← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

قال عمر: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم. وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تَبوّءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أيضًا (٣٤). وقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ﴾، أي: مِن كَرَمهم وشرف أنفسهم، يحُبُّون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم. قال الإمام أحمد (٣٥): حدثنا يزيد، أخبرنا حميد، عن أنس؟ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسنَ مواساةً في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المُؤْنَةَ، وأشركونا في المهنأ [¬١]، حتى لقد خَشينا أن يذهبوا بالأجر كله! قال: "لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم". لم أره في الكتب من هذا الوجه. وقال البخاري (٣٦): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد؛ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار أن يُقطِعَ لهم البحرين، قالوا: لا، إلا أن تُقطع لإِخواننا من [¬٢] المهاجرين مثلها. قال: "إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي [¬٣] أثرة". تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري (٣٧): حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. فقالوا: تكفونا المؤنَةَ ونَشركُكم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا. تفرد به دون مسلم.

стр. 6127

﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾، أي: ولا يجدون في أنفسهم حسَدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة. قال الحسن البصري: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾، يعني الحسد. ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قال قتادة: يعني فيما أعطي إخوانهم. وكذا قال ابن زيد. ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإِمام أحمد حيث قال: حدثنا عبد الرزاق (٣٨)، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس؛ قال: كنا جُلوسًا مع رسول الله ﷺ ؛ فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة". فطلع رجل من الأنصار تَنطُف لحيته من وضوئه، قد تَعَلَّق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل [¬١] المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل، مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسولُ الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلتُ [¬٢]. قال: نعم. قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تَعار وتقلب على فراشه، ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، لم يكن بيني وبين أبي غَضَب ولا هَجْر [¬٣]، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة". فطلعت أنت الثلاث المرات [¬٤]، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتديَ به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسولُ الله ﷺ ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غيبر أني لا [¬٥] أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسُد أحدًا على خير أعطاه الله! إياه. قال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق. ورواه النسائي (٣٩) في اليوم والليلة عن سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، به.

стр. 6128

وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين، لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري، عن رجل، عن أنس (٤٠)، فالله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٤١) في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. يعني مما أوتوا: المهاجرون. قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار، فعاتبهم الله في ذلك، فقال: (﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: وقال رسول الله: "إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم". فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال رسول الله ﷺ : "أو غير ذلك؟ ". قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر". فقالوا: نعم يا رسول الله. وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، يعني: حاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح (٤٢) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أفضل الصدقة جهد المقل". وهذا المقام أعلى من حال الذين وَصَفَ الله بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. وقوله: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ فإن هؤلاء يتصدقون وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه. ومن هذا المقام تصدق الصديق ﵁ لجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. وهذا الماء الذي عُرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم، ﵃ وأرضاهم.

стр. 6129

وقال البخاري (٤٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فُضَيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هُرَيرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهنَّ شيئًا، فقال النبي ﷺ : "ألا رجل يُضَيِّفُ هذا الليلة، ﵀؟ " فقام رجل في الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيفُ رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلا قوتُ الصِّبية. قال: فإذا أراد الصبيةُ العَشاءَ فنوِّميهم وتعالى فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه، سلم - فقال: "لقد عجب الله أو: ضحك من فلان وفلانة". وأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وكذا رواه البخاري في موضع آخر (٤٤)، ومسلم (٤٥) والترمذي (٤٦) والنسائي (٤٧) من طرق، عن فضيل بن غزوان، به، نحوه. وفي رواية لمسلم (٤٨) تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة، ﵁. وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح. قال أحمد (٤٩): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا داود بن قيس الفراء عن [¬١] عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا [¬٢] دماءهم واستحلوا محارمهم". انفرد بإخراجه مسلم (٥٠)، فرواه عن

стр. 6130

القعنبي عن داود بن قيس، به. وقال الأعمش وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح؛ فإنه أهلَكَ من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا". ورواه أحمد (٥١) وأبو داود (٥٢)، من طريق شعبة. والنسائي (٥٣) من طريق الأعمش كلاهما عن عمرو بن مرة، به. وقال الليث (٥٤) عن يزيد [بن الهاد] [¬١] عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع بن اللجلاج [¬٢]، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودُخانُ جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبدًا". وقال ابن أبي حاتم (٥٥): حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك،

стр. 6131

حدثنا المسعودي، عن جامع بن شداد [¬١]، عن الأسود بن هلال، قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن؛ إني أخاف أن أكون قد هلكت! فقال له عبد الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح، لا أكاد أن أخرج من يدي شيئًا! فقال عبد الله: ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل. وقال سفيان الثوري: عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن أبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت،، فرأيت رجلًا يقول: اللَّهم؛ قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل - وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ﵁ .. ورواه ابن جرير (٥٦). وقال ابن جرير (٥٧): حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عَياش [¬٢]، حدثنا مُجمع بن جارية [¬٣] الأنصاري، عن [عمه يزيد بن جارية] [¬٤]، عن أنسِ بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "بَرئ من الشح مَن أدَّى الزكاة وقَرَى الضيف، وأعطى في النائبة". وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم التابعون بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فالتابعون لهم بإحسان هم: المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية. ولهذا قال، في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾، أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي: بغضًا وحسدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وما أحسن ما استنبط الإِمام مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي

стр. 6132

يسبّ الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال ابن أبي حاتم (٥٨): حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم، فسبوهم! ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ … الآية. وقال إسماعيل بن عليَّة (٥٩): عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة، قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ ، فسببتموهم. سمعتُ نبيكم ﷺ يقول: "لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها". ورواه البغوي. وقال أبو داود (٦٠): حدثنا مُسَدَّد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمر ﵁: ﴿وَ [¬١] مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ - قال الزهري -: قال عمر: هذه لرسول الله ﷺ خاصة، قُرى [¬٢] عربية: فدك [¬٣] وكذا فما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق - قال أيوب: أو قال: حظ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم. كذا رواه أبو داود، وفيه انقطاع. وقال ابن جرير (٦١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحَدثَان قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا

стр. 6133

الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [¬١]، ثم قال [¬٢]: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، ثم قال: استوعبت هذه الآية [¬٣] المسلمين عامة، وليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي - وهو [يسير حُمُرَه] [¬٤] حِميْر نصيبه فيها،، لم يعرق فيها جبينه. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَينَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَال أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَينِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾ يخبر تعالى: عن المنافقين كعبد الله بن أبيّ وأضرابه، حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدُونهم النصر من أنفسهم، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ

стр. 6134

قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي: لكاذبون فيما وعدوهم به إما أنهم قالوا لهم قولًا ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما أنهم لا يقع منهم الذي قالوه. ولهذا قال: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾، أي: لا يقاتلون معهم، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي: قاتلوا معهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وهذه بشارة مستقلة بنفسها. ثم قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾، أي: يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله، كقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. ثم قال: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [¬١]﴾، يعني أنهم من جُبنهم وهَلَعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإِسلام بالمبارزة والمقابلة، بل إما في حصون أو من وراء جدار [¬٢] محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة. ثم قال: ﴿بَأْسُهُمْ بَينَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوتهم بينهم شديدة، كما قال: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾؛ ولهذا قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف [¬٣]. قال إبراهيم النخعي: يعني: أهل الكتاب والمنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ثم قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَال أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال مجاهد، والسدي، ومقاتل بن حيان: كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر وقال ابن عباس: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، يعني: يهود بني قينقاع. وكذا قال قتادة، ومحمد بن إسحاق. وهذا القول أشبه بالصواب، فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله ﷺ قد أجلاهم قبل هذا. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم [بالذين وعدوهم] [¬٤] النصر من المنافقين، وقول المنافقين لهم: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾، ثم لما حقت الحقائق وجَدّ بهم الحصار والقتال، تخلوا [¬٥] عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول

стр. 6135

للإنسان -والعياذ بالله- الكفر، فإذا دخل فيما سوله له [¬١] تبرأ منه وتنصل، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. وقد ذكر بعضهم هاهنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها، فقال ابن جرير (٦٢): حدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شُمَيل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نَهيك؛ قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: إن راهبًا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإِخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها. قال: فجاءوا بها إليه فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يومًا عندها إذ أعجبته، فأتاها فحبلت [¬٢]، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك [¬٣] أعييتني، أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدة فسجد له، فلما سجد له قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. وقال ابن جرير (٦٣): حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، بن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب قال: "فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق [¬٤] يسمع قولك. فقتلها ثم دفنها، قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام فقال لهم: إن الراهب صاحب [¬٥] الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكَذا. فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحَة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا بل قصها علينا، قال: فقصها. فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك! فقالوا: والله [¬٦] ما هذا إلا لشيء، قال: فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه

стр. 6136

فانزلوه، ثم انطلقوا به فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيرى، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه. قال: فسجد له، فلما أتوا به ملكهم تَبَرأ منه، وأُخِذَ فقتل. وكذا روي عن ابن عباس، وطاوس، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا، والله أعلم. وهذه القصة مخالفة لقصة جُريَج العابد، فإن جريجًا اتهمته [¬١] امرأة بَغِيٌّ بنفسها، وادعت أن حملَها منه، ورفعت أمره إلى وليّ الأمر، فأمر به فأنزل [من صومعته] [¬٢] وخُربت صومعته وهو يقول: ما لكم؟ ما لكم؟ فقالوا: يا عدو الله فعلت بهذه المرأة كذا وكذا. فقال جريج: اصبروا. ثم أخذ ابنها وهو صغير جدًّا ثم قال: يا غلام، من أبوك؟ فقال [¬٣]: أبي الراعي - وكانت قد أمكنته من نفسها فحملت منه، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك عظموه كلهم تعظيمًا بليغًا وقالوا: نعيد صومعتك من ذهب. قال: لا، بل أعيدوها من طين كما كانت. وقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَينِ فِيهَا﴾، أي: فكان عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له، ومصيرهما [¬٤] إلى نار جهنم خالدين فيها، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، أي: جزاء كل ظالم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ قال الإمام أحمد (٦٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحَيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه؛ قال: كنا [¬٥] عند - رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عُرَاة محتابي النمار -أو: العَبَاء [¬٦]- متقلدي

стр. 6137

السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغير وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام الصلاة، فصلى ثم خطب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾، وقرأ الآية التي في الحشر: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من ماع تمره،" حتى قال: "ولو بشق تمرة". قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرة كادت كفه تَعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله ﷺ يتهلل وجهه كأنه مُذْهَبة فقال رسول الله ﷺ : "مَن سن في الإِسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها به بعده من غير أن ينقُص من أجورهم شيء، ومن سن في الإِسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". انفرد بإخراجه مسلم (٦٥)، من حديث شعبة بإسناده مثله: فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أمر بتقواه، وهي تشمل فعل ما أمر، وترك ما عنه زجر". وقوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعَرضكم على ربكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تأكيد ثان، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى [¬١] عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه [¬٢] من أموركم جليل ولا حقير. وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: لا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل لمصالح [¬٣] أنفسكم التي [¬٤] تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي: الخارجون من [¬٥] طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ

стр. 6138

أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٦٦): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجدة الحوطي، حدثنا [أبو المغيرة]، حدثنا حَريز [¬١] بن عثمان، عن نعيم بن نَمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق ﵁: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟ فمن استطاع أن ينقضي [¬٢] الأجل وهو في عمل الله فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله إن قومًا جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصونها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستنصحوا كتابه وبيانه [¬٣]. إن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ [¬٤] كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، لا خير في قول لا هاديه وجه الله ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله. ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم. هذا إسناد جيد، و [¬٥] رجاله كلهم [¬٦] ثقات، وشيخ حريز [¬٧] بن عثمان [¬٨]- وهو نعيم بن نمحة -. لا أعرفه بنفي ولا إثبات، غير [¬٩] أن أبا داود السجستاني قد حكم بأن شيوخ حَريز [¬١٠] كلهم ثقات. وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أخر، والله أعلم. وقوله: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله يوم القيامة، كما قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾. الآية. وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. في آيات أخر دالات على أن الله سبحانه يكرم الأبرار، ويهين الفجار، ولهذا قال هاهنا:

стр. 6139

﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. أي: الناجون المسلمون من عذاب الله . ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ يقول تعالى معظِّمًا لأمر القرآن ومبينًا علوَّ قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأَكيد: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. أي: فإذا كان الجبل في غلظه وقساوته لو أفهم [¬١] هذا القرآن فتدبر ما فيه، لخشع وتصدع من خوف الله فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع، وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. قال العوفي: عن ابن عباس في قوله ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ. .﴾ إلى آخرها، يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حَمّلته إياه، لتصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله. فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع. ثم قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهكم يتفكرون. وكذا قال قتادة وابن جرير. وقد ثبت في الحديث المتواتر (٦٧) أن رسول الله ﷺ لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما

стр. 6140

وضع، وجاء النبي ﷺ ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حَنَّ الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يُسَكَّنُ [¬١]، لما كان يُسَمع من الذكر والوحي عنده. ففي بعض روايات هذا الحديث: قال الحسن البصري بعد إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله ﷺ من الجذع. وهكذا هذه الآية الكريمة، إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته، لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. الآية. وقد تَقَدم أن معنى ذلك: أي لكان هذا القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة، أي: يعلم جميع الكائنات المشاهَدات لنا والغائبات عنا فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات. وقوله: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا. والمراد: انه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ﴾ وقال: ﴿عَلَيكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ [فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ أي: المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة. وقوله: ﴿الْقُدُّوسُ﴾] [¬٢] قال وهب بن منبه: أي الطاهر. وقال مجاهد، وقتادة: أي المبارك. وقال ابن جريج: تقدسه الملائكة الكرام. ﴿السَّلَامُ﴾ [¬٣] أي: من جميع العيوب والنقائص؛ بكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.

стр. 6141

وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾، قال الضحاك، عن ابن عباس: أمن [خلقه مرد] [¬١] أن يظمهم. وقال قتادة: أمَّن بقوله إنه حق. وقال ابن زيد: صدَّق عبادَه المؤمنين في إيمانهم له. وقوله: ﴿الْمُهَيمِنُ﴾، قال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [¬٢]﴾. وقوله: ﴿أَفَمَنْ [¬٣] هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الآية. وقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، أي: الذي قد عَزّ كل شيء فقهره، وغلب الأشياء فلا ينال جنابه، لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه، ولهذا قال: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾، أي [¬٤]: الذي لا تليق الجَبْرية إلا له، ولا التكبر إلا لعظمته، كما تقدم في الصحيح (٦٨): " العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته". وقال قتادة: الجبار: الذي جبر خلقه على ما يشاء:. وقال ابن جرير: الجبار: المصلحُ أمورَ خلقه، المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم. وقال قتادة: المتكبر، يعني: عن كل سوء. ثم قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الخلق: التقدير، والبَراء [¬٥]: هو الفري، وهو: التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله . قال الشاعر يمدح آخر: ولأنت تَفري ما خَلَقتَ وبعضُ … القوم يخلق ثم لا يَفْري أي: أنت تنفذ ما خلقت، أي: قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد. فالخلق: التقدير، والفري: التنفيذ. ومنه يقال: قدر الجلاد ثم فَرَى، أي: قطع على ما قدره بحسب ما يريده. وقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، أي: الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن،

стр. 6142

فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار، كقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، ولهذا قال: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾، أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها. وقوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، قد تقدم الكلام على ذلك في "سورة الأعراف"، وذكر الحديث المروي في الصحيحين (٦٩) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" .. وتقدم سياق الترمذي (٧٠) وابن ماجة له (٧١)، عن أبي هريرة أيضًا، وزاد بعد قوله: "وهو وتر يحب الوتر" -واللفظ للترمذي-: "هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ [¬١]، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقِيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدي، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع [¬٢]، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور. وسياق ابن ماجة بزيادة ونقصان، وتقديم وتأخير، وقد قدمنا ذلك مبسوطًا مطولًا بطرقه وألفاظه، بما أغنى عن إعادته هنا وقوله: ﴿[يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ] [¬٣] وَالْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، أي: فلا

стр. 6143

يرام جَنَابه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في شرعه وقدره. وقد قال الإِمام أحمد (٧٢): حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا خالد -يعني: ابن طهمان، أبو العلاء [¬١] الخَفَّاف- حدثنا نافع بن أبي نافع، عن مَعقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال: "من قال حين يصبح ثلاث مراث: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث [¬٢] آيات من آخر سور الحشر، وَكَّل الله به سبعين [¬٣] ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا. ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة" ورواه الترمذي (٧٣) عن محمود بن غيلان، عن أبي أحمد الزبيري، به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. [آخر تفسير سورة الحشر]. * * * *

стр. 6144

تفسير سورة الممتحنة وهي مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾ كان سبب نزول صدر هذه السورة [¬١] الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلًا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان. فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي ﷺ المسلمين [بالتجهز لعدوهم] [¬٢]، وقال: "اللَّهم عَمِّ عليهم خبرنا" (١). فعمد حاطب هذا فكتب كتابًا، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ ليتخذ بذلك عندهم يدًا، فأطلع الله رسوله على ذلك، استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في الحديث المتفق على صحته؛ قال الإِمام أحمد (٢):

стр. 6145

حدثنا سفيان، عن عَمْرو [¬١]، أخبرني حَسَن بن محمد بن عليّ، أخبرني عُبيد [¬٢] الله ابن أبي رافع، وقال مرة: إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره: أنه سمع عليًّا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها"، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قلنا لتخرجن الكتاب أو، لنْلقين الثياب. قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ . فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "يا حاطب؛ ما هذا؟ " قال: لا تعجل عليَّ، إني كنت امرأ مُلصَقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضي [¬٣] بالكفر بعد الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ : "إنه صَدَقكم" فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لَعَلَّ [¬٤] الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم". وكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة (٣) من عير وجه عن سفيان بن عيينة، به. وزاد البخاري (٤) في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.

стр. 6146

و [¬١] قال في كتاب التفسير (٥): قال عمرو: ونزلت فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال: لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو. قال البخاري (٦): قال عليّ -يعني: ابن المديني-: قيل لسفيان: في هذا نزلت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؟ فقال سفيان: هذا في حديث الناس، حفطته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أرى أحدًا حفظه غيري. وقد أخرجاه في الصحيحين (٧) من حديث حُصَين بن عبد [¬٢] الرحمن، عن سعد بن عُبَيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ، قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرْثد، والزبير بن العوام، وكلنا فارس، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب إلى المشركين". فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ ، فقلنا: الكتابُ؟ فقالت: ما معي كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابًا، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ ! لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة [¬٣] بكساء فأخرجته. فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله؟ قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فَلأضرِبْ عنقه. فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله، أردت أن تكون لي عند القوم يَدٌ [¬٤] يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هنالك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال: "صَدَق، لا تقولوا له إلا خيرًا". فقال عمر: إنه قد [¬٥] خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فَلأضربْ عنقه. فقال: "أليس [] [¬٦]، من أهل بدر؟ فقال: "لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة"، أو: "قد غفرت لكم" فدمعَت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. هذا لفظ البخاري في "المغازي" في غزوة بدر، وقد روي من وجه آخر عن علي، قال ابن أبي حاتم (٨):

стр. 6147

حدثنا عليّ بن الحسن [¬١] الهسنجاني، حدثنا عبيد [¬٢]، بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان -هو: سعيد بن سنان- عن عمرو بن مُرَّة الجَمَلي، عن أبي [] [¬٣]، البختري الطائي، عن الحارث، عن علي، قال: لما أراد النبي ﷺ أن، يأتي مكة، أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: أن رسول الله ﷺ يريدكم. فأخْبِر رسول الله ﷺ ، قال: فبعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرْثد، وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: "ائتوا روضة خاخ، فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها". فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذَكَر رسول الله ﷺ فقلنا لها: هات الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فوضعنا متاعها، وفتشناها فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها. فقلت: ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا. فقلنا لها: لتخرجِنَّه أو لنُعرينَّك. فقالت: أما تتقون الله؟! ألستم مسلمين؟! فقلنا: لتخرجنه أو لنعرينك، قال عمرو بن مرة: فأخرجته من حُجزتها، وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته من قُبُلها. فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، فقام عمر فقال: يا رسول الله، خان الله ورسوله، فَأذَن لي فلأضرب عنقه. فقال رسول الله: "أليس قد شهد بدرًا؟ " قالوا: بلى. قال عمر: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك. فقال رسول الله ﷺ : "فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، إني بما تعلمون بصير". ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. فأرسل رسول الله - صلى الله غليه وسلم - إلي حاطب فقال: "يا حاطب، ما حملك على ما صنعت؟ ". فقال: يا رسول الله، إني كنت امرأ مُلصَقًا في قريش، وكان لي بها مال وأهل، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك ووالله -يا رسول الله- إني لمؤمن بالله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : "صدق حاطب، فلا تقولوا، لحاطبا إلا خيرًا" - قال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ.﴾ الآية. هكذا رواه ابن جرير (٩) عن ابن حميد عن مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان بإسناد [¬٤]

стр. 6148

مثله. وقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير، فقال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة (١٠): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير [¬١] إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه إلى امرأة - زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها. سارة، مولاة لبني عبد المطلب - وجعل لها جُعلًا على أن تبلغة قُريشًا فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم". فخرجا حتى أدركاها بالخُلَيفة - خليفة بني [¬٢] أبي أحمد - فاستنزلاها بالخليفة، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئًا فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله وما كذبنا ولتخرجني لنا هذا الكتاب أو لنكشفنَّك. فلما رأت الجدّ منه قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ فدعا رسول الله حاطبًا فقال: "يا حاطب؟ ما حملك على هذا؟ ". فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غَيرت ولا بَدّلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولَدٌ وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فَلأضربْ عنقه، فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله ﷺ : "وما يدريك يا عمر! لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. فأنزل الله في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ

стр. 6149

وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. … ﴾. إلى آخر القصة. وروى معمر (١١)، عن الزهري، عن عروة نحو ذلك. وهكذا ذكر مقاتل بن حيان: أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة: أنه بعث سارة مولاة بني هاشم، وأنه أعطاها عشرة دراهم، وأن رسول الله ﷺ بعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ فأدركها بالجحفة … وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم. وعن السدي قريب منه. وهكذا قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، وغير واحد: إن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي [¬١] بلتعة. فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله والمؤمنين [¬٢] الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم [¬٣]، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ] [¬٤] إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ولهذا قَبل رسول الله ﷺ عُذْرَ: حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٢). حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [¬٥]، سمعت حُذيفة يقول: ضَرَب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا:

стр. 6150

واحدًا وثلاثة، وخمسة وسبعة، وتسعة، وأحد عشر - قال: فضرب لنا منها مثلًا وترك سائرها، قال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فَعَمَدوا إلى عَدوهم فاستعملوهم وسلّطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه". وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم [¬١] عندهم ذنب إلا إيمانكم [¬٢] بالله رب العالمين، كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وكقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا﴾. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾، أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حَنَقًا عليكم وسخطًا لدينكم. وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا [¬٣] فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، أي: ويحرصون على أن لا تنالوا خيرًا، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضًا. وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: قراباتكم [¬٤] لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخَسِر وضَل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبًا إلى نبي من الأنبياء، قال الإِمام أحمد (١٣):

стр. 6151

حدثنا عفان، حدثنا حمَّاد عن ثابت [¬١] عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قَفَّى [¬٢] دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار". ورواه مسلم (١٤) وأبو داود من حديث حماد بن سلمة به. ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾ يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، أي: وأتباعه الذين آمنوا معه، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ [¬٣] إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾، أي: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقتكم [¬٤]، ﴿وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، يعني: وقد شُرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبدًّا نتبرأ منكم ونبغضكم، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، أي: إلى أن تُوحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأنداد والأوثان. و [¬٥] قوله تعالى: ﴿إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي: لكم في إبراهيم وقومه

стр. 6152

أسوة حسنة تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ويقولون إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ ". وقال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿قَدْ كَانَتْ [¬١] لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ] [¬٢]﴾ - إلى قوله تعالى- ﴿إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾. أي: ليس لكم في ذلك أسوة. أي في الاستغفار للمشركين هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل [بن حيان] [¬٣] والضحاك وغير واحد. ثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم فلجئوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا ﴿رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ [أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك، وإليم المصير:] [¬٤] أي المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه واختاره ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لا تسلطهم علينا فيفتنونا. وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بينا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ [¬٥]: الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك. ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضًا لأن هذه الأسوة المثبتة [¬٦] هاهنا هي الأولى بعينها. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. تهييج إلى ذلك [لكل مؤمن] [¬٧] بالله والمعاد، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ

стр. 6153

الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال عدي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار، والحميد المستحمد إلى خلقه أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله [¬١] غيره ولا رب سواه. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي: محبة بعد البِغضَة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾، أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقَساوة، فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنًا على الأنصار: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا … ﴾ الآية. وكذا قال لهم النبي ﷺ : "ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ " (١٥). وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي الحديث "أحبِبْ حَبيبَكَ هونًا مَا، فعسى أن يكونَ بغيضَكَ يومًا ما. وأبغِض بغَيضك هونًا ما، فعسى أن يكون حبيبك يومًا ما" (١٦).

стр. 6154

[وقال الشاعر:] [¬١] وقَد يجمعُ الله الشتِيتَين بعدما … يظنان كل الظنِّ أن لا تلاقيا وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه، من أيّ ذنب كان. وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب، فإن رسول الله ﷺ تزوج ابنته، فكانت هذه مودة ما بينه وبينه. وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر، فإن رسول الله تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف. واحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم (١٧) حيث قال: قُرئ على محمد بن عَزيز: حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ أقبل فلقي ذا الخمار مرتدًّا، فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين - قال ابن شهاب: وهو ممَّن [¬٢] أنزل الله فيه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفي صحيح مسلم (١٨)، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث

стр. 6155

أعطيهنّ [¬١] قال: "نعم" قال: تُؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: "نعم". قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك قال: "نعم" [] [¬٢]. قال: وعندي أحسن العرب وأجمله [¬٣]، أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها … الحديث، وقد تقدم الكلام عليه. وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا ينهاكم عن الإِحسان إلى الكفرة الله الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، أي: تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ﴾، أي: تعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. قال الإمام أحمد (١٩): حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت

стр. 6156

المنذر، عن أسماء - هي بنت أبي بكر ﵄ قالت: قَدمَت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن امي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: "نعم، صلي أمك". أخرجاه (٢٠). وقال الإِمام أحمد (٢١): حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنة أبي بكر بهدايا: [صِنَاب وأقط] [¬١] وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ.﴾. إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها. وهكذا رواه ابن جرير (٢٢) وابن أبي حاتم، من حديث مصعب بن ثابت، به. وفي رواية لأحمد وابن جرير (٢٣): " قُتَيلة بنت عبد [¬٢] العزى بن عبد [¬٣] أسعد، من بني مالك بن حسل". وزاد ابن أبي حاتم: "في المدة التي كانت بين قريش، ورسول الله ﷺ ". وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (٢٤): حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأسماء أنهما قالتا: قَدِمَتْ علينا أُمُّنا المدينة، وهي مشركة، في الهدنة التي كانت بين قريش وبين رسول الله ﷺ فقلنا:

стр. 6157

يا رسول الله؛ أن أمنا قدمت علينا المدينة [¬١] راغبةً، أفنصلها. قال: "نعم، فَصِلاها". ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه [¬٢] يروى عن الزهري عن عروة عن عائشة إلا من هذا الوجه. قلت: وهو منكر بهذا السياق، لأن أم عائشة هي أم رومان، وكانت مسملة مهاجرة، وأم أسماء غيرها، كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: تقدم تقدير ذلك في "سورة الحجرات". وأورد الحديث الصحيح: "المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش: الذين [يعدلون في حكمهم] [¬٣]، وأهاليهم، وما وَلُوا" (٢٥). وقوله ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذي ناصبوكم بالعداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾ تقدم في "سورة الفتح" ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله - صلى الله عليه

стр. 6158

وسلم - وبين كفار قريش، فكان فيه: "على أن لا يأتيك منا رجل [¬١]- وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا". وفي رواية: "على أنه لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا". وهذا قول عروة، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد، والزهري، ومقاتل، والسدي، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن عَلِموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن. وقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي [¬٢] أحمد بن جحش، من المسند الكبير (٢٦)، من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن يحيى الذهلي، عن يعقوب بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن مُجمَع بن يعقوب، عن [حسين بن السائب بن أبي لُبابة] [¬٣]، عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط في الهجرة، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، ومنعهن أن يُرْدَدْنَ [¬٤] ابن المشركين، وأنزل الله آية الامتحان. قال ابن جرير (٢٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حُصَين، عن أبي نصر الأسدي قال: سُئِل ابنُ عباس: كيف كان امتحانُ رسول الله ﷺ النساء؟ قال: كان يمتحنهن: بالله ما خَرجت من بُغض زوج؟ وبالله ما خَرجت رَغبةً عن أرض ابن أرض؟ وبالله ما خرجت التماس دنيا؟ وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ولرسوله. ثم رواه من وجه آخر، عن الأغر بن الصباح، به (٢٨). وكذا رواه البزار (٢٩) من طريقه، وذكر فيه [¬٥] أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول

стр. 6159

الله ﷺ له عمر بن الخطاب. وقال العوفي، عن ابن عباس في قول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله. وقال مجاهد: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: فاسألوهن: ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن غضبٌ على أزواجهن أو سَخطة أو غيره، ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن. وقال عكرمة: قال لها: ما جاء بك إلا حب الله، ورسوله؟ وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك؟ فذلك قوله ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾. وقال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله: ما أخرجكن النشوز؟ وما أخرجكن إلا حب الإِسلام وأهله وحِرص عليه؟ فإذا ألق ذلك قُبِل ذلك منهن. وقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: فيه دلالة على أن الإِيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا. وقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: هذه الآية هي التي حَرَّمَت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في أعداء الإِسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو [¬١] العاص بن الربيع زوج ابنة النبي - صلى الله، عليه وسلم - زينب ﵂ وقد كانت مسلمة وهو على دين، قومه، فلما رآها في الأسارى هم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول الله ﷺ رَقّ لها رقَّةً شديدة وقال للمسلمين: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا" ففعلوا [¬٢] "، فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة ﵁ فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين [¬٣] إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان [فردها عليها] [¬٤] بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقًا (٣٠).

стр. 6160

كما قال الإِمام أحمد (٣١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صَدَاقًا. ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. ومنهم من يقول: "بعد سنتين". وهو صحيح، لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين. وقال الترمذي (٣٢): " ليس إسناده بأس، ولا نعرف وجه هذا الحديث، و [¬١] لعله جاء من حفظ داود بن الحصين … وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت زيد [¬٢] بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث، وحديثَ الحجاج -يعني ابن أرطأة- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد فقال يزيد: حديث ابن عباس أجودُ إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. قلت: وقد رَوَى حديث الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب الإمامُ أحمدُ (٣٣) والترمذي وابن ماجة. وضعفه الإمام أحمد وغير واحد، والله أعلم.

стр. 6161

وأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين يحتمل أنه لم تنقض عِدَتُها منه؛ لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم؛ انفسخ نِكاحُها منه. وقال آخرون: بل إذا انقضت العدّة هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم. وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ يعني: أزواجَ المهاجرات من المشركين، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن [¬١] من الأصدقة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وغير واحد. وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: يعني إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن، أي: تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك. وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: تحريم من الله على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات، والاستمرار معهن. وفي الصحيح (٣٤)، عن الزهري، عن عروة، عن المسور و [¬٢] مَرْوان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاء نساءٌ من المؤمنات، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوانُ بن أمية.

стр. 6162

وقال ابن ثَور (٣٥)، عن معمر، عن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بأسفل الحديبية، حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاء النساء نزلت هذه الآدة، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن هدوا الصداق إلى زوجها، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك، لأجل ما كان بينهم وبينهم [¬١] من العهد. وقال محمد بن إسحاق (٣٦)، عن الزهري: طلق عمر يومئذ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية - وأمَّ كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم عبيد الله، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما. وطلق طلحةُ بن عبيد الله أروى بنتَ ربيعة [¬٢] بن الحارث بن عبد المطلب، فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص. وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾، أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار، إن ذهبن، وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾، أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله حكم به [¬٣] خلقه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في ذلك. ثم قال: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ - قال مجاهد، وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا فرت [¬٤] إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئًا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها. وقال ابن جرير (٣٧): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري قال: أقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على

стр. 6163

نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله للمؤمنين به: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأةٌ من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رَدَّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العَقِب اللاتي بأيديهم، الذي [¬١] أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرنَ، ثم ردوا إلى المشركين فضلًا [إن كان بقي لهم] [¬٢]. والعقب: ما كان [بأيدي المؤمنين] [¬٣] من صداق نساء [¬٤] الكفار حين [¬٥] آمنّ وهاجرنَ. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يعني إن لحقت [¬٦] امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله ﷺ أنه يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق. وهكذا قال مجاهد: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، يعني: مهر مثلها. وهكذا قال مسروق، وإبراهيم، وقتادة، ومقاتل، والضحاك، وسفيان بن حسين، والزهري أيضًا. وهذا لا ينافي الأول؛ لأنه إن أمكن، الأول فهو أولي، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار. وهذا أوسع، وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) قال البخاري (٣٨): حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، في عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية:

стр. 6164

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ - قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ : "قد بايعتك". كلامًا، ولا والله ما مست يده يد امرأة قَطٌّ في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك". هذا لفظ البخاري. وقال الإِمام أحمد (٣٩): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رُقَيقة [¬١] قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: أن لا نشرك بالله شيئًا … الآية. وقال: "فيما استطعتن وأطقتن". قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة". هذا إسناد صحيح، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة - والنسائي أيضًا من حديث الثوري - ومالك بن أنس كلهم، عن محمد بن المنكدر به. وقال الترمذي: "حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر". وقد رواه أحمد أيضًا (٤٠) من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة، به. وزاد: "ولم يصالح منا امرأة". وكذا رواه ابن جرير (٤١) من طريق موسى بن عقبة عن محمد ابن المنكدر به. ورواه ابن أبي حاتم (٤٢) من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر [¬٢] حدثتني أميمة بنت رقيقة - وكانت أخت خديجة خالة فاطمة، من فيها إلى فيَّ … فذكره. وقال الإِمام أحمد (٤٣): حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط

стр. 6165

ابن أيوب بن الحكم بن سُلَيم، عن أمه سلمى بنت قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا،، لا نعصيه في معروف- قال: "ولا تغشُشْنَ أزواجكن". قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي فسلي رسول الله ﷺ : ما غش أزواجنا؟ قال: فسألته فقال [¬١]: "تأخذ ماله، فتحابي به غيره". وقال الإِمام أحمد (٤٤): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قُدامة -يعني ابن مظعون- قالت: أنا مع أمي رائطة [بنت سفيان] [¬٢] الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: "أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين ولا تلقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف". [قالت: فأطرقن. فقال لهن النبي ﷺ :] [¬٣] "قلن نعم فيما استطعتن". [فكنَّ يلقن] [¬٤] وأقول معهن، وأمي [تلقنني: قولي] [¬٥]-أي بنية؛ نعم [فيما استطعتُ] [¬٦] فكنت أقول كما يقلن. وقال البخاري (٤٥): حدثنا أبو [¬٧] معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايَعنا، رسولَ الله ﷺ فقرأ علينا:
следующие страницы →