثم علق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: "هؤلاء، إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل، فادعوا فلانًا فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه أن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس، وإن أبى فاقتلوه. فدعَوا فلانًا ذلك الفقيه؛ فقالوا: تؤمن بما في كتابنا؟ قال: وما فيه؟ اعرضوه عليّ. فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بهذا؟ قال: نعم، آمنت بما في هذا -[وأشار بيده إلى القرن- فتركوه، فلما مات] [¬٤] نبشوه فوجدوه مُتَعلِّقًا ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب اللَّه، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة. فافترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي [¬٥] القرن [¬٦].

стр. 6062

قال ابن مسعود: أوشك بكم إن بقيتم -أو بقي من بقي منكم- أن تروا أمورًا تنكرونها، لا تستطيعون لها غيرًا، فبحسب المرء منكم أن يعلم اللَّه من قلبه أنه [لها] [¬١] كاره (٤٥). وقال أبو جعفر الطبري: حدثنا [ابن] [¬٢] حُمَيد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم؛ قال: جاء عتْريس بن عُرقوب إلى ابن مسعود؛ فقال: يا [¬٣] عبد اللَّه؛ هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر. فقال عبد اللَّه: هلك من لم يعرف قلبُه معروفًا ولم ينكر قلبه منكرًا؛ إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم، اخترعوا كتابًا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب [فمن] [¬٤] آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه. قال: فجعل رجل منهم كتاب اللَّه في قَرْن، ثم جعل القرن بين ثَنْدُوتَيه فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به -ويوميء إلى القرن بين ثندوتيه- وما لي لا أومن بهذا الكتاب؟ فمن [خير] [¬٥] مللهم اليوم ملّة صاحب القرن (٤٦). وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: فيه إشارة إلى أنه تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويَهدي الحيَارى بعد ضَلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة [بالغيث] [¬٦] الهَتَّان، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد ما كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإِضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال. ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ

стр. 6063

رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾ يخبر تعالى عما يثيب به المُصّدّقين [والمصّدّقات] [¬١] بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة، ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء وجه اللَّه، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورًا؛ ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك، ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، أي: ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح ومآب ﴿كَرِيمٌ [¬٢]﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: هذا تمام الجملة، وصف المؤمنين باللَّه ورسله بأنهم صديقون. قال العوفي عن ابن عباس: قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: هذه مفصولة، ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ وقال أبو الضحى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ - وهكذا قال مسروق، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقال الأعمش عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصَّدقين، والصدّيقين [¬٣]، والشهداء. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان. ولا شك أن الصّدّيق أعلى مقامًا من الشهيد، كما رواه الإِمام مالك بن أنس ﵀ في كتابه الموطأ، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ ؛ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدريّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول اللَّه؛ تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللَّه وصدقوا المرسلين". اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك به (٤٧).

стр. 6064

وقال آخرون: بلى المراد من قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء. حكاه ابن جرير عن مجاهد، ثم قال إلى جرير: حدثني صالح بن حرب -أبو معمر- حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ ، يقول: "مؤمنو أمتي شهداء". قال: ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٤٨) هذا حديث غريب. وقال أبو إسحاق: عن عَمْرو بن ميمون في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، قال: يجيئون يوم القيامة معًا كالإِصبعين. وقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: في جنات النعيم كما جاء في الصحيحين. "إن أرواح الشهداء في حواصل طيرِ خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تريدون؟ فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتلَ فيك فنقتل كما قُتلنا أول مرة. فقال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون" (٤٩). وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، أي: لهم عند ربهم أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخَولاني؛ قال: سمعت فضالة بن عبيد، يقول: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: سمعت النبي ﷺ ؛ يقول: "الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإِيمان، لقي العدو فصدق اللَّه فقتل، فذلك الذي ينظر الناس إليه هكذا" - ورفع رأسه حتى سقطت قَلنسُوة رسول اللَّه ﷺ أو [¬١] قلنسوة عمر "والثاني: مؤمن لقي العدو

стр. 6065

فكأنما يضرب ظهره بشوك الطّلح جاءه سهم غرب فقتله، فذاك في الدرجة الثانية. والثالث: رجل مؤمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا لقي العدو فصدق اللَّه حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة. والرابع: رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافًا كثيرًا، لقي العدو فصدق اللَّه حتى قتل، فذاك في الدرجة الرابعة" (٥٠). وهكذا رواه عليّ بن المديني، عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لهيعة (٥١)، وقال: هذا إسناد مصري صالح، ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال: حسن غريب (٥٢). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: لما ذكر السعداء ومآلهم، عطف بذكر الأشقياء وبيَّن حالهم؛ فقال [¬١]: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ يقول تعالى مُوهّنًا أمر الحياة الدنيا، ومحقّرًا لها: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. أي: إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾

стр. 6066

ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة؛ فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيثٍ﴾، وهو: المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. وقوله: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت كالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها [وأميل] [¬١] الناس إليها، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾، أي: يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرًّا بعدما كان [خضرًا] [¬٢] نَضرًا، ﴿ثُمَّ يَكُونُ﴾ بعد ذلك كله [إلى أن] [¬٣]: يصير يَبَسًا متحطمًا، هكذا الحياة الدنيا تكون أولًا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإِنسان كذلك يكون في أول عمره وعنقوان شبابه غضًّا طريًّا بين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه كشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويَنْفَدُ بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا ضعيف القوى قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. ولما كان هذا المثل دالًّا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حَذّر من أمرها، ورغّب فيما فيها من الخير، فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا؛ إما عذاب شديد، وإما مغفرة من اللَّه ورضوان. وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، أي: هي متاع فانٍ غارّ لمن ركن إليه، فإنه يغتر بها، وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها، وهي [حقيرة] [¬٤] قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة. قال ابن جرير: حدثنا عليّ بن حرب الموصلي، حدثنا المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها. اقرءوا. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (٥٣). وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزياده (٥٤)، واللَّه أعلم.

стр. 6067

وقال الإِمام أحمد: حدثنا ابن نمير ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "للَجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" (٥٥). انفرد بإخراجه البخاري في الرقاق من حديث الثوري عن الأعمش به (٥٦). ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإِنسان، وإذا كان الأمر كذلك، فلهذا حثه اللَّه على المبادرة إلى الخيرات، من [¬١] فعل الطاعات، وترك المحرمات، التي تكفر عنه الذنوب والزلات، وتحصل له الثواب والدرجات، فقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: والمراد جنس السماء والأرض، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال هاهنا: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، أي: هذا الذي أهلهم اللَّه له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم، كما قدمنا في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. قال: "وما ذاك؟ " قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعتقون ولا نُعْتق. قال: "أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين". قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فَعَلْنا، ففعلوا مثله! فقال رسول اللَّه، ﷺ : "ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء" (٥٧). ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ

стр. 6068

وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾ بخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأَ البرية، فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: في الآفاق وفي نفوسكم، ﴿إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، أي: من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة. وقال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، عائد على النفوس. وقيل: عائد على المصيبة. والأحسن عوده على الخليقة والبرية، لدلالة الكلام عليها، كما قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيّة، عن منصور بن عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا مع الحسن فقال رجل: سله عن قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ فسألته عنها، فقال: سبحان اللَّه! ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة دن السماء والأرض ففي كتاب اللَّه من قبل أن يبرأ النسمة (٥٨). وقال قتادة: ما أصاب من مصيبة في الأرض. قال: هي السنون. يعني: الجَدْب، ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، يقول: الأوجاع والأمراض. قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نَكْبَة قَدَم، ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو اللَّه عنه أكثر. وهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبَّحهم اللَّه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة وابن لهيعة؛ قالا [¬١]: حدثنا أبو هانئ الخولاني؛ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، قول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ؛ يقول: "قَدّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (٥٩). ورواه مسلم في صحيحه، من حديث عبد اللَّه بن وَهب وحَيوة بن شُرَيح ونافع بن يزيد، ثلاثتهم عن أبي هانئ به. وزاد ابن وهب: "وكان عرشه على الماء" (٦٠).

стр. 6069

ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح (٦١). وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها، سهل على اللَّه لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. وقوله: ﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطاكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم، فإنه لو قدر شيء لكان ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، [أي] [¬١]: جاءكم، ويقرأ ﴿آتَاكُمْ﴾، أي أعطاكم. وكلاهما متلازم، أي: لا تفخروا على الناس بما أنعم اللَّه به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر [اللَّه ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم اللَّه أشرًا وبطرًا، تفخرون بها على الناس، ولهذا] [¬٢] قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، أي: مختال في نفسه، متكبر ﴿فَخُورٍ﴾، أي: على غيره. وقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا، والحزن صبرًا. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، أي: يفعلون المنكر ويحضّون الناس عليه، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾، أي: عن أمر اللَّه وطاعته، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، كما قال موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيبِ إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي: بالمعجزات، والحجج الباهرات،

стр. 6070

والدلائل القاطعات، ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو: النقل المصدق ﴿وَالْمِيزَانَ﴾، وهو: العدل. قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة، كما قال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾. ولهذا قال في هذه الآية: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، أي: بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [¬١] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. أي: صدقًا في الإِخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبرءوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، أي: وجعلنا الحديد رَادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه؛ ولهذا أقام رسول اللَّه ﷺ بمكة بعد النبوة [ثلاث عشرة] [¬٢] سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف [¬٣] منهم [¬٤]، شرع اللَّه الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده. وقد روى الإِمام أحمد وأبو داود، من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن [أبي المنيب] [¬٥] الجرشي الشامي، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم" (٦٢). ولهذا قال تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ يعني: السلاح، كالسيوف والحراب [¬٦]، والسنان

стр. 6071

والنصال، والدروع ونحوها. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، أي: في معايشهم كالسكة والفأس والقدوم، والمنشار، والإزميل، والمجرفة، والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز، وما لا قوام للناس بدونه، وغير ذلك. قال علباء بن أحمد عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم: السندَان والكلْبتان والميقعة [¬١]، يعني المطرقة. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٦٣). وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيبِ﴾، أي: من نيته في حمل السلاح نصرة اللَّه ورسله، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، أي: هو قوي عزيز، ينصر من نصره [¬٢] من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض [¬٣]. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَينَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَينَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾ يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحًا ﵇ لم يرسل بعده رسولًا ولا نبيًّا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتابًا، ولا أرسل رسولًا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر بعده بمحمد -صلوات اللَّه وسلامه عليهما- ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَينَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾، وهو الكتاب الذي أوحاه اللَّه إليه، ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وهم الحواريون ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، أي: رأفة

стр. 6072

وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق. وقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، أي: ابتدعها أمة النصارى، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ﴾، أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله: ﴿إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ فيه قولان أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة. والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللَّه. وقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، أي: فما قاموا بما [¬١] التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين اللَّه ما لم يأمر به اللَّه. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى اللَّه، . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثني إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي [¬٢] ابن [عبدويه] [¬٣] حدثنا بكير [¬٤] بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود؛ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا ابن مسعود" قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ﵇ فدعت إلى دين اللَّه ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقُتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى دين اللَّه ودين عيسى ابن مريم، فقتلت، وقمت [بالمياشير] [¬٥]، وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، ولم تطق الفيام بالقسط، فلحقت بالجبال، [فتعبدت] [¬٦] وترهبت، وهم الذين ذكر اللَّه : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ﴾. وقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى، فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصَّعق بن حزن، حدثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سويد بن غفلة، عن عبد اللَّه بن مسعود؛ قال:: قال رسول اللَّه ﷺ : "اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم … " وذكر نحو ما تقدم، وفيه: ﴿فَآتَينَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾:

стр. 6073

[هم] [¬١] الذين آمنوا بي وصدقوني، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، وهم الذين كذبوني وخالفوني (٦٤). ولا [يقدح في هذه المتابعة] [¬٢] لحال داود بن المحبر، فإنه أحد الوضاعين للحديث، لكن قد أسنده أبو يعلى، وسنده عن شيبان بن فروخ، عن الصعق بن حَزْن، به مثل ذلك. فقوي الحديث من هذا الوجه (٦٥). وقال ابن جرير، وأبو عبد الرحمن النسائي -[واللفظ له] [¬٣]-: أخبرنا الحسين بن حُرَيث، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، ﵁؛ قال: كان ملوك بعد عيسى ﵇ بدلت التوراة والإِنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرءون التوراة والإِنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شيئًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرءون: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [هؤلاء] [¬٤] الآيات، مع ما يعيبوننا [به] [¬٥] من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرءوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا؛ فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإِنجيل، إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبار [ونحترث البقول] [¬٦] فلا نَرد عليكم ولا نمر بكم. وليس أحد من القبائل إلا له حميم [فيهم، ففعلوا] [¬٧] ذلك، فأنزل اللَّه : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. والآخرون

стр. 6074

قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بُعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل، انحط منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال [¬١] اللَّه : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا [اللَّهَ] [¬٢] وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أجرين: بإيمانهم بعيسى ابن مريم، [نصب أنفسهم] [¬٣] [بالتوراة] [¬٤] والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد، ﷺ ، وتصديقهم [¬٥]، قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: القرآن، واتباعهم النبي ﷺ ، قال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ﴾ الذين يتشبهون بكم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٦٦). هذا السياق فيه غرابة وسيأتي تفسير هاتين [الآيتين] [¬٦] الأخريين على غير هذا، واللَّه أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العَمياء؛ أن سهل بن أبي أمامة حدثه؛ أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة، [] [¬٧] كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلم قال: يرحمك اللَّه! أرأيت هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة، وإنها صلاة برسول اللَّه ﷺ ما أخطأت إلا شيئًا سهرت عنه، إن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". ثم غدوا من الغد فقالوا: نركب فننظر ونعتبر. قال: نعم، فركبوا جميعًا، فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا، خاوية على عروشها، فقالوا: تعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها. هؤلاء [أهل] [¬٨] الديار، أهلكهم البغي والحسد، أن الحسد يطفيء

стр. 6075

نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف والقدم والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (٦٧). وقال الإِمام أحمد: حدثنا [معمر] [¬١]، حدثنا عبد اللَّه، أخبرنا سفيان، عن زيد العمّي، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك؛ أن النبي، ﷺ ، قال: "لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللَّه " (٦٨). ورواه الحافظ أبي يعلى عن عبد اللَّه بن محمد بن إسماء، عن عبد اللَّه بن المبارك به، ولفظه: "لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللَّه" (٦٩). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين -هو ابن محمد- حدثنا [ابن عياش] [¬٢]-يعني إسماعيل- عن الحجاج [بن مروان الكلاعي، وعقيل بن مدرك السلمي] [¬٣] عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا جاءه فقال: أوصني. فقال: سألت عما سألت عنه رسول اللَّه ﷺ من قبلك؛ أوصيك بتقوى اللَّه، فإنه رأس كل شيء، وعليك كالجهاد، فإنه رهبانية الإِسلام، وعليك بذكر اللَّه وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض" (٧٠). تفرد به أحمد. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾

стр. 6076

قد تقدم في رواية النسائي عن ابن عباس أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين (٧١)، كما في الآية التي في القصص، وكما في حديث الشعبي عن أبي بُرْدة، [] [¬١] عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق [مواليه] [¬٢] فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران". أخرجاه في الصحيحين (٧٢)، ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهما، وهو اختيار ابن جرير. وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهلُ الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، أنزل الله هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: ضعفين، وزادهم: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، يعني هدًى يُتَبصَّر به من العمى والجهالة، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ففضلهم بالنور والمغفرة. ورواه ابن جرير [عنه] [¬٣]. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمر بن الخطاب حَبرًا من أحبار يهود: [كم] [¬٤] أفضل ما [ضعف] [¬٥] لكم حسنة؟ قال: كفل ثلاثمائة [وخمسون] [¬٦] حسنة. قال: فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين. [ثم] [¬٧] ذكر سعيد قول الله : ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، قال

стр. 6077

سعيد: والكفلان في الجمعة مثل ذلك. رواه ابن جرير. ومما يؤيد هذا القول ما رواه الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ "مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى [صلاة] [¬١] العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم. فغضبت النصارى واليهود، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء" (٧٣). قال أحمد: وحدثناه مؤمل، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، نحو حديث نافع، عنه (٧٤) انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن سليمان بن حرب، عن حماد، [عن أيوب] [¬٢] عن نافع به، وعن قتيبة عن الليث عن نافع بمثله (٧٥). وقال البخاري: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، [عن بريد] [¬٣]، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ ؛ قال: "مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتَرَكوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر. فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال: أكملوا بقية عملكم؛ فإن ما بقي من النهار شيء يسير. فأبوا، فستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجر

стр. 6078

الفريقين [كليهما] [¬١] فذلك مثلهم ومثل ما قَبلُوا من هذا النور" (٧٦). انفرد به البخاري؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه الله، ولا إعطاء ما منع الله، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قال ابن جرير: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ أي: ليعلم. وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها: ﴿لِكَي يَعْلَمَ﴾. وكذا حطَّان [¬٢] بن عبد الله، وسعيد بن جبير، قال ابن جرير: لأن العرب تجعل "لا" صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير [¬٣] مصرح، فالسابق كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. آخر تفسير سورة الحديد. [ولله الحمد والمنة] [¬٤] * * *

стр. 6079

تفسير سورة المجادلة وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ قال الإِمام أحمد (١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن تميم [¬١] بن سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلةُ إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ … إلى آخر الآية. وهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًا، فقال: وقال الأعمش: عن [تميم بن سلمة] [¬٢]، عن عروة، عن عائشة .. فذكره. وأخرجه النسائي وابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن جرير من غير وجه، عن الأعمش، به. وفي رواية لابن أبي حاتم عن الأعمش، عن [تميم بن سلمة] [¬٣]، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع [¬٤] كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله؛ أكل شبابي، ونثرت [¬٥] له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع

стр. 6080

ولدي، ظاهر مني، اللَّهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. وقال: وزوجها أوس بن الصامت. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: هو [¬١] أوس بن الصامت. وكان أوس امرءًا [¬٢] به لمم، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئًا، فأتت رسول الله تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله … ، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ .. الآية. وهكذا [رواه هشام] [¬٣] بن عروة، عن أبيه: أن رجلًا كان به لمم، فذكر مثله (٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل - أبو سلمة - حدثنا جرير -يعني: ابن حازم- قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لَقِيَتْ امرأةٌ عُمَرَ - يقال لها: خولة بنت ثعلبة - وهو يسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها. هذا منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطاب. وقد روي من غير هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى، حدثنا زكريا، عن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها: خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي أنزل الله فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. صوابه: خولة امرأة أوس بن الصامت. ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي

стр. 6081

وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ قال الإِمام أحمد (٣): حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن [يوسف] [¬١] ابن عبد الله بن سلام، عن خُويلة بنت ثعلبة قالت: فيّ -والله- وفي أوس بن الصامت أنزل الله صَدْرَ سورة "المجادلة"، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه، قالت: فدَخل عليّ يومًا فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت: قلت: كلا، والذي نفس خويلة بيده لا تخلصُ إليّ وقد قلتَ ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته [بما تغلب] [¬٢] به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابًا، ثم خرجتُ حتى جئت رسولَ الله ﷺ فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيتُ منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "يا خويلة، ابنُ عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه". قالت: فوالله ما بَرحت حتى نزل فيّ القرآن، فتغشى رسول الله صلى الذ عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سُري عنه، فقال: "يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك"، ثم قرأ عليّ [¬٣]: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قالت: فقال لي رسول الله ﷺ : "مُريه فليعتق رقبة". قالت: فقلت: يا رسول الله؛ ما عنده ما يعتق. قال: "فليصم شهرين متابعين". قالت: فقلت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: "فليطعم ستين مسكينًا، وَسْقًا من تمر". قالت: فقلت: يا رسول الله؛ ما ذاك عنده.

стр. 6082

قالت: فقال رسول الله ﷺ : "فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر". قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر. قال: "فقد أصبت وأحسَنْت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا". قالت: ففعلت. ورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين، عن محمد بن إسحاق بن [¬١] يسار، به (٤). وعنده: خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة. وقد تصغر فيقال: خُوَيلة. ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب، والله أعلم. هذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سلَمَة بن صَخْر فليس فيه أنه كان سببَ النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام أو الإِطعام، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يَسَار، عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنتُ امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظهَّرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما [¬٢] هي تخدمني [¬٣] من الليل إذ تَكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحتُ غدوتُ على قومي فأخبرتهم خبري وقلت: انطلقوا معي إلى النبي ﷺ فأخبره بأمري. فقالوا: لا، والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا -أو: يقول فينا رسول الله ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجت حتى أتيتُ النبي ﷺ فأخبرته خبري. فقال لي: "أنت بذاك؟ ". فقلت: أنا بذاك. فقال: "أنت بذاك؟ ". فقلت: أنا بذاك". قال: "أنت بذاك؟ ". قلت: نعم، هأنذا فامض فيّ حكم الله تعالى فإني صابر له. قال: "أنت رقبة" قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: "فصم شهرين". قلت: يا رسول الله، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟! قال: "فتصدق". فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى ما لنا عشاء. قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني زُريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم

стр. 6083

عنك منها وسقًا من تمر ستين مسكينًا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك". قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيقَ وسوءَ الرأي، ووجدت عندَ رسول الله ﷺ السَّعة والبرَكة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إليّ. فدفعوها إليّ (٥). وهكذا رواه أبو داود وابن ماجة واختصره الترمذي وحسنه (٦). وظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خُويلة بنت ثعلبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل. قال خصيف: عن مجاهد، عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها خَشِيَت أن يكون ذلك طلاقًا، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: "يا وسول الله، إن أوسًا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته" - وهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء - فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فدعاه رسولُ الله ﷺ فقال: "أتقدر على رقبة تعتقها؟ " قال: لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها. قال: فجمع له رسول الله ﷺ حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله. رواه ابن جرير (٧). ولهذا ذهب ابن عباس والأكثرون إلى ما قلناه والله أعلم. فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: أصل الظهار مشتق من الظهر،

стр. 6084

وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي. ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي، حرمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإِسلام أوس، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها "خويلة بنت خويلد [¬١] " فظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حَرُمت عليّ. وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله ﷺ . فأتت رسول الله فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فقال: "يا خويلة، ما أمرنا في أمرك بشيء". فأنزل الله على رسوله ﷺ ، فقال: "يا خويلة أبشري". قالت: خيرًا. فقرأ عليها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ … إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. قالت: وأي رقبة لنا؟ والله ما يجد [¬٢] رقبة غيرى. قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ﴾، قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره! قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها! قال: فدعا بشطر وَسْق -ثلاثين صاعًا، والوسق: ستون صاعا- فقال: "ليطعم ستين مسكينًا وليراجعك" (٨). وهذا إسناد جيد قوي، وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا، فقال ابن أبي حاتم. حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي [¬٣]، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دُليج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيرًا سيئ الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، قال: أنت عليّ كظهر أمي. وكان لها [¬٤] منه عَيِّل أو عَيِّلان، فنازعته يومًا في شيء فقال: أنت عليّ كظهر أمي. فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ﷺ ، وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه، فقدمت عليه ومعها عَيّلها، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ضرير

стр. 6085

البصر، فقير لا شيء له، سيئ الخلق، وإني نازعته في شيء فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ولم يرد به الطلاق، ولي منه عَيّل أو عَيّلان، فقال: "ما أعلمك إلا قد حَرُمت عليه". فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبيتي قال: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها، فقالت: يا رسول الله، زوجي [¬١] ضرير البصر، فقير سيئ الخلق، وإن لي منه [عَيّلا أو عيلين] [¬٢]، وإني نازعته في شيء فغضب وقال: أنت علي كظهر أمي، ولم يرد به الطلاق! قالت: فرفع إليّ رأسه وقال: "ما أعلمك إلا قد حرمت عليه". فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبيتي قال: ورأت [¬٣] عائشة وجه النبي ﷺ تغير، فقالت لها: وراءك وراءك. فتنحت، فمكث رسول الله ﷺ في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: "يا عائشة، أين المرأة؟ " فدعتها، فقال لها رسول الله ﷺ : "اذهبي فأتيني بزوجك". فانطلقت تسعى فجاءت به، فإذا هو [كما قالت] [¬٤] ضرير البصر، فقير، سيئ الخلق. فقال النبي ﷺ "أستعذ بالله السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، قال النبي ﷺ : "أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها؟ " قال: لا. قال: "أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال: والذي بعثك بالحق، إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد أن يعشو بصري. وقال: "أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ ". قال: لا، إلا أن تعينني. قال: فأعانه رسول الله ﷺ فقال: "أطعم ستين مسكينًا". قال: وحول الله الطلاق، فجعله ظهارًا (٩). ورواه ابن جرير، عن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، سمعت أبا العالية، فذكره نحوه، بأخصر من هذا السياق (١٠). وقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة. رواه ابن أبي حاتم، بنحوه. وقد استدلّ الإِمام مالك [¬٥] على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾

стр. 6086

فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، على أن [الأمَة لا ظهار منها] [¬١]، ولا تدخل في هذا الخطاب. وقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي: لا تصير المرأة بقول الرجل: "أنت علي كأمي"، أو: "مثل أمي"، أو: "كظهر أمي"، وما أشبه ذلك، لا تصير أمّه بذلك، إنما أمه التي ولدته؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، أي: كلامًا فاحشًا باطلًا، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: عما كان منكم في حال الجاهلية. وهكذا أيضًا عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول لامرأته: يا أختي. فقال: "أختك هي؟! " (١١) فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك؛ لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم [¬٢]، وقول داود، وحكاه أبو عمر [¬٣] بن عبد البر عن بكير [¬٤] بن الأشج، والفراء وفرقة من أهل الكلام. وقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار زمانًا [¬٥] يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق. وقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه فلا يحل له حتى يكفر بهذه الكفارة. وقد حكي عن مالك أنه العزم على الجماع والإِمساك، وعنه أنه الجماع. وقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى تظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة. وإليه ذهب أصحابه، والليث بن سعد.

стр. 6087

وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء، عن سعيد بن جبير ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، يعني: يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم. وقال الحسن البصري: يعني: الغشيان في الفرج. وكان لا يرى بأسًا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. والمس: النكاح. وكذا قال عطاء، والزهري، وقتادة، ومقاتل بن حيان. وقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى كفر. وقد رَوَى أهل السنن من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: "ما حملك على هذا يرحمك الله؟ " قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله " (١٢). وقال الترمذي: حسن غريب صحيح، ورواه أبو داود، والنسائي من حديث عكرمة مرسلًا. قال النسائي: وهو أولى بالصواب (١٣). وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فهاهنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإِيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإِيمان، فحمل الشافعي ﵀ ما أطلق هاهنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب، وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده، عن معاوية بن الحكم السلمي، في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله ﷺ قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" (١٤).

стр. 6088

وقد رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه (١٥). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ فقال: إني تظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر. فقال رسول الله ﷺ : "ألم يقل الله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؟ ". قال: أعجبتني. قال: "أمسك حتى تكفر" (١٦). ثم قال البزار: لا يروى عن ابن عباس [بأحسن من] [¬١] هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم. وفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: تزجرون به، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي: خبير بما يصلحكم، عليم بأحوالكم. وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وقد تقدمت الأحاديث الواردة بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان (١٧). ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: شرعنا هذا لهذا. وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، أي: محارمه فلا تنتهكوها. وقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه

стр. 6089

الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا، ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي في الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ يخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه، ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهينوا ولعنوا وأخزوا، كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم، ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي: واضحات لا يخالفها ويعاندها إلا كافر فاجر مكابر، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في قبالة [¬١] ما استكبروا عن اتباع شرع الله، والانقياد له، والخضوع لديه. ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾، وذلك يوم القيامة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: فيخبرهم [¬٢] بالذي صنعوا من خير وشر، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ أي: ضبطه الله وحفظه عليهم، وهم قد [¬٣] نسوا ما كانوا عملوا ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى، ولا ينسى شيئًا. ثم قال تعالى مخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾، أي: من سر ثلاثة ﴿إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾، أي: يطلع عليهم ويسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله

стр. 6090

به وسمعه لهم، كما قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ﴾؛ ولهذا حكى غير واحد الإِجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه [¬١] أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء. ثم قال: ﴿ثُمَّ [¬٢] يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، قال الإِمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ قال: اليهود. وكذا قال مقاتل بن حيان، وزاد: كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي ﷺ جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله -أو: بما يكره المؤمن- فإذا رأى المؤمن ذلك خَشيهم، فترك طريقه عليهم. فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى، فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (١٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني سفيان بن حمزة [¬٣]، عن كثير بن زيد، عن رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه،

стр. 6091

عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ نبيت عنده؛ يطرقه من الليل أمر، وتبدو له حاجة؛ فلما كانت ذات ليلة كَثُر أهل النَّوب والمحتسبون، حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ ؛ فقال: "ما هذا النجوى؟ ألم تُنْهَوا عن النجوى؟ " قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله؛ إنا كنا في ذكر المسيح، فَرَقًا منه. فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه! ". قلنا: بلى يا رسول الله؟ قال "الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل" (١٩). هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. أي: يتحدثون فيما بينهم بالإثم وهو ما يختص بهم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾.] [¬١] وهو ما يتعلق بغيرهم ومنه معصية الرسول ومخالفته يصرون عليها ويتواصون بها. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير عن الأعمش [عن مسلم] [¬٢] عن مسروق عن عائشة، قالت: دخل على رسول الله ﷺ ، يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش" قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو ما سمعت أقول: وعليكم"؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢٠) وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة، وأن رسول الله ﷺ قال: "إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا" (٢١).

стр. 6092

وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهودي فسلّم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله ﷺ : "هل تدرون ما قال: "قالوا: سلم يا رسول الله. قال: "بل قال: سام عليكم" أي: تسامون دينكم. قال رسول الله: "ردوه". فردوه عليه، فقال نبي الله: "أقلت: سأم عليكم؟ " قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك" أي عليك ما قلت. وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح (٢٢)، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة نحوه [¬١] (٢٣). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًّا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن، لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان هذا نبيًّا حقًّا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: جهنم كفايتهم في الدار [¬٢] الآخرة ﴿يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢٤). وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو؛ أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ [¬٣] الْمَصِيرُ﴾. إسناد حسن ولم يخرجوه (٢٥). وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله إذا حَيّوه: سام عليك، قال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ [¬٤] الْمَصِيرُ﴾ ثم قال الله مؤدبًا عباده المؤمنين أن لا يكونوا مثل الكفرة

стр. 6093

والمنافقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾، أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾، أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها. وقال الإِمام أحمد: حدثنا بَهز وعفان؛ قالا: أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز؛ قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كَنَفه ويستره من الناس، ويقرّره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قَرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يُعطى كتابَ حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢٦). أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة (٢٧). ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنّما النجوى - وهي المُسَارّة - حيث [يتوهم منها مؤمن] [¬١] سوءًا ﴿مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني: إنّما يصدر هذا من المتناجين [¬٢] عن تسويل الشيطان وتزيينه، ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: ليسوءهم، وليس ذلك بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، ومن أحس من ذلك شيئًا فليستعذ بالله، وليتوكل على الله؛ فإنه لا يضره شيء، بإذن الله. وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي، حيث يكون في ذلك تأذ [¬٣] على مؤمن. كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وأبو معاوية؛ قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن

стр. 6094

مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَيَن اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه" (٢٨). أخرجاه من حديث الأعمش (٢٩). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه" (٣٠). انفرد بإخراجه مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب، به (٣١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ يقول تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين، وآمرًا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾، وقريء: ﴿فِي [¬١] الْمَجْلِسِ﴾، ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل. كما جاء في الحديث الصحيح: "من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة" (٣٢). وفي الحديث الآخر: "ومن يَسَّر على معسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، [ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة] [¬٢]، والله في عون العبد ما كان العبد في عون

стр. 6095

أخيه" (٣٣). ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلًا ضَنوا بمجالسهم عند رسول الله ﷺ ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. وقال مقاتل ابن حيان: أنزلت هذه الآية يوم جُمُعة وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ ، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فرد النبي ﷺ عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام، فلم يُفسَح لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار، من غير أهل بدر: "قم يا فلان، وأنت يا فلان". فلم يزل يقيمهم بعدّة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قبلُ عدلَ علن هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم واحبوا القرب لنبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عمه. فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله رجلًا فَسَح لأخيه". فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا، فَتَفَسَّحَ القومُ لإِخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. رواه ابن أبي حاتم. وقد قال الإمام أحمد والشافعي: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" (٣٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به (٣٥). وقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم
следующие страницы →