وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾، أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، ﴿فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾، أي: أنزل عليهم رجزًا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى.
يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلًّا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلًّا بما يستحقه. وهو المنزه عن الظلم والجور.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديئًا غريبًا جدًّا -وفي إسناده نظر و [¬١] في صحته- فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ، إن المؤمن لدى الحق أسير. يا معاذ، إن المؤمن لا يسكن روعه، ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه من وراء ذلك كله بالمرصاد".
قال ابن أبي حاتم: [يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا. أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا. ثم قال ابن أبي حاتم] [¬٢]:
حدثنا أبي، حدثنأ صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي، أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر -قال: والصراط عليهن، قال:- فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال: فيحاسبون على الصلاة ويُسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حُوسبوا على الأمانة كيف أدوها، وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سُئلوا عن الرحم كيف وَصَلوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذ متدلية [¬٣] إلى الهُويّ في جهنم تقول: اللهم من وصلني فَصِلْه، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه] [¬٤].
стр. 6547
وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾
يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه [¬١] وضَيّق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال [من يحب ومن لا يحب، وضيق على من يحب ومن لا يحب] [¬٢]، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر.
وقوله: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، فيه أمر بالإكرام له، كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك (١٢)، عن سعيد بن أبي [¬٣] أيوب، عن يحيى بن أبي [¬٤] سليمان، عن زيد [¬٥] بن أبي عتاب [¬٦]، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ : "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُسَاء إليه -ثم قال بإصبعه أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا".
وقال أبو داود (١٣): حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز -يعني: ابن
стр. 6548
أبي حازم [¬١]- حدثني أبي، عن سهل -يعني: ابن سعيد [¬٢]- أن رسول الله ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". وقرن بن إصبعيه [¬٣]: الوسطى والتي تلي الإِبهام.
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ [¬٤] عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾، أي: من أي جهة حصل لهم، من حلال أو حرام، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا﴾، أي: كثيرًا- زاد بعضهم: فاحشًا.
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾
يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال: ﴿كَلَّا﴾، أي: حقا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولي العزم [من الرسل] [¬٥] واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها". فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه [¬٦] الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدم بيانه في سورة "سبحان". فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.
وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، قال الإِمام مسلم بن الحجاج (١٤) في صحيحه: حدثنا
стр. 6549
عمر بن حفص بن غيَاث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد [¬١] الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف [زمام، مع كل زمام سبعون ألف] [¬٢] مَلَك يجرونها" وهكذا رواه الترمذي (١٥) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عُمَر بن حفص، به [¬٣]. ورواه أيضًا (١٦) عن عبد بن حُمَيد عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق بن سلمة -وهو أبو وائل- عن عبد الله بن مسعود، قوله ولم يرفعه. وكذا رواه ابنُ جرير (١٧)، عن الحسن بن عرفة، عن مَروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله، قوله.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾، أي: عملَه وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ يقول: ﴿يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي -إن كان عاصيًا- ويود لو كان ازداد من الطاعات-[إن كان طائعًا] [¬٤]-كما قال الإمام أحمد بن حنبل (١٨):
حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني: ابن المبارك- حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عَميرَة [¬٥]-وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هَرمًا [¬٦] في طاعة الله، لَحَقِره يوم القيامة، ولودّ أده يُرَدّ إلى الدنيا كيما [¬٧] يزداد مَن الأجر والثواب".
[وقد رواه أيضًا] [¬٨] [بَحِيرُ بن سَعد (١٩)] [¬٩] عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد [¬١٠]
стр. 6550
عن رسول الله ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾، أي: ليس أحد [¬١] أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه، ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، أي: وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في [¬٢] جنته، ﴿رَاضِيَةً﴾، أي: في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾، أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾، أي: في جملتهم، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا.
ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان. وعن بُرَيدة بن الحُصَيب: نزلت في حَمزة بن عبد المطلب ﵁.
وقال العَوفيّ، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، يعني صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا، ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
وروي عنه أنه كان يقرؤها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى حكمه والوقوف [¬٣] بين يديه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، قال: نزلت وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذا. فقال: "أما [¬٤] إنه سيقال لك هذا".
ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج (٢٠)، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: قرئت [¬٥] عند النبي ﷺ : ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ
стр. 6551
رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، فقال أبو بكر ﵁: أن هذا لحسن [¬١]. فقال له النبي ﷺ : "أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت".
وكذا رواه ابن جرير (٢١) عن أبي كريب، عن ابن يمان به، وهذا مرسل حسن.
ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مَرْوان بن شجاع الجزري [¬٢]، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خَلْقه، فدخل نعشه، ثم [¬٣] لم ير خارجًا منه فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر، ما يدرى من تلاها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
رواه الطبراني (٢٢) عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، عن مروان بن شجاع عن سالم بن عجلان الأفطس، به فذكره.
وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكَّر- في كتاب العجائب بسنده عن قُبَاث بن رَزين أبي هاشم قال: أسرت في بلاد الروم، فجمَعنا الملك وعَرَض علينا دينه، على أن من امتنع ضربت عنقه. فارتد ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع، فضربت عنقه، وألقي رأسه [في نهر] [¬٤] هناك، فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء، ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان -يناديهم بأسمائهم- قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. ثم غاص في الماء، فكادت النصارى أن يسلموا، ووقع [¬٥] سرير الملك، ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام. قال: وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا.
وروى الحافظ ابن عساكر (٢٣) في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي، عن أبيها: حدثني سليمان بن حبيب المحاربي [¬٦]، حدثني أبو أمامة: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "قل: اللهم، إني أسألك نفسًا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى
стр. 6552
بقضائك، وتقنع بعطائك.
ثم روى عن أبي سليمان (٢٤) بن أبي [¬١] زَبْر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمَّة.
آخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.
* * *
стр. 6553
تفسير سورة البلد وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَينِ (٩) وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾
هذا قسم من الله بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالًا، لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها.
قال خصيف عن مجاهد ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: لا: رد عليهم أقسم بهذا البلد.
وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، يعني: مكة، ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، قال: أنت -يا محمد- يحل لك أن تقابل [¬١] وكذا رُوي عن سعيد بن جُبَير، وأبي صالح، وعطية، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد وقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك.
وقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، قال: أنت به من غير حَرَج ولا إثم.
وقال الحسن البصري: أحلها الله له ساعة من نهار.
وهذا المعنى الذي قالوه قد وَرَد به الحديث المتفق عليه صحته (٢٥): " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حَرَام بحُرمَة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شجره ولا يختلى خلاه. وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب". وفي لفظ: "فإن أحد تَرَخَّص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم".
стр. 6554
وقوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، قال ابن جرير (٢٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن شريك، عن خُصَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له.
ورواه ابن أبي حاتم، من حديث شريك - وهو ابن عبد الله القاضي به.
وقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتم.
وقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والضحاك، وسفيان الثوري، وسعيد بن جبير، والسدي، والحسن البصري، وخُصَيف، وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد: آدم، وما ولد: ولده.
وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حَسَنٌ [¬١] قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده.
وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
واختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده. وهو محتمل أيضًا.
وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: زوي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، والضحاك، وغيرهم: يعني منتصبًا -زاد ابن عباس في رواية عنه- في بطن أمه.
والكبد: الاستواء والاستقامة. ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيمًا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ وكقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ﴾ وقال ابن جريج وعطاء، عن ابن عباس: في كبد، قال [¬٢]: في شدَة خلق، ألم تر إليه … وذكر مولده ونبات أسنانه.
وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة يتكبد في الخلق - قال مجاهد: وهو كقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، وأرضعته كرهًا، ومعيشته كره، فهو يكابد ذلك.
وقال سعيد بن جبير [¬٣]: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: في شدة وَطَلَب معيشة.
وقال عكرمة: في شدة وطول. وقال قتادة: في [¬٤] مشقة.
стр. 6555
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا [¬١] جعفر الباقر سأل رجلًا من الأنصار عن قول الله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في قيامه واعتداله، فلم ينكر عليه أبو جعفر.
وروي من طريق أبي مودود: سمعت الحسن (٢٧) قرأ هذه الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، قال: يكابد أمرًا من أمر الدنيا، وأمرًا من أمر الآخرة- وفي رواية: يكابَد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.
وقال ابن زيد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: آدم خلق في السماء فسمي ذلك الكبد واختار ابن جرير أن المراد مكابدة الأمور ومشاقها.
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ [] [¬٢] أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾. [قال الحسن البصري: يعني ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾ يأخذ ماله] [¬٣].
وقال قتادة: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾، قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال: من أين اكتسبه؟ وأين أنفقه؟.
وقال السدي: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾؟ قال: الله .
وقوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾، أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالا لبدًا، [أي: كثيرًا] [¬٤] قاله مجاهد، وقتادة والسدي وغيرهم.
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾، قال مجاهد: أي [¬٥] أيحسب أن لم يره الله . وكذا قال غيره من السلف.
وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ﴾، أي: يبصر بهما، ﴿وَلِسَانًا﴾، أي: ينطق به، فَيُعبر عما في ضميره، ﴿وَشَفَتَينِ﴾ يستعين بهما على الكلام وكل الطعام، وجمالًا لوجهه وفمه [¬٦].
وقد روى الحافظ ابن عساكر (٢٨) في ترجمة أبي الربيع الدمشقي، عن مكحول قال: قال
стр. 6556
النبي ﷺ : "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، قد أنعمت عليك نعَمًا عظامًا لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما. وجعلت لهما غطاءهما [¬١]، [فالنظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما] [¬٢]. وجعلت لك لسانًا، وجلت له غلافًا، فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عَرَضَ لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجًا، وجلت لك سترًا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عَرَض لك ما حرمت عليك فَأرخ عليك سترك. يا ابن آدم، إنك لا تحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي".
﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله -هو ابن مسعود-: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، قال: الخير والشر. وكذا رُوي عن علي، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبي وائل، وأبي صالح، ومحمد بن كعب، والضحاك، وعطاء الخراساني في آخرين.
وقال عبد الله بن وهب (٢٩): أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "هما نجدان، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير".
تفرد به سنان بن سعد -ويقال: سعد بن سنان- وقد وثقه ابن معين.
وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث. وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه. وروى خمسة عشر حديثًا منكرة كلها، ما أعرف منها حديثًا واحدًا. يشبه حديثه حديثَ الحسن -يعني البصري- لا يشبه حديثَ أنس.
وقال ابن جرير (٣٠): حدثني يعقوب، حدثنا ابن [¬٣] علية، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: "يا أيها الناس، إنهما النجدان، نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير".
وكذا رواه حبيب بن الشهيد، ويونس بن عبيد، وأبو وهب عن الحسن مرسلًا، وهكذا
стр. 6557
أرسله قتادة (٣١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عيسى بن عقال [¬١]، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، قال: الثديين.
وروي عن الربيع بن خُثَيم، وقتادة وأبي حازم، مثل ذلك. ورواه ابن جرير (٣٢) عن أبي كريب، عن وكيع، عن عيسى بن عقال [¬٢]، به ثم قال: والصواب القول الأول.
ونظير هذه الآية قوله [¬٣]: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾
قال ابن جرير (٣٣): حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن عطية [¬٤].
عن ابن عمر في قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، قال: جبل في جهنم [] [¬٥].
وقال كعب الأحبار: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: هو سبعون درجة في جهنم. وقال الحسن البصري: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، قال: عقبة في جهنم. وقال قتادة: إنها قحمة [¬٦] شديدة فاقتحموها بطاعة الله . وقال قتادة: وقوله [¬٧]: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر [¬٨]
стр. 6558
عن اقتحامها فقال ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾.
وقال ابن زيد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير. ثم بينها [¬١] فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾.
قرئ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ بالإضافة، وقُرئ على أنه فعل، وفيه ضمير الفاعل، والرقبة مفعوله. وكلتا [¬٢] القراءتين معناهما متقارب.
قال الإمام أحمد (٣٤): حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله -يعني ابن سعيد بن أبي هند- عن إسماعيل بن أبي حكيم -مولى آل الزبير- عن سعيد بن مرجانة: أنه سمع أبا هُرَيرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل [¬٣] إرب منها إربًا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليده اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج". فقال علي بن الحسين: أنتَ سَمعتَ هذا من أبي هُرَيرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له: -أفْرَهَ غلمانه- ادع مطرفًا. فلما قام لين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.
وقد رواه البخاري (٣٥) ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن سعيد بن مرجانة، به. وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه عليّ بن الحسين زين العابدين كان قد أعطى فيه عشرة آلاف درهم.
وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعدانَ بن أبي طلحة، عن أبي نَجِيع قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: أيما مسلم أعتقَ رَجُلًا مسلمًا، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء [¬٤] كل عظم من عظامها عظمًا من عظامها من النار".
стр. 6559
رواه ابن جرير (٣٦) هكذا. وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة [¬١] السلمي ﵁.
قال الإمام أحمد (٣٧): حدثنا حيوة بن شُرَيح، حدثنا بقية، حدثني بَحِير [¬٢] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مُرة، عن عمرو بن عَبَسَة [¬٣]: أنه حدثهم: أن النبي ﷺ قال: "من بنى مسجدًا ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتًا في الجنة. ومن أعتق نفسًا مسلمة، كانت فديته من جهنم. ومن شاب شيبة في الإسلام، كانت له دورًا يوم القيامة".
(طريق أخرى)، قال أحمد (٣٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا حَريز [¬٤]؛ عن سُليم بن عامر: أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عَبَسَة [¬٥]: حَدَّثَنَا حديثًا ليس فيه تَزَيّدٌ ولا نسيان. قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار، عضوًا بعضو. ومن شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نورًا يوم القيامة. ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ، كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل" وروى أبو داود (٣٩) والنسائي بعضه.
(طريق أخرى)، قال أحمد (٤٠): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عَبَسَة [¬٦] السلمي قال: قلت له: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وَهَم. قال: سمعته يقول: "من وُلد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم. ومن شاب شبيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رَمَى بسهم في سبيل الله، بلغ به العدو، أصاب أو أخطأ، كان له عتق رقبة. ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه
стр. 6560
عضوًا منه [¬١] من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله، فإن للجنة ثمانية أبواب، يدخله الله من أي باب شاء منها". وهذه أسانيد جيدة قوية ولله الحمد.
(حديث آخر)، قال أبو داود (٤١): حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن ابن أبي عَبلة، عن الغريف بن الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له [¬٢]: حَدثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان. فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته، فيزيد وينقص. قلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ . قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب -يعني النار- بالقتل، فقال: "أعتقوا عنه يُعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار".
وكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عَبلة، عن الغَريف بن عياش الديلمي، عن واثلة، به.
(حديث آخر)، قال أحمد (٤٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام، عن قتادة، عن قيس الجذامي، عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار".
وحدثنا عبد الوهاب الخفاف (٤٣)، عن سعيد، عن قتادة قال: ذُكر أن قيسًا الجذامي حَدث عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار". تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(حديث آخر)، قال الإمام أحمد (٤٤): حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلَي -من بني بجيلة- من بني سليم -عن طلحة- قال أبو أحمد: حدثنا طلحة بن مصرف- عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة. فقال: "لئن كنت أقصرت الخطبة [¬٣] لقد أعرضت المسألة. أعتق النسمة، وفك الرقبة". فقال: يا رسول الله، أو ليستا بواحدة؟ قال: "لا، إن عتق النسمة أن
стр. 6561
تنفرد [¬١] بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عمقها. والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تُطِق ذلك فأطعم الجائعَ، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير".
وقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، قال ابن عباس: ذي مجاعة. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وغير واحد. والسغب: هو الجوع.
وقال إبراهيم النخعي: في يومٍ الطعام فيه عزيز.
وقال قتادة: في يوم يشتهى [¬٢] فيه الطعام.
وقوله: ﴿يَتِيمًا﴾، أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيمًا، ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾، أي: ذا قرابة منه. قاله ابن عباس، وعكرمة والحسن، والضحاك، والسدي. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٤٥):
حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة بنت سيرين [¬٣] عن سلمان [¬٤] بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصدقة على المسكين [¬٥] صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة".
وقد رواه الترمذي والنسائي، وهذا إسناد صحيح.
وقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، أي: فقيرًا مدقعًا لاصقًا بالتراب، وهو الدقعاء أيضًا.
قال ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب -وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة، ليس له شيء- وفي رواية عنه: هو البعيد التربة [¬٦].
قال ابن أبي حاتم: يعني الغريب عن وطنه.
وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج.
стр. 6562
وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له.
وقال ابن عباس، وسعيد، وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال. وكل هذه قريبة المعنى.
وقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: ثم هو مع هذه [¬١] الأوصاف الجميلة الطاهرة، مؤمن بقلبه، محتسب ثواب ذلك عند الله . كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ … ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، أي: كان من المؤمنين العاملين صالحًا، المتواصين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم. كما جاء في الحديث (٤٦): " الراحمون يرحمهم الرحمن [¬٢]، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفي الحديث الآخر (٤٧): " لا يرحم الله من لا يرحم الناس" وقال أبو داود (٤٨): حدثنا بن أبي شيبة، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عامر، عن عبد الله بن عَمرو - يرويه [¬٣]- قال: "من لم يرحم صغير لا ويعرف حق كبيرنا، فليس منا".
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾، أي: أصحاب الشمال، ﴿عَلَيهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾، أي: مطبقة عليهم، فلا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها.
قال أبو هريرة، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، وعطية العوفي، والحسن، وقتادة، والسدي: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، أي: مطبقة. قال ابن عباس: مغلقة الأبواب. وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش [¬٤]: أي أغلقه.
стр. 6563
وسيأتي في ذلك حديث في سورة ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.
وقال الضحاك: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ حيط لا باب له.
وقال قتادة: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مطبقة فلا ضوء فيها ولا فُرَج، ولا خروج منها آخر الأبد.
وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يَخَاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا في الحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدوها عليهم -أي: أطبقوها- قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدًا، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدًا، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غفض نوم أبدًا ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدًا. رواه ابن أبي حاتم.
آخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنة.
* * *
стр. 6564
[تفسير] سورة والشمس وضحاها [وهي مكية]
تقدم حديث جابر (١) الذي في الصحيح [¬١]: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: "هلا صليت: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ ".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)
قال مجاهد: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ أي: وضوئها. وقال قتادة: ﴿وَضُحَاهَا﴾ النهار كله.
قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها، لأن ضوء الشمس الظاهر هو [¬٢] النهار.
﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، [قال مجاهد: تبعها. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾] [¬٣]، قال: يتلوم لنهار. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلَاهَا﴾ ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال.
وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه. وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر.
стр. 6565
وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ قال مجاهد: أضاء. وقال قتادة: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾: إذا غشيها النهار.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظلمة، لدلالة الكلام عليها.
قلت: ولو أن هذا القائل تأول بمعنى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، أي: البسيطة، لكان أولى [ويصح تأويله في قوله] [¬١]: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، فكان [¬٢] أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ إنه كقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس، لجريان ذكرها. وقالوا في قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، يعني إذا يغشى الشمس حين تغيب، فتظلم الآفاق.
وقال بقية بن الوليد، عن صفوان، حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ : غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾: يحتمل أن تكون "ما" هاهنا مصدرية، بمعنى: والسماء وبنائها، وهو قول قتادة. ويحتمل أن تكون بمعنى "مَن" يعني [¬٣]: والسماء وبانيها. وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم والبناء هو الوفع، كقوله (﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾، أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ وهكذا قوله: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾، قال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ دحاها. وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: أي: خلق فيها.
وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿طَحَاهَا﴾ قسمها.
وقال مجاهد، وقتادة، [والضحاك] [¬٤]، والسدي، والثوري، وأبو صالح، وابن زيد: ﴿طَحَاهَا﴾: بسطها.
وهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل دحوته، أي: بسطه.
وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما [¬٥] قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
стр. 6566
اللَّهِ﴾. وقال رسول الله ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو [¬١] ينصرانه أو [¬٢] يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ " أخرجاه من رواية أبي هريرة (٢).
وفي صحيح مسلم (٣) من رواية عياض بن حمَار [¬٣] المجاشعي عن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله : إنِّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم [¬٤] عن دينهم".
وقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها.
قال ابن عباس: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: بين لها الخير والشر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري.
وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر. وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها. وقال ابن جرير (٤): حدثنا ابن بشار [¬٥]، حدثنا صفوان بن عيسى، وأبو عاصم النبيل؛ قالا: حدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر [¬٦]، عن أبي الأسود الدَّيلي؛ قال: قال لي [¬٧] عمران بن حُصَين: أرأيت ما يعمل فيه الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضى عليهم ومضى عليهم مِن قَدر قد سبق، أو فيما يُستقبَلُون مما أتاهم به نبيهم ﷺ ، وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: [ففزعت منه] [¬٨] فزعًا شديدًا، قال: قلت له: ليس شيء إلا وهو [خَلق ذلك بيده] [¬٩]، لا يُسألُ عما يفعل وهم يسألون. قال: سددك الله، إنما سألت لأخبر عقلك، إن رجلًا من مُزَينة -أو: جهينة- أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد [¬١٠] سبق، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم. وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: "بل
стр. 6567
شيء [قد قضي] [¬١] عليهم". قال: ففيم [¬٢] نعمل؟ قال: "من كان الله خلقه لإِحدى المنزلتين يهيئه لها، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. رواه أحمد (٥)، ومسلم من حديث عزرة [¬٣] بن ثابت به.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه، أي: بطاعة الله -كما قال قتادة- وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. ويروى نحوه [¬٤] عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وكقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.
﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، أي: دسَّسها، أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهُدَى، حتى ركب العاصي وترك طاعة الله .
وقد يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دَسَّى الله نفسه، كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا أبي وأبو زرعة؟ قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك -يعني [عمرو] [¬٥]، بن هشام- عن جُوَيبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، قال النبي ﷺ : "أفلحت نفس زكاها الله".
ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي مالك به، وجويبر هو ابن سعيد، متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس.
وقال الطبراني (٧): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس؟ قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه
стр. 6568
الآية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقف، ثم قال: "اللَّهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها".
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، قال: اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها". لم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد (٨): حدثنا وكيع عن نافع -يعني [¬١] ابن عمر- عن صالح بن سُعَيد، عن عائشة: أنها فَقَدت النبي ﷺ من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: "رب؛ أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها". تفرد به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (٩): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم: قال كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهم؛ إني أعوذ بك من العجز والكسل والهرم، والجبن والبخل وعذاب القبر. اللَّهم، آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللَّهم؛ إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها" قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموهن.
رواه مسلم من حديث أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث - وأبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم، به.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ
стр. 6569
فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥).
يخبر تعالى عن ثمود: أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي.
وقال محمد بن كعب: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾، أي: بأجمعها.
والأول أولى، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. فأعقبهم ذلك تكذيبًا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم من الهدى واليقين.
﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، أي: أشقى القبيلة، وهو قُدَار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. وكان هذا الرجل عزيزًا فيهم، شريفًا في قومه، نسيبًا رئيسًا مطاعًا، كما قال الإِمام أحمد (١٠):
حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زَمْعَةَ قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة.
و [¬١] رواه البخاري في التفسير، ومسلم في صفة النار، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن هشام بن عروة، به.
وقال ابن أبي حاتم (١١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خُثيم، عن محمد بن كعب
стр. 6570
القرظي، عن محمد بن خُثَيم أبي [¬١] يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "ألا أحدثك بأشقى الناس؟ ". قال: بلى، قال: "رجلان: أحيمر ثمود الذي عَقَر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا -يعني قَرنه- حتى تبتل منه هذه" يعني لحيته.
وقوله: ﴿فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، يعني: صالحًا ﵇: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾، أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ﴿وَسُقْيَاهَا﴾، أي: لا تعتدوا [¬٢] عليها في سقياها، فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم. قال الله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾، أي: كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم [¬٣] ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله [¬٤] من الصخرة آية لهم وحجة عليهم، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ [¬٥]﴾، أي: غضب عليهم، فدمَّر عليهم، ﴿فَسَوَّاهَا﴾، أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء.
قال قتادة: بلغنا أن أحمير ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه [¬٦] صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم [¬٧] فسواها.
وقوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وقرئ ﴿فلا يخاف عقباها﴾.
قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة. وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم.
وقال الضحاك والسدي: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾، أي: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع.
والقول الأول أولى لدلالة السياق عليه، والله أعلم.
آخر تفسير "والشمس وضحاها" [ولله الحمد].
* * *
стр. 6571
[تفسير] سورة الليل [وهي مكية]
تقدم قوله ﵊ لمعاذ: "فهلا صَلّيت" هلا صليت: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾
قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين وقال: اللَّهم، ارزقني جليسًا صالحًا. قال [¬١]: فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ [] [¬٢]: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟ قال علقمة: (والذكر والأنثى). فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ فما زال هؤلاء حتى شككوني. ثم قال: ثم [¬٣] ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، و [¬٤] الذي أجير [¬٥] من الشيطان على لسان النبي ﷺ .
وقد رواه البخاري (٢) هاهنا ومسلم، من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: قدم أصحاب
стр. 6572
عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، فقال: كيف سمعته يقرأ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال (والذكر والأنثى) قال: أشهد أني سمعت رسول إله ﷺ يقرأ هكذا. وهؤلاء يريدون [¬١] أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ والله لا أتابعهم.
هذا لفظ البخاري: هكذا قرأ ذلك ابن مسعود، وأبو الدرداء - ورفعه أبو الدرداء - وأما الجمهور فقرءوا ذلك كما هو مُثَبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، فأقسم تعالى ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾، أي: إذا غَشيَ الخليقة بظلامه، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، أي: بضيائه وإشراقه، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، كقوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ﴾.
ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم [¬٢] عليه أيضًا متضادًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة، فمن فاعل خيرًا ومن فاعلٍ شرًّا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [وَاتَّقَى﴾ أي: أعطى] [¬٣] ما أمر بإخراجه، وأتقى الله في أموره، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، أي: بالمجازاة على ذلك قاله قتادة. وقال خُصَيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾] [¬٤] أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر.
وقال ابن أبي حاتم (٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني مَن سَمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة".
وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ - قال ابن عباس: دعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني: للجنة.
وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها. ومن جزاء السيئة السيئة بعدها. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾، أي: بما عنده، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾، قال عكرمة، عن
стр. 6573
ابن عباس؛ أي [بخل بماله] [¬١]، واستغنى عن ربه . رواه ابن أبي حاتم.
﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، أي: بالجزاء في الدار الآخرة، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، أي لطريق [¬٢] الشر، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله يجازي مَن قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان. وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديثُ الدالة على هذا المعنى كثيرة.
رواية أبي بكر الصديق ﵁". قال الإمام أحمد (٤): حدثنا علي بن عَيَّاش [¬٣]، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر: أن [¬٤] أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله؟ أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: "بل على أمر قد فُرغ منه". قال: ففيم العملُ يا رسول الله؟ قال: "كلٌّ ميسر لما خلق له".
رواية علي ﵁، قال البخاري (٥)، حدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بي عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغَرقد في جنازة، فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار". فقالوا: يا رسول الله؟ أفلا نتكل؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". قال: ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾.
وكذا رواه من طريق شعبة (٦) ووكيع (٧)، عن الأعمش، بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة (٨)، عن جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن [¬٥] علي بن أبي طالب ﵁ قال [¬٦]: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله صلى الله
стр. 6574
عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخصرة فنكس [¬١] فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد -أو ما من نفس منفوسة- إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة". فقال رجل: يا رسول الله؟ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة [¬٢] فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون [إلى عمل] [¬٣] أهل الشقاء". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) [فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] [¬٤]﴾ الآية.
وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعد [¬٥] بن عبيدة به.
رواية عبد الله بن عمر [¬٦]، وقال الإِمام أحمد (٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر؟ قال: قال عمر: يا رسول الله؟ أرأيت ما نعمل فيه؟ أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: "فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب فإن كلًّا ميسر أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فإنه يعمل للشقاء".
ورواه الترمذي في القدر عن بندار، عن ابن مهدي، به، وقال: حسن صحيح.
(حديث آخر) من رواية جابر، قال ابن جرير (١٠): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد إلَّا أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر نستأنفه؟ فقال: الأمر قد فرغ منه". فقال سراقة: ففيم العمل إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "كل عامل ميسر لعمله".
ورواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب له.
(حديث آخر) قال ابن جرير (١١): حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي؛ قال: سأل غلامان شابان النبي صلى الله
стр. 6575
عليه وسلم فقالا: يا رسول الله؛ أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: "بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير". قالا: ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له". قالا: فالآن [¬١] نجد ونعمل.
(رواية أبي الدرداء) قال الإِمام أحمد (١٢): حدثنا هيثم [¬٢] بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا: يا رسول الله؟ أرأت ما نعمل، أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: "بل أمر قد فرغ منه". قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: "كل امرئ مهيأ لما خلق له". تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(حديث آخر)، قال ابن جرير (١٣): حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُلَيد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللَّهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا". وأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله.
(حديث آخر)، قال ابن أبي حاتم (١٤): حدثني أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني [¬٣]، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا كان له نخل، ومنها نخلة فرعها إلى [¬٤] دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره وأخذ التمر من نخلته، فتسقط التمرة فيأخذها صبيان الفقير [¬٥]، فنزل من نخلته فنزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل [أحدهم التمرة في فمه] [¬٦] أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه. فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "اذهب".
стр. 6576
ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ "أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بما نخلة في الجنة" فقال له [¬١]: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، وإن لي [لنخلًا كثيرًا] [¬٢] ما فيها نخلة أعجب إليَّ ثمرة من ثمرها. فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة، فقال الرجل: يا رسول الله؟ إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتها أتعطيني بها ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: "نعم". ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة -ولكليهما [¬٣] نخل- فقال له: أخبرك أن محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له: قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها. فسكت عنه الرجل فقال له: أتراك إذًا بعتها؟ قال: لا، إلا أن أعطى بها شيئًا، ولا أظنني أعطاه. قال: وما مناك بها [¬٤]؟ قال: أربعون نخلة. فقال له [¬٥] الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟! ثم سكتا وأنشآ في كلام، ثم قال: أنا أعطيك [¬٦] أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقًا. فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا أني قد أعطيته [من نخلي] [¬٧] أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان. ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت. ثم قال بعد: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق. قال له: قد أقالك الله، ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة. فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطني الأربعين على ما أريد. قال: تعطينيها على ساق. [ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق. وأوقف له شهودًا، وعد له أربعين نخلة على ساق] [¬٨] فتفرقا فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له: "النخلة لك ولعيالك". قال عكرمة: قال ابن عباس: فأنزل الله : ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ إلى آخر السورة.
هكذا [¬٩] رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جدًّا.
قال ابن جرير (١٥): وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁: حدثني
стр. 6577
هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإِسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني؛ أراك تعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟! فقال: أي أبت؛ إنما أريد - أظنه قال - ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.
وقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾، قال مجاهد: أي: إذا مات. وقال أبو صالح ومالك، عن زيد بن أسلم: إذا تردَّى في النار.
﴿إِنَّ عَلَينَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾
قال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَينَا لَلْهُدَى﴾، أي: نبين الحلال والحرام. وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله. وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. حكاه ابن جرير.
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ أي الجميع ملكنا وأنا التصرف فيهما.
وقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾، قال مجاهد: أي توهج.
[قال الإِمام أحمد (١٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: [أنذركم النار آنذرتكم النار] [¬١]، أنذرتكم النار" - حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا. قال حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه] [¬٢].
стр. 6578
وقال الإِمام أحمد (١٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني أبو إسحاق: سمعت [¬١] النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما [¬٢] دماغه" رواه البخاري.
وقال مسلم (١٨): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهون أهل [¬٣] النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا".
وقوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها دخولًا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى. ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾، أي: بقلبه، ﴿وَتَوَلَّى﴾، أي: عن العمل بجوارحه وأركانه.
قال الإِمام أحمد (١٩): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه [¬٤] بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لا يدخل النار إلا شقي". قيل: ومن [¬٥] الشقي؟ قال: "الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية".
وقال الإِمام أحمد (٢٠): حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فُليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". ورواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح به.
وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى. ثم فسره
стр. 6579
بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ يَتَزَكَّى﴾ أي: يصرف ماله في طاعة ربه، ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾، أي: ليس بذله ماله [¬١] في مكافأة من أسدى إليه معروفًا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك ﴿إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾، أي: طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾، أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظَ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾، ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود - وهو سيد ثقيف، يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يد لك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك. وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. وفي الصحيحين (٢١) أن رسول الله ﷺ قال: "من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة: يا عبد الله، هذا خير" فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من يُدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: "نعم" وأرجو أن تكون منهم".
آخر تفسير سورة الليل، ولله الحمد والمنة
* * *
стр. 6580
[تفسير] سورة الضحى [وهي مكية]
رُوِّينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرئ قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى﴾ قالا لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره [مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباسر أنه قرأ على أبيّ بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أُبيّ] [¬١] أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك.
فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي، من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إمامًا في القراءات. فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي، وقال: لا يحدث [¬٢] عنه.
وكذلك أبو جعفر العقيلي؛ قال: هو منكر الحديث. لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلًا يكبر هذا التكبير في الصلاة، فقال له: أحسنت، وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث.
ثم اختلف الفراء في موضع هذا التكبير وكيفيته، فقال بعضهم: يكبر من [¬٣] آخر ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾. وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحَى﴾: وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر.
وذكر الفراء في مناسبة التكبير من أول "سورة الضحى"؛ أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة جاءه الملك فأوحى إليه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى … ﴾ السورة بتمامها - كبر فرحًا وسرورًا. ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا
стр. 6581
فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾
قال الإِمام أحمد (١): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس؛ قال: سمعت جندبًا؛ يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد؛ ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
و [¬١] رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق [¬٢]، عن الأسود بن قيس، عن جندب -هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به، وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس: سمع جندبًا؛ قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون: وُدّعَ محمد. فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، وعمرو بن عبد الله الأودي؛ قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس، أنه سمع جندبًا؛ يقول: رمي رسول الله ﷺ بحجر في أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت؟.
قال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ - والسياق لأبي سعيد.
стр. 6582
قيل: أن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن إصبعه، ﵇، دميت. وقوله - هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون - ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببًا لتركه القيام، ونزول هذه السورة، فأما ما رواه ابن جرير (٣): حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد؛ أن [¬١] خديجة قالت للنبي ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك. فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ".
وقال أيضًا (٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ فجزع جزعًا شديدًا، فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما يرى [¬٢] من جزعك. قال: فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ … إلى آخرهما.
فإنه حديث مرسل من [هذين الوجهين] [¬٣]، ولعل ذكر خديجة ليس محفوظًا، أو قالته على وجه التأسف والتحزن، والله أعلم.
وقد ذكر بعض السلف - منهم ابن إسحاق - أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطًا عليه وهو بالأبطح، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: قال له هذه السورة: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى﴾.
قال العوفي، عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن، أبطأ عنه جبريل أيامًا، فتغير [¬٤] بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى﴾، أي: سكن فأظلم وادلهم. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم. وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬٥] اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
стр. 6583
وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾، أي: ما تركك، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾، أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها اطِّراحًا، كما هو معلوم من سيرته. ولما خير ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.
قال الإِمام أحمد (٥): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن عمرو [¬١] بن مرة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله؛ ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما لي وللدنيا؟! ما أنا والدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة، ثم راح وتركها". ورواه الترمذي، وابن ماجة من حديث المسعودي به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده [¬٢] له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه مسك أذفر، كما سيأتي.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي [¬٣] المهاجر المخزومي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه؛ قال: عرض على رسول الله ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزًا كنزًا، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف [¬٤] قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم [¬٥].
رواه ابن جرير (٦) من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. ومثل [¬٦] هذا ما يقال إلا عن توقيف.
стр. 6584
وقال السدي عن ابن عباس: من رضا محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. رواه [¬١] ابن جرير (٧)، وابن أبي حاتم.
وقال الحسن: يعني بذلك: الشفاعة، وهكذا قال أبو جعفر الباقر [¬٢].
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٨): حدثنا معاوية بن هشام، عن علي بن صالح، عن يزيد [¬٣] ابن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.
ثم قال تعالى -يعدد نعمه [¬٤] على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، ذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد ﵇. ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سُنّته [¬٥] على الوجه الأتم الأكمل. فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ﵃ أجمعين - وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.
وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومنهم من قال: المراد بهذا أنه ﵇ ضل [¬٦] في شعاب مكة وهو صغير، ثم رجع. وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبًا ناقة في الليل، فجاء إبليس يعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة ذهب منها [إلى الحبشة] [¬٧]، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي.
стр. 6585
وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، أي: كنت فقيرًا ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه.
وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله . رواه ابن جرير (٩) وابن أبي حاتم.
وفي الصحيحين (١٠) - من طريق عبد الرزاق- عن معمر، عن همام بن منبه؛ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ["ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس".
وفي صحيح مسلم (١١) عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ ] [¬١]-: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنَّعه الله بما أتاه".
ثم قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ أي: كما [¬٢] كنت يتيمًا فآواك الله فلا تقهر [¬٣] اليتيم، أي: لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به.
قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم.
﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ أي كما كنت ضالًّا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.
قال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، أي: فلا تكن جبارًا، ولا متكبرًا، ولا فحَّاشًا، ولا فظًّا على الضعفاء من عباد الله.