← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

وأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين يحتمل أنه لم تنقض عِدَتُها منه؛ لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم؛ انفسخ نِكاحُها منه. وقال آخرون: بل إذا انقضت العدّة هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم. وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ يعني: أزواجَ المهاجرات من المشركين، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن [¬١] من الأصدقة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وغير واحد. وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: يعني إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن، أي: تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك. وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: تحريم من الله على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات، والاستمرار معهن. وفي الصحيح (٣٤)، عن الزهري، عن عروة، عن المسور و [¬٢] مَرْوان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاء نساءٌ من المؤمنات، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوانُ بن أمية.

стр. 6162

وقال ابن ثَور (٣٥)، عن معمر، عن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بأسفل الحديبية، حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاء النساء نزلت هذه الآدة، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن هدوا الصداق إلى زوجها، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك، لأجل ما كان بينهم وبينهم [¬١] من العهد. وقال محمد بن إسحاق (٣٦)، عن الزهري: طلق عمر يومئذ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية - وأمَّ كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم عبيد الله، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما. وطلق طلحةُ بن عبيد الله أروى بنتَ ربيعة [¬٢] بن الحارث بن عبد المطلب، فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص. وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾، أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار، إن ذهبن، وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾، أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله حكم به [¬٣] خلقه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في ذلك. ثم قال: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ - قال مجاهد، وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا فرت [¬٤] إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئًا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها. وقال ابن جرير (٣٧): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري قال: أقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على

стр. 6163

نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله للمؤمنين به: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأةٌ من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رَدَّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العَقِب اللاتي بأيديهم، الذي [¬١] أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرنَ، ثم ردوا إلى المشركين فضلًا [إن كان بقي لهم] [¬٢]. والعقب: ما كان [بأيدي المؤمنين] [¬٣] من صداق نساء [¬٤] الكفار حين [¬٥] آمنّ وهاجرنَ. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يعني إن لحقت [¬٦] امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله ﷺ أنه يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق. وهكذا قال مجاهد: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، يعني: مهر مثلها. وهكذا قال مسروق، وإبراهيم، وقتادة، ومقاتل، والضحاك، وسفيان بن حسين، والزهري أيضًا. وهذا لا ينافي الأول؛ لأنه إن أمكن، الأول فهو أولي، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار. وهذا أوسع، وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) قال البخاري (٣٨): حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، في عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية:

стр. 6164

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ - قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ : "قد بايعتك". كلامًا، ولا والله ما مست يده يد امرأة قَطٌّ في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك". هذا لفظ البخاري. وقال الإِمام أحمد (٣٩): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رُقَيقة [¬١] قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: أن لا نشرك بالله شيئًا … الآية. وقال: "فيما استطعتن وأطقتن". قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة". هذا إسناد صحيح، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة - والنسائي أيضًا من حديث الثوري - ومالك بن أنس كلهم، عن محمد بن المنكدر به. وقال الترمذي: "حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر". وقد رواه أحمد أيضًا (٤٠) من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة، به. وزاد: "ولم يصالح منا امرأة". وكذا رواه ابن جرير (٤١) من طريق موسى بن عقبة عن محمد ابن المنكدر به. ورواه ابن أبي حاتم (٤٢) من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر [¬٢] حدثتني أميمة بنت رقيقة - وكانت أخت خديجة خالة فاطمة، من فيها إلى فيَّ … فذكره. وقال الإِمام أحمد (٤٣): حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط

стр. 6165

ابن أيوب بن الحكم بن سُلَيم، عن أمه سلمى بنت قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا،، لا نعصيه في معروف- قال: "ولا تغشُشْنَ أزواجكن". قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي فسلي رسول الله ﷺ : ما غش أزواجنا؟ قال: فسألته فقال [¬١]: "تأخذ ماله، فتحابي به غيره". وقال الإِمام أحمد (٤٤): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قُدامة -يعني ابن مظعون- قالت: أنا مع أمي رائطة [بنت سفيان] [¬٢] الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: "أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين ولا تلقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف". [قالت: فأطرقن. فقال لهن النبي ﷺ :] [¬٣] "قلن نعم فيما استطعتن". [فكنَّ يلقن] [¬٤] وأقول معهن، وأمي [تلقنني: قولي] [¬٥]-أي بنية؛ نعم [فيما استطعتُ] [¬٦] فكنت أقول كما يقلن. وقال البخاري (٤٥): حدثنا أبو [¬٧] معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايَعنا، رسولَ الله ﷺ فقرأ علينا:

стр. 6166

﴿[أَنْ لَا يُشْرِكْنَ] [¬١] بِاللَّهِ شَيئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة، يدها فقالت [¬٢]: أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها. فما قال لها رسول الله ﷺ شيئًا، فانطلقت ورجعت فبايعها. ورواه مسلم (٤٦). وفي رواية: "فما وفَّى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم بنة ملحان". وللبخاري (٤٧) عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند [¬٣] البيعة أن لا ننوح، فما وَفَت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سَبرة امرأة معاذ، وامرأتان -أو: ابنة أبي سَبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى. وقد كان رسول الله ﷺ يتعاهدُ النساءَ بهذه البيعة يومَ العيد، كما قال البخاري (٤٨): حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جُريج أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعدُ، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يُجَلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يَشقَهم حتى أتى النساء، مع بلال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ: "أنتن على ذلك"؟ فقالت امرأة واحدة: لم يجبه غيرها: نعم يا

стр. 6167

رسول الله - لا يدرى حسن من هي - قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ [¬١] والخواتيم في ثوب بلال. وقال الإِمام أحمد (٤٩): حدثنا خاف بن الوليد، حدثنا [ابن عياش] [¬٢] عن سليمان بن سُليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإِسلام، فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترفه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى". وقال الإِمام أحمد (٥٠): حدثنا سيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: "تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم" - قرأ الآية التي أخدت على النساء: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ - فمن وفَّى منكم فأجره على الله، [ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له] [¬٣]. ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه". أخرجاه في الصحيحين (٥١). وقال محمد بن إسحاق (٥٢)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليَزَني، عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عُسَيلة الصنابحي [¬٤]، عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه

стр. 6168

وسلم - على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. وقال [¬١]: "فإن وَفَيتُمْ فلكم الجنة". رواه ابن أبي حاتم. وقد روى ابن جرير (٥٣) من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: "قل لهن: إن رسول الله يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا". وكانت هند بنة عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة مُنَكرة في النساء، فقالت: إني [¬٢] إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني. وإنما تنكرت فِرقًا من رسول الله ﷺ فسكت النسوة اللاتي مع هند [¬٣]، وأبَيْنَ أن يتكلمن فقالت [¬٤] هند وهي مُنكرة: كيف يقبل من النساء شيئًا لم يقبله من الرجال؟ ففطن إليها رسول الله وقال لعمر: "قل لهن: ولا تسرقن". قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهَنَات، ما أدري أيحلهن لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي، فهو لك حلال. فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فدعاها فأخذت بيده [¬٥]، فعاذت به، فقال: "أنت هند"؟ فقالت [¬٦]: عفا الله عما سلف فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال: "ولا تزنين"، فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟ قال: "لا، والله ما تزني الحرة". فقال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر، فأنت وهم أبصر قال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: منعهن أن يَنُحْنَ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالثبور. والثبور: الويل. وهذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله ﷺ يخيفهما، بل أظهرا الصفاء والود له، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبابع رسول الله ﷺ الرجال [¬٧] على الصفا، وعمر يبايع النساء [¬٨] تحتها عن رسول الله ﷺ فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قالت هند:

стр. 6169

ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم (٥٤): حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي، حدثتني غبطة بنت [عمرو]، [حدثتني عمتي، عن جدتها] [¬١]، عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه، فنظر إلى يدها فقال: "اذهبي فغيري يدك". فذهبت فغيرتهار [¬٢] [بحناء، ثم] [¬٣] جاءت فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا". فبايعها وفي يدها سواران من ذهب، فقالت: ما تقول في هذين السوارين؟ فقال: "جمرتان من جمر جهنم". فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط، فبايعها، ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرًا في نفقتها، فلها أن تأمل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان بغير علمه، عملًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ : "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (٥٥). أخرجاه في الصحيحين. وقوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وفي حديث سمرة (٥٦) ذكر عقوبة الزنا: بالعذاب الأليم في نار الجحيم.

стр. 6170

وقال الإِمام أحمد (٥٧): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾. الآية. قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا. قالت: فنعم إذًا. فبايعها [¬١] بالآية. وقال ابن أبي حاتم (٥٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عامر -هو الشعبي- قال بايع رسول الله ﷺ النساء، وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه، ثم قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءه النساء يبايعنه، جمعهن فعرض عليهن. فإذا أقررن رجعن. وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: وهذا يشمل قتله بعد [¬٢] وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإِملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه. وقوله: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ - قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. وكذا قال مقاتل: ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود (٥٩): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو -يعني ابن الحارث- عن ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة: "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جَنَّته، وأيما وجل جَحَدَ ولده وهو

стр. 6171

ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين". وقوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، يعني: في ما أمرتهن به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر. قال البخاري (٦٠): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: إنما هو شرط شَرَطه الله للنساء. وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله لنبيِّه طاعة إلا لمعروف. والمعروف طاعة. وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله، وهو خيَرَة الله من خلقه في المعروف. وقد [¬١] قال غيره عن ابن عباس وأتس بن مالك وسالم بن أبي [الجعد وأبي] [¬٢] صالح وغير واحد: نهاهن يومئذٍ عن النوح، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضًا. وقال ابن جرير (٦١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في [] [¬٣] هذه الآية: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ أخذ عليهن النياحة، ولا تحدثن [¬٤] الرجال إلا رجلًا منكن محرمًا. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا نبي الله، إنَّ لنا أضيافًا، وإنا نغيب عن نسائنا. فقال رسول الله ﷺ : "ليس أولئك عَنَيتُ. ليس أولئك عَنَيتُ". وقال ابن أبي حاتم (٦٢): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثني مبارك، عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي ﷺ : "ألا يحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يَمذي [¬٥] بين فخذيه". وقال ابن جرير (٦٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن

стр. 6172

ابن سيرين، عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشتُرط علينا من المعروف حين بايعنا: أن لا ننوح وقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم! فانطلقت فأسعَدَتهم، ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها، وغير أم سليم بنة ملحان أم أنس بن مالك. وقد روى البخاري (٦٤) هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين، عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂ وقد روى نحوه من وجه آخر أيضًا. وقال ابن جرير (٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ القَتَّاب، حدثني مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ قالت [¬١]: فأتيته لأبايعه، فأخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن. فقالت عجوز: يا رسول الله، إن ناسًا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أريد أن أسعدهم. قال: "فانطلقي فكافئيهم". فانطلقت فكافأتهم، ثم إنها أتته فبايعته، وقال: هو المعروف الذي قال الله : ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٦٦): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا القعنبي، حدثنا الحجاج بن صفوان عن أسيد بن أبي أسيد البراد [¬٢]، عن امرأ ة من المبايعات قالت: كان ممَّا [¬٣] أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيه في معروف: أن لا نخمش وجوهًا، ولا ننشر شعرًا، ولا نشق جيبًا، [ولا ندعو ويلًا] [¬٤]. وقال ابن جرير (٦٧): حدثنا أبو كُريب، حدثنا وكيع، عن يزيد مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: النوح.

стр. 6173

ورواه الترمذي في التفسير (٦٨)، عن عبد بن حُميد، عن أبي نُعَيم - وابن ماجة (٦٩)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع - كلاهما عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء، به. وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال ابن جرير (٧٠): حدثنا محمد بن سنان [¬١] القزاز، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إسحاق [بن] عثمان بن [¬٢] يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁ فقام على الباب وسلم علينا، فرددن - أو: فرددنا - عليه¬ السلام، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكن. قالت: فقلنا: مرحبًا برسول الله، وبرسول رسول الله. فقال: تبايعن علي أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين؟ قالت: قلنا: نعم. قالت: فمد يده من خارج الباب -أو: البيت- ومددنا أيدينا من داخل البيت،، ثم قال: اللهم اشهد. قالت وأمرنا [¬٣] في العيد أن نخرج فيه الحُيَّض والعواتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قالت: النياحة. وفي الصحيحين (٧١) من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مُرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". وفي الصحيحين (٧٢) أيضًا عن أبي موسى

стр. 6174

أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. وقال الحافظ أبو يعلى (٧٣): حدثنا هُدبة بن خالد، حدثنا أبان بن يزريد، حدثنا يحيي ابن أبي [¬١] كثير أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن [¬٢]: الفخر في [¬٣] الأحساب. والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قَطران، ودرع من جرب". ورواه مسلم (٧٤) في صحيحه منفردًا به من حديث أبان بن يزيد العطار به. وعن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة، رواه أبو داود (٧٥). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾ ينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها [¬٤] في أولها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار، ممن [¬٥] غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإِبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء، وقد يئسوا من الآخرة. أي: من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله . وقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، فيه قولان:

стр. 6175

أحدهما: كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك، لأنهم لا يعتقدون بعثًا ولا نشورًا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه. قال [¬١] العوفي عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ.﴾ إلى آخر السورة. يعني: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله . قال الحسن البصري: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات. وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا. وكذا قال الضحاك. رواهن ابن جرير. والقول الثاني معناه كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير. قال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه وهذا قول مجاهد، وعكرمة، ومقاتل، وابن زيد، والكلبي، ومنصور. وهو اختيار ابن جرير. [آخر تفسير سورة الممتحنة ولله الحمد]. * * *

стр. 6176

تفسير سورة الصف وهي مدنية قال الإمام أحمد (١) ﵀: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة- و [¬١] عن عطاء بن يسار، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا: أيكم يأتي رسول الله ﷺ فيسأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم منا أحد، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلينا رجلًا، فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها. هكذا رواه الإِمام أحمد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مَزيد البيروتي قراءة قال: أخبرني أبي، سمعت الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني عبد الله بن سلام أن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال إلى الله ؟ فلم يذهب إليه أحد منَّا، وهبنَا أن نسأله عن ذلك، قال: فدعا رسول الله ﷺ أولئك النفر رجلًا رجلًا حتى جمعهم، ونزلتْ فيهم هذه السورة: (سبح) الصف- قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ كلها. [قال أبو سلمة: وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها] [¬٢]. قال يحيى بن أبي كثير: وقرأها علينا أبو سلمة كلها [¬٣]. قال الأوزاعي: وقرأها علينا يحيى بن أبي كثير كلها قال أبي: وقرأها علينا الأوزاعي كلها. وقد رواه الترمذي (٢) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي [¬٤] كثير، بن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه. فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ - قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ . قال أبو سلمة: فقرأها

стр. 6177

علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة. قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي. قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير. ثم قال الترمذي (٣): وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي، فروى ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام- أو: عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام. قلت: وهكذا رواه الإمام أحمد عن [¬١] عن ابن المبارك به. قال الترمذي: وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير. قلت: وكذا رواه الوليد بن يزيد عن الأوزاعي، كما رواه ابن كثير. قلت: وقد أخبرني بهذا الحديث الشيخ المسند أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار قراءةً عليه، وأنا أسمع، أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللّتّي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن المظفر بن محمد بن داود الداودي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي أخبرنا عيسى بن عُمَر بيع عمران السمرقندي، أخبرنا الإِمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ (٤) بجميع مسنده، أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي … فذكر بإسناده مثله، وتسلسل لنا [¬٢] قراءتها إلى [¬٣]، شيخنا الي العباس الحجار، ولم يقرأها لأنه كان أميًّا، وضاق الوقت عن تلقينها إياه. ولكن أخبرني الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ﵀: أخبرنا القاضي تقي الدين سليمان ابن الشيخ أبي عمر، أخبرنا أبو المُنَجَّا بن اللّتيّ … فذكره بإسناده، وتسلل في من طريقه، وقرأها عليّ بكمالها، ولله الحمد والمنة. ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ

стр. 6178

بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾. تقدم الكلام على قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ غير مرة، بما أغنى عن إعادته. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إنكار على من يَعِدُ عِدَةً، أو يقول قولًا لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة [من ذهب] [¬١] من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقًا، سواء ترتب عليه غُرم للموعود أم [¬٢] لا. واحتجوا أيضًا من السنة بما ثبت في الصحيحين (٥) أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمِنَ خان". وفي الحديث الآخر في الصحيح (٦): " أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها". فذكر منهن إخلاف الوعد. وقد استقصينا الكلام على هذين الحديثين في أول "شرح البخاري"، ولله الحمد والمنة؛ ولهذا أكد تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وقد روى الإمام أحمد (٧) وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة؛ قال: أتانا رسول الله ﷺ [في بيتنا] [¬٣] وأنا صبي، قال: فذهبت لأخرج ولألعب، فقالت أمي: يا عبد الله، تعال أعطك. فقال لها رسول الله ﷺ : "وما أردت أن تُعطيه؟ " قالت: تمرًا. فقال: "أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة". وذهب الإِمام مالك ﵀ إلى أنه إذا تعلق بالوعد غُرم على الموعود وجب الوفاء به، كما لو قال لغيره: "تزوج ولك عليَّ كل يوم كذا" فتزوج، وجب عليه أن يعطيه ما دام

стр. 6179

كذلك، لأنه تعلق به حق آدمي، وهو مبنيٌّ على المضايقة. وذهب الجمهور إلى [¬١] أنه لا يجب، مطلقًا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فَرضيَّة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية. وهكذا هذه الآية معناها، كما قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لَوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال: إيمانٌ بالله [¬٢] لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإِيمان ولم يقروا به. فلما نزل الجهاد كره ذلك أناس، المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وهذا اختيار ابن جرير. وقال مقاتل بن حَيَّان: قال المؤمنون: لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله لعملنا به. فدلهم الله على أحب الأعمال إليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، فبين لهم، فابتلوا يوم أحد بذلك، فولوا عن النبي ﷺ مدبرين، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾؟ وقال: أحبكم إليّ من قاتل في سبيلي. ومنهم من يقول: أنزلت في شأن القتال. قوله الرجل: قاتلت، ولم يقاتل. وطعنت، ولم يطعن. وضربت، ولم يضرب. وصبرت، ولم يصبر. وقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخًا لقوم كانوا كولون: قتلنا، ضربنا، طعنا، وفعلنا. ولم يكونوا فعلوا ذلك. وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر، ولا يوفون لهم بذلك. وقال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال: في الجهاد.

стр. 6180

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [فما بين ذلك] [¬١] في نفر من الأنصار، فيهم عبد الله بن رواحة، قالوا في مجلس: لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله، لعملنا بها حتى نموت. فأنزل الله هذا فيهم. فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيسًا في سبيل الله حتى أموت. فقتل شهيدًا. وقال ابن أبي حاتم (٨): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن أبي حَرب بن [¬٢] أبي الأسود الدّيلي، عن أبيه، قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل، كلهم قد قرأ القرآن، فقال: أنتم قراء أهل البصرة وخيارهم. وقال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيناها، غير أني قد حفظت منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. فهذا إخبار منه تعالى بمحبة عباده المؤمنين إذا اصطفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله مَن كفر بالله، لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان. قال الإِمام أحمد (٩): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشيم، قال: مجالد أخبرنا عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال". ورواه ابن ماجة من حديث مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأسود -يعْني: ابن شيبان- حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال:: قال مُطَرّف: كان يبلغني

стр. 6181

عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر، كان يبلغني عنك حديث، فكنت أشتهي لقاءك. فقال: لله أبوك! فقد لقيت، فهات. فقلت: كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم أن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة؟ قال: أجل، فلا إخالني أكذب على خليلي ﷺ ! قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله؟ قال: رجل غزا في سبيل الله، خرج محتسبًا مجاهدًا فلقى العدو فقتل، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ … وذكر الحديث. هكذا أورد هذا الحديث من هذا الوجه بهذا السياق، وبهذا اللفظ، واختصره. وقد أخرجه الترمذي (١٠) والنسائي من حديث شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِرَاش [¬١]، عن زيد بن ظَبيان، عن أبي ذَر بأبسط من هذا السياق وأتم. وقد أوردناه في مواضع أخر، ولله الحمد. وعن كعب الأحبار أنه قال: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ : عبدي المتوكل المختار ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون [¬٢] يحمدُون الله على كل حال، وفي كل منزلة، لهم دويّ كدويّ النحل في جو السماء بالسحَر، يُوَضّون أطرافهم، ويأتزرون على أنصافهم، صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ، رعاة الشمس، يصلون الصلاة حيث أدركتهم، ولو على ظهر دابة [¬٣]. رواه ابن أبي حاتم.

стр. 6182

وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، قال: كان رسول الله ﷺ لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال: وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: ملتصق بعضه في بعض، من الصف في القتال. وقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض. وقال ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: مُثبت، لا يزول، ملصق بعضه ببعض. وقال قتادة: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: ألم تر إلى صاحب [¬١] البنيان، كيف لا يحب أن يختلف بنيانه؟ فكذلك الله لا [¬٢] يختلف أمره، وإن الله صف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله، فإنه عصمة لمن أخذ به. أورد ذلك كله ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير (١١): حدثني سعيد بن عَمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن يحيى بن جابر الطائي، عن أبي بحرية؛ قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل، ويستحبون القتال على الأرض، لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني التفتُّ في الصف فَجئُوا في لحيي. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇: إنه قال لقومه: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾، أي: لم توصلون الأذى إليَّ، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصاب من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر، ولهذا قال: "رحمة

стр. 6183

الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر" (١٢). وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي ﷺ أو يوصلوا إليه أذى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ] [¬١] نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. يعني: التوراة قد بَشَّرت بي، وأنا مصداقُ ما أخبرت عنه، وأنا مُبَشر بمن بعدي، وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد. فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملإ بني إسرائيل مبشرًا بمحمد، وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. وما أحسن ما أورد البخاري (١٣) الحديث الذي قال فيه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني محمد بن جُبَير بن مُطعم، عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". ورواه مسلم من حديث الزهريّ به نحوه. وقال أبو داود الطيالسي (١٤): حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عُبَيدة،

стр. 6184

عن أبي موسى؛ قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسَه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: "أنا محمد، و [¬١] [١] أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة، والتوبة، والملحمة". ورواه مسلم (١٥) من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به. وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ .. الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث محمد وهو حي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. وقال محمد بن إسحاق (١٦): حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعدَان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن نفسك. قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام". وهذا إسناد جيد، وروي له شواهد من وجوه أخر، فقال الإمام أحمد (١٧): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ : "إني عند الله لخاتم النببين، كان آدم لمنجَدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين".

стр. 6185

وقال أحمد أيضًا (١٨): حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر؛ قال: سمعت أبا أمامة؛ قال: قلت: يا نبيّ الله، ما كان بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرجُ منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام". وقال أحمد أيضًا (١٩): حدثنا حسن بن موسى، سمعت حُدَيجًا [¬١]، أخا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا، منهم: عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة [¬٢]، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى. فأتوا النجاشي، وبعَثت قريش عَمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سَجَدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: أن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا. قال: فأين هم؟ قال: هم في أرضك، فابعث إليهم. فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم. فاتبعوه فسلم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه قالوا: نقول كما قال الله : هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد. قال: فرفع عودًا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان؛ والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي نجد في الإِنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم. انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل

стр. 6186

نعليه وأوضئه. وأمَرَ بهدية الآخرَين فردّت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا، وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغَه موته. وقد رُويت هذه القصةُ عن جعفر وأم سلمة ﵄ وموضع ذلك كتاب السيرة. والقصد [¬١] أن الأنبياء ﵈ لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها، وتأمرهم باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان مما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد [¬٢] الأنبياء بعده، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، وكذا على لسان عيسى ابن مريم؛ ولهذا قالوا: "أخبِرْنا عن بَدْء أمرك". يعني في الأرض، قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى ابن مريم، ورؤيا أمي التي رأت". أي: ظهر في أهل مكة أثر ذلك، والإِرهاص [¬٣] بذكره صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، قال ابن جريج وابن جرير: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أحمد، أي: المبشر به في الأعصار المتقادمة، المنوه بذكره في القرون السالفة، لما ظهر أمره وجاء بالبينات قال الكفرة المخالفون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾، أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب علي الله، ويجعل له أندادًا وشركاء، وهوَ يدعى إلى التوحيد والإِخلاص؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: يحاولون أن يَرُدوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من [يريد أن] [¬٤] يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذلك [¬٥] ذاك مستحيل، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾،

стр. 6187

وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في "سورة براءة" بما فيه كفابة، ولله الحمد والمنَّة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾ تقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ﵃ أرادوا أن يسألوا عن أحب الأعمال إلى الله ليفعلوه فأنزل الله هذه السورة، ومن جملتها هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي هي [متحصل الموجود] [¬١] ومزيلة للمحذور، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: من تجارة الدنيا، والكد لها والتصدي لها وحدها. ثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه، غفرت لكم الزلات، وأدخلتكم الجنات، والمساكن الطيبات، والدرجات العاليات؛ ولهذا قال: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ [أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونهما] [¬٢]، وهي: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي: إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه، تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧] وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وقوله: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، أي: عاجل. فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة، لمن أطاع الله ورسوله ونصر الله ودينه؛ ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ

стр. 6188

فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾ يقول تعالى آمرًا عبادَه المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله، كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؟ أي: من مُعيني في الدعوة إلى الله ؟ ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ﴾ -وهم أتباع عيسى ﵇: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، أي: نحن أنصارك على ما أرسلتَ به ومُوَازروك على ذلك؛ ولهذا بعثهم دعاةً إلى الناس في بلاد الشام في الإِسرائيلين واليونانيين. وهكذا كان رسول الله ﷺ يقول في أيام الحج: "من رجل يُؤويني حتى أبلغ وسالة ربي، [فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي"] [¬١] (٢٠) حتى قيض الله له الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه وَفَوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله الأنصارَ، وصار ذلك علمًا عليهم، ﵃ وأرضاهم. وقوله: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ أي: لما بلغ عيسى ابن مريم ﵇ رسالة ربه إلى قومه، و [¬٢] وازره مَن وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به، وضلت طائفة فخرجت عما جاءهم به، وجحدوا بنبوته [¬٣]، ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة!! وغلت فيه طائفة ممن اتبعه، حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فِرَقًا وشِيعًا، فمن قائل منهم: إنّه ابن الله، وقائل: إنه ثالث ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، ومن قائل: إنه الله. وكل هذه الأقوال مفصلة في سورة النساء. وقوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾، أي: نصرناهم على من عاداهم من فِرق

стр. 6189

النصارى، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أي: عليهم، وذلك ببعثة محمَّد ﷺ ، كما قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (٢١) ﵀: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال -يعني ابن عمرو- عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج إلى أصحابه، وهم في بيت اثنا عشر رجلًا، من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرةً بعد أن آمن بي. قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنًّا فقال: أنا. قال: فقال له [¬١]: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: نعم، أنت ذاك. قال: فألقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى ﵇ من روَزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلَبُ من اليهود، فأخذوا شِبْهه فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به فتفرقوا ثلاث فرق، قالت فرقة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه إليه -وهؤلاء النسطورية- وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه -وهؤلاء المسلمون- فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا ﷺ ، ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾، يعني: الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، بإظهار محمَّد ﷺ دينهم على دين الكفار، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾. هذا لفظه في كتابه عند تفسير هذه الآية الكريمة. وهكذا رواه النسائي عند تفسير هذه الآية من سننه، عن أبي كريب محمَّد بن العلاء [¬٢]، عن أبي معاوية، بمثله سواء فأمة محمَّد ﷺ لا يزالون ظاهرين على الحق، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجال مع المسيح عيسى ابن مريم ﵇ كما وردت

стр. 6190

الأحاديث الصحاح، والله أعلم. [أخر تفسير سورة "الصفّ" ولله الحمد والمنّة] [¬١]. * * *

стр. 6191

تفسير سورة الجمعة وهي مدنية عن ابن عباس، وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة "الجمعة" و "المنافقون [¬١] ". رواه مسلم في صحيحه (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ يخبر تعالى أنَّه يُسَبح له ما في السنوات وما في الأرض، أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. ثم قال: ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾، أي: هو مالك السموات والأرض، المتصرف فيهما بحكمه، وهو ﴿الْقُدُّوسِ﴾، أي [¬٢]: المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال. ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسير غير مرة. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، الأميون هم: العرب كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكد، كما في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وهو ذكر لغيرهم [¬٣] يتذكرون به، وكذا قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهذا وأمثاله لا ينافي

стр. 6192

قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله إخبارًا عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته -صلوات الله وسلامه عليه- إلى جميع الخلق، أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام، بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة. وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله [¬١] إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. فبعثه الله ، وله الحمد والمنة- على حين فترة من الرسل، وطُمُوس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب -أي: نزرًا يسيرًا-[ممن تمسك] [¬٢] بما بعث الله به عيسى ابن مريم ﵇ ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وذلك أن العرب كانوا متمسكين بدين إبراهيم ﵇ فبدلوه وغيروه، وقلبوه [¬٣] وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا، وباليقين شكًّا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتابين قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها [¬٤] وأولوها، فبعث الله محمدًا -صلوات الله وسلامه عليه- بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهى عما يقربهم إلى النار وسخط الله، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع. وجَمَع له تعالى -وله الحمد والمنة- جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يُعطِ أحدًا من الأولين، ولا يعطيه أحدًا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين. وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري (٢) ﵀: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغَيث، عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه

стр. 6193

سورةُ الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله ﷺ طه على سلمان ثم [¬١] قال: "لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجال -أو: رَجُلٌ- من هؤلاء". ورواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق عن ثور بن زيد الدّيلي، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، به ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية، وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم ابن الله وإلى اتباع ما جاء به؛ ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قال: هم الأعاجم، وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو محمَّد عيسى بن موسى، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال [من أصحابي، رجالًا ونساء] [¬٢] من أمتي يدخلون الله بغير حساب". ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يعني بقية من بقي من أمة محمَّد ﷺ . وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره. وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، يعني ما أعطاه الله محمدًا ﷺ من النبوة العظيمة، وما خص به أمته من بعثته ﷺ إليهم. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا

стр. 6194

الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ يقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحمِّلوها للعمل بها، فلم يعملوا بها، مثلهم في ذلك ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حَملًا حسيًّا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظًا ولم يفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، بل أوّلوه وحرّفوه وبذلوه، فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهمَ له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ وقال هاهنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ [¬١] الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال الإِمام أحمد ﵀ (٣): حدثنا ابن نُمَير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة". ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي] [¬٢]: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدًا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تزعمونه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ﴾، أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وقد قدمنا في "سورة البقرة" الكلام على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على

стр. 6195

الضال من أنفسهم أو خصومهم، كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ومباهلة المشركين في سورة مريم ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. وقد قال الإمام أحمد (٤): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي [] [¬١] أبو يزيد حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيتُ محمدًا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عُنقه. قال: فقال رسول الله ﷺ : "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تَمَنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يُبَاهلون رسول الله على الله عليه وسلم لرجعوا لا [¬٢] يجدون مالًا ولا أهلًا". رواه البخاري والترمذي والنسائي، من حديث عبد الرزاق، عن معمر، [عن عبد الكريم. قال البخاري: "وتبعه عمرو] [¬٣] بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم. ورواه النسائي أيضًا عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، به أتم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وفي معجم الطبراني (٥) من حديث معاذ بن محمَّد الهذلي، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: "مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء

стр. 6196

يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني. فخرج له حُصَاص فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات". ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ إنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع، بأن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مَرةً بالمعابد الكبار، وفيه كَمُل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خُلق آم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت [¬١] بذلك الأحاديث الصحاح. وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد [¬٢] عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قَرْثَع الضبي، حدثنا سلمان؛ قال: قال أبو القاسم ﷺ : "يا سلمان؛ ما يوم الجمعة؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : "يوم جُمع فيه أبواك -أو: أبوكم-". وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا، فالله أعدم. وقد كان يقال له في اللغة القديمة: يوم العروبة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فَضَلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق، واختار النصارى يومَ الأحد الذي ابتديء فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة الجمعة الذي أكمل الله فيه الخلَيقَة، كما أخرجه البخاري (٧) ومسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه؛ قال: هذا ما

стр. 6197

حدثنا أبو هُرَيرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يَومُهم الذي فرَض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد". لفظ البخاري. وفي لفظ لمسلم (٨): " أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق". وقد أمر الله المؤمنين بإلاجتماع لعبادته يوم الجمعة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: اقصدوا واعمدوا [¬١] واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وكان عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄ يقرآنها ﴿فَامضوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجاه في الصحيحين (٩) عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ . قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". لفظ البخاري. وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جَلبة رجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم؟ " قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: "فلا لفعلوا، إذا أتيتم الصلاة أفامشوا وعليكم بالسكينة] [¬٢]، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا". أخرجاه (١٠). وقال عبد الرزاق (١١): أخبرنا مَعمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة

стр. 6198

﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". رواه الترمذي (١٢) من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه (١٣) من طريق يزيد بن زُريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بمثله. قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينةُ والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يعني أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها، وكان يتأولُ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: المشي معه. وروي عن محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وغيرهما، نحو ذلك. ويستحَبّ لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين (١٤) عن عبد الله بن عُمَر أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إذا جاء أحدكم الجمعةَ فَليغتسل". ولهما عن أبي سعيد (١٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [] [¬١] " [غسل يوم الجمعة واجب على كل مُحتلِم". وعن أبي هُريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ :] [¬٢] "حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل جمعة أيام، يغسل رأسه وجسده". رواه مسلم (١٦). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "على كل رجل

стр. 6199

مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة". رواه أحمد (١٧)، والنسائي، وابن حبان. وقال الإمام أحمد (١٨): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "من غَسَّل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يَلغُ كان له بكل خطوة أجر سنة، أجر صيامها وقيامها". وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي. وعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر". أخرجاه [¬١] (١٩). ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب ويتسوك، ويتنظف ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد (٢٠) المتقدم: "غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يَمَس من طيب أهله". وقال الإِمام أحمد (٢١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني

стр. 6200

محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: "من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله [¬١]-إن كان عنده- ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع -إن بدا له- ولم يؤذِ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى". وفي سنن أبي داود (٢٢)، وابن ماجة، عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مَهنَتِه". وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار؛ فقال: "ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته". رواه ابن ماجة (٢٣). وقوله تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾: المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه، فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ فإنما كان هذا لكثرة الناس، كما رواه البخاري (٢٤) ﵀ حيث قال: حدثنا آدم -هو ابن أبي إياس- حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن [¬٢] يزيد، قال: "كان النداء يوم الجمعة أولهُ إذا جلس الأمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء" يعني: يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء [¬٣]، وكانت أرفعَ دار [¬٤]
следующие страницы →