عذر.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: هذا الذي أمرناكم به من الإِشهاد وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ويخاف عقاب الله في الدار الآخرة.
ومن هاهنا ذهب الشافعي -في أحد قوليه- إلى وجوب الإِشهاد في الرجعة، كما يجب عنده [¬١] في ابتداء النكاح. وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإِشهاد عليها.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أي: ومن يتق الله فيما أمره [¬٢] به وتَرَك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله.
قال الإِمام أحمد (١٠): حدثنا يزيد، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو عَليَّ هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، حتى فرغ من الآية، ثم قال: "يا أبا ذر؛ لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم". قال: فجعل يتلوها ويُرددها عليَّ حتى نَعَست، ثم قال: "يا أبا ذر؛ كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ ". قال [¬٣]: قلت: إلى السعة والدّعَة أنطلق، فأكون حمامة من حمام مكة. قال: "كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ " قال: قلت: إلى السعة والدّعة، إلى الشام والأرض المقدسة. قال: "وكيف تصنع إن أُخرجتَ من الشام؟ ". قلت: إذًا -والذي بعثك بالحق- أضع سيفي على عاتقي. قال: "أوخير من ذلك؟ ". قلت: أوخير من ذلك؟! قَال: "تسمع وتطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي [¬٤]، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن شُتَير [¬٥] بن شَكل؛ قال: سمعت عبد الله بن مسعود؛ يقول: إن أجمع آية في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإن أكثر آية في القرآن فرجًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
стр. 6232
وفي المسند (١١) حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكثر من الاستغفار جعل الله له [¬١] من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وقال الربيع بن خثيم: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ أي: من كل شيء ضاق علي الناس، [وقال عكرمة: من طلق كما أمره الله جعل له مخرجًا، وكذا روي عن ابن عباس، والضحاك] [¬٢].
وقال ابن مسعود، ومسروق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يعلم أن الله إن شاء منع، وإن شاء أعطى ﴿مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أي: من حيث لا يدري.
وقال قتادة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، أي: من شبهات الأمور والكرب عند الموت، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، [ومن] [¬٣] حيث لا يرجو أو لا يأمل.
وقال السدي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ يطلق للسنة ويراجع للسنة، وزعم أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن، وأن المشركين أسروه، فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله ﷺ فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان [¬٤] رسول الله ﷺ يأمره بالصبر، ويقول له [¬٥]: "إن الله سيجعل لك فرجًا". فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا أن انفلت ابنه من أيدي العدو، فمر يغنم من أغنام العدو، فاستاقها فجاء بها إلي أبيه، وجاء معه [بغني] [¬٦] قد أصابه من الغنم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ رواه ابن جرير (١٢)، وروي أيضًا من طريق سالم بن أبي الجعد (١٣) مرسلًا نحوه.
وقال الإِمام أحمد (١٤): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن [¬٧] عبد الله عيسى، عن
стр. 6233
عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد لَيُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبُه، ولا يرد القدَر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر". [من حديث سفيان -وهو الثوري- به] [¬١].
وقال محمد بن إسحاق (١٥): جاء مالك الأشجعي إلي رسول الله ﷺ فقال له: أسر ابني عوف. فقال له رسول الله ﷺ : "أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله". وكانوا قد شدوه بالقدّ فسقط القِدُّ عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا [¬٢] شدوه فصاح بهم، فاتبع أولها آخرها، فلم يفجَأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عَوفٌ ورب الكعبة. فقالت أمه: وا سوأتاه، وعوف [كيف يقدم] [¬٣] لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقص عل أبيه أمره وأمر الإِبل، فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها. فأتي رسول الله ﷺ فأخبره بخبر عوف وخبر الإِبل، فقال له رسول الله ﷺ : "اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعًا بمالك". ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم (١٦): حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق [¬٤]، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض عن هشام بن الحسن عن عمران بن حُصَين، قال: قال رسول الله ﷺ : "من انقطع إلي الله كفاه الله كل مَئُونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلي الدنيا وَكَله إليها".
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قال الإمام أحمد (١٧): حدثنا يونس، حدثنا ليث، حدثنا قيس بن الحجاج، عن حَنَش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس، أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال له [¬٥] رسول الله صلى الله عليه
стр. 6234
وسلم: "يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ الله [يحفظك، احفظ الله] [¬١] تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمه لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء [قد كتبه الله لك] [¬٢]، ولو اجتمعوا علي أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء [قد كتبه الله عليك] [¬٣]، رفعت الأقلام، وجفت الصحف". وقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد، وابن لهيعة به [¬٤]، وقال: "حسن صحيح".
وقال الإمام أحمد (١٨): حدثنا وكيع، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ : "من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قَمنًا أن لا تُسَهَّلَ حاجته، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل، أو بموت آجل".
ثم رواه (١٩) عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن بشير، عن سيار أبي حمزة، ثم قال: وهو الصواب، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، أي: منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾، كقوله: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾.
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾
يقول تعالى مبينًا لعدة الآيسة -وهي التي قد انقطع عنها الحيض لكبرها-: إنها ثلاثة
стр. 6235
أشهر، عوضًا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض، كما دلت على ذلك آية "البقرة"، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن [¬١] الحيض: إن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
وقوله: ﴿إن ارتبتم﴾ فيه قولان:
أحدهما- وهو قول طائفة من السلف، كمجاهد، والزهري، وابن زيد -أي: إن رأين دمًا وشككتم في كونه حيضًا أو استحاضة، وارتبتم فيه.
والقول الثاني: إن ارتبتم في حكم عدتهن، ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر. وهذا مروي عن سعيد بن جبير، و [هو] [¬٢] اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى، وَاحتَجّ عليه بما رواه (٢٠) عن أبي كريب وأبي السائب؛ قالا: حدثنا ابن إدريس، أخبرنا مطرف، عن عمرو بن سالم؛ قال: قال أبيّ بن كعب: يا رسول الله، إن عِدَدًا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال. قال: فأنزل الله : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
ورواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق؛ فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن مُطَرِّف، عن عمر بن سالم، عن أبي بن كعب؛ قال: قلت لرسول الله ﷺ : إن ناسًا من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في "البقرة" في عدة النساء؛ قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدَدٌ لم يُذكَرْنَ في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل. قال: فأنزلت التي في النساء القصري: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ [فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ] [¬٣]﴾.
وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يقول تعالى: ومن كانت حاملًا فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت [بفُواق ناقة] [¬٤]، في قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة، [و] [¬٥] كما وردت به السنة النبوية. وقد رُوي عن علي، وابن عباس ﵃ أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع أو الأشهر، عملًا بهذه الآية الكريمة والتي في سورة البقرة، وقد قال
стр. 6236
البخاري (٢١):
حدثنا سعد [¬١] بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيي؛ قال: أخبرني أبو سلمة؛ قال: جاء رجل إلي ابن عباس -وأبو [¬٢] هريرة جالس- فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا [إلى أم سلمة] [¬٣] يسألها، فقالت: قُتِل زوج سُبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله ﷺ ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها.
هكذا أورد البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرًا، وقد رواه هو ومسلم، وأصحاب الكتب مطولًا من وجوه أخر. وقال الإمام أحمد (٢٢):
حدثنا حماد بن أسامة، أخبرنا هشام، عن أبيه، عن المسْور بن مَخْرَمَة؛ أن سُبَيعَة الأسلمية تُوُفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تَعَلَّت من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح، فأذن لها أن تُنْكَح، فنُكحت. ورواه البخاري (٢٣) في صحيحه، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة من طرق عنها، كما قال مسلم بن الحجاج:
حدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة؛ أن أباه كتب إلي عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سُبَيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعمَّا قال لها رسول الله صلى
стр. 6237
الله عليه وسلم حين استفتته. فكتب عُمر بن عبد الله يخبره أن سبيعة [أخبرته] [¬١]؛ أنها كانت تحت سَعد [¬٢] بن خَولة -وكان ممن شهد بدرًا- فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تَنشَب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعَلَّت من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك تَرجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تَمرّ عليك أربعة أشهر وعشرٌ [¬٣]. قالت سُبَيعة: فلما قال لي ذلك جَمعتُ عليّ ثيابي حين أمسيتُ فأتيتُ رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللْت حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزوج [¬٤] إن بدا لي.
هذا لفظ مسلم، ورواه البخاري (٢٤) مختصرًا، ثم قال البخاري (٢٥) بعد رواية الحديث الأول عند هذه الآية:
وقال سليمان بن حرب، وأبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، هو ابن سيرين، قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى، ﵀، وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين، فحدّثتُ بحديث سُبَيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة، قال: [فَضَمَّزَلي] [¬٥] بعض أصحابه، قال محمد: ففطنت له فقلت: إني لجريءٌ أن أكذب على عبد الله وهو في ناحية الكوفة؛ قال: فاستحيا [و] [¬٦] قال: لكن عَمّه لم يقل ذلك، فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته، فذهب يحدثني بحديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئًا؟ فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
[ورواه ابن جرير (٢٦)، من طريق سفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية، عن أيوب به مختصرًا] [¬٧].
стр. 6238
ورواه النسائي (٢٧) في التفسير، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن [¬١]، عون، عن محمد بن سيرين، فذكره.
وقال ابن جرير (٢٨): حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني ابن شَبْرَمة الكوفي، عن إبراهيم، عن علقمة [¬٢] بن قيس أن عبد الله بن مسعود؛ قال: من شاء لاعنتُه، ما نزلت ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها. قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت. يريد بآية المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقد رواه النسائي من حديث سعيد بن أبي مريم به، ثم قال ابن جرير (٢٩):
حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي؛ قال [¬٣]: ذُكرَ عند ابن مسعود آخر الأجلين، فقال: من شاء قاسمته بالله أن هذه الآية التي في النساء القصرى نزلت بعد الأربعة الأشهر [¬٤] والعشر، ثم قال: أجل الحامل أن تضع ما في بطنها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحي، عن مسروق؛ قال: بلغ ابن مسعود أن عليًّا ﵁ يقول: آخر الأجلين. فقال: من شاء لاعنته، إن التي في النساء القصري نزلت بعد البقرة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
ورواه أبو داود وابن ماجة (٣٠) من حديث أبي معاوية عن الأعمش.
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد (٣١): حدثني محمد بن أبي بكر المقدّمي، أخبرنا عبد الوهاب
стр. 6239
الثقفي، حدثني المثني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بن كعب؛ قال: قلت للنبي ﷺ : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: المطلقة ثلاثًا أو المتوفى عنها زوجها [¬١]؟ فقال: هي المطلقة ثلاثًا والمتوفي عنها.
هذا حديث غريب جدًّا، بل منكر؛ لأن في إسناده المثنى بن الصباح، وهو متروك الحديث بِمرة، ولكن رواه ابن أبي حاتم بسند آخر، فقال:
حدثنا محمد بن داود السمناني، حدثنا عمرو بن خالد -يعني الحراني- حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن السيب، عن أبيّ بن كعب؛ أنه لما نزلت هذه الآية قال لرسول الله ﷺ : لا أدري أمشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله ﷺ : "آية آية؟ " قال: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، المتوفى عنها والمطلقة؟ قال: "نعم".
وكذا رواه ابن جرير (٣٢)، عن أبي كريب، عن موسى بن داود، عن ابن لهيعة به. ثم رواه عن أبي كريب أيضًا، عن مالك بن إسماعيل، عن ابن عيينة، في عبد الكريم بن أبي المخارق؛ أنه حدث عن أبي بن كعب؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قال: "أجَل كل حامل أن تضع ما في بطنها".
عبد الكريم هذا ضعيف ولم يدرك أبيًّا.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، أي: يسهل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا عاجلًا.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيكُمْ﴾، أي: حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسوله ﷺ ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، أي: يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثواب على العمل اليسير.
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
стр. 6240
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده إذا طلَّق أحدُهم المرأة أن يُسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها، فقال: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾، أي: عندكم، ﴿من وجدكم﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني: سَعَتكم حتى قال قتادة: وإن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه.
وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾، قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه.
وقال الثوري: عن منصور، عن أبي الضحى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾، قال: يطلقها فإذا بقي يومان راجعها.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قال كثير من العلماء منهم ابن عباس، وطائفة من السلف، وجماعات من الخلف: هذه في البائن، إن كانت حاملًا أنفق عليها حتى تضع حملها. قالوا: بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملًا أو حائلًا.
وقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات، وإنما نص على الإِنفاق [علي الحامل] [¬١] وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدته غالبًا، فاحتيج إلى النص علي وجوب الإِنفاق إلى الوضع، لئلا يتوهم أنه [¬٢] إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة.
واختلف العلماء: هل النفقة لها بواسطة الحمل، أو للحمل وحده؟ علي قولين منصوصين عن الشافعي وغيره، ويتفرع عليها [¬٣] مسائل مذكورة في علم الفروع.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾، أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق، فقد بنّ بانقضاء عدتهنّ، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللَّبَأ -وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للولد غالبًا إلا به- فإن أرضعت استحقت أجرة مثلها، ولها أن تعاقد [أباه أو] [¬٤] وليه على ما يتفقان عليه من أجرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
стр. 6241
وقوله: ﴿وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف، من غير إضرار ولا مضارة [¬١] كما قال في سورة البقرة: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، أي: وإن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلًا ولم توافقه عليه فليسترضع [¬٢] له غيرَها. فلو رَضيت الأم بما استؤجرت عليه الأجنبية فهي أحق بولدها.
وقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، أي: لينفق علي المولود والده، أو وليه، بحسب قدرته: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾، كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾.
قال [¬٣] ابن جرير (٣٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن أبي سنان؛ قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي [¬٤] عبيدة، فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن المام. فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها: فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره، فقال: ﵀، تأول هذه الآية: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٣٤) في معجمه الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، أخبرني أبي أخبرني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن [¬٥] أبي مالك الأشعري -واسمه الحارث- قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة نفر، كان لأحدهم عشرة دنانير، فتصدق منها بدينار. وكان لآخر عشر أواق، فتصدق منها بأوقية [¬٦]. وكان لآخر مائة أوقية، فتصدق منها بعشر أواق". فقال رسول الله ﷺ : "هم في الأجر [¬٧] سواء كلٌّ تصدق بعشر ماله، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ هذا حديث غريب من هذا الوجه.
стр. 6242
وقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: وعدٌ منه تعالى، ووعده حق، وهو لا يخلفه، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) [¬١]﴾.
وقد روي الإمام أحمد (٣٥) حديثًا يحسن أن نذكره هاهنا، فقال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب؛ قال: قال أبو هريرة: بنا رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره، فدخل على امرأته جائعًا قد أصاب مَشغَبةٌ [¬٢] شديدة فقال لامرأته: عندك شيء؟ قالت: نعم، أبشر أتاك [¬٣] رزق الله. فاستحثها، فقال: ويحك، ابتغي إن كان عندك شيء. قالت: نعم، هُنَيهة [¬٤]- ترجو رحمة الله - حتى إذا طال عليه الطوى [¬٥] قال: ويحك؟ قومي فابتغي إن كان عندك شيء فأتيني به، فإني قد بلغت وجَهِدتُ. فقالت: نعم، الآن يُنضج التنور فلا تعجل. فلما أن سكت عنها ساعة وتحيّنت أن يقول لها، قالت من عند نفسها: لو قمتُ فنظرت إلى تَنوري؟ فقامَتْ فنظرت إلى تَنورها ملآن جُنوبَ الغنم، [ورَحييها تطحَنان] [¬٦]. فقامت إلى الرحي فنفَضتها، واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم.
قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد ﷺ : "لو أخذت ما في رَحْييها [¬٧] ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة".
وقال في موضع آخر (٣٦): حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن [¬٨] محمد -هو ابن سيرين- عن أبي هريرة؛ قال: دخل رجل علي أهله، فلما رأي ما بهم من الحاجة خرج إلى البَرية، فلما رأت امرأته قامت إلي الرحي فرضعتها، وإلي التنور فسَجَرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا. فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال [¬٩]: وذهبت إلي التنور فوجدته ممتلئًا، قال: فرجع الزوج، قال: أصبتم بعدي شيئًا؟ قالت امرأته: نعم، من ربنا. قام إلي الرحي، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "أما إنه لو لم ترفعها، لم تزل تدور إلي يوم القيامة".
стр. 6243
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَي النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾
يقول تعالى متوعدًا لمن خالف أمره، وكذب رسله، وسلك غير ما شرعه، ومخبرًا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا [وَرُسُلِهِ] [¬١]﴾، أي: تمردت وطغَت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾، أي: منكرًا فظيعًا.
﴿فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا﴾، أي: غبّ مخالفتها، وندموا حيث لا ينفع الندم، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، أي: في الدار الآخرة، مع ما عَجَّل لهم في الدنيا.
ثم قال بعد ما قَص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: صدقوا بالله ورسله، ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا﴾، يعني القرآن. كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [¬٢]﴾ وقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال بعضهم: ﴿رَسُولًا﴾ منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر.
وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر يعني تفسيرًا له؛ ولهذا قال: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾، أي: في حال كونها بينة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [. أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم. وقد سمى
стр. 6244
الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا؛ لما يحصل به من الهدي، كما سماه روحًا؛ لما يحصل به من حياة القلوب، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [¬١].
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. قد تقدم تفسير مثل هذا غير مَرّة، بما أغنى عن إعادته.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من الدين القويم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، كقوله إخبارًا عن نوح: إنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾. وقال تعالى: ﴿تسبح له السماوات السبع [والأرض ومن فيهن] [¬٢]﴾.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، أي: سبعًا أيضًا، كما ثبت في الصحيحين (٣٧): " من ظلم قيدَ شِبر من الأرضِ طوّقه من سبع أرضين"، وفي صحيح البخاري (٣٨): " خُسِف به إلى سبع أرضين"، وقد ذَكرتُ طرقه وألفاظه وعزوه في أول "البداية والنهاية" عند ذكر خلق الأرض وللَّه الحمد والمنة.
ومن حمل ذلك علي سبعة أقاليم، فقد أبعد النّجعة، وأغرق في النزع [¬٣]، وخالف القرآن والحديث بلا مستند. وقد تقدم في "سورة الحديد" عند قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ذكر الأرضين السبع، وبعد ما بينهن، وكثافة كل واحدة منهن [خمسمائة عام] [¬٤]. وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا الحديث الآخر: "ما السماوات السبع وما
стр. 6245
فيهن وما بينهن والأرضون [¬١] السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة" (٣٩).
وقال ابن جرير (٤٠): حدثنا عمرو بن عليّ، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن مُهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم [¬٢] تكذيبكم بها.
وحدثنا ابن حميد (٤١)، حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القُمّي [¬٣] الأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عباس: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ. . .﴾ الآية، فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر.
وقال ابن جرير (٤٢): حدثنا عمرو بن عليّ، ومحمد بن المثنى؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال عمرو: قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى في حديثه: في كل سماء إبراهيم.
وقد روى البيهقي (٤٣) في كتاب "الأسماء والصفات" هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وحدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا عبيد بن غنام النخعي، أخبرنا عليّ بن حكيم، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وأدم كآم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسي كعيسي.
стр. 6246
ثم رواه البيهقي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قول الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: في كل أرض نحو إبراهيم ﵇.
ثم قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم.
قال الإِمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه "التفكر [¬١] والاعتبار": حدثني إسحاق بن حاتم المدائني، حدثنا يحيى بن سليمان، عن عثمان بن أبي دهرش؛ قال: بلغني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون، فقال: "ما لكم لا تتكلمون؟ " فقالوا: نتفكر في خلق الله . قال: "فكذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه، فإن بهذا المغرب أرضًا بيضاء، نورها ساحتها -أبي قال: ساحتها نورها- مسيرة الشمس أربعين يومًا، بها [خلقٌ من خلقِ] [¬٢] الله لم يعصُوا الله طَرفة عين قطّ". قالوا: فأين الشيطان عنهم؟ قال: "ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق". قالوا: أمن ولد آدم؟ قال: "ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق".
وهذا حديث مرسل، وهو منكر جدًّا، وعثمان بن أبي دهرش ذكره ابن أبي حاتم في كتابه فقال: روي عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص، وعنه سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليم الطائفي، وابن المبارك، سمعت أبي يقول ذلك.
[آخر [تفسير سورة] [¬٣] الطلاق].
* * *
стр. 6247
تفسير سورة التحريم وهي مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَي بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَال نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَي اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾
اختُلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل: نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله ﷺ قد حرمها، فنزل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية. قال أبو عبد الرحمن النسائي (١): أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حَرّمها، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية.
وقال ابن جرير (٢): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول الله، في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها عليه حرامًا.
стр. 6248
فقالت: أي رسول الله، كيف يَحْرُم عليك الحلال [¬١]؟ فحلف لها بالله لا يصيبها. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. قال زيد: فقوله: "أنت عليَّ حرام" لغوٌ. وهكذا روي عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم قال: قال لها: "أنت عليّ حرام ووالله لا أطؤك". وقال سفيان الثوري (٣) وابن عُليَّة [¬٢] (٤)، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: آلى رسول الله ﷺ وحَرّم فعُوتبَ في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. رواه ابن جرير. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشعبي، نفسُه. وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وروي العوفي عن ابن عباس القصة مطولة.
وقال ابن جرير (٥): حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها، فَوَجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله، لقد جئت إليّ شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال: "ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها؟ " قالت: بلى. فحرّمها، وقال: "لا تذكري ذلك لأحد". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ … الآيات، فبلغنا: أن رسول الله ﷺ كفر يمينه، وأصاب [¬٣] جاريته.
وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم، عليّ حرام". فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: "فوالله لا أقربها". قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال: فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.
وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ
стр. 6249
الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.
وقال ابن جرير (٦): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدستوائي قال: كتب إلي يحيي يحدّث عن يعلى [¬١] بن حكيم، عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول في الحرام: يمين تكفرها، وقال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، يعني: أن رسول الله حرم جاريته فقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾، فكفر يمينه، فصير الحرام يمينًا.
ورواه البخاري (٧) عن معاذ بن فضالة، عن هشَام -هو الدستوائي-، عن يحيى -هو ابن أبي كثير-، عن ابن حكيم -وهو يَعلى-، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الحرام: يمين تُكَفر. قال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
ورواه مسلم (٨) من حديث هشام الدّستوائي به، وقال النسائي (٩): أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد بن عليّ، حدثنا مخلد -هو ابن يزيد-، حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حَرَامًا؟ قال: كذبتَ ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عليك [¬٢] أغلظ الكفارات، عتق رقبة.
تفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ. وقال الطبراني (١٠): حدثنا محمد بن زكرّيا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: حرم رسول الله ﷺ سُرّيَّته.
ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة علي من حَرّم جاريته أو زوجته، أو طعامًا أو شرابًا، أو ملبسًا، أو شيئًا من المباحات. وهو مذهب الإِمام أحمد
стр. 6250
وطائفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حَرّم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأما إن نوى بالتحريم طلاقَ الزوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، أخبرنا الحكم بن أبان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ . وهذا قول غريب والصحيح. أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري (١١) عند هذه الآية:
حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جَحش، ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها، فلتقل [¬١] له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير قال: "لا، ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا [¬٢] "، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ، وقال في كتاب الإيمان والنذور (١٢): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عُبَيد بن عمير يقول: سمعتُ عائشة تزعم: أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جَحش ويشرب عندها عَسَلًا، فتواصيتُ [¬٣] أنا وحفصة أن أيتُنا دخل عليها النبي ﷺ فَلْتقُلْ: إني أجد منك ريح مغافير؛ أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك له، فقال: "لا، بل شربت عسلًا عند زينب بنت جَحش، ولن أعود له"، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: "بل شربت عسلًا". وقال إبراهيم ابن موسى، عن هشام: "ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري [¬٤] بذلك أحدًا".
وهكذا رواه في كتاب الطلاق (١٣) بهذا الإسناد ولفظه قريب منه. ثم قال: المغافير: "شبيه بالصمغ، يكون في الرمت فيه حلاوة، أغفر الرّمث. إذا ظهر فيه. واحدها مُغفور، ويقال:
стр. 6251
مغاثير [¬١] ". وهكذا قال الجوهري، قال: "وقد يكون المغفور أيضًا للعُشر والثُّمام والسَّلَم والطلح" قال: والرمّث، بالكسر: مرعى من مراعي الإِبل، وهو من الحَمْض. قال: والعرفط: شجر من العضاه ينضَح المغفُور منه [¬٢].
وقد روي مسلم (١٤) هذا الحديث في كتاب "الطلاق" من صحيحه، عن محمد بن حاتم، عن حجاج بن محمد، عن ابن [¬٣] جريج، أخبرني عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة، به. ولفظه كما أورده البخاري في الإيمان والنذور.
ثم قال البخاري (١٥) في كتاب الطلاق: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا عليّ بن مُسهر، عن هشام بن عُروة، عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغرْتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له. فقلت لسودة بنت زَمْعَة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقوله: أكلت مغَافير؟، فإنه سيقول لك: لا. فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقوله: جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك [¬٤]، قالت: تقول سودة: فوالله [¬٥] ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: "لا". قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال "سقتني حفصة شَربة عسل". قالت: جَرَسَت نَحْلُه العرفطَ. فلما دار إليّ قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه".
قالت تقول سودة: والله لقد حَرَمْنَاه. قلت لها: اسكتي.
هذا لفظ البخاري. وقد رواه مسلم (١٦) عن سُويد بن سَعيد، عن عليّ بن مسهر [¬٦]، به.
стр. 6252
وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر (١٧)، ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به. وعنده: قالت: وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح -يعني: الريح الخبيثة- ولهذا قلن له: أكلت مغافير، لأن ريحها فيه شيء. فلما قال: "بل شربت عسلًا". قلن: جَرَست نحلُه العرفطَ. أي: رَعَت نحلُه شَجَر العرفط الذي صَمغه المغافير، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته.
قال الجوهري: جرست النحل العرفط تجرس [¬١]،: إذا أكلته ومنه قيل للنحل: جوارس، قال الشاعر:
* تَظَلّ عَلَى الثَّمرَاء مِنها جَوَارسُ*
وقال: الجَرْس والجِرْس: الصوت الخفي. ويقال: سمعت جرس [الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث: "فيسمعون جَرْس] [¬٢] طير الجنة". قال الأصمعي: كنت في مجلس شُعبة قال: "فيسمعون جَرْش طير الجنة" بالشين، فقلت: "جرس" فنظر إليّ وقال [¬٣]: خذوها عنه، فإنه أعلم بهذا منا.
والغرض أن هذا السياق فيه [¬٤]: أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عائشة. وفي طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا [¬٥] وتظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بُعدَ في ذلك، إلا أن كونَهما سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم.
ومما يدل علي أن عائشة وحفصة ﵄ هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٨) في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا علي أن أسأل عمر عن المرأتين من [¬٦] أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرّز ثم، أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: لها أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
стр. 6253
قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس -قال الزهري: كره والله ما سأله [¬١] عنه ولم يكتمه- قال: هي حفصة وعائشة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث قال: كنا مَعشر قريش قومًا نغلبُ النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تَغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار بني [¬٢] أمية بن زيد بالعَوَالي، قال [¬٣]: فغضِبَت يومًا [¬٤] عليّ امرأتي فإذا [¬٥] هي تراجعني، فأنكرت أن تُراجِعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟! قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلي الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخَسر، أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟! لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئًا، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسمُ وأحب إلى رسول الله ﷺ منك -يريد عائشة- قال: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحى وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نتحدث أن غَسّان تُنعِل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يومًا ثم أتى عشاءً، فضرب بابي ثم ناداني، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: وما ذاك؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول! طلَّق رسول الله ﷺ نساءه. فقلت: قد خابت حفصةُ وخَسِرت، قد كنت أظن هذا كائنًا. حتى إذا صليتُ الصبح شددتُ علي ثيابي ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقَكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشْرَبة. فأتيت غلامًا له أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل الغلام ثم خرج إليّ فقال: ذكرتك له فصمت. فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده [¬٦] قليلًا، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج فقال: [] [¬٧] ذكرتك له فصمت. فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فذخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت. فوليت مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل، قد أذن لك. فدخلتُ فسلمتُ على رسول الله ﷺ ؛ فإذا هو متكئ على رمال حصير.
قال الإمام أحمد: وحدثَناه يعقوب في حديث صالح قال [¬٨]: رُمَال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلّقت يا رسول الله نسائك؟ فرفع رأسه إليّ [وقال: "لا"] [¬٩]، فقلت:
стр. 6254
الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت عليّ امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر [¬١]، أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت. فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، فَدخَلت [¬٢] علي حفصة فقلت: لا يغرّنّك أن كانت جارتُك هي أوسَم -أو [¬٣]: أحب- إلى رسول الله ﷺ منك [¬٤]. فتبسم أخرى.
فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: "نعم". فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئًا يرد البصر إلا أهَبَةٌ ثلاثة فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسَّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالسًا وقال: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا؟. فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله .
وقد رواه البخاري (١٩) ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن الزهري به.
وأخرجه الشيخان (٢٠) من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عُبيد بن حُنَين، عن ابن عباس، قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبةً له، حتى خرج حاجًّا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الآرَاك لحاجة له، قال: فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان [¬٥] اللتان تظاهرتا على [¬٦] النبي ﷺ ؟.
стр. 6255
هذا لفظ البخاري، ولمسلم: من المرأتان اللتان قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ﴾؟ قال: عائشة وحفصة. ثم ساق الحديث بطوله، ومنهم من اختصره.
وقال مسلم (٢١) أيضًا: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد -أبي زميل-، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، دخلت المسجد فإذا الناس يَنكُتُون بالحصي، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه! وذلك قبل أن يؤمرَ بالحجاب. فقلت: لأعلمن ذلك اليوم … فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة، ووعظه إياهما، إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكُفّة المشربة، فناديت فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله ﷺ … فذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله، ما يَشُقّ عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمتُ -وأحمد الله- بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي، ونزلت هذه الآية، آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. فقلت: أطلقتهن؟ قال: "لا" … فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومقاتل بن حيان، والضحاك، وغيرهم ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أبو بكر وعمر، زاد الحسن البصري وعثمان: وقال [ليث بن أبي] [¬١] سليم، عن مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: عليّ بن أبي طالب.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن أبي [¬٢] عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد [بن علي] [¬٣] بن الحسين قال: أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى عليّ قال: قال رسول الله ﷺ : قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: "هو علي بن أبي طالب". إسناده ضعيف، وهو منكر جدًّا.
стр. 6256
وقال البخاري (٢٢): حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هُشيم، عن حُميد، عن أنس، قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكنَ، منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢٣).
وقال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبي] [¬١] حدثنا الأنصاري، حدثنا حُمَيد، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله أو ليبدلَنّه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمر، أما لي برسول الله ما يعظ نساءه، حتى تعظهن؟!
فأمسكت، فأنزل الله : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء: هي أم سلمة، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (٢٤).
وقال الطبراني (٢٥): حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يَطَأ مارية، فقال لها رسول الله ﷺ : "لا تخبري عائشة حتى أبشرك [¬٢] ببشارة، فإن أباك يَلي الأمرَ من بعد أبي بكر إذا أنا مت". فذهبت حفصة فأخبَرتْ عائشة، فقالت عائشة لرسول الله ﷺ : من أنبأك هذا؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. فقالت عائشة: لا انظر إلك حتى تحرم مارية. فحرمها، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
стр. 6257
إسناده فيه نظر، وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات.
ومعنى قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾ ظاهر.
وقوله ﴿سَائِحَاتٍ﴾، أي: صائمات، قاله أبو هريرة، وعائشة، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس، والسُدّي، وغيرهم، وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله ﴿السائحون﴾ من سورة "براءة"، ولفظه: "سياحةُ هذه الأمة الصيامُ" (٢٦) وقال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: ﴿سَائِحَاتٍ﴾، أي: مهاجرات: وتلا عبد الرحمن: ﴿السائحون﴾، أي المهاجرون، والقول الأول أولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، أي: منهن ثيبات، ومنهن أبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النفوس، فإن التنوع يبسط النفسَ، ولهذا قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد [] [¬١] بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أمية [¬٢]، حدثنا عبد القدوس، عن صالح بن حَيّان، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، قال: وعد الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يزوجه، فالثيب آسية امرأة فرعون، وبالأبكار مريم بنت عمران.
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة "مريم ﵍" (٢٧)، من طريق سُوَيد بن سعيد [¬٣]: حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بموت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب، لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة [جوفاء] [¬٤] بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم.
ومن حديث أبي بكر الهذلي (٢٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه
стр. 6258
وسلم دخل على خديجة وهي في الموت، فقال: "يا خديجة، إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام". فقالت: يا رسول الله، وهل تزوجت قبلي؟! قال:! لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى". ضعيف أيضًا.
وقال أبو يعلى (٣٠): حدثنا إبراهيم بن [¬١] عرعرة. حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يوسف [¬٢] بن شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ " فقلت: هنيئًا لك يا رسول الله.
وهذا أيضًا ضعيف، وروي مرسلًا عن ابن أبي داود [¬٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾
قال سفيان الثوري: عن منصور، عن رجل، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، يقول: أدبوهم، علموهم.
وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، يقول اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي [¬٤] الله، ومُروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار.
стр. 6259
وقال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله.
وقال قتادة: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية، قَدَعتَهم [¬١] عنها وزجرتهم عنها.
وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله [¬٢] عنه.
وفي معنى هذه الآية الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد (٣١)، وأبو داود، والترمذي، من حديث عبد الملك بن الربيع بن سَبرَة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها". هذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى أبو داود (٣٢)، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثل ذلك.
قال الفقهاء: وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، والله الموفق.
وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقودها: أي حطبها الذي يلقى فيها جُثث بني آدم، ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قيل: المراد بذلك الأصنام التي كانت تعبد لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
وقال ابن مسعود، ومجاهد، وأبو جعفر الباقر، والسدي: هي حجارة من كبريت. زاد مجاهد: أنتن من الجيفة، [وروى ذلك ابن أبي حاتم ﵀، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري] [¬٣] حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن أبي رَوَّاد- قال: بلغني أن
стр. 6260
رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، لَصَخرة من صخر جهنم أعظمُ من جبال الدنيا كلها". قال: فوقع الشيخُ مغشيًّا عليه، فوضع النبي ﷺ يده على فؤاده [فإذا هُوَ حَيّ] [¬١] فناداه، قال [¬٢]: "يا شيخ، قل: لا إله إلا الله". فقالها، فبشره بالجنة، قال: فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ قال "نعم، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. هذا حديث مرسل غريب.
وقوله ﴿عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾، أي: طباعهم غليظة، قد نُزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿شِدَادٌ﴾ أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار، وجَدوا [¬٣] على الباب أربعمائة ألف من خَزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم قد نزع الله من قلوبهم الرحمة ليس في قلب واحد منهم مثقال ذَرّة من الرحمة، لو طُيّر الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفًا، ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول، حتى ينتهوا إلى آخرها.
وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله [¬٤] ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية -عياذًا بالله منهم-. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، أي: توبة صادقة جازمة، تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.
قال ابن جرير (٣٣): حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، عن سمَاك بن حَرب،
стр. 6261
سمعت النعمان بن بشير يخطب: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، قال: يذنب الذنب ثم لا رجع فيه.
وقال الثوري: عن سماك، عن النعمان، عن عمر قال: التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، أو لا يريد أن يعود فيه.
وقال أبو الأحوص وغيره: عن سماك، عن النعمان: سُئِل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من العمل السّيء، ثم لا يعود إليه أبدًا.
وقال الأعمش: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، قال: يتوب ثم لا يعود، وقد روي هذا مرفوعًا، فقال الإِمام أحمد (٣٤): حدثنا علي بن عاصم، عن إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "التوبة من الذنب أن يتوب منه، ثم لا يعود فيه" تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهَجَري، وهو ضعيف، والموقوف أصح، والله أعلم.
ولهذا قال العلماء [¬١]: التوبة النصوح: هو أن يُقلعَ عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي ردّه إليه بطريقه.
قال الإمام أحمد (٣٥): حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، أخبرني زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن مَعَقل قال: دخلت مع أبي عَلى عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت [] [¬٢] النبي ﷺ يقول: "الندم توب؟ " قال: نعم. وقال مَرّة: نعم سمعته يقول: "الندم توبة".
ورواه ابن ماجة، عن هشام بن عَمار، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الكريم -وهو ابن مالك الجزَريّ- به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الولد بن بكير -أبو خباب [¬٣] عن عبد الله بن محمد العدَوي [¬٤]، عن أبي سنان البصري، عن أبي قلابة، عن زرّ بن حُبَيش، عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر [¬٥] هذه الأمة عند اقتراب الساعة، منها:
стр. 6262
نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. ومنها نكاح الرجل الرجل، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا، حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا. قال زر: فقلت لأبيّ بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "هو الندم على الذنب حينَ يَفرُط منك، فتستغفرُ الله بندامتك منه [¬١] عند الحاضر، ثم لا تعود إليه أبدًا".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو [¬٢]، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، سمعت الحسن يقول التوبة النصوح: أن تُبَغِض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته.
فأما إذا جَزَم بالتوبة وصمم عليها فإنها تَجُبّ ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح (٣٦): " الإسلام يجُب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها".
وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرارُ على ذلك إلى الممات، كما تقدم في الحديث وفي الأثر: "لا يعود فيه أبدًا"، أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي، بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًّا في تكفير ما تقدم، لعموم قوله ﵇: "التوبة تجب ما قبلها"؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح (٣٧) أيضًا: "من أحسنَ في الإسلام لم يؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" فإذا كان هذَا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
стр. 6263
الْأَنْهَارُ﴾، "وعسى" من الله موجبة، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، أي: ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ كما تقدم في سورة الحديد ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾: قال مجاهد، والضحاك، والحسن البصري، وغيرهم: [هذا يقوله] [¬١] المؤمنون حين يرون يوم القيامة نورَ المنافقين قد طفئ.
وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يَدَي فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم"، فقال رجل: يا رسول الله؛ وكيف تعرف أمتك من بين الأم؟ قال: "غر محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم" (٣٨).
وقال الإمام أحمد (٣٩): حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف النبي ﷺ عام الفتح، فسمعته يقول: "اللهم لا تخزني يوم القيامة".
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح
стр. 6264
والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ﴾، أي: في الدنيا، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، أي: في الآخرة.
ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أن ذلك لا يجدي عنهم شيئًا ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ﴾، أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلًا ونهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعاتهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يُجْد ذلك كلّ شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي لكفرهما [¬١]، ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للمرأتين ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.
وليس المراد ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة، لحرمة الأنبياء، كما قدمنا في سورة النور.
قال سفيان الثوري (٤٠) عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة: سمعتُ ابن عباس يقولُ في هذه الآية: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه.
وقال العَوفي (٤١): عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عَورتيهما، فكانت امرأة نُوح تَطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء.
وهكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعضُ العلماء علي ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: "من أكل مع مغفور له غفر له" (٤٢). وهذا الحديث لا أصل له، وإنما [¬٢] يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال: يا رسول الله؛ أنت قلت: من أكل مع مغفور له [غفر له] [¬٣]؟ قال: لا، ولكني الآن أقوله.
стр. 6265
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾
وهذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.
قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفره [¬١].
فوالله ما ضر امرأته كُفر زوجها حين [¬٢] أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه.
وقال ابن جرير (٤٣): حدثنا إسماعيل بن حفص الأبلي، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تُعَذّب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.
ثم رواه (٤٤) عن [محمد بن عبيد] [¬٣] المحاربي، عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي به.
ثم قال ابن جرير (٤٥): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيّة، عن هشام الدّستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة
стр. 6266
تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت [¬١] بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها [¬٢] في الجنة، فمضت على قولها، وانتزع الله [¬٣] روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. وقد ورد شيء من ذلك [¬٤] في حديث مرفوع: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾، أي: خلصني منه، فإني أبرأ [إليك] [¬٥] من عمله، ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ﵂.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمانُ امرأة فرعونَ من قبل إيمان امرأة خازن فرعون: وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون، فوقع المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله. فقالت لها ابنة فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: [نعم] [¬٦] ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنتُ فرعونَ وضربتها، وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون فقال: تعبدين ربًّا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب كل شيء الله، إياه أعبد. فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادًا، فشد رجليها ويديها وأرسل عليها الحيات، وكانت كذلك، فأتى عليها يومًا فقال لها: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك وربُ كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقض ما أنت قاض. فذبح ابنها في فيها، وإن روح ابنها بشرها فقال لها: أبشري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت.
ثم أتى [عليها] [¬٧] فرعون يومًا آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر [¬٨] في فيها، فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا. قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح [¬٩] ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأةُ فرعونَ، وقبض اللَّه روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوبها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، فاطلع فرعونُ على إيمانها، فقال للملإ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها، فقال لهم: إنها تعبد غيري. فقالوا له: اقتلها. فأوتد لها أوتادًا، فشد يديها ورجليها، فدعت آسية ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها، إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها-
стр. 6267
﵂. وقوله ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، أي [حفظته و] [¬١]، صانته.
[و] [¬٢] الإحصان: هو العفاف والحرية، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، أي: بواسطة الملك، وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها [¬٣] فتمثل لها في صورة بشر سَوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب [¬٤] درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇؛ ولهذا قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾، أي: بقدره وشرعه، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. قال الإمام أحمد (٤٦): حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عَباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : "أْفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون".
وثبت في الصحيحين (٤٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن مُرّة الهَمْداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها، والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا "البداية والنهاية"، ولله الحمد والمنة، وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
آخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد [والمنة] [¬٥].
* * *
стр. 6268
تفسير سورة الملك وهي مكية
قال أحمد (١): حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر؛ قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عباس الجُشَمي [¬١]، عن أبي هُرَيرة، عن رَسُول الله ﷺ ؛ قال: "إن سورة في القرآن ثلاثين آية شَفَعت لصاحبها حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك". ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقد روى الطبراني (٢) والحافظ الضياء المقدسي، من طريق سَلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "سورة في القرآن خَاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: تبارك الذي بيده الملك".
وقال الترمذي (٣): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النُكري [¬٢]، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس؛ قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر [فإذا قبر] [¬٣] إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ ضربت خبائي
стр. 6269
على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ﴾، حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ : "هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر". ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي هريرة.
ثم روى الترمذي [¬١] أيضًا (٤) من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. وقال ليث (٥) عن طاوس: يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة.
وقال الطبراني (٦): حدثنا محمد بن الحسن بن علّاف الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي". يعني: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
هذا حديث غريب، وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة "يس".
وقد روى هذا الحديث عبدُ بن حُمَيد في مسنده بأبسط من هذا، فقال (٧):
حدثنا إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال: اقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة، تجادل -أو تخاصم- يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له [أن ينجيه] [¬٢] من عذاب النار، وينجى بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ : "لَوددتُ أنها في قلب كل إنسان من أمتي".
стр. 6270
وقد روى الحافظ ابن عساكر (٨) في تاريخه، في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، أبي عبد الله القرشي النيسابوري، المقرئ الزاهد الفقيه، أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم، لكن في غير الصحيحين، وروى عنه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة، وعليه تفقه في مذهب أبي عُبَيد بن حَربَويه، وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب، عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن رجلًا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا "تبارك"، فلما وضع في حفرته أتاه الملَك فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك [لك ولا] [¬١] له ولا لنفسي ضرًّا ولا نفعًا، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب ﵎ فاشفعي له. فتنطلق إلى الرب فتقول: يا رب، إن فلانًا عَمَد إليّ من بين كتابك فتَعَلّمني وتلاني، أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلًا ذاك به فامحني من كتابك. فيقول: ألا أراك غضبت؟ فتقول: وحُق لي أن أغضب. فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشَفعتك فيه". قال: "فتجيء فيخرج [¬٢] الملك، فيخرج كاسف البال، لم يحل منه بشيء". قال: "فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبًا بهذا الفم، فربما تلاني، ومرحبًا بهذا الصدر، فربما وعاني، ومرحبًا بهاتين القدمين، فربما قامتا بي؛ وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه". قال: فلما حَدّث بهذا رسول الله ﷺ لم يبق صغير ولا كبير ولا حُرّ ولا عَبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله ﷺ المنجية.
قلت: وهذا حديث منكر جدًّا، وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو حاتم، والدارقطني وغير واحد. وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر، عن الزهري، من قوله مختصرًا، وروى البيهقي في كتاب "إثبات عذاب القبر" عن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا ما يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز [¬٣] من الأحكام الكبرى، ولله الحمد والمنة.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ