← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت [¬١] بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها [¬٢] في الجنة، فمضت على قولها، وانتزع الله [¬٣] روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح. فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. وقد ورد شيء من ذلك [¬٤] في حديث مرفوع: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾، أي: خلصني منه، فإني أبرأ [إليك] [¬٥] من عمله، ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ﵂. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمانُ امرأة فرعونَ من قبل إيمان امرأة خازن فرعون: وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون، فوقع المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله. فقالت لها ابنة فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: [نعم] [¬٦] ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنتُ فرعونَ وضربتها، وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون فقال: تعبدين ربًّا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب كل شيء الله، إياه أعبد. فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادًا، فشد رجليها ويديها وأرسل عليها الحيات، وكانت كذلك، فأتى عليها يومًا فقال لها: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك وربُ كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقض ما أنت قاض. فذبح ابنها في فيها، وإن روح ابنها بشرها فقال لها: أبشري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت. ثم أتى [عليها] [¬٧] فرعون يومًا آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر [¬٨] في فيها، فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا. قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح [¬٩] ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأةُ فرعونَ، وقبض اللَّه روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوبها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، فاطلع فرعونُ على إيمانها، فقال للملإ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها، فقال لهم: إنها تعبد غيري. فقالوا له: اقتلها. فأوتد لها أوتادًا، فشد يديها ورجليها، فدعت آسية ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها، إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها-

стр. 6267

﵂. وقوله ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، أي [حفظته و] [¬١]، صانته. [و] [¬٢] الإحصان: هو العفاف والحرية، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، أي: بواسطة الملك، وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها [¬٣] فتمثل لها في صورة بشر سَوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب [¬٤] درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇؛ ولهذا قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾، أي: بقدره وشرعه، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. قال الإمام أحمد (٤٦): حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عَباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : "أْفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون". وثبت في الصحيحين (٤٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن مُرّة الهَمْداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها، والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا "البداية والنهاية"، ولله الحمد والمنة، وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾. آخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد [والمنة] [¬٥]. * * *

стр. 6268

تفسير سورة الملك وهي مكية قال أحمد (١): حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر؛ قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عباس الجُشَمي [¬١]، عن أبي هُرَيرة، عن رَسُول الله ﷺ ؛ قال: "إن سورة في القرآن ثلاثين آية شَفَعت لصاحبها حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك". ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد روى الطبراني (٢) والحافظ الضياء المقدسي، من طريق سَلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "سورة في القرآن خَاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: تبارك الذي بيده الملك". وقال الترمذي (٣): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النُكري [¬٢]، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس؛ قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر [فإذا قبر] [¬٣] إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ ضربت خبائي

стр. 6269

على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ﴾، حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ : "هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر". ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي هريرة. ثم روى الترمذي [¬١] أيضًا (٤) من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. وقال ليث (٥) عن طاوس: يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة. وقال الطبراني (٦): حدثنا محمد بن الحسن بن علّاف الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي". يعني: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. هذا حديث غريب، وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة "يس". وقد روى هذا الحديث عبدُ بن حُمَيد في مسنده بأبسط من هذا، فقال (٧): حدثنا إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال: اقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة، تجادل -أو تخاصم- يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له [أن ينجيه] [¬٢] من عذاب النار، وينجى بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ : "لَوددتُ أنها في قلب كل إنسان من أمتي".

стр. 6270

وقد روى الحافظ ابن عساكر (٨) في تاريخه، في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، أبي عبد الله القرشي النيسابوري، المقرئ الزاهد الفقيه، أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم، لكن في غير الصحيحين، وروى عنه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة، وعليه تفقه في مذهب أبي عُبَيد بن حَربَويه، وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب، عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن رجلًا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا "تبارك"، فلما وضع في حفرته أتاه الملَك فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك [لك ولا] [¬١] له ولا لنفسي ضرًّا ولا نفعًا، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب ﵎ فاشفعي له. فتنطلق إلى الرب فتقول: يا رب، إن فلانًا عَمَد إليّ من بين كتابك فتَعَلّمني وتلاني، أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلًا ذاك به فامحني من كتابك. فيقول: ألا أراك غضبت؟ فتقول: وحُق لي أن أغضب. فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشَفعتك فيه". قال: "فتجيء فيخرج [¬٢] الملك، فيخرج كاسف البال، لم يحل منه بشيء". قال: "فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبًا بهذا الفم، فربما تلاني، ومرحبًا بهذا الصدر، فربما وعاني، ومرحبًا بهاتين القدمين، فربما قامتا بي؛ وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه". قال: فلما حَدّث بهذا رسول الله ﷺ لم يبق صغير ولا كبير ولا حُرّ ولا عَبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله ﷺ المنجية. قلت: وهذا حديث منكر جدًّا، وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو حاتم، والدارقطني وغير واحد. وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر، عن الزهري، من قوله مختصرًا، وروى البيهقي في كتاب "إثبات عذاب القبر" عن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا ما يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز [¬٣] من الأحكام الكبرى، ولله الحمد والمنة. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ

стр. 6271

الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾ يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك [¬١]، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، [واستدل بهذه الآية] [¬٢] من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق. ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملًا؟ كما قال: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾، فسمى الحال الأول -وهو العلم- موتًا [¬٣]، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا [¬٤] صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خُلَيد، عن قتادة في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء". ورواه معمر عن قتادة [] [¬٥]. وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خير عملًا، كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل أكثر عملا. ثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾، أي: هو [¬٦] العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزًا هو [مع ذلك] [¬٧] يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان: أصحهما الثاني، كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره.

стр. 6272

وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب ولا خلل، ولهذا قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللًا أو فطورًا؟ قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم، في قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: شقوق وقال السدي: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: من خرُوق. وقال ابن عباس في رواية: ﴿مِنْ فُطُور﴾، أي: من وُهِيّ [¬١]. وقال قتادة: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي [¬٢]: هل ترى خللًا يا بن آدم؟ وقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ﴾، قال قتادة [¬٣]: مرتين. ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾، قال ابن عباس: ذليلًا. وقال مجاهد وقتادة: صاغرًا. ﴿وَهُوَ حَسِير﴾، قال ابن عباس: يعني وهو كليل. وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع [¬٤] من الإِعياء. ومعنى الآية أنك لو كررت البصر -مهما كروت- لانقلب إليك [¬٥]، أي: لرجع إليك البصر، ﴿خَاسِئًا﴾ أي [¬٦]: عن أن يرى عيبًا أو خللًا، ﴿وَهُوَ حَسِير﴾ أي: كليل، وقد انقطع من الأعياء من كثرة التكرر ولا هي نقصًا، ولما نفى عنها في خلقها النقص دين كمالها وزينتها فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت [¬٧]. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، عاد الضمير في قوله ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ على جنس المصابيح لا على عينها، لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، رقد تكون مستمدة منها، واللَّه أعلم. وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى، كما قال في أول الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.

стр. 6273

قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع [¬١] نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَ﴾ أعتدنا ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، أي: بئس المآل والمنقلب. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾، قال ابن جرير: يعني الصياح ﴿وَهِيَ تَفُور﴾، قال الثوري: تغلي بهم كما كغلي الحَبّ القليل في الماء الكثير. وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ﴾، أي: تكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾: يذكر تعالى عدله في خلقه وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه، كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزل اللَّه من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. قال الإمام أحمد (٩): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَختَريّ الطائي؛ قال: أخبرني من سمعه من رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "لن

стр. 6274

يهلك الناسُ حتى يُعذروا من أنفسهم". وفي "حديث آخر] [¬١]: "لا يدخل أحد النار إلّا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة". ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا اللَّه: بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي [¬٢]: يكفر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين (١٠): " سبعة يظلهم اللَّه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله". فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف اللَّه، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١١) في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن ثابت، عن أنس؛ قال: قالوا: يا رسول اللَّه؛ إنا نكون عندك على حال، باذا فارقناك كنا على غيره؟ قال: "كيف أنتم وربكم؟ " قالوا: اللَّه ربنا في السر والعلانية. قال: "ليس ذلكم النفاق". لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه. ثم قال تعالى منبهًا على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بما خطر في القلوب، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، أي: ألا يعلم الخالق. وقيل: معناه: ألا [¬٣] يعلم اللَّه مخلوقه؟ والأول أولى، لقوله، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ

стр. 6275

الْخَبِيرُ﴾. ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم، بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد [¬١] ولا تضطرب، بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهَيأها [¬٢] فيها من المنافع ومواضع الزروع [¬٣] والثمار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾، أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا، إلا أن ييسره اللَّه لكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فالسعي في السبب لا ينافي التوكل، كما قال الإِمام أحمد (١٢): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو: أنه سمع عبد اللَّه بن هُبَيرة؛ يقول: إنه سمع أبا تميم [¬٤] الجيَشَاني؛ يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "لو أنكم تتوكلون [¬٥] على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا". رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من [¬٦] حديث ابن هبيرة، وقال الترمذي: "حسن صحيح". فأثبت لها رواحًا وغدوًّا لطلب الرزق، مع توكلها على اللَّه وهو المسخر المسير المسبب. ﴿وَإِلَيهِ النُّشُورُ﴾، أي: المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد، وقتادة والسدي: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ أطرافها وفجاجها ونواحيها. وقال ابن عباس وقتادة: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ الجبال. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام [¬٧] الأزدي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن بشير بن كعب: أنه قرأ هذه الآية: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال لأم ولد له: إن علمت ما [¬٨] ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ فأنت عتيقة. فقالت: هي

стр. 6276

الجبال. فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ وهذا أيضًا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم، بسبب كفر بعضهم به، وعبادتهم معه غيره، وهو مع هذا يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجل، كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ وقال هاهنا: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾، أي: تذهب وتجيء وتضطرب، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا﴾، أي: [ريحًا فيها حصباء تدمغكم] [¬١]، كما قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. وهكذا توعدهم هاهنا بقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيفَ نَذِير﴾ أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه، وكذب به. ثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم السالفة، والقرون الخالية، ﴿فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟ أي: عظيمًا شديدًا أليمًا. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: تارة يصففن أجنحتهن في الهواء، وتارة تجمع جناحًا، وتنشر جناحًا، ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾، أي: في الجو ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾، أي: بما سخر لهن [¬٢] من الهواء، [] [¬٣] من رحمته ولطفه، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ﴾، أي: بما يصلح كل شيء من مخلوقاته. وهذه كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إلا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ

стр. 6277

يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره، يبتغون عندهم نصرًا ورزقًا منُكرًا عليهم فيما اعتقدوه، ومُخبرًا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه، فقال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾، أي: ليس لكم من دونه من ولي [ولا واق] [¬١]، ولا ناصر لكم غيره؛ ولهذا قال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إلا فِي غُرُور﴾. ثم قال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، أي: من هذا الذي إذا قطع اللَّه رزقه عنكم يرزقكم بعده؟! أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا اللَّه وحده لا شريك له، أي: وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم [¬٢] وضلالهم، ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُور﴾، أي: معاندة واستكبارًا ونفورًا على أدبارهم عن الحق لا يسمعون له ولا يتبعونه. ثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهذا مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشى مُكبًّا على وجهه، أي يمشي منحنيًا لا مستويًا على وجهه، أي: لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب، بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا﴾، أي: منتصب القامة ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويًّا على صراط مستقيم، مُفْضَى به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى نار جهنم، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾. قال الإِمام أحمد (١٣) ﵀: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع؛ قال:

стр. 6278

سمعت أنس بن مالك؛ يقول: قيل: يا رسول اللَّه؛ كيف حشر الناس على وجوههم؟ فقال: "أليس [¬١] الذي أمشاهم على أرجلهم قادرًا [¬٢] على أن يمشيهم على وجوههم؟! ". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (١٤) من طريق [يونس بن محمد، عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، به نحوه] [¬٣]. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾، أي: ابتَدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾، أي: العقول والإِدراك، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: ما أقلَّ ما تستعملون هذه القوى اقى أنعم اللَّه بها عليكم، في طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي [¬٤]: بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، و [¬٥] حلاكم وأشكالكم وصوركم، ﴿وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾، أي: تجمعُون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم. ثم قال مخبرًا عن الكفار المنكرين المعاد المستبعدين وقوعه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: متى هذا الذي تخبرنا بكونه من [¬٦] الاجتماع بعد هذا التفرق؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا اللَّه لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن ووقع لا محالة فاحذروه، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: وإنما على البلاغ، وقد أديته إليكم. قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: لما قامت القيامة وشاهدها الكفار، ورأوا أن الأمر كان قريبًا؛ لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه [¬٧]، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك، لما يعلمون ما لهم هناك من الشر، أي: فأحاط بهم ذلك، وجاءهم من أمر اللَّه ما لم يكن لهم في بال ولا حساب، ﴿[وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا

стр. 6279

يَحْتَسِبُونَ] [¬١] (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا [¬٢] وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾، أي: تستعجلون. ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾: يا محمد لهؤلاء المشركين باللَّه الجاحدين لنعمه: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟﴾. أي: خَلّصوا أنفسكم، فإنه لا منقذ لكم من اللَّه إلا التوبة والإِنابة، والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا اللَّه أو رحمنا، فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم. ثم قال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾، أي: آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكلنا في جميع أمورنا، كما قال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ﴾، ولهذا قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أي: منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة. ثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾، أي: ذاهبًا في الأرض إلى أسفل، فلا يُنَال بالفئوس الحداد، ولا السواعد الشداد. والغائر: عكس النابع؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، أي: نابع سائح [¬٣] جار على وجه الأرض، لا يقدر على ذلك إلا اللَّه فمن فضله وكرمه أنبع لكم المياه، وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة، فله الحمد والمنة. [آخر تفسير سورة الملك، وللَّه الحمد والمنة]. * * *

стр. 6280

تفسير سورة "ن" وهي مكية ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول "سورة البقرة"، وأن قوله: ﴿ن﴾ كقوله: ﴿ص﴾، ﴿ق﴾، ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾: حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع، كما قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان -هو الثوري- حدثنا سليمان -هو الأعمش- عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق اللَّه القلم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القدرَ. فجرى [¬١] بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة. ثم خلق "النون" ورفع بخار الماء، ففُتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت [¬٢] بالجبال، فإنها لتفخر [¬٣] على الأرض. وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به [¬٤]. وهكذا رواه شعبة، ومحمد بن فُضَيل [¬٥]، ووكيع، عن الأعمش، به. وزاد شعبة في روايته: ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وقد رواه شريك، عن الأعمش؛ عن أبي ظبيان [¬٦]-أو مجاهد- عن ابن عباس، فذكر نحوه. ورواه معمر، عن الأعمش: أن ابن عباس [قال .... فذكره] [¬٧]، ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. ثم قال ابن

стр. 6281

جرير (٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس؛ قال: إن أول شيء خلق ربي القلم، [فقال له] [¬١]: اكتب. فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق "النون" فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه. وقد روى الطبراني ذلك مرفوعًا فقال (٣): حدثنا أبو حبيب [زيد بن] [¬٢] المهتدي المَرُّودي [¬٣]، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل [¬٤]، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى -مسلم بن صبيح- عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن أول ما خلق اللَّه القلم والحوت، [قال للقلم: اكتب] [¬٥]. قال: ما أكتب؟ قال: كل شيءٍ كائن إلى يوم القيامة". ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، فالنون: الحوت. والقلم: القلم. حديث آخر في ذلك رواه [ابن عساكر] [¬٦] (٤) عن أبي عبد اللَّه مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول شيء خلقه اللَّه القلم، ثم خلق "النون" وهي: الدواة. ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ [قال: اكتب] [¬٧] ما يكون -أو: ما هو كائن- من عمل أو رزق أو أثر أو أجل. فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، وكلال: وعزتي لأكملنك [¬٨] [فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت"] [¬٩].

стр. 6282

وقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره، عن مجاهد قال: كان يقال: النون: الحوت الذي تحت الأرض السابعة. وقد ذكر البغوي وجماعة من المفسرين؛ أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف ترن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، فالله أعلم. ومن العجيب أن بعضهم حمل على [¬١] هذا المعنى الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (٥): حدثنا إسماعيل، حدثنا حُميد، عن أنس: أن عبد اللَّه بن سلام بَلَغه مَقدَم رسول اللَّه ﷺ المدينة فأتاه فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ و [¬٢] ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ والولد ينزع إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا". قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: "أما أول أشراط الساعة فنار تَحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادةُ كبد حوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نَزَع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت". ورواه البخاري من طرق، عن حميد، ورواه مسلم أيضًا. وله من حديث ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ نحو [¬٣] هذا. وفي صحيح مسلم (٦) من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان: أن حَبرًا سأل رسول اللَّه ﷺ عن مسائل، فكان منها: قال: فما تحفتهم؟ -يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة- قال: "زيادة كبد الحوت"، قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: "ينحر لهم [¬٤] ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها [¬٥] تسمى سلسبيلًا". وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ لوح من نور. قال ابن جرير (٧): حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه؟ قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه

стр. 6283

وسلم: " ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: لوح من نور، وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة". وهذا مرسل غريب. وقال ابن جريج [¬١]: أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام. وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ دواة، والقلم: القلم. قال ابن جرير: حدثنا [] [¬٢] عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ن﴾، قالا: هي الدواة. وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدًّا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد اللَّه مولى في [¬٣] أمية، في أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خلق اللَّه النون، وهي الدواة". وقال ابن جرير (٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد اللَّه، حدثنا ثابت [البناني] [¬٤] عن ابن عباس؛ قال: أن اللَّه خلق النون -وهي الدواة- وخلق القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال [¬٥]: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر [¬٦] أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام. ثم ألزم كلّ شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا، ومقدمه فيها كم [¬٧]؟ وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة، وللكتاب خزانًا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل؛ أنت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئًا. فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابن عباس: ألستم قومًا عَرَبًا تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟! وقوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾: الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به [¬٨] كقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهما من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني وما [يكتبون.

стр. 6284

وقال أبو الضحى، عن ابن عباس: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: وما يعملون] [¬١]. [وقال السدي: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يعني: الملائكة، وما] [¬٢] تكتب من عمل العباد. وقال آخرون: بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه اللَّه بالقدر حين كتب مقادر الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة. وأوردوا في [¬٣] ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ويونس بن حبيب؛ قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي (٩)، حدثنا عبد الواحد بن سُليم السلمي، عن عطاء -هو ابن أبي رباح- حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب. قال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتب القدر [ما كان] [¬٤] وما هو كائن إلى الأبد. وهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد من طرق، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به [¬٥]. وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به. وقال: حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود في "كتاب السنة" من سننه، عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن ابن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي [¬٦] حفصة -واسمه حُبَيش بن شُريح الحَبشي الشامي- عن عبادة؛ فذكره. وقال ابن جرير (١٠): حدثنا محمد بن عبد اللَّه الطوسي، حدثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزة، عن سعيد بن جبير، عن أبي عباس؛ أنه كان يحدث أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن أول شيء خلقه اللَّه القلم، فأمره فكتب كل شيء". غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ يعني: الذي كتب به الذكر.

стр. 6285

وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، أي: يكتبون، كما تقدم. وقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، أي: لست -وللَّه الحمد- بمجنون كما قد [¬١] يقوله الجهلة من قومك، والمكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: بل لك الأجر العيم، والثواب الجزل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. ومعنى ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾. [﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾] [¬٢] أي غير محسوب وهو رجع إلى ما قلناه. وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: أي وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد. وقال عطية: لعلى أدب عظيم. وقال معمر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول اللَّه ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، تقول [¬٣]: كما هو في القرآن. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ذُكر لنا أن سعد [¬٤] بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول اللَّه ﷺ كان القرآن (١١). وقال عبد الرزاق (١٢) عن معمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين؟ عن خُلُق رسول اللَّه ﷺ . فقالت: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن. هذا حديث طويل، وقد رواه الإمام مسلم (١٣) في صحيحه، من حديث قتادة بطوله، وسيأتي في "سورة المزمل" إن شاء اللَّه تعالى.

стр. 6286

وقال الإمام أحمد (١٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن؛ قال: سألت [¬١] عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ ، فقالت: كان خلقه القرآن. وقال الإِمام أحمد (١٥): حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواد؛ قال: سألت عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: أما تقرأ [¬٢] القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟ قال: قلت: حدثيني عن ذاك. قالت: صنعت له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبلُ فاطرحي الطعام! قالت: فجاءت بالطعام، قالت: فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت - وكان نطْعٌ - قالت: فجمعه [¬٣] رسول اللَّه ﷺ وقال: "اقتصوا -أو: [اقتصي، شك] [¬٤] أسود- ظَرفًا مكان ظَرفِك". قالت: فما قال شيئًا. وقال ابن جرير (١٦): حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعد [¬٥] بن هشام؛ قال: أتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها: أخبريني بخُلق النبي ﷺ . فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟ وقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه. وقال ابن جرير (١٧): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفير؛ قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة ﵂ فسألتها عن خُلُق رسول اللَّه ﷺ فقالت: كان خُلُق رسول اللَّه ﷺ القرآن. هكذا رواه [أحمد (١٨) عن] [¬٦] عبد الرحمن بن مهدي. ورواه النسائي في التفسير، عن

стр. 6287

إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به. ومعنى هذا أنه ﵇ صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا- سجيةً له [¬١]، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجبِلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جَبَله اللَّه عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم، والشجاعة والصفح، والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين (١٩) عن أنس قال: خدمتُ رسول اللَّه ﷺ عشر سنين فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان رسول اللَّه ﷺ [] [¬٢] أحسن الناس خلقًا، ولا مَسسْتُ خزًّا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول اللَّه عليه اللَّه عليه وسلم، ولا [شَممْتُ مسكًا] [¬٣]، ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول اللَّه ﷺ . وقال البخاري (٢٠): [حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد اللَّه] [¬٤]، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه، عن أبي إسحاق؛ قال: سمعت البراء يقول: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجهًا وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل البائن [¬٥] ولا بالقصير. والأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب [¬٦] "الشمائل". وقال الإِمام أحمد (٢١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول اللَّه ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه، ولا خُير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإِثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى [¬٧] إليه إلا أن تنتهك حرمات اللَّه، فيكون هو ينتقم للَّه . وقال الإِمام أحمد (٢٢): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا [عبد العزيز] [¬٨] بن محمد، عن

стр. 6288

محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق … " تفرد به. وقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم، وهذه كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: الجنون وكذا قال مجاهد، وغيره. وقال قتادة وغره: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: أولى بالشيطان. ومعنى المفتون ظاهر، أي: الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، وتقديره فستعلم ويعلمون، أو [¬١]: فستُخْبَر ويُخْبَرون بأيكم المفتون، واللَّه أعلم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق. ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ يقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم، ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون، وقال مجاهد: ودوا لو تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾، وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجتريء بها على أسماء اللَّه تعالى، واستعمالها في كل وقت في غير محلها. قال ابن عباس: المهين: الكاذب. وقال مجاهد: هو الضعيف القلب. و [¬٢] قال الحسن:

стр. 6289

كل حلاف مكابر مهين ضعيف. وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾. قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب. ﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين (٢٣) من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: مر رسول اللَّه ﷺ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر [¬١] من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة". الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم، من طرق عن مجاهد به. وقال أحمد (٢٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمام، أن حُذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قَتّات". رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن إبراهيم [¬٢] به. وحدثنا عبد الرزاق (٢٥)، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يدخل الجنة قتات". يعني نمامًا. وحدثنا يحيى بن سعيد القطان (٢٦) - أبو سعيد الأحول- عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة، عن همام بن الحارث [¬٣] قال: مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء. فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -أو: قال:

стр. 6290

قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجنة قتات". وقال أحمد (٢٧): حدثنا هاشم [¬١]، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل؛ قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث، فقال سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يدخل الجنة نمام". وقال الإِمام أحمد (٢٨): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن؛ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخياركم؟ ". قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال [¬٢]: "الذين إذا رُءُوا ذُكرَ اللَّه ". ثم قال: "ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العَنَت". ورواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن سليم، عن ابن خثيم به. وقال الإِمام أحمد (٢٩): حدثنا سفيان، عن ابن أبي حُسَين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم - يبلغ به النبي ﷺ : "خيار عباد اللَّه الذين إذا رُءُوا ذكر اللَّه، وشرار عباد اللَّه المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت". وقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحل اللَّه له [¬٣]، يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾، أي يتناول المحرمات. وقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أما العتل فهو: الفظ الغليظ الصحيح، الجموع المنوع. قال الإِمام أحمد (٣٠): حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن مَعْبَد بن خالد، عن حارثة [¬٤] بن وهب؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبئكم بأهل الجنة؟

стр. 6291

كل ضعيف مُتَضَعّف لو أقسم على اللَّه لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عُتلّ جَوّاظ مستكبر". وقال وكيع: كل جواظ جعظري مستكبر. أخرجاه في الصحيحين (٣١) وبقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث سفيان الثوري وشعبة، كليهما عن معبد [¬١] بن خالد به. وقال الإِمام أحمد أيضًا (٣٢): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن عليّ؛ قال: سمعت أبي يحدّث عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال عند ذكر أهل النار: "كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع". تفرد به أحمد. قال أهل اللغة: الجعظري: الفظ الغليظ، والجواظ: الجموع المنوع. وقال الإِمام أحمد (٣٣): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحَميد، عن شهر بن حَوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ عن العُتلِّ الزنيم، فقال: "هو الشديد الخَلْق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس، رحيب الجوف". وبهذا الإسناد قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري؛ والعتل الزنيم" (٣٤). وقد أرسله أيضًا غير واحد من التابعين. وقال ابن جرير (٣٥): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن [¬٢] ثور، عن، معمر، عن زيد بن

стр. 6292

أسلم؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه [من الدُّنيا] [¬١] مِقْضَمًا، فكان للنَّاس ظلومًا" قال: "فذلك العُتُل [¬٢] الزنيم". وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين، ونص عليه غير واحد من السلف، منهم مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغيرهم: أن العتل هو: المصُحَّح الخَلْق، الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك، وأمَّا الزنيم فقال البُخاريّ (٣٦): حدَّثنا محمود، حدَّثنا عُبَيد [¬٣] الله، عن إسرائيل، عن أبي حَصِين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال: رجل من قريش له زَنمة مثل زنمة الشَّاةِ. ومعنى هذا أنَّه كان مشهورًا بالشر كشهرة الشَّاةِ ذات الزنمة من بين أخواتها. وإنَّما الزنيم في لغة العرب: هو الدَّ عِيّ في القوم. قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة، قال: ومنه قول حسَّان بن ثابت، يعني يذم بعض كفار قريش: وأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نيط خلف الراكب القدح الفرد وقال آخر: زنيم ليس يعرف من أبوه … بغي الأم ذو حسب لئيم وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عمار بن خالد الواسطيّ، حدَّثنا أسباط، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾، قال: الدعي [¬٤] الفاحش اللئيم. ثم قال ابن عباس: زنيم تداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عرض الأديم إلا كارع [¬٥] وقال العوفي عن ابن عباس: الزنيم: الدعي. ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة، يعرف بها. ويقال: هو الأخنس بن شريق الثَّقفيُّ، حليف بني زهرة. وزعم أناس من بنى زهرة أن الزنيم الأسودُ بن عبد يغوث الزُّهريّ، وليس به. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس: إنَّه زعم أن الزنيم المُلحَق النسب. وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس، حدَّثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، عن عبد

стр. 6293

الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، أنَّه سمعه قوله في هذه الآية: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال سعيد: هو الملصق في القوم، ليس منهم. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا عقبة بن خالد، عن عامر بن قدامة قال: سئل عكرمة [عن الزنيم قال: هو ولد الزنا. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة] [¬١] في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشَّاةِ الزنماء، [والزنماء من الشياه] [¬٢]: التي في عنقها [هَنتَان معلقتان في حلقها] [¬٣]. وقال الثوري، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير؛ قال: الزنيم: الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. والزنيم: الملصق. رواه ابن جرير. وروى أيضًا من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، عنِ ابن عباس أنَّه قال في الزنيم: قال: نُعتَ فلم يعرف حتَّى قيل: زنيم. قال: وكانت له زَنمَة في عنقه يعرَف بها. [] [¬٤] وقال آخرون: كان دَعيًّا. وقال ابن جرير: حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زَنمة مثل زَنمة الشَّاةِ. وقال الضَّحَّاك: كانت له زنَمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب. وقال أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر. وقال مجاهد: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة، وقال أبو رَزين: الزنيم علامة الكفر. وقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة [¬٥] بزنمتها. والأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين النَّاس، وغالبًا يكون دعيًّا ولد زنا، فإنَّه في الغالب يتسلط الشَّيطان عليه ما لا يتسلط على غيره، كما جاء في الحديث: "لا يدخل الجنَّة ولد زنا" (٣٧) وفي الحديث الآخر:

стр. 6294

"ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه" (٣٨). وقوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، يقول تعالى: هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين، كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها كَذب مأخوذ من أساطير الأولين، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. وقال تعالى هاهنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾. قال ابن جرير: سنبين أمره بيانًا واضحًا حتَّى يعرفوه ولا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخراطيم. وهكذا قال قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: شين [¬١] لا يُفارقه آخر ما عليه. وفي رواية عنه: سيما على أنفه. وكذا قال السدي. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [يقاتل يوم بدر، فيُخطم بالسيف في القتال. وقال آخرون: ﴿سَنَسِمُهُ﴾] [¬٢]: سمة أهل النَّار، يعني نسود وجهه يوم القيامه، وعبر عَنْ الوجه بالخرطوم. و [¬٣] حكى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، ومال إلى أنَّه لا مانع من [¬٤] اجتماع الجميع عليه في الدُّنيا والآخرة، وهو مُتجه. وقد قال ابن أبي حاتم في سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو صالح كاتب اللَّيث، [حدثني اللَّيث] [¬٥]، حدثني خالد بن سعيد، عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنَّه

стр. 6295

قال: "إن العبد يكتب مؤمنًا [أحقابًا ثم أحقابًا] [¬١] ثم يموت والله عليه ساخط. وإن العبد يكتب كافرًا [أحقابًا ثم أحقابًا] [¬٢] ثم يموت والله عنه [¬٣] راض. ومن مات همَّازًا لمَّازًا مُلَقِّبًا للنَّاس، كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم، من كلا الشفتين". ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَال أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ هذا مَثَلٌ ضَرَبَه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بَعْثُهُ محمدًا ﷺ إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة، ولهذا قال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، أي: حلفوا فيما بينهم ليَجُذُّنّ ثَمرها ليلًا، لئلا يعلم بهم فقير ولا سلائل، ليتوفى ثمرُها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: فيما حلفوا به، ولهذا حَنَّثهم الله في أيمانهم، فقال: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾، أي: أصابتها آفةٌ سماوية، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قال ابن عباس: أي كالليل الأسود. وقال الثوري، والسدي: مثل الزرع إذا حُصِد، أي: هشيمًا يبسًا. وقال ابن أبي حاتم: ذكر من أحمد بن الصباح: أنبأنا بَشِير [¬٤] بن زاذان، عن عمر بن صبح، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول

стр. 6296

الله ﷺ : "إياكم والمعاصي، أن العبد ليذنب الذنبَ فيحرم به رزقًا قد كان هُيِّء له"، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قد حُرموا خَير جنَّتهم بذنبهم (٣٩). ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾، أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجَذاذ، ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾، أي: تريدون الصرام. قال مجاهد: كان حرثهم عِنبًا ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾، أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يُسمعون أحدًا كلامهم. ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ﴾، أي: [يقول بعضهم لبعض] [¬١]: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم! قال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾، أي: قوة وشدة. وقال مجاهد: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾، أي جِد. وقال عكرمة: غيظ. وقال الشعبي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾: على المساكين. وقال السدي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾، أي: كان اسم قريتهم "حرد". فأبعد السدي في قوله هذا! ﴿قَادِرِينَ﴾، أي: عليها فيما يزعمون ويَرومون. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على [¬٢] الحالة التي قال الله قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مُدْلَهمة، لا يُنتَفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطَّريق. ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي: قد سلكنا إليها غير الطَّريق فتهنا عنها. قاله ابن عباس وغيره. ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنَّها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حَظّ لنا ولا نصيب. ﴿قَال أَوْسَطُهُمْ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والربيع بن أَنس، والضَّحَّاك، وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، قال مجاهد، والسدي، وابن جريج: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: لولا تستثنون، قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحًا. وقال ابن جريج: هو قول القائل: أن شاء الله. وقيل: معناه: ﴿قَال أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم، ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، أتوا

стр. 6297

بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾، أي: يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجَذَاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلَّا الاعتراف بالخطيئة والذنب، ﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾، أي: اعتدينا وبَغَينا وطغينا وجاوزنا الحد حتَّى أصابنا ما أصابنا، ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، قيل: رغبوا في بدلها لهم في الدُّنيا. وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله أعلم. ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد [¬١] كانوا من: أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها: ضروان، على ستة أميال من صنعاء. وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنَّة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما استغله [¬٢] منها يرد فيها ما يحتاج إليه ويدّخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل. فلما مات وورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا. فلما عزموا على ذلك عُوقِبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، و [¬٣] رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾، أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المساكين والفقراء، وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرًا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، أي: هذه عقوبة الدُّنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق. وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي [¬٤] (٤٠) من طريق جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده: أن [¬٥] رسول الله ﷺ نهى عن الجَذَاذ دالليل، والحصاد بالليل. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيمَانٌ عَلَينَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾

стр. 6298

لما ذكر تعالى حال أهل الجنَّة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله وخالفوا أمره، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تَبِيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها. ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾، أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي كيف تظنون [¬١] ذلك؟ ثم قال: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، يقول: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل [¬٢] الخلف عن السلف، مُتضمّن حكمًا مؤكدًا كما تدعونه؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيمَانٌ عَلَينَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة، ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾، أي: إنَّه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون، ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي: قل لهم: من هو المتضمن المتكفل بهذا؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ لما ذكر تعالى أن للمتقين عنده جنات النعيم، بين متى ذلك كائن وواقع، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، يعني يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلابل والامتحان والأمور العظام، وقد قال البُخاريّ (٤١) ها هنا: حدَّثنا آدم، حدَّثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول [¬٣]: "يَكشِفُ رَبُّنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في

стр. 6299

الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طَبقًا واحدًا". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (٤٢) وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور. وقد قال عبد الله بن المبارك: عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: هو يوم كرب وشدة. رواه ابن جرير (٤٣) ثم قال: حدَّثنا ابن حميد حدَّثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن [¬١] إبراهيم عن ابن مسعود، أو ابن عباس- الشَّك من ابن جرير: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن أمر عظيم يقول الشَّاعر: * [وقامت الحرب بنا على ساق] [¬٢] * وقال ابن أبي نجيح: [عن مجاهد] [¬٣]: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال: شدة الأمر. وقال ابن عباس: هي أول ساعة تكون في يوم القيامة. وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، هو: الأمر الشديد المُفظع من الهول يوم القيامة. وقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، يقول: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه [¬٤] دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه. وكذا روى الضَّحَّاك عن ابن عباس. أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير (٤٤) ثم قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبة [¬٥]، حدَّثنا هارون بن عمر المخزومي، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال [¬٦]: عن نور عظيم، يخرون له سجدًا.

стр. 6300

ورواه أبو يعلى (٤٥)، عن القاسم بن يَحْيَى، عن الوليد بن مسلم، به، وفيه رجل مبهم، فالله أعلم. وقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدُّنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السُّجود في الدُّنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب فسجد له المؤمنون، لا يستطع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجدَ، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كما أراد أحدهم أن يسجد خَرَّ لقفاه، عكس السُّجود، كما كانوا في الدُّنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون. ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وهذا تهديد شديد أي: دعني وإياه مني ومنه. أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمده في غيه وأنظره [¬١]، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر. ولهذا قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ولهذا قال ها هنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ﴾، [أي: وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ﴾] [¬٢] أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي. وفي الصحيحين (٤٦) عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إن الله ليملي للظالم، حتَّى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. وقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾، تقدم تفسيرهما في سورة الطور. والمعنى في ذلك: أنك يا محمَّد تدعوهم إلى الله بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله وهم يكذبون بما جئتهم به، بمجرد الجهل والكفر والعناد.

стр. 6301

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٥٢)﴾ يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن الله سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدُّنيا والآخرة، ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، يعني: ذا النون، وهو يونس بن متى ﵇ حين ذهب مُغَاضِبًا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات أليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير، الذي لا يُرَدّ ما أنفذَه من التقدير، فحينئذ نادى في الظلمات: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وقال ها هنا: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: مغموم وقال: عطاء الخراساني، وأبو مالك: مكروب. وقد قدمنا في الحديث أنَّه لما قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، خرجت [الكلمة تَحُفّ [¬١]] [¬٢] حول العرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة! فقال الله تعالى: أما تعرفون هذا. قالوا: لا! قال: هذا يونس. قالوا: يا رب، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة؟ قال: نعم. قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقد قال الإمام أحمد (٤٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى" ورواه البُخاريّ من حديث سفيان الثوري، وهو في الصحيحين (٤٨) من حديث أبي هريرة.

стр. 6302

وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لَيَنْفُذونك بأبصارهم. [أي: ليَعينُوك] [¬١]، بأبصارهم، بمعنى يحسدونك لبغضهم [¬٢] إياك لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله -كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. (حديث أنس بن مالك) ﵁: قال أبو داود (٤٩): حدَّثنا سليمان بن داود العَتَكي، حدَّثنا شريك ح وحدثنا العباس العنبري، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن العباس بن ذَريح، عن الشعبي -قال العباس: عن أنس- قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "لا رقية إلَّا من عين أو حُمة أو دم لا يرقأ" لم يذكر العباس العين، وهذا لفظ سليمان. (حديث بُرَيدة بن الحُصَيب) ﵁: قال أبو عبد الله بن ماجه (٥٠): حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن نُمَير، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرَّازي، عن حُصَين، عن الشعبي، عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رقية إلَّا من عين أو حُمة". هكذا رواه ابن ماجة، وقد أخرجه مسلم (٥١) في صحيحه، عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي، عن بريدة موقوفًا، وفيه قصَّة. وقد رواه شعبة عن حصين عن الشعبي عن بريدة. قاله التِّرمذيُّ (٥٢). وروى هذا الحديث الإِمام البُخاريّ (٥٣) من حديث محمَّد بن فضيل، وأبو داود من حديث مالك بن مِغْول، والترمذيُّ من حديث سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن حصين، عن عامر الشعبي، عن عمران بن حُصين موقوفًا.

стр. 6303

(حديث أبي ذر جندب بن جنادة) (٥٤): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀:- حدَّثنا إبراهيم بن محمَّد [بن عرعرة بن البرند] [¬١] السامي [¬٢]، حدَّثنا ديلم بن [¬٣] غَزوان، حدَّثنا وهْب بن أبي دبي، عن أبي حرب [] [¬٤] عن أبي ذر قال: قال رسول رسول الله ﷺ : "إن العين لتولع الرجل بإذن الله فيتصاعد حالقًا ثم يتردى منه" إسناده غريب ولم يخرجوه. (حديث حابس التميمي): قال الإمام أحمد (٥٥): حدَّثنا عبد الصَّمد، حدَّثنا حرب، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حَيَّة بن حابس التميمي: أن أباه أخبره: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا شيء في الهام والعين حق وأصدق الطيرة الفأل". وقد رواه التِّرمذيُّ عن عمرو بن علي، عن أبي غسان يَحْيَى بن كثير، عن علي بن المبارك، عن يَحْيَى بن أبي كثير، به ثم قال: "غريب" قال: وروى شيبان، عن يَحْيَى بن أبي كثير، عن حية [¬٥] بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ . [قلت: كذلك رواه الإمام أحمد (٥٦) عن حسن بن موسى، وحُسَين بن محمَّد، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية حديثه، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا بأس في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل"] [¬٦]. حديث ابن عباس: قال الإمام أحمد (٥٧): حدَّثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، في دُوَيد، حدثني إسماعيل بن [¬٧] ثَوبان عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "العين حق، العين حق، تستنزل الحالق". غريب.

стр. 6304

طريق أخرى قال مسلم (٥٨) في صحيحه: حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا وُهَيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "العين حق، ولو كان شيء سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَت العين وإذا استغسلتم [¬١] فاغسلوا". انفرد به دون البُخاريّ. وقال عبد الرَّزاق (٥٩): عن سفيان الثوري، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يُعَوِّذ الحسن والحسين، يقول: "أعيذكما بكلمات الله التَّامة، من كل شيطان وهَامَّة ومن كل عين لامة" ويقول: "هكذا كان [¬٢] إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵈". أخرجه البُخاريّ (٦٠) [وأهل السنن] [¬٣] من حديث المنهال به. حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن خيف ﵁: قال ابن ماجة: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا سفيان، عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف [قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حُنَيف] [¬٤] وهو يغتسل، فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة. فما لبث أن لُبطَ به، فأُتي به رسول الله ﷺ ، فقيل له: أدرك [سهلًا صريعًا] [¬٥]. قال: "من تتهمون به؟ " قالوا: عامر بن ربيعة. قال: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يُعجبه فَليدْعُ له [¬٦] بالبركة". ثُمَّ دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضّأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه. قال سفيان: قال معمر؛ عن الزُّهريّ: وأمر أن يكفَأ إناءً [¬٧] من خلفه.

стр. 6305

وقد رواه النَّسائيّ (٦١)، من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس، كليهما عن الزُّهريّ، به. ومن حديث سفيان بن عيينة أيضًا عن معمر، عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة: ويكفَأ الأناء من خلفه. ومن حديث ابن أبي ذئب عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة [] [¬١] أسعد بن سهل بن [] [¬٢] حُنَيف، عن أبيه، به. ومن حديث مالك أيضًا، عن محمَّد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه به. (حديث أبي سعيد الخدري): قال ابن ماجة (٦٢): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا سعيد [¬٣] بن سليمان، حدَّثنا عباد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعن الإنس. فلما نزل المعوذتان أخذهما وتَرك ما سوى ذلك. ورواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، من حديث سعيد بن [] [¬٤] إياس أبي مسعود الجُرَيري به. وقال التِّرمذيُّ: "حسن". (حديث آخر) عنه: قال الإمام أحمد (٦٣): حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صُهَيب، حدثني أبو نضرة، عن أبي سعيد؛ أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت يا محمَّد؟ قال: "نعم". قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك، باسم الله أرقيك. ورواه عن عفَّان (٦٤) عن عبد الوارث مثله، ورواه مسلم وأهل السنن -إلَّا أبا داود - من حديث عبد الوارث به.
следующие страницы →