← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

تفسير سورة الإنسان وهي مكية قد تقدم في صحيح مسلم (١)، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يومَ الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وقال عبد الله بن وهب، أخبرنا ابن زيد، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود، فلما بلغ صفة الجنان، زفر زفرة فخرجت نفسه. فقال رسول الله ﷺ : "أخرج نفس صاحبكم -أو قال: أخيكم- الشوقُ إلى الجنة". مرسل غريب. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر، لحقارته، وضعفه، فقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾. ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء الخَليط، بعضه في بعض. قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون. وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة. وقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾، أي: نختبره، كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية. وقوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾، أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. وكقوله: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد - في المشهور عنه -

стр. 6407

والجمهور. ورُوي عن مجاهد، وأبي صالح، والضحاك، والسدي أنهم قالوا في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: يعني خروجه من الرحم. وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول. وقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من "الهاء" في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: تقديره فهو في ذلك إما شقى وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم (٢)، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها". وتقدم في "سورة الروم"، عند قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ من رواية جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه [فإذا أعرب عنه لسانه] [¬١]، فإما شاكرًا وإما كفورًا" (٣). وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هُرَيرة عن النبي ﷺ ؛ قال: "ما من خارجٍ يخرج إلا ببابه رايتان: رايةُ بيد مَلَك، وراية بيد شَيطان، فإن خرج لما يُحِبّ الله اتبعَه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته. وإن خرج لما يُسخِط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان، حتى يرجع إلى بيته". وقال الإِمام أحمد (٥): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن خُثَيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ قال لكعب بن عُجْرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون من بعدي، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صَدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يَرِدُون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يُعنِهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي، يا كعب بن عُجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قُربان -أو قال: برهان. يا كعب بن عُجرةَ: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب: الناس غَاديان، فمبتاعُ [¬٢] نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".

стр. 6408

ورواه عن عَفّان (٦)، عن وُهَيب، عن عبد الله بن عثمان بن خثَيم به. ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خَلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللَّهيب والحريق في نار جهنم، كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. ولما ذكر ما أعدّه لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة. قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل؛ ولهذا قال: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي: هذا الذي مُزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صِرفًا بلا مزج وَيُرْوونَ [¬١] بها؛ ولهذا [¬٢] ضمن يشرَب "يروى" حتى عداه بالباء، ونصب ﴿عَينًا﴾ على التمييز. قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يَشْرَبُ﴾. حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير. وقوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي [¬٣]: يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ

стр. 6409

نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا [¬١] نَهَرًا﴾. قال مجاهد: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يقودونها حيث شاءوا. وكذا قال عكرمة، وقتادة: وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا. وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. قال الإمام مالك (٧)، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومق نذر أن يَعصي الله فلا يَعصِه". رواه البخاري، من حديث مالك. ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير، أي: منتشر عام على الناس إلا من رَحِمَ الله. قال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطار - والله - شرّ ذلك اليوم حتى مَلأ السماوات والأرض. قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصَدع في الزجاجة واستطال. ومنه قول الأعشى: فَبَانَتْ [¬٢] وَقَد أسْأرت في الفُؤا … د صَدْعًا على نَأيها مُستَطيرًا يعني: ممتدًّا فاشيًا. وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾، قيل: على حب الله تعالى. وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله لدلالة السياق [¬٣] عليه. والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له. قاله مجاهد، ومقاتل، واختاره ابن جرير، [كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾. وكقرله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾] [¬٤]. وروى البيهقي (٨)، من طريق الأعمش، عن نافع؛ قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا أول ما

стр. 6410

جاء العنب فأرسلت صفية - يعني امرأته - فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل [¬١]، فلما دخل به قال [¬٢] السائل: السائل. فقال ابن عمر أعطوه إياه. فأعطوه إياه. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا فاتبع الرسول السائلُ: فلما دخل قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به. وفي الصحيح (٩): " أفضل الصدقة أن تَصَدّقَ وأنت صحيح، شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر"، أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير فقال سعيد بن جبير، والحسن، والضحاك: الأسير: من أهل القبلة. وقال ابن عباس (١٠): كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء. وهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة. وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: "الصلاةَ وما ملكت أيمانكم" (١١). وقال عكرمة: هم العبيد - واختاره ابن جرير - لعموم الآية للمسلم والمشرك. وقال مجاهد: هو المحبوس. أي: يطعمون لهؤلاء الطعام وهم يشتهونه ويحبونه، قائلين بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، أي: رجاءَ ثواب الله ورضاه، ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها ولا أن تشكرونا [¬٣] عند الناس.

стр. 6411

قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب. ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه، في اليوم العبوس القمطرير. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿عَبُوسًا﴾: ضيقًا، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: طويلًا. وقال عكرمة وغيره، عنه، في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، أي [¬١]: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عَرَق مثل القَطرَان. وقال مجاهد: ﴿عَبُوسًا﴾، العابس الشفتين ﴿قَمْطَرِيرًا﴾، قال: تقبيض الوجه بالبُسُور. وقال سعيد بن جبير، وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: تقليص الجيين وما بين العينين، من الهول. وقال ابن زيد: العبوس: الشر. والقمطرير: الشديد. وأوضح العبارات وأجلاها وأحلاها، وأعلاها وأولاها - قولُ ابن عباس ﵁. قال ابن جرير: والقمطرير هو: الشديد؛ يقال: هو يوم قمطرير ويوم قُمَاطِر، ويوم عَصِيب وعَصَبْصَب، وقد اقمطرّ اليومُ يقمطرّ اقمطرارًا، وذلك أشد الأيام وأطولها [¬٢] في البلاء والشدة، ومنه قول بعضهم. بَني عَمّنا هل تَذكُرونَ بَلاءَنَا … عَلَيكم إذَا ما كَانَ يَومُ قُمَاطرُ قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾، وهذا من باب التجانس البليغ، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾، أي: آمنهم مما خافوا منه، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، أي: في وجوههم، ﴿وَسُرُورًا﴾، أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع بن أنس. وهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه، قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: "وكان رسول الله ﷺ إذا سُرّ، استنار وجهه حتى كأنه قطعة [¬٣] قَمَر] (١٢). وقالت عائشةُ: "دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ مسرورًا تَبرُقُ أسَاريرُ

стр. 6412

وَجْهه … " (١٣) الحديث. وقوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونَولهم وبَوأهم ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، أي: منزلًا رحبًا، وعيشًا رَغَدًا، ولباسًا حَسَنًا. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الدّارَاني قال: قرئ على أبي [¬١] سليمان الداراني سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، فلما بلغ القاري إلى قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، قال: بما [¬٢] صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد: كَم قَتِيل بشَهوةٍ وأسير … أفّ مِنْ مُشتهى خِلَاف الجمِيل شَهوَات الإنْسان تورثه الذّلْ … وَتُلقيه في البَلَاء الطويل ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيتَ ثَمَّ رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العَمِيم فقال: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. وقد تقدم الكلام على ذلك في "سورة الصافات" وذكر الخلاف في الاتكاء: هل هو الاضطجاع، أو التمرفق، أو التربع، أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال. وقوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾، أي: ليس عندهم حَر مزعج، ولا برد مؤلم، بل هي مزاج واحد دائم سرمَدي، ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.

стр. 6413

﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا﴾، أي: قريبة إليهم أغصانها، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾، أي: متى تعاطاه دنا القطْفُ إليه وتدلى من أعلى غصنه، كأنه سامع طائع، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَينِ دَانٍ﴾. وقال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾. قال مجاهد: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾: إن قام ارتفعت بقَدْره [¬١]، وإن قعد تَدَلتْ له [¬٢] حتى ينالها، وإن اضطجع تَدَلت له [¬٣] حتى ينالها، فذلك قوله: ﴿تَذْلِيلًا﴾. وقال قتادة: لا يرد أيديَهم عنها شوك ولا بُعدُ. وقال مجاهد: أرض الجنة من وَرق، وترابها المسك، وأصول شجرها من ذهب وفضة، وأفنانها من اللؤلؤ وَالرطب [¬٤] والزبرجد والياقوت، والوَرَق والثمر بين ذلك. فمن أكل منها قائمًا لم يؤذه، ومن أكل منها قاعدًا لم يؤذه، ومن أكل منها مضطجعًا لم يؤذه. وقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾، أي: يطوف عليهم الخدمُ بأواني الطعام، وهي من [¬٥] فضة، وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم. وقوله [¬٦]: ﴿كَانَتْ [¬٧] قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، فالأول منصوب بخبر كان؛ أي [¬٨]: كانت قوارير. والثاني منصوب إما على البدلية، أو تمييز؛ لأنه أنَّه بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا. قال ابن المبارك، عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير فضة. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾، أي: على قدر ربهم، لا تزيد عنه ولا تنقص [¬٩]، بل هي مُعَدة لذلك، مقدرة بحسب ري صاحبها. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة، وابن أبزى، وعبد الله بن عُبيد بن عمير، وقتادة، والشعبي، وابن زيد.

стр. 6414

وقاله ابن جرير وغير واحد. وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾، قدرت للكف. وهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك على قدر أكُفّ الخُدام. وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القَدْر والري [¬١]. وقوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ أي: ويسقون -يعني الأبرار أيضًا- في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾، أي: خمرًا، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾، فتارة يمزَج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة. وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صِرفًا، كما قاله قتادة وغير واحد. وقد تقدم قوله: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، وقال ها هنا: ﴿عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا. قال عكرمة: اسم عين في الجنة. وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحِدّة جَريها. وقال قتادة: ﴿عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عين سَلِسَة مُستَقِيد ماؤها. وحكى ابنُ جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق. واختار هو أنها تَعُم ذلك كله، وهو كما قال: وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدان من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾، أي: على حالة واحدة مُخَلَّدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السنن. ومن فسرهم بأنهم مُخَرّصُونَ في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله: ﴿إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحُسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورًا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. قال قتادة، عن أبي أورب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.

стр. 6415

وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ﴾، أي: وإذا رأيت يا محمَّد ﴿ثَمَّ﴾، أي: هناك، يعني في الجنة ونعيمها وَسَعَتها وارتفاعها وما فيها من الحَبرَة والسرور، ﴿رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾، أي: مملكة لله هُناك عظيمةً وسلطانًا باهرًا. وثبت في الصحيح (١٤) أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولا إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها. وقد قَدمنا في الحديث المَروي من طريق ثُوَير بن أبي فاختة، عن ابن عمر (١٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن [¬١] ينظر في ملكة مسيرة ألفي سنة ينظر إلى [¬٢] أقصاه كما ينظر إلى [¬٣] أدناه" باذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بما هو أعلى منزلة، وأحظى عنده تعالى. وقد روى الطبراني (١٦) ها هنا حديثًا غَريبا جدًّا فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمَّد بن عمار الموصلي، حدثنا عقبة [¬٤] بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله: "سل واستفهم". فقال: يا رسول الله، فُضّلْتُم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنت به وعملتُ بمثل ما عملتَ به، إني لكائن معكَ في الجنة؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده إنه لَيُرَى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام" ثم قال رسول الله ﷺ : فمن قال: لا إله إلا الله، كان له بها عَهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة". فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليأتى يوم القيامة بالعمل لو وُضِعَ على جبل لأثقله، فتقوم النعمة -أو: نعَم الله فتكاد تستنفد ذلك كله، إلا أن يَتَغَمده الله برحمته" ونزلت هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: "نعم". فاستبكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فَلَقد رأيت رسول الله ﷺ يُدليه في

стр. 6416

حُفرَته بيده. وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس، وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والأستبرق منه ما فيه بريق ولمعان، وهو مما هي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس، ﴿وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾. ولما ذكر تعالى زينةَ الظاهِر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، أي: طهر بواطنهم من الحَسَد والحقد [¬١] والغل والأذى وسائر الأخلاق الردية، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وَجَدوا هنالك عينين فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما [فاذهب الله] [¬٢] ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فَجَرت عليهم نضرةُ النعيم. وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. وكقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، أي: جزاكم الله على القليل بالكثير. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾

стр. 6417

يقول تعالى ممتنًّا على رسوله ﷺ بما نَزله [¬١] عليه من القرآن العظيم تنزيلا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾، أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ عليك، فاصبر على قضائه وقَدَره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدّك عما أنزل إليك، بل بَلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس. فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر بقلبه. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، أي: أولَ النهار وآخره. ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا﴾. كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾. ثم قال تعالى منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حُب الدنيا والأقبال عليها والانصباب إليها، وتركِ الدار الآخرة وراء ظهررهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، يعني يوم القيامة. ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني خَلْقَهم. ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا﴾، أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدَلناهم فأعدناهم خلقًا جديدًا. وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة. وقال ابن [¬٢] زيد، وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا﴾: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم. [كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.] [¬٣] وكقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ -يعني هذه السورة ﴿تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، أي: طريقًا ومسلكًا، أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهديَ نفسه، ولا

стр. 6418

يدخل في الإيمان [¬١] ولا يجر لنفسه نفعا، ﴿إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، [أي: عليم بمن يستحق الهداية فَيُيَسّرها له، ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغَوَاية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.] [¬٢] ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: يهدى من يشاء ويضل من يشاء، ومن يهده فلا مضل له، ومن يضل فلا هادى له. آخر سورة الإنسان * * *

стр. 6419

تفسير سورة المرسلات وهي مكية قال البخاري (١)، [] [¬١] حدثنا عمر بن حفص بن غياث، [حدثنا أبي] [¬٢]، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله هو ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبي ﷺ في غار بمنى، إذ نَزَلت عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، فإنه ليتلمها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثَبَت علينا حَيَّة، فقال النبي ﷺ : "اقتلوها". فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ : "وُقيَتْ شكركم كما وُقيتُم شرها". وأخرجه مسلم أيضًا، من طريق الأعمش. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا سفيان بن عُيَينة، عن الزهريّ، عن عُبيد الله، عن ابن عباس، عن أمه: أنها سَمعَت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عُرفًا. وفي رواية مالك (٣)، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن أم الفضل سمعته يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: يا بني، ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. أخرجاه في الصحيحين، من طريق مالك، بهم [¬٣]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ

стр. 6420

أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن سهل المروزي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هرَيرة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، قال: الملائكة. قال: ورُوي عن مسروق، وأبي الضحى، ومجاهد -في إحدى الروايات- والسدي، والربيع بن أنس، مثل ذلك. ورُوِيَ عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل. وفي رواية عنه: هي الملائكة. وهكذا قال أبو [¬١] صالح في ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ و ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾، و ﴿فَالْفَارِقَاتِ﴾، و ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ﴾: إنها الملائكة. قال الثوري، عن سلمة بن كُهَيل، عن مسلم البَطين، عن أبي العُبَيدَين قال: سألت ابنَ مسعود عن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، قال: الريح. وكذا قال في: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾: إنها الريح. وكذا قال ابن عباس: ومجاهد، وقتادة، وأبو صالح -في رواية عنه- وتوقف ابن جرير في ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾: هل هي الملائكة أرسلت بالعُرْف، أو كَعُرف الفَرَس يتبع بعضهم بعضًا؟ أو: هي الريح إذا هَبَّت شيئًا فشيئًا وقطع بأن ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا [¬٢]﴾ هي الرياح، كما قاله ابن مسعود ومن تابعه. وممن قال ذلك في العاصفات أيضًا: علي بن أبي طالب، والسدي. وتوقف في ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾، هل هي الملائكة أو الريح؟ كما تقدم. وعن أبي صالح: أن الناشرات نشرًا: المطر. والأظهر أن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ هي الرياح، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾. وهكذا العاصفات هي: الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هَبت بتصويت.

стр. 6421

وكذا الناشرات هي: الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء، كما يشاء الرب . وقوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾، يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، والثوري. ولا خلاف ها هنا؛ بأنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغَي، والحلال والحرام، وتلقى إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخلق، وإنذارٌ لهم عقابَ الله إن خالفوا أمره. وقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾: هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي [¬١]: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبها الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إن هذا كله- ﴿لَوَاقِعٌ﴾، أي؛ لكائن لا محالة. ثم قال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾، أي: ذهب ضوؤها، كقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. وكقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾، أي: انفطرت وانشقت، وتدلت [¬٢] أرجاؤها، وَوَهَت أطرافها. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾، أي: ذُهِب بها، فلا يبقى لها عين ولا أثر، كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. وقوله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: جمعت. وقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾. وقال مجاهد: ﴿أُقِّتَتْ﴾: أجلت. وقال الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿أُقِّتَتْ﴾: أوعدت. وكأنه يجعلها كقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. ثم قال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، يقول تعالى: لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها؟ حتى تقوم الساعة، كما قال

стр. 6422

تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وهو يوم الفصل، كما قال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾. ثم قال معظمًا لشأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: ويل لهم من عذاب الله غدًا. وقد قدمنا في الحديث أن "ويل" واد في جهنم. ولا يصح. ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَينَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾ يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به، ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾، أي: ممن أشبههم. ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. قاله ابن جرير. ثم قال ممتنًا على خلقه ومحتجًّا على الإعادة بالبدَاءة: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أي: ضعيف حقير بالنسبة إلى قُدرَة الباري ، كما تقدم في سورة ﴿يس﴾ في حديث بُسر بن جحاش: "ابنَ آدم، [أنَّى تُعجزُني] [¬١] وقد خلقتك من مثل هذه؟! " (٤). ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾، يعني: جمعناه في الرَّحِم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرحم معد لذلك [¬٢]، حافظ لما أودع فيه من الماء. وقوله: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، يعني إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر. ولهذا قال: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.

стр. 6423

ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ قال ابن عباس: ﴿كِفَاتًا﴾: كنًّا [¬١]. وقال مجاهد: يُكفت المَيت فلا يُرَى منه شيء. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم. وكذا قال مجاهد وقتادة. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾، يعني: الجبال أرسى [¬٢] بها الأرض لئلا تميد وتضطرب. ﴿وَأَسْقَينَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾: عذبًا زُلالًا من السحاب، أو مما أنبعه الله من عيون الأرض. ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها، ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره. ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾ يقول تعالى مخاطبًا للكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار، أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾، يعني لهَبَ النار إذا ارتفع وصَعِدَ معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب، ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾، أي: ظل الدخان المقابل للَّهب لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب، يعني ولا يقيهم حر اللهب. وقوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، أي: يتطار الشرر [¬٣] من لهبها كالقصر. قال ابن مسعود: كالحصون. وقال ابن عباس وقتادة، ومجاهد، ومالك عن زيد بن أسلم، وغيرهم: يعني أصول الشجر. ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ [¬٤] صُفْرٌ﴾، أي: كالإبل السود. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة،

стр. 6424

والضحاك. واختاره ابن جرير. وعن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾، يعني: حبال السفن. وعنه أعني ابن عباس: ﴿جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾: قطع نحاس. وقال البخاري (٥): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوقَ ذلك، فنرفعه للشتاء [¬١]، فنسميه القَصَرَ، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْر﴾: حبال السفن، تجمع حتى تكون كأوساط الرجال. ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، أي: لا يتكلمون. ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، أي: لا يقدرون على الكلام، ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا، بل قد قامت عليهم الحجة ووقع القولُ عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون. وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة، وعن هذه الحالة تارة؛ ليدل على شِدَّة الأهوال والزلازل يومئذ. ولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ﴾: وهذه مخاطبة من الخالق لعباده يقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾، يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يُسمعهم الداعى ويَنفُذُهم البصر. وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ﴾: تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتَنجُوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ [¬٢] شَيئًا﴾. وفي الحديث (٦): " يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضَرّي فتضروني".

стр. 6425

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن المنذر الطريقي [¬١] الأودي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا حُصَين بن عبد الرحمن، عن حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد الله الجدَلَى قال: أتيت بيت المقدس، [فإذا عُبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس] [¬٢]، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين بصعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، ويقول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ﴾، اليوم لا ينجو مني جبار عنيد، ولا شيطان مريد. فقال عبد الله بن عمرو: [فإنا، نحدث] [¬٣] يومئذ أنه [¬٤] يخرج عنُقُ من النار فتنطق حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس، إني بُعثتُ إلى ثَلَاثة أنا أعرف بهم من الأب بولده ومن الأخ بأخيه، لا يُغَيِّبهم [¬٥] عني وَزَر، ولا تُخفِيهم عني خَافية: الذي جعل مع الله إلها آخر، وكل جبار عنيد، وكلَ [¬٦] شيطان مريد. فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة (٧). ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك المحرمات: أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون، أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه، من ظل اليحموم، وهو: الدخان الأسود المنتن. ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾، أي: ومن سائر أنواع الثمار، مهما [¬٧] طلبوا وجدوا. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم. ثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: هذا جزاؤنا لمن

стр. 6426

أحسن العمل، ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ خطاب للمكذبين يوم الدين، وأمَرَهم آمر تهديد ووعيد فقال تعالى] [¬١]: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾، أي: مدة قليلة قريبة قصيرة، ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾، أي: [ثم تساقون] [¬٢] إلي نار جهنم التي تقدم ذكرها، ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾، أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة، امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه. ولهذا قال: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن أبي حاتم (٨): [] [¬٣] حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية: سمعت رجًا أعرابيًّا بَدَويًّا يقول: سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، فقرأ [¬٤]: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنت بالله وبما أنزل. وقد تقدم هذا الحديث في "سورة القيامة". [آخر تفسير سورة "والمرسلات" ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة] * * **

стр. 6427

تفسير سورة النبأ وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَال أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ يقول تعالى منكرًا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارًا لوقوعها: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) [عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، أي: عن أي شيء يتساءلون؟] [¬١] عن أمر القيامة، وهو النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر. قال قتادة، وابن زيد: النبأ العظيم: البعث بعد الموت. وقال مجاهد: هو القرآن. والأظهر الأول لقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، يعني الناس فيه على قولين مؤمن به وكافر. ثم قال تعالى متوعدًا لمنكري القيامة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، وهذا تهديدٌ شديد ووعيد أكيد. ثم شرع تعالى يُبِّين قدرته العظيمة على خلق الأشياء [¬٢]، الغريبة والأمور العجيبة، الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾؟ أي: ممهدة للخلانق ذَلُولًا لهم، قارّةً ساكنة ثابتة، ﴿وَالْجِبَال أَوْتَادًا﴾، أي: جعلها لها أوتادًا أرساها [¬٣] بها وثبتها وقَرَّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. ثم قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾، يعني: ذكرًا وأنثى يستمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ [¬٤] لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، أي: قَطعًا للحركة لتحصل [¬٥] الراحة من كثرة الترداد والسعي. في [المعايش في عرض] [¬٦] النهار. وقد

стр. 6428

تقدم مثل هذه الآية في "سورة الفرقان". ﴿وَجَعَلْنَا [¬١] اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، وقال الشاعر: فلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حِينَ نَصّبَتْ … لَهُ مِن خَذَا آذانِها وَهْوَ جَانِحُ وقال قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: سكنًا. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، أي: جعلناه مشرقًا مُنِيرًا مضيئًا، ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات، وغير ذلك. وقوله: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾، يعني: السنوات السبع، في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها، وتزيينها بالكواكب الثوابت [¬٢] والسيارات؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم. وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال العوفي عن ابن عباس: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: الريح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، قال: الرياح، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. إنها الرياح. ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، أي: من السحاب. وكذا قال عكرمة أيضًا، وأبو العالية، والضحاك، والحسن، والربيع بن أنس، والثوري. واختاره ابن جرير. وقال الفراء: هي السحاب التي تتَحلَّب بالمطر [ولم تُمطر] [¬٣] بعدُ، كما يقال [¬٤]: امرأة معصر: إذا دنا حيضها ولم تحض. وعن الحسن وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني السماوات. وهذا قول غريب. والأظهر أن المراد بالمعصرات: السحاب، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ وَ [¬٥] يَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: من بينه.

стр. 6429

وقوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿ثَجَّاجًا﴾: منصبًّا، وقال الثوري: متتابعًا. وقال ابن زيد: كثيرًا. قال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة: الثج، وإنما الثج: الصب المتتابع ومنه قول النبي ﷺ : "أفضلُ الحجّ العجّ والثجّ" (١). يعني: صَبّ دماء البُدْن. هكذا قال: قلت: وفي حديث المستحاضة (٢) حين قال لها رسول الله ﷺ : "أنعتُ لك الكُرسُفَ" -يعني: أن تحتشي بالقطن- قالت: يا رسول الله، هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًّا. وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصبّ المتتابع الكثير، والله أعلم. وقوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطب النافع المبُارَك ﴿حَبًّا﴾ يدخر للأناسي والأنعام، ﴿وَنَبَاتًا﴾، أي: خضرا يؤكل رطبًا، ﴿وَجَنَّاتٍ﴾، أي: بساتين وحدائقَ من ثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من [¬١] الأرض مجتمعًا؛ ولهذا قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قال ابن عباس، وغيره: ﴿أَلْفَافًا﴾: مجتمعة. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاورَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ … الآية. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا

стр. 6430

شَرَابًا (٢٤) إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا (٣٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن يوم الفصل، وهو يوم القيامة، أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله -كما قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾؛ قال مجاهد: زمَرًا زمرًا [¬١]. قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها، كقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. وقال [¬٢] البخاري (٣): ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، حدثنا محمد، حدثنا أبو [¬٣] معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين النفختين أربعون". قالوا: أربعون يومًا؟ قال: "أبيتُ". قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: "أبيتُ". قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أييتُ". قال: "ثم يُنزلُ الله من السماء ماءً فينبُتُونَ كما ينبتُ البقلُ، ليس من الإِنسان شيءٌ إلا يَبَلَى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذنَب، و [¬٤] منه يُرَكبُ الخلقُ يوم القيامة". ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، أي: طرقًا ومسالك لنزول الملائكة، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ كقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وكقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. وقال هاهنا: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، أي: يخيل إلى الناظر أنها شيءٌ، وليست بشيء، وبعد هذا تَذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، وقال: (﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬٥] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾.

стр. 6431

وقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾، أي: مرصدة مُعَدّة ﴿لِلطَّاغِينَ﴾، وهم: المَرَدة العصاة المخالفون [¬١] للرسل، ﴿مَآبًا﴾، أي: مرجعًا ومنقلبًا ومصيرًا ونُزُلًا. وقال [¬٢] الحسن، وقتادة في قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: يعني: أنه لا يدخل أحد [¬٣] الجنة حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس. وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر. وقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جمع "حُقب"، وهو: المدة من الزمان وقد اختلفوا في مقداره، فقال ابن جرير (٤)، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عَمَّار الدّهنيّ، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهَجَري: ما تجدونَ الحُقْبَ في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا، كل يوم ألف سنة. وهكذا رُوي عن أبي هُرَيرة (٥)، وعبد الله بن عَمرو (٦)، وابن عباس (٧)، وسعيد بن جُبَير، وعَمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك. وعن الحسن (٨)، والسّدِّي أيضًا: سبعون سنة كذلك. وعن عبد الله بن عمرو: الحُقبُ أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهما ابن أبي حاتم. وقال بشير بنُ كعب: ذُكر لي أن الحُقب الواحد ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة. رواه ابن جرير (٩) وابن أبي حاتم. ثم قال ابن أبي حاتم (١٠): ذكر عن عُمَر بن علي بن أبي بكر الأسْفَذْنِيّ، حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قال: فالحقب شهر، الشهر ثلاثون يومًا، والسنة

стр. 6432

اثنا عشر شهرًا، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة: وهذا حديثُ منكر جدًّا، والقاسم والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك. وقال البزار (١١): حدثنا محمد بن مِردَاس، حدثنا سليمان بن [¬١] مسلم أبو المُعلى قال: سألت سليمان التيمي: هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابًا". قال: والحُقْب: بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا مما تعدون". ثم قال: سليمان بن مسلم بصري مشهور. وقال السدي: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سبعمائة حُقب، كل حُقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثماثة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون. وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾. وقال خالد بن معدان: هذه الآية. وقوله: ﴿إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في أهل التوحيد. رواهما ابن جرير. ثم قال: ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ متعلقا بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابًا من شكل آخر ونوع آخر. ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها، كما قال قتادة والربيع بن أنس. وقد قال قبل ذلك: حدثني محمد بن عبد الرحيم البَرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قال: أما الأحقاب فليس لها عِدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحُقب سبعون سنة، كل يوم منها [¬٢] كألف سنة مما تعدون. وقال سعيد عن قتادة: قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، وهو: ما لا انقطاع له، وكلما مضى حُقب جاء حقب بعده، وذكر لنا أن الحُقبَ ثمانون سنة. [وقال الربيع بن أنس: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله، ولكن الحقب الواحد ثمانون سنة] [¬٣]، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم كألف سنة مما تعدون.

стр. 6433

رواهما أيضًا ابن جرير (١٢). وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾، أي: لا يجدون في جَهنَّم بردًا لقلوبهم، ولا شرابًا طيبًا يتغذون به؛ ولهذا قال: ﴿إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق. وكذا قال الربيع بن أنس. فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحُموه. والغَسَّاق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه. وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة "ص" بما أغنى عن إعادته، أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه. قال ابن جرير: وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾، يعني: النوم، كما قال الكندي: بَرَدَت مَرَاشفها عَلَيَّ فصدّني … عنها وَعَن قُبلاتها البرد يعني بالبرد: النعاس والنوم. هكذا ذكره ولم يَعزه إلى أحد. وقد رواه ابن أبي حاتم، من طريق السدي، عن مرة الطيب. ونقله عن مجاهد أيضًا. وحكاه البغوي عن أبي عُبَيدة والكسائي أيضًا. وقوله: ﴿جَزَاءً وفَاقًا﴾، أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه الحقوبة وَفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا. قاله مجاهد، وقتادة، وغير واحد. ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾، أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثَم دارًا يجازون فيها ويحاسبون، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾، أي: وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائه على خلقه التي أنزلها على رسله، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة. وقوله: ﴿كِذَّابًا﴾، أي: تكذيبًا، وهو مصدر من مخير الفعل. قالوا: وقد سُمع أعرابي يستفتي الفَرّاءَ على المروة: الحلقُ أحبّ إليك أو القِصَّار؟ وأنشد بعضهم: لَقَد طال ما ثَبَّطْتني عَن صَحَابتي … وعن حوَج قضاؤها [¬١] من شفَائيا وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا﴾، أي: وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾، أي: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه،

стр. 6434

فلن نزيدكم إلا عذابًا من جنسه وآخر من شكله أزواج. قال قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾. قال: فهم في مزيد من العذاب أبدًا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا [¬١] جَسر بن فرقد، عن الحسن قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار. قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾، فعَال: "هلك القوم بمعاصيهم الله " (١٣). جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. قال ابن عباس والضحاك: متنزهًا. وقال مجاهد، وقتادة: فازوا فنجوا من النار. والأظهر هاهنا قول ابن عباس؛ لأنه قال بعده: ﴿حَدَائِقَ﴾، وهي البساتين من النخيل وغيرها ﴿وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾، أي: وحورًا كواعب. قال ابن عباس ومجاهد، وغير واحد: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾، أي: نواهد، يعنون أن [ثُدُيَّهن نواهد] [¬٢] لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب، أي: في سن واحدة، كما تقدم بيانه في سورة الواقعة. قال ابن أبي حاتم (١٤): حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الدشتَكي، حدثني أبي، عن أبي سفيان عبد الرحمن بن عبد الله بن تيم، حدثنا عطية بن سليمان أبو الغيث، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي، عن أبي أمامة، أنه سمعه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "إن قُمُص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله، وإن السحابة لتمر بهم فتناديهم: يا أهل الجنة، ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب". وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ - قال ابن عباس: مملوءة متتابعة. وقال عكرمة: صافية.

стр. 6435

وقال مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: ﴿دِهَاقًا﴾: الملأى المترعة. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هي المتتابعة. وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾، كقوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل كلام فيها سالم من النقص. وقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه، بفضله ومَنِّه وإحسانه ورحمته، ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي: كفاني. ومنه: حسبي الله، أي: الله كافي. ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ يخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء. وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾. وقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: اختلف المفسرون في المراد بالروح ها هنا، ما هو؟ على أقوال: أحدها: رواه العوفي، عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم. الثاني: هم بنو آدم. قاله الحسن وقتادة [] [¬١]: هذا مما كان ابن عباس يكتمه. الثالث: أنهم خَلق من خَلق الله، على صُوَر بني آدم، وليسوا بملائكة ولا ببشر، وهم يأكلون ويشربون. قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح، والأعمش.

стр. 6436

والرابع: هو جبريل. قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. ويستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال مقاتل بن حيان: الروح: أشرف الملائكة، وأقرب إلى الرب وصاحب الوحي. والخامس: أنه القرآن. قاله ابن زيد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا … ﴾ الآية. والسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات؛ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾، قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقا. وقال ابن جرير (١٥): حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رَوّاد بن الجراح، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "الروح: في السماء الرابعة هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة مَلكًا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًّا وحده". وهذا قول غريب جدًّا. وقد قال الطبراني (١٦): حدثنا محمد بن عبد الله [بن عرس] [¬١] المصري، حدثنا وهب [الله ابن روق بن هُبَيرة، حدثنا بشر بن بكر] [¬٢]، حدثنا الأوزاعي، حدثني عطاء، عن عبد الله بن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله ملكًا لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل؛ تسبيحه: سبحانك حيث كنت". وهذا حديث غريب جدًّا، وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفًا على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، والله أعلم. وتَوَقَّفَ ابن جرير فلم يقطَع بواحد [¬٣] من هذه الأقوال كلها، والأشبه -والله أعلم- أنهم بنو آدم. وقوله: ﴿إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾ كما [¬٤] ثبت في الصحيح: "ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل". وقوله: ﴿وَقَال صَوَابًا﴾، أي: حقًّا، ومن الحق: "لا إله إلا الله"، كما قاله أبو صالح، وعكرمة.

стр. 6437

وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾، أي: الكائن لا محالة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ آبًا﴾، أي: مرجعًا وطريقًا يهتدي إليه ومنهجًا يمر به عليه. وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبًا، لأن كل ما هو آت آت. ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، أي: يعرض عليه جميع أعماله، خيرها وشرها، قديمها وحديثها، كقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا، ولم يكن خُلِقَ، ولا خرج إلى الوجود، وذلك [حين عاين] [¬١] عذابَ الله، ونظر إلى أعماله الفاسدة، قد سُطرت عليه بأيدي الملائكة السفَرة الكرام البَرَرة. وقيل: إنما ورد ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، فيفصل بينها بحكمه [¬٢] العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجمَّاء من القرناء. فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابًا؛ فتصير ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: كنت حيوانا فأرجع إلى التراب. وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور (١٧)، وورد في آثار عن أبي هريرة و [عن] [¬٣] عبد الله بن عمرو وغيرهم. [آخر تفسير سورة "عم"]. * * *

стр. 6438

تفسير سورة النازعات وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ قال ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وأبو الضحى، والسدي: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: الملائكة، يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعُنف فتغرق [¬١] في [¬٢] نزعها، ومَن تأخذ روحه بسهولة وكأنما حَلَّته من نشاط، وهو قوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ قاله ابن عباس. وعن ابن عباس: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾: هي أنفس الكفار، تُنزَع ثم تنشط، ثم تغرق في النار. رواه ابن أبي حاتم. وقال مجاهد: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: الموت. وقال الحسن، وقتادة: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: هي النجوم. وقال عَطَاءُ بن أبي رَباح في قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ و ﴿النَّاشِطَاتِ﴾: هي القِسِي في القتال. والصحيح الأول، وعليه الأكثرون. وأما قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ فقال ابن مسعود: هي الملائكة. ورُوي عن علي، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وأبي صالح مثلُ ذلك. وعن مجاهد: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾: الموت.

стр. 6439

وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء بن أبي رباح: هي السفن. وقوله: ﴿فَالسَّابِقَاتِ [¬١] سَبْقًا﴾ رُوي عن علي، ومسروق، ومجاهد، وأبي صالح، والحسن البصري: يعني الملائكة؛ قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به. وعن مجاهد: الموت. وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء: هي الخيلُ في سبيل الله. وقوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، قال علي، ومجاهد، وعطاء، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي: هي الملائكة -زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض- يعني بأمر ربها . ولم يختلفوا في هذا، ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك، إلا أنه حكى في ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ أنها الملائكة، ولا أثبت ولا نفى. وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ قال ابن عباس؛ هما النفختان الأولى والثانية. وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغير واحد. وعن مجاهد: أما الأولى -وهي قوله-: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، [فكقوله جلت عظمته: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾، والثانية -وهي الرادفة-] [¬٢] فهي كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾. وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه". فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذا يكفيك الله ما أهَمَّك [¬٣] من دنياك وآخرتك". وقد رواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سفيان الثوري، بإسناده مثله، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا [¬٤] الليل قام فقال: طيا أيها الناس، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه". وقوله: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ قال ابن عباس: يعني خائفة. وكذا قال مجاهد، وقتادة.

стр. 6440

﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾، أي: أبصار أصحابها، وإنما أضيف إليها، للملابسة. أي: ذليلة حقيرة؛ مما عاينت من الأهوال. وقوله: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾؟ يعني مشركي قريش، ومن قال بقولهم في إنكار المعاد، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة وهي القبور. قاله مجاهد. وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها؛ ولهذا قالوا ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ وقرئ: (ناخرة). و [¬١] قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: أي بالية. قال ابن عباس: وهو العظم إذا بلى ودَخَلت الريح فيه ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. وعن ابن عباس، ومحمد بن كعب، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والسدي، وقتادة: الحافرة الحياة بعد الموت. وقال ابن زيد: الحافرة: النار وما أكثر أسماءها! هي النار، والجحيم، وسقر، وجهنم، والهاوية، والحافرة، ولظى، والحُطَمة. وأما قولهم: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾، فقال محمد بن كعب: قالت قريش: لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرن. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، أي: فإنما هو أمر من اللَّه لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس فيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخةَ البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يَدَي الرب ينظرون. كما قال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾. قال مجاهد: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: صيحة واحدة. وقال إبراهيم التيمي: أشد ما يكون الرب غَضَبًا على خلقه يوم يبعثهم. وقال الحسن البصري: زجرة من الغضب. وقال أبو مالك والربيع بن أنس: زجرة واحدة: هي النفخة الآخرة. وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ قال ابن عباس: (الساهرة) الأرض كلها. وكذا قال سعيد بن جُبَير، وقتادة، وأبو صالح.

стр. 6441

وقال عكرمة، والحسن، والضحاك، وابن [¬١] زيد: ﴿السَّاهِرَةِ﴾ وجه الأرض. وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها - قال: و ﴿السَّاهِرَةِ﴾: المكان المستوي. وقال الثوري: ﴿السَّاهِرَةِ﴾ أرض الشام، وقال عثمان بن أبي العاتكة [¬٢]: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: أرض بيت المقدس. وقال وهب بن مُنَبه: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: جبل إلى جانب بيت المقدس. وقال قتادة أيضًا: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: جهنم. وهذه أقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى. وقال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا خَزَر [¬٣] بن المبارك الشيخ الصالح، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، قال: أرض بيضاء عفراء كالخُبزَة النقي. وقال الربيع بن أنس: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، يقول الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬٤] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: وبرزت الأرض التي عليها الجبال، وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يُهَراق عليها دم. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ يخبر تعالى وسوله محمدًا ﷺ عن عبده ورسوله موسى ﵇

стр. 6442

أنه ابتعثه إلى فرعون، وأيده بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. فقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ أي: هل سمعت بخبره؟ ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾، أي: كلمه نداءً، ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾، أي: المطهر، ﴿طُوًى﴾ وهو اسم الوادي على الصحيح، كما تقدم في سورة "طه". فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، أي تجبر وتمرد وعتا، ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ أي: قل له: هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزَكَّى به. أي: تسلم وتطيع. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾، أي: أدلك إلى عبادة ربك، ﴿فَتَخْشَى﴾، أي: فيصير قلبك خاضعًا له مطيعًا خاشيًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير. ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾، يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحقّ حجة قوية، ودليلًا واضحًا على صدق ما جاءه به من عند الله، ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾، أي: فكذب بالحق [¬١] وخالف ما أمره به من الطاعة. وحاصِلُه أنه كَفَر قلبُه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمُهُ بأن ما جاء به أنه حق لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علمُ القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق والخضوع له. وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾، أي: في مقابلة الحق بالباطل، وهو جَمعُهُ السحرةَ ليقابلوا ما جاء به موسى ﵇ من المعجزة الباهرة، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾، أي: في قومه ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ بأربعين سنة. قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي: انتقم الله منه انتقامًا جعله به عبرة ونكالًا لأمثاله من المتمردين في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، هذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: ﴿نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، أي: الدنيا والآخرة. وقيل: المراد بذلك كلمتاه [¬٢] الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والصحيح الذي لا شك فيه الأول. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ أي: لمن يتعظ وينزجر. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)

стр. 6443

وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ يقول تعالى محتجًا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ أيها الناس ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ يعني بل السماءُ أشدّ خلقًا منكم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فقوله: ﴿بَنَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾، أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. وقوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، أي: جعل ليلها مظلمًا أسود حالكًا، ونهارها مضيئًا مشرقًا نيرًا واضحًا. قال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه. وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، أي: أنار نهارها. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾، وقد تقدم في سورة "حم السجدة" أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله -يعني ابن عَمرو [¬١]- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عَمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿دَحَاهَا﴾: وَدَحْيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. وقد تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله: ﴿وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾، أي: قررها وأثبتها [¬٢] وأكَّدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم: الرءوف بخلقه الرحيم. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي

стр. 6444

سليمان، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكةُ من خَلق الجبال فقالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالت: يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه يخفيها من [¬١] شماله". وقال أبو جعفر بن جرير (٤): حدثنا ابنُ حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السُلَمي، عن علي قال: لما خلق الله الأرض قمصت [¬٢] وقالت: تخلق عَلي آدم وذريته، يلقون عليّ نتنهم ويعملون عَلَيّ بالخطايا، فأرساها الله بالجبال، فمنها ما ترون، ومنها ما لا ترون، وكان أول قَرَار الأرض كلحم الجزور إذا نُحِر، يختلج لحمه. غريب. وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها [¬٣]، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدّةَ احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾

стр. 6445

يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾، وهو يوم القيامة. قاله ابن عباس، سميت بذلك لأنها تَطمّ على كل أمرٍ هائل مفظع، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾، أي: حينئذٍ يتذكرُ ابنُ آدم جميع عمله [¬١] خيره وشره، كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾، أي: أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانًا. ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾، أي: تَمَرّد وعتا، ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: قدمها على أمر دينه وأخراه، ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، أي: فإن مصيرَه إلى الجحيم، وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، أي: خاف القيامَ بين يدي الله وحكمَ الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدّها إلى طاعة مولاها، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء. ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾، أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مَرَدّها ومَرجعها إلى الله فهو الذي يعلم وقتها على التعيين؛ ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقال هاهنا: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ولهذا [¬٢] لما سأل جبريلُ رسولَ الله ﷺ عن وقت الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل". وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾، أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مُدّة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضُحى من يوم. قال جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، أما عَشِيَّة فما بين الظهر إلى غروب الشمس، ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾، ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار. وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة. [آخر تفسير سورة النازعات ولله الحمد والمنة].
следующие страницы →