يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾، أي: السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾، أي: يتذكر [¬١] بها أولو الألباب، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: ممن شاء الله هدايته، كما قيده في السورة الأخرى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، أي: تارة هكذا وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، أو هذا من هذا، ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، أي: الفرض الذي أوجبه عليكم ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي: بقراءتك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.
وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية - وهي قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ - على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية، أجزأه، واعتضدوا بحديث المسيء [] [¬٢] صلاته الذي في الصحيحين (٢٣): " ثم قرأ ما في تيسر معك من القرآن".
وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة [لمن لم] [¬٣] يقرأ بفاتحة الكتاب" (٢٤)، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل صلاة لا يقرأُ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام" (٢٥). [يقرأ بأم القرآن] [¬٤] وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن" (٢٦).
стр. 6372
وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل، من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل اللَّه في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل اللَّه، وهذه الآية -بل السورة كلها- مكية، ولم يكن القتال شُرع بَعدُ، فهي من أكبر دلائل النبوة، لأنه من باب الإِخبار [¬١] بالمغيبات المستقبلة؛ ولهذا قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، أي: قوموا بما [¬٢] تيسر عليكم منه.
قال ابن جرير (٢٧): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء -محمد- قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه، ولا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة؟ قال: يتوسَّد القرآن، لعن اللَّه ذاك، قال اللَّه تعالى للعبد الصالح: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾، ﴿وَعُلِّمْتُمْ [¬٣] مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قلت: يا أبا سعيد، قال اللَّه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال: نعم، ولو خمس آيات.
وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري، أنه كان يرى حقًّا واجبًا على حَمَلة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل؛ ولهذا جاء في الحديث: أن رسول اللَّه ﷺ سُئل عن رجل نام حتى أصبح، فقال: "ذاك رجل بال الشيطان في أذنه" (٢٨). فقيل: معناه: نام عن المكتوبة. وقيل: عن قيام الليل، وفي السنن: "أوتِرُوا، أهل القرآن" (٢٩). وفي الحديث الآخر: "من لم يوتر فليس منا" (٣٠).
стр. 6373
وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر عبد العزيز، من الحنابلة، من إيجابه قيام شهر رمضان، فاللَّه أعلم.
وقال الطبراني (٣١): حدثنا أحمد بن سعيد بن فرقد الجُدّي، حدثنا [أبو محمد] [¬١] بن يوسف الزّبيدي، حدثنا عبد الرحمن. عن محمد بن عبد اللَّه بن طاوس، من ولد طاووس- عن أبيه، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، قال: "مائة آية".
وهذا حديث غريب جدًّا، لم أره إلّا في معجم الطبراني ﵀.
وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال: إن [¬٢] فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النّصب والمَخْرَج لم تُبَين إلا بالمدينة، واللَّه أعلم.
وقد قال ابن عباس، وعكربة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نَسَخت الذي كان اللَّه قد أوجبه على المسلمين أولًا من قيام الليل. واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم.
وقد ثبت في الصحيحين (٣٢) أن رسول اللَّه ﷺ قال لذلك الرجل: "خمس صلوات في اليوم والليلة". قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تَطّوّع".
[وقوله تعالى] [¬٣]: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، يعني من الصدقات، فإن اللَّه يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
стр. 6374
وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾، أي: جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٣٣): حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن [¬١] الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سُوَيد قال: قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه ﷺ : "أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ " قالوا: يا رسول اللَّه، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه! قال: "اعلموا ما تقولون". قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول اللَّه؟! قال: "إنما مال أحدكم ما قَدّم ومال وارثه ما أخر".
ورواه البخاري (٣٤) من حديث حفص بن غياث، والنسائي من حديث [] [¬٢] أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش له.
ثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها، فإنه غفور رحيم لمن استغفره.
[آخر تفسير سورة المزمل، وللَّه الحمد].
* * *
стр. 6375
تفسير سورة المدثر وهي مكية
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾
ثبت في صحيح البخاري عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولًا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، كما سيأتي بيان ذلك هنالك.
قال البخاري (١): حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؟ فقال أبو [¬١] سلمة: سألت جابر بن عبد اللَّه عن ذلك، و [¬٢] قلت له مثل ما قلتَ لي [¬٣]، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما [¬٤] حدثنا رسول اللَّه صلى اللَّه اعيه وسلم، قال: "جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطتُ فنُوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دَثّروني، وصُبّوا عليَّ ماء باردًا" قال: "فدثَّروني وصَبّوا عليّ ماءً باردًا"، قال: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾.
هكذا ساقه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم (٢) [¬٥] من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يحدث عن فترة الوحي: "فبينا أنا أمشي إذ [¬٦] سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبَلَ السماء،
стр. 6376
فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجَثثْتُ [¬١] منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١ ضض) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ -قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان- ثم حَميَ الوحيُ وتَتَابع".
هذا لفظ البخاري (٣)، وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء"، وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا ووجه الجمع أن أولَ شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإِمام أحمد (٤):
حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عُقَيل، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد اللَّه: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فوفعت بصري قِبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني [بحراء الآن] [¬٢] قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثتُ [¬٣] منه فرقًا، حتى هَوَيت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾، ثم حمي الوحي بعدُ [¬٤] وتتابع. أخرجاه (٥) من حديث الزهري به.
وقال الطبراني (٦): حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بِشر البَجَلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد، سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعامًا، فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم: ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهبم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم: ليس بشاعر. وقال بعضهم: سحر يؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فحزن
стр. 6377
وقنع رأسه، وَتَدثّر، فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
فقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، أي: شمر عن ساق العزم، وأنذر الناس. وبهذا حصل الإِرسال، كما حصل بالأول النبوة. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظم.
وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال الأجلح الكندي عن عكرمة، عن ابن عباس: إنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: لا تلبسها على معصية ولا على غَدْرة [¬١]. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة [¬٢] الثقفي:
فإني [¬٣] بحمد اللَّه لا ثَوبَ فَاجر … لبستُ، ولا من غَدْرَة [¬٤] أتَقَنّع
وقال ابن جريج [¬٥] عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: في كلام العرب: نَقِيّ الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب. وكذا قال إبراهيم، والشعبي، وعطاء.
وقال الثوري [¬٦] عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: من الإثم. وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: [نفسك، ليسَ ثيابه] [¬٧]. وفي رواية عنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: عملك فأصلح. وكذا قال أبو رزين، وقال في رواية أخرى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال قتادة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث [¬٨] ولم يَف بعهد اللَّه إنه لَمُدَنّس الثياب، وإذا وفى وأصلح إنه لمطهر الثياب. وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية.
وقال الشاعر:
إذا المرءُ لم يَدْنَس منَ اللُؤم عرْضُه … فَكلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ
وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: لا تكُ ثيابك التي تلبس من مكسب [¬٩] غير طائب [¬١٠]، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال محمد بن سيرين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: اغسلها بالماء. وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره اللَّه أن يتطهر وأن يطهر ثيابه. وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع
стр. 6378
طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس
أفاطمَ مَهْلًا بَعْضَ [¬١] هذا التدللِ [¬٢] … وإِنْ كُنْتِ قَدّ أَزْمَعْتِ [¬٣] هجري فَأَجْمِلي
وإنْ تَكُ [¬٤] قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ … فَسُلِّي [¬٥] ثَيَابِي مِنْ ثَيَابِكِ تَنْسَلِ
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: وقلبك ونيتك فطهر. وقال محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: وخُلقك فحسّن.
وقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وهو الأصنام، فاهجر. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وابن [¬٦] زيد: إنها الأوثان. وقال إبراهيم والضحاك: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أي: اترك المعصية. وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
﴿وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال ابن عباس: لا تعط العطة تلتمس [أكثر منها] [¬٧]. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبو الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: ولا تمنن أن تستكثر.
وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. وقال خُصَيف عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمتن في كلام العرب: تضعف. وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه اللَّه قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر على [¬٨] عطيتك للَّه تعالى.
وقوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع
стр. 6379
ابن أنس، والسدي، وابن زيد: ﴿النَّاقُورِ﴾: الصور. قال مجاهد: وهو كهيئة القرن.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مُطَرِّف، في عطية العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ " فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: "قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، على اللَّه توكلنا".
وهكذا رواه الإِمام أحمد (٧) عن أسباط به.
ورواه ابن جرير (٨) عن أبي كريب، عن ابن فضيل [¬١] وأسباط، كلاهما عن مطرف به.
ورواه من طريق أخرى، عن العوفي، عن ابن عباس، به.
وقوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، أي: شديد، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾، أي: غير سهل عليهم. كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ وقد روينا عن زُرَارة بن أوفى قاضي البصرة، أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾: شَهِقَ شهقة، ثم خر ميتًا ﵀ (٩).
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
стр. 6380
(٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾
يقول تعالى متوعدًا لهذا الخبيث الذي أنعم اللَّه عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم اللَّه، وبدلها كفرًا، وقابلها بالجحود بآيات اللَّه والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدد اللَّه عليه نعَمه حيث قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه اللَّه ﴿مَالًا مَمْدُودًا﴾، أي: واسعًا كثيرًا. قيل: ألف دينار. وقيل: مائة ألف دينار. وقيل: أرضا يستغلها. وقيل غير ذلك. وجعل له ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، قال مجاهد: لا يغيبون. أي: حضورًا عنده لا يسافرون في التجارات، بل مَواليهم وأجرَاؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويَتَملَّى بهم. وكانوا -فيما ذكره السدي، وأبو مالك، وعاصم بن عمر بن قتادة- ثلاثة عشر، وقال ابن عباس، ومجاهد: كانوا عشرة. وهذا أبلغ في النعمة [وهو إقامتهم عنده] [¬١]. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾، أي: معاندًا، وهو: الكفر على نعمه بعد العلم. قال اللَّه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، قال الإِمام أحمد (١٠):
[حدثنا حسن] [¬٢]، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ويل: [وادٍ] في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره، والصَّعُود: جبل من نار يصعد [¬٣] فيه سبعين خريفًا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدًا".
وقد رواه الترمذي عن عبد [بن حُمَيد] [¬٤]، عن الحسن بن موسى الأشيب، به. ثم قال: "غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج" كذا قال:
وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن [¬٥] عبد اللَّه بن وهب، عن عمرو [¬٦] بن الحارث، عن دَزاج. وفيه غرابة ونكارة: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن - المعروف بعلان المصري [¬٧]- قال [¬٨]: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك، عن عمار الدُّهنيّ [¬٩]،
стр. 6381
عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ : ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، قال: "هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده [¬١]، فإذا وضع يده ذابت، وإذا [¬٢] رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت".
ورواه البزار (١١) وابن جرير من حدثنا شريك به. وقال قتادة عن ابن عباس: صعود: صخرة عظيمة يسحب عليها الكافر على وجهه. وقال السدي: صعود: صخرة ملساء في جهنم يكلف أن يصعدها. وقال مجاهد: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابًا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير.
وقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾، أي: إنما أرهقناه صعودًا، أي: قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان، لأنه فكر وقدر، أي: تَرَوى ماذا يقول في القرآن حين سُئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق [¬٣] من المقال، ﴿وَقَدَّرَ﴾، أي: تروى، ﴿فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ﴾: دعاء عليه، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أي: أعاد النظر [¬٤] والتروي، ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾، أي: قبض بين [¬٥] عينيه وقطب ﴿وَبَسَرَ﴾، أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن الحُمَير الشاعر:
وَقَد رَابَني منها صُدُودٌ رَأيتُهُ … وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُوْرُهَا
وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾، أي: صُرف عن الحق ورجع القهقرى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن، ﴿فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَر﴾، أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن [¬٦] قبله ويحكيه عنهم؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، أي: ليس بكلام اللَّه.
وهذا المذكور في هذا السياق هو: الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤساء قريش -لعنه اللَّه- وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي، عن ابن عباس (١٢) قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فواللَّه ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهَذْي من الجنون، وإن قوله لمن كلام
стр. 6382
الله. فلما سمع بذلك النفرُ من قريش ائتمروا فقالوا: والله لئن صبا الوليد لتصْبُوَنَّ قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه. فانطلق حتى دخل عليه بيته فقال الوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا؟! فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنّما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه. فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟! فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة، ولا عمر، ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر. فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾.
وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّه ليعلو وما يُعلَى، وما أشك أنه سحر. فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ﴾ … الآية … ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾: قبض ما بين عينيه وكلح.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، أخبرنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عَبّاد [¬١] ابن منصور، عن عكرمة أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له. فبلغ ذلك أيا جهل بن هشام، فأتاه فقال: أي عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له. قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من ذلك، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنه ليحطم [¬٢] ما تحته، وإنّه ليعلو وما يُعْلَى. قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلما فكر قال: هذا سحر يأثُره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [] [¬٣] حتى بلغ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوًا من هذا. وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه، قبل أن يقدم عليهم وفودُ العرب للحج ليصدّوهم عنه، فقال قائلون: شاعر. وقال آخرون: ساحر. وقال آخرون: كاهن. وقال آخرون: مجنون. كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، قال الله : ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، أي: سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ وهذا
стр. 6383
تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾، أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعَصَبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهما.
وقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾، قال مجاهد: للجلد، وقال أبو [¬١] رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل. وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها.
وقال قتادة: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾، أي: حراقة للجلد. وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان.
وقوله: ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: [من مقَدّمُى] [¬٢] الزبانية، عَظِيم خَلْقهم، غليظ خلُقُهم.
وقد قال ابن أبي حاتم (١٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني [حارث عن] [¬٣] عامر عن البراء - في قوله: ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، قال: إن رهطا في اليهود سألوا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم. فجاء رجل فأخبر النبي ﷺ فنزل عليه ساعتئذ: ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. فأخبر أصحابه وقال: "ادعهم، أما إني سائلهم عن تُربة الجنة إن أتوني، أما إنها دَرْمَكة بيضاء". فجاءوه فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية، ثم قال: "أخبروني في تربة الجنة". فقالوا: أخبرهم يا بن سلام. فقال: كأنها خبزة بيضاء. فقال رسول الله ﷺ : "أما إن الخبز إنما يكون من الدَرمَك".
هكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء، والمشهور عن جابر بن عبد الله، كما قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مندة [¬٤]، حدثنا أحمد بن عَبدَة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ؛ فقال: يا محمد؛ غُلِب أصحابك اليوم. فقال: "بأي شيء"؟ قال: سألتهم يَهودُ هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ . قال رسول الله ﷺ : "أفغلب قوم سئُلوا عما لا يدرون فقالوا: لا ندرى حتى نسأل نبينا؟ عليّ بأعداء الله؟ لكن سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة". فأرسل إليهم فدعاهم
стр. 6384
قالوا: يا أبا القاسم، كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: "هكذا"، وطبق كفيه، ثم طبق كفيه، مرتين، وعقد واحدة، وقال لأصحابه: "إن سئُلتم عن تُربة الجنة فهي الدَّرمك". فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله ﷺ : "ما تربة الجنة؟ " فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم. فقال: "الخبز من الدّرمَك".
وهكذا رواه الترمذي (١٤) عند هذه الآية عن ابن أبي عمر، عن سفيان، به. وقال هو والبزار: "لا نعرفه إلا من حديث مجالد".
وقد رواه الإمام أحمد (١٥)، عن علي بن المديني، عن سفيان، فقص الدرمك فقط.
﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ وَمَا هِيَ إلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾
يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾، أي: خُزانها ﴿إلا مَلَائِكَةً﴾، أي: غلاظًا شدادًا. وذلك ردٌّ على مشركي قريش حين ذكر [¬١] عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش؛ أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟، فقال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً﴾، أي: شديدي الخَلْق لا يقاومون ولا يغالبون. وقد قيل: إن أبا الأشدين - واسمه: كَلَدة بن أسيد بن خلف - قال: يا معشر قريش؛ اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم [¬٢] سبعة عشر، إعجابًا منه بفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينتنرعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه. قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله ﷺ إلى مصارعته، وقال: إن عرضني آمنت بك.
стр. 6385
فصرعه النبي ﷺ مرارًا، فلم يؤمن. قال: وقد نَسَب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم [¬١] بن المطب.
قلت: ولا منافاة بين ما ذكراه، والله أعلم.
﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: إنّما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارًا منّا للناس، ﴿لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، أي: يعلمون أن هذا الرسول حق؛ فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله.
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، أي: إلى إيمانهم، أي: بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ﷺ ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: من المنافقين ﴿وَالْكَافِرُونَ: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾؟ أي يقولون: ما الحكمة في ذكر هذا هاهنا؟ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند [¬٢] آخرين، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾، أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى، لئلا يتوهم متوهم أنما هم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلَالة والجهالة من الفلاسفة اليونانيين، ومن تابعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة، التي اخترعوا دعواها، وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فَأفهِمُوا صدر الآية وقد كفروا بآخرها، وهو قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾.
وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما (١٦)، عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: "فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخرَ ما عليهم".
وقال الإمام أحمد (١٧): حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَت السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَ، ما فيها موضع أربع [¬٣] أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ولا تَلَذّذتم بالنساء على
стр. 6386
الفُرشات، ولخرجتم إلى الصُّعُدَات تجأرون إلى الله، ". فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تُعضَد.
ورواه الترمذي وابن ماجة، من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: "حسن غريب، ويروى عن أبي ذر موقوفًا".
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٨): حدثنا خير [¬١] بن عرفة المصري، حدثنا عروة بن مروان الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعًا: سبحانك! ما عبدناك حَقَّ عبادتك، إلا أنا لم نشرك بك شيئًا".
وقال محمد بن نصر المروزي (١٩) في "كتاب الصلاة": حدثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن [¬٢] عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام؛ قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟! قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ "أسمع [¬٣] أطيط السماء، وما تلام أن تَئِط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد".
وقال أيضًا (٢٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ [¬٤]، حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم، يحدث عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.
стр. 6387
وهذا مرفوع غريب جدًّا، ثم رواه (٢١) عن محمود بن آدم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه قال: إن من السماوات سماءً ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائمًا، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.
ثم قال (٢٢): حدثنا أحمد بن سيار [¬١]: حدثنا أبو جعفر بن [¬٢] محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حدثنا المغيرة بن عمر [¬٣] بن عَطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب، عن [¬٤] سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد [¬٥] بن مسعود من بني الحبلى [¬٦]، حدثني سليمان بن عمرو ابن الربيع، من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء من بني ساعدة، عن أبيه العلاء بن سعد - وقد شهد الفتح وما بعده - أن النبي ﷺ ، قال يومًا لجلسائه: "هل تسمعون ما أسمع؟ ": قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال: "أطت السماء وحُقّ لها أن تَئط، إنه ليس فيها موضع قَدَم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد، وقال الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ". وهذا إسناد غريب جدًّا.
ثم قال (٢٣): [حدثنا محمد بن يحيى] [¬٧] حدثنا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفرَوي، حدثنا عبد الملك [¬٨] بن قدامة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر؛ أن عمر جاء والصلاة قائمة، ونفر ثلاثة [¬٩] جلوس، أحدهم أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول الله. فقام اثنان وأبَى أبو جحش أن يقوم، وقال: لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين، وأشد مني بطشًا فيصرعني، ثم يَدس وجهي في التراب. قال عمر: فصرعتُه ودسستُ وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضبًا، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: "ما رأيك يا أبا حفص؟ ". فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله ﷺ : "إن [¬١٠] [رضي عمر رحمه] [¬١١] " والله لوددْتُ أنك جئتني برأس الخبيث، فقام عمر يُوَجّهُ نحوه، فلما أبعد ناداه
стр. 6388
فقال: "اجلس حتى أخبرك بغنى الرب عن صلاة أبي جحش، إن لله في السماء الدنيا ملائكة خشوعًا [¬١]، لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رفعوا رءوسهم، ثم قالوا: ربنا، ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجودًا [¬٢]، لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رءوسهم، وقالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك". فقال له عمر: وما يقولون يا رسول الله؟ فقال: "أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت؛ فقلها يا عمر في صلاتك".
فقال عمر: رسول الله؛ فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: "قل هذا مرة وهذا مرة".
وكان الذي أمره به أن يقوله: "أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سَخَطك [¬٣]، وأعوذ بك منك، جل وجهك".
هذا حديث غريب جدًّا، بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفَروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني، وقال أبو حاتم الرازي: "كان صدوقًا إلا أنه ذهب بصره، فربما لقن [¬٤] وكتبه صحيحة". وقال مرة: هو مضطرب، وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي: تكلم فيه أيضًا.
والعجب من الإمام محمد بن نصر، كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عَرّف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله؟! غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلًا بنحوه. ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلًا (٢٤)، قريبًا منه، ثم قال محمد بن نصر (٢٥):
حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ [¬٥] أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور، قال: سمعت عدي بن أرطاة، وهو يخطبنا على منبر المدائن؛ قال: سمعت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ ، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إن لله تعالى ملائكة تَرعدُ فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودًا منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رءوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم
стр. 6389
القيامة. وإن منهم ملائكة ركوعًا لم يرفعوا رءوسهم منذ خلق الله السموات والأرض، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رءوسهم نظروا إلى وجه الله قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك". وهذا إسناد لا بأس به.
وقوله: ﴿وَمَا هِيَ إلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾، قال مجاهد وغير واحد: ﴿وَمَا هِيَ﴾، أي: النار التي وصفت، ﴿إلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.
ثم قال: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾، أي: ولى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، أي: أشرق، ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، أي: العظائم، يعني النار. قاله ابن عباس، ومجاهد. وقتادة، والضحاك، وغير واحد من السلف: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾، أي: لمن شاء أن يقبل النّذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا أن ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، أي: معتقلة بعملها يوم القيامة. قاله ابن عباس وغيره ﴿إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم في جنات يتساءلون عن المجرمين، أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، أي: ما عبدنا ربنا ولا أحسنَّا إلى خلقه من جنسنا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، أي: نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوى غاو [¬١] غوينا معه، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، يعني الموت. كقوله:
стр. 6390
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقال رسول الله ﷺ : "أما هو -يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربه" (٢٦).
قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، أي: من كان متصفًا بهذه الصفات، فإنه لا تنفعه [¬١] يوم القيامة شفاعه شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنّما تنجع إذا كان المحل قابلًا، فأم من وافى الله كافرًا يوم القيامة، فإنه [¬٢] له النار لا محالة، خالدًا فيها.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [أي: فما لهولاء الكفرة الذين قبلَك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين] [¬٣] ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾، أي: كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه حُمُر من حمر الوحش، إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس - في رواية عنه - وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. أو: رام، وهو رواية عن ابن عباس، وهو قول الجمهور.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران [¬٤]، عن ابن عباس: الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية قسورة، وبالفارسية شير [¬٥]، وبالنبطية أويا.
وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾، أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابًا [¬٦] كما أنزل على النبي.
قاله مجاهد وغيره، كقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ [¬٧]﴾. وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل.
فقوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾، أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾، أي: حقًّا إنّ القرآن تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، أي: هو أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يَغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة.
стр. 6391
وقال الإمام أحمد (٢٧): حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك؛ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، وقال: "قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا كان أهلًا أن أغفر له".
ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران، كلاهما عن سهيل بن عبد الله القُطَعي به.
وقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هُدَبَة بن خالد، عن سُهَيل، به. وهكذا رواه أبو يعلى والبزَّار والبَغَوي، وغيرهم، من حديث سُهَيل القُطَعي، به.
[آخر تفسير سورة المدثر، ولله الحمد والمنة] [¬١]
* * *
стр. 6392
تفسير سورة القيامة وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾
قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه متى كان منتفيًا، جاز الإتيان بـ"لا" قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسوم عليه هاهنا هو إثبات العاد، والردّ على ما يزعمه الجهلة من العباد من عدم بَعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال الحسن: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا. هكذا حكاه ابن أبي حاتم. وقد حكى ابن جرير، عن الحسن والأعرج أنهما قرأا: ﴿لأُقْسِمُ﴾ [¬١] وهذا يوجه قول الحسن؛ لأنه أثبت القسم بيوم القيامة، ونفى القسم بالنفس اللوامة. والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا، كما قاله قتادة، ﵀، وهو المروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير. فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة؛ فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إنّ المؤمن - والله - ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُمًا قُدُمًا ما يعاتب نفسه.
وقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، عن إسرائيل، عن سماك؛ أنه سأل عكرمة عن قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: يلوم على الخير
стр. 6393
والشر: لو فعلت كذا وكذا.
ورواه ابن جرير (١)، عن أبي كُرَيب، عن وكيع عن إسرائيل به.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير في: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: تلوم على الخير والشر.
ثم رواه من وجه آخر (٣) عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك، فقال: هي النفس اللئوم.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: المذمومة [¬١]. وقال قتادة: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: الفاجرة.
قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى، والأشبة بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات.
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ - قال سعيد بن جُبَير والعَوفي، عن ابن عباس: أن نجعله خفًّا أو حافرًا [¬٢].
وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجَّهه ابنُ جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا.
والظاهر من الآية أن قوله ﴿قَادِرِينَ﴾ حال من قوله: ﴿نَجْمَعَ﴾، أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه - وهي أطراف أصابعه - مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج.
وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ - قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قُدُمًا.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ يعني الأمل [¬٣]، يقول الإنسان. أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة.
стр. 6394
وقال مجاهد: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يمضى أمامه راكبًا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى [¬١] ابنُ آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قُدُمًا قُدُمًا، إلا من عصمه الله.
وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يُعجِّل الذنوبَ ويُسوِّف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذِّب بيوم الحساب.
وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾، أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقال تعالى هاهنا: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ - قال أبو عمرو بن العلاء: (بَرق) -بكسر الراء- أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طَرْفُهُمْ﴾، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء، من شدة الرعب.
وقرأ آخرون: (بَرَق) بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشعُ وتحار وتذل من شدّة الأهوال، ومن عِظم ما يشاهده يوم القيامة من الأمور.
وقوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾، أي: ذهب ضوؤه، ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال مجاهد: كُورا. وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.
وقول: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ﴾، أي: إذا عانى ابنُ آدمَ هذه الأهوال يوم القيامة حينئذ [يريد أن] [¬٢] يفر ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.
قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: أي لا نجاة.
وهذه كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾، أي: ليس لكم مكان تتنكرون [¬٣] فيه، [وكذا قال هاهنا: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾، أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه] [¬٤]
стр. 6395
ولهذا قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، أي: المرجع والمصير.
ثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، [صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾] [¬١].
وهكذا قال هاهنا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، يقول: سمعهُ وبصرهُ [ويداه ورجلاه] [¬٢] وجوارحُه. وقال قتادة: شاهد على نفسه. وفي رواية قال: إذا شئت والله رأيته بصيرًا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلًا عن ذنوبه [¬٣]، وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبًا: يا بن آدم، تُبصر القَذَاة في عين أخيك، وتترك الجِذْل [¬٤] في عينك لا تبصره.
وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: حجته. وكذا قال ابن [¬٥] زيد، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، يقول: لو ألقى ثيابه [¬٦].
وقال الضحاك: ولو أرخى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر: المعذار [¬٧].
والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، هي: الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾، ﴿[فَأَلْقَوُا السَّلَمَ] [¬٨] مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
стр. 6396
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾
هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابقُ [¬١] المَكَ في قراءته، فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه.
فالحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاح معناه.
ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، أي: بالقرآن، كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ﴾، أي: في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾، أي: أن [¬٢] تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾، أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾، أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرحمن، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان [¬٣] يحرك شفتيه، قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه.
وقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه، فأنزل الله : ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، قال: جمعه في صدرك، ثم تقرؤه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فاستمع [¬٤] له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾. فكان بعد ذلك
стр. 6397
إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه.
وقد رواه البخاري ومسلم (٥)، من غير وجه، عن موسى بن أبي عائشة به.
ولفظ البخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعد [¬١] الله .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عُرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.
وهكذا قال الشعبي، والحسن البصري، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك.
وقد روى ابن جرير (٦) من طريق العَوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه، فقال الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَينَا﴾ [أن نجمعه لك] [¬٢] ﴿وَقُرْآنَهُ﴾، أن نقرئك فلا تنسى.
وقال ابن عباس وعطية العوفي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾: تبين [¬٣] حلاله وحرامه. وكذا قال قتادة.
وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ [¬٤] الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ [¬٥] الْآخِرَةَ﴾، أي: إنّما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم - أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، من النضارة، أي: حسنة بَهِيَّة مشرقة مسرورة،
стр. 6398
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي: تراه عيانًا، كما رواه البخاري (٧) ﵀ في صحيحه: "إنكم سترون ربكم عيانًا".
وقد ثبت رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة في [¬١] الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة - وهما في الصحيحين (٨) -: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله؛ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم تَرَون ربكم كذلك". وفي الصحيحين (٩) عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر؛ فقال: "إنكم تَرَون ردكم كما تَرَون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا".
وفي الصحيحين (١٠) عن أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".
وفي أفراد مسلم (١١)، عن صهيب، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إذا دخل أهلُ الجنة الجنة؛ قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبَيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة". ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
стр. 6399
وفي أفراد، مسلم (١٢)، عن جابر في حديثه: "إن الله يَتَجلّى للمؤمنين يضحك" يعني في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم في العرصات، وفي روضات الجنات.
وقال الإمام أحمد (١٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن أبجر، حدثنا [ثُوير] [¬١] بن أبي [فاختة] [¬٢]، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزالة لينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين".
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: "سمعت ابن عمر … ". فذكره، قال: "رواه عبد الملك بن أبجر، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قوله". وكذلك رواه الثوري، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، ولم يرفعه. ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقًا في مواضعَ من [¬٣] هذا التفسير، وبالله التوفيق.
وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهُداة الأنام.
ومن تأول [¬٤] ذلك بأن المراد: (إلى [¬٥] مفرد الآلاء، وهي النعم، كما قال الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فقال: تنتظر الثواب من ربها.
رواه ابن جرير (١٤) من غير وجه عن مجاهد.
وكذا قال أبو صالح أيضًا فقد [¬٦] أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ قال الشافعي؛ ﵀: ما حَجَب الفجار إلا وقد عَلِم أن الأبرار يرونه، . ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال
стр. 6400
ابن جرير (١٥): حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا آدم، حدثنا المبارك، عن الحسن: " ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، قال: حسنة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قال: تنظر إلى الخالق، وحُق [¬١] لها أن تَنضُر وهي تنظر إلى الخالق.
وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة. وقال السدى: تغير ألوانها. وقال ابن زيد ﴿بَاسِرَةٌ﴾، أي: عابسة.
﴿تَظُنُّ﴾، أي: تستيقن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾، قال مجاهد: داهية [¬٢]. وقال قتادة: شر. وقال السدي: تستيقن أنها هالكة. وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار. وهذا المقام كقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. وكقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، وكقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وُجُوهٌ [¬٣] يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، في أشباه ذلك من الآيات والسياقات.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾
يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال - ثبتنا الله هناك بالقول الثابت - فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، إن جعلنا ﴿كَلَّا﴾ رادعة فمعناها: لست يا بن آدم تكذب هناك بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عيانًا. وإن جعلناها بمعنى (حقًّا) فظاهر، أي: حقًّا إذا بلغت التراقي، أي: انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك. والتراقي: جمع
стр. 6401
ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق، كقوله: ﴿فَلَوْلَا [¬١] إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وهكذا قال هاهنا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، ونذكر هاهنا حديث بُسْر بن جِحَاش [¬٢] (١٦) الذي تقدم في سورة "يس". والتراقى: جمع ترقوة، وهي قريبة من الحلقوم.
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ؟﴾ قال: عكرمة، عن ابن عباس: أي مَن راق يرقي؟ وكذا قال أبو قلابة ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، أي: من طبيب شاف. وكذا قال قتادة، والضحاك، وابن زيد.
وقال ابن أبي حاتم (١٧): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: ﴿وَقِيلَ: مَنْ رَاقٍ﴾، قال: قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة.
وبهذا الإسناد (١٨)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، [قال: التفت عليه الدنيا والآخرة.
وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾،] [¬٣] يقول: آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله.
وقال عكرمة: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: هما ساقاك إذا التفتا. وفي رواية عنه: ماتت [¬٤] رجلاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوالًا. وكذا قال السدي، عن أبي مالك. وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن. وقال الضحاك: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول الله : ردّوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. كما ورد في حديث البراء الطويل.
стр. 6402
وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبًا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنًا ولا ظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾، أي: جَذلًا أشرًا بَطرًا كسلانًا، لا همة له ولا عمل، كما قال: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [¬١]﴾.
وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: يرجع، ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: يختال. وقال قتادة، وزيد ابن أسلم: يتبختر.
قال الله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد منه تعالى للكافر به المتبختر في مشيته، أي: يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد.
كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. وكقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. وكقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. وكقوله: ﴿اعْمَلُوا [¬٢] مَا شِئْتُمْ﴾. إلى غير ذلك.
وقد قال ابن أبي حاتم (١٩): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة؛ قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾؟ قال: قال النبي ﷺ لأبي جهل، ثم نزل به القرآن.
وقال أبو عبد الرحمن النسائي (٢٠): حدثنا [يعقوب بن إبراهيم] [¬٣]، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو عوانة، عن
стр. 6403
موسى ابن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير؛ قال: قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾؟ قال: قاله رسول الله ﷺ ثم أنزله الله .
قال ابن أبي حاتم (٢١): وحدثنا أبي، حدثنا، هشام بن خالد، حدثنا شعيب بن إسحاق، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وعيد على إثر وعيد، كما تسمعون [] [¬١]، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نَبيّ الله بمجامع ثيابه، ثم قال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. فقال عدو الله أبو [¬٢] جهل: أتوعدني يا [¬٣] محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا، وإنّي لأعز من مشى بين جبليها.
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، قال السدي: يعني لا يبعث.
وقال مجاهد، والشافعي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني لا يؤمر ولا ينهى.
والظاهر أن الآية تعم الحالين، [أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى] [¬٤]، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في دار الآخرة.
والمقصود هنا إثبات المعاد، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد؛ ولهذا قال مستدلًّا على الإعادة بالبداءة فقال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾؟ أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين، يمنى يراق من الأصلاب في الأرحام. ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾، أي: فصار علقة، ثم مضغة، ثم شُكّل ونفخ فيه الروح، فصار خلقًا آخر سَويًّا سليم الأعضاء، ذكرًا أو أنثى بإذن الله وتقديره؛ ولهذا قال: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
ثم قال: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾، أي: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه؟ وتناولُ القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة، وإما مساوية على القولين في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. والأول أشهر كما تقدم في "سورة الروم" بيانه وتقريره، والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن [¬٥] الصباح، حدثنا شبابة، عن شعبة، عن
стр. 6404
موسى بن أبي عائشة، عن آخر: أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾ قال: سبحانك اللَّهم؛ فبلى [¬١]. فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.
وقال أبو داود ﵀ (٢٢): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، قال: كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾. قال: سبحانك، فبلى. فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ﷺ .
تفرد به أبو داود، ولم يسم هذا الصحابي، ولا يضر ذلك.
وقال أبو داود (٢٣) أيضًا: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أمية: سمعت أعرابيًّا يقول: سمعت أبا هُرَيرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فانتهى إلى: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾ فليقل: بلى. ومن قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فبلغ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟﴾ فليقل: آمنا بالله".
ورواه أحمد، عن سفيان بن عيينة.
ورواه الترمذي عن ابن أبي [¬٢] عمر، عن سفيان بن عيينة.
وقد رواه شعبة، عن إسماعيل بن أمية؛ قال: قلت له: من حدثك؟ قال رجل صدق، عن أبي هريرة.
وقال ابن جرير (٢٤): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾؟: ذُكِرَ لنا أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال: "سبحانك، وبلى [¬٣] ".
стр. 6405
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري [¬١]، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أنه مرَّ بهذه الآية: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾، قال: سبحانك، فبلى [¬٢].
[آخر تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنة]
* * *
стр. 6406
تفسير سورة الإنسان وهي مكية
قد تقدم في صحيح مسلم (١)، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يومَ الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
وقال عبد الله بن وهب، أخبرنا ابن زيد، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود، فلما بلغ صفة الجنان، زفر زفرة فخرجت نفسه. فقال رسول الله ﷺ : "أخرج نفس صاحبكم -أو قال: أخيكم- الشوقُ إلى الجنة". مرسل غريب.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر، لحقارته، وضعفه، فقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾.
ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء الخَليط، بعضه في بعض.
قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون. وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
وقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾، أي: نختبره، كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية.
وقوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾، أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. وكقوله: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد - في المشهور عنه -
стр. 6407
والجمهور.
ورُوي عن مجاهد، وأبي صالح، والضحاك، والسدي أنهم قالوا في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: يعني خروجه من الرحم. وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول.
وقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من "الهاء" في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: تقديره فهو في ذلك إما شقى وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم (٢)، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها". وتقدم في "سورة الروم"، عند قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ من رواية جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه [فإذا أعرب عنه لسانه] [¬١]، فإما شاكرًا وإما كفورًا" (٣).
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هُرَيرة عن النبي ﷺ ؛ قال: "ما من خارجٍ يخرج إلا ببابه رايتان: رايةُ بيد مَلَك، وراية بيد شَيطان، فإن خرج لما يُحِبّ الله اتبعَه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته. وإن خرج لما يُسخِط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان، حتى يرجع إلى بيته".
وقال الإِمام أحمد (٥): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن خُثَيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ قال لكعب بن عُجْرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون من بعدي، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صَدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يَرِدُون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يُعنِهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي، يا كعب بن عُجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قُربان -أو قال: برهان. يا كعب بن عُجرةَ: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب: الناس غَاديان، فمبتاعُ [¬٢] نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
стр. 6408
ورواه عن عَفّان (٦)، عن وُهَيب، عن عبد الله بن عثمان بن خثَيم به.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾
يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خَلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللَّهيب والحريق في نار جهنم، كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.
ولما ذكر ما أعدّه لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة.
قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل؛ ولهذا قال: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي: هذا الذي مُزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صِرفًا بلا مزج وَيُرْوونَ [¬١] بها؛ ولهذا [¬٢] ضمن يشرَب "يروى" حتى عداه بالباء، ونصب ﴿عَينًا﴾ على التمييز.
قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يَشْرَبُ﴾. حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.
وقوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي [¬٣]: يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ
стр. 6409
نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا [¬١] نَهَرًا﴾. قال مجاهد: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يقودونها حيث شاءوا. وكذا قال عكرمة، وقتادة: وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا.
وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.
قال الإمام مالك (٧)، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومق نذر أن يَعصي الله فلا يَعصِه". رواه البخاري، من حديث مالك.
ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير، أي: منتشر عام على الناس إلا من رَحِمَ الله.
قال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطار - والله - شرّ ذلك اليوم حتى مَلأ السماوات والأرض. قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصَدع في الزجاجة واستطال. ومنه قول الأعشى:
فَبَانَتْ [¬٢] وَقَد أسْأرت في الفُؤا … د صَدْعًا على نَأيها مُستَطيرًا
يعني: ممتدًّا فاشيًا.
وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾، قيل: على حب الله تعالى. وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله لدلالة السياق [¬٣] عليه. والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له. قاله مجاهد، ومقاتل، واختاره ابن جرير، [كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾.
وكقرله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾] [¬٤].
وروى البيهقي (٨)، من طريق الأعمش، عن نافع؛ قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا أول ما
стр. 6410
جاء العنب فأرسلت صفية - يعني امرأته - فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل [¬١]، فلما دخل به قال [¬٢] السائل: السائل. فقال ابن عمر أعطوه إياه. فأعطوه إياه. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا فاتبع الرسول السائلُ: فلما دخل قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به.
وفي الصحيح (٩): " أفضل الصدقة أن تَصَدّقَ وأنت صحيح، شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر"، أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير فقال سعيد بن جبير، والحسن، والضحاك: الأسير: من أهل القبلة.
وقال ابن عباس (١٠): كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء.
وهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة.
وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: "الصلاةَ وما ملكت أيمانكم" (١١).
وقال عكرمة: هم العبيد - واختاره ابن جرير - لعموم الآية للمسلم والمشرك.
وقال مجاهد: هو المحبوس. أي: يطعمون لهؤلاء الطعام وهم يشتهونه ويحبونه، قائلين بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، أي: رجاءَ ثواب الله ورضاه، ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها ولا أن تشكرونا [¬٣] عند الناس.