ابن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة، لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن، وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام: إنه أول شعر قاله العرب:
كَأن لَم يَكُن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس، ولم يَسْمُر بمكَّةَ سَامرُ
بَلَى [¬١]، نَحنُ كُنَّا أهلَها فَأبادَنَا … صُروفُ اللَّيَالى والجدُود العَوَاثِرُ [¬٢]
وهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديمًا بعد زمان إسماعيل ﵇ بقرب [¬٣] من خمسمائة سنة أو نحوها، وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم [¬٤] كانت في زمان الفترة التي بين عيسى ومحمد - عليهما من الله السلام - وهو أشبه، والله أعلم.
وقد يحتمل أن ذلك قد [¬٥] وقع في العالم كثيرًا، كما قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير؛ قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع، وفي القسطنطنية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذوا أَتونًا [¬٦]، ولقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد. وفي العراق في أرض بابل بُخْتَنَصَّر، الذي وضع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه: عزم وميشائيل، فأوقد لهم أَتونًا وألقى فيه [¬٧] الحطب والنار، ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله عليهما بردًا وسلامًا، وأنقذهما منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة وهي، فأكلتهم النار.
وقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، قال: كانت [¬٨] الأخدود ثلاثة [¬٩]: خد بالعراق، وخد بالشام، وخد باليمن، رواه ابن أبي حاتم.
وعن مقاتل قال: كانت الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، أما التي بالشام فهو انطنانوس الرومي، وأما التي بفارس فهو بختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس. فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله فيهم قرآنًا، وأنزل في التي كانت بنجران.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أنس، عن الربيع -هو ابن أنس- في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ
стр. 6512
الْأُخْدُودِ﴾، قال: سمعنا أنهم كانوا قومًا في زمان الفترة، فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾، اعتزلوا إلى قرية سكنوها، وأقاموا على عبادة الله ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين، وحدث حديثهم، فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم، وقالوا: لا نعبد إلا الله وحده، لا شريك له. فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم. فأبوا عليه، فخد أخدودًا من نار، وقال لهم الجبار -ووقفهم عليها- فقال [¬١]: اختاروا هذه أو [¬٢] الذي نحن فيه. فقالوا: هذه أحب إلينا. وفيهم نساء وذرية، ففزعت الذرية، فقالوا لهم: لا نار من بعد اليوم. فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها، وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين، فأحرقهم الله بها، ففي ذلك أنزل الله : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾.
ورواه ابن جرير (١٦): حُدّثت عن عمار، عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: حرقوا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن أبزى.
﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: لم يقلعوا عَمّا فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا.
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وذلك أن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ
стр. 6513
(٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾.
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾، بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر، أو هو أقرب؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، أي: من قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق ثم يعيده كما بدأه، بلا ممانع ولا مدافع. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، ولو كان الذنب من أي شيء كان.
والودود -قال ابن عباس وغيره-: هو الحبيب ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾، أي: [صاحب العرش] [¬١] المعظم العالي على جميع الخلائق.
و ﴿الْمَجِيدُ﴾: فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ؛ والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح.
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، أي: مهما أراد فعله، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، لعظمته وقهره وحكمته وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له -وهو في مرض الموت-: هل نظر إليك الطيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال [¬٢]: قال لي: إني فعال لما أريد (١٧).
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾، أي: هل بلغك ما أحل الله [¬٣] بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟. وهذا تقرير لقوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: إذا أخذ الظالم أخذه أخذًا أليمًا شديدًا، أخذ عزيز مقتدر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون؛ قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾، فقام يسمع، فقال: "نعم، قد جاءني".
وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾، أي: هم في شك وريب وكفر وعناد، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أي: هو قادر عليهم، قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه، ﴿بَلْ
стр. 6514
هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾، أي: عظيم كريم، ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، أي: هو في الملإ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.
قال ابن جرير (١٨): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا قرة بن سليمان، حدثنا حرب بن سريج، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ﴾، في جبهة إسرافيل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح: أن أبا الأعبس -هو عبد الرحمن بن سلمان- قال: ما من شيء قضى الله -القرآن مما [¬١] قبله وما بعده- إلا وهو في اللوح المحفوظ. واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل، لا يؤذن له بالنظر فيه.
وقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ، ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه.
وقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر، أخبرني مقاتل وابن جريج [¬٢]، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله. أدخله الجنة- قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك.
قال مقاتل: اللوح المحفوط عن يمين العرش.
وقال الطبراني (١٩): حدثنا محمد بن عثمان [بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث] [¬٣]، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ليث، عن [¬٤] عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله خلق لوحًا محفوظًا من دوة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء".
[آخر تفسير سورة البروج، ولله الحمد].
стр. 6515
[تفسير] سورة الطارق [وهي مكية]
قال عبد الله بن الإمام أحمد (١): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد -قال: عبد الله وسمعته أنا منه- حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه، أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس -أو: عصى- حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، حتى ختمها- قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام- قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقًّا لاتبعناه.
وقال النسائي (٢): حدثنا عمرو بن منصور، حدثنا أبو نعيم، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: صلي معاذ المغرب، فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي ﷺ : "أفتان يا معاذ؟! ما كان يكفيك أن قرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا! ".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾
يقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة؛ ولهذا قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾، ثم فسره لقوله ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾.
قال قتادة وغيره: إنما سمى النجم طارقًا، لأنه إنما يرى بالليل ويختفى بالنهار. ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: نهي أن يطرق الرجل أهله طروقًا (٣). أي: يأتيهم فجأة بالليل.
стр. 6516
وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء: "إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن" (٤). وقوله: ﴿الثَّاقِبُ﴾، قال ابن عباس: المضيء. وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها. وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان.
وقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ﴾، أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه … ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾: تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾.
وقوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾، يعني المني، يخرج دفقًا من الرجل ومن المرأة، فيتولد منهما الولد بإذن الله ولهنا قال ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، يعني صلب الرجل وترائب المرأة، وهو صدرها.
قال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾: صلب الرجل وترائب المرأة، أصفر رقيق، لا يكون الولد إلا منهما. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة والسدي، وغيرهم.
وقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر: سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، قال: هذه الترائب. ووضع يده على صدره.
وقال الضحاك وعطية، عن ابن عباس: تربية [¬١] المرأة: مرضع القلادة. وكذا قال عكرمة
стр. 6517
وسعيد بن جبير.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الترائب: بين ثدييها.
وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر. وعنه أيضًا. الترائب أسفل من التراقي.
وقال سفيان الثوري: فوق الثديين. وعن سعيد بن جبير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل.
وعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين.
وقال الليث بن سعد، عن معمر بن أبي حبيبة المدني: أنه بلغه في قول الله : ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، [قال: هو عصارة القلب، من هناك يكون الولد.
وعن قتادة: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾] [¬١] من بين صلبه ونحره.
وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ فيه قولان:
أحدهما: على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد، وعكرمة، وغيرهما.
والقول الثاني: إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق، أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر علي البداءة قدر علي الإعادة.
وقد ذكر الله هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك، واختاره ابن جرير، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾، أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويبقى السر علانية والمكنون مشهورًا.
وقد ثبت في الصحيحين (٥)، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "يرفع لكل غادر لواء عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان".
وقوله: ﴿فَمَا لَهُ﴾ أي: الإنسان يوم القيامة ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾، أي: في نفسه، ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾، أي: من خارج منه، أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله [¬٢]، ولا يستطيع له أحد ذلك.
стр. 6518
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾
قال ابن عباس: الرجع: المطر. وعنه هو السحاب فيه المطر. وعنه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ تمطر ثم تمطر.
وقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها، يأتين [¬١] من هاهنا. ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾، قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد.
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال ابن عباس: حق. وكذا قال قتادة. وقال آخر: حكم عدل.
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾، أي: بل هو حق جد.
ثم أخبر عن الكافرين بأنهم كذبون به ويصدون عن سبيله، فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا﴾، أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن.
ثم قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِين﴾ أي أنظرهم ولا تستعجل لهم، ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ أي: قليلًا. أي: وترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
[آخر تفسير سورة الطارق، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة].
* * *
стр. 6519
[تفسير] سورة "سبح" [وهي مكية]
والدليل علىذلك ما رواه البخاري (١)، حدثنا عبدان: أخبرني [¬١] أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن. ثم جاء عمار وبلال وسعد. ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين. ثم جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن ثوير [¬٢] بن أبي فاخته، عن أبيه، عن علي؛ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. تفرد به أحمد، وثبت في الصحيحين (٣): أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: "هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى. والشمس وضحاها. والليل إذا يغشى".
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا سفيان، عن إبراهيم، عن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا.
هكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث. وقد رواه مسلم (٥) - في صحيحه- وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث أبي عوانة وجرير وشعبة، ثلاثتهم عن [إبراهيم
стр. 6520
ابن] [¬١] محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، به.
قال الترمذي: "وكذا رواه الثوري ومسعر، عن إبراهيم - قال: ورواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم- عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان. ولا يعرف لحبيب رواية عن [¬٢] أبيه".
وقد رواه ابن ماجة (٦) عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان به. كما رواه الجماعة، والله أعلم. ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب (٧)، وعبد الله بن عباس (٨)، وعبد الرحمن بن أبزى (٩)، وعائشة أم المؤمنين (١٠) أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. زادت عائشة: والمعوذتين.
وهكذا روي هذا الحديث من طريق جابر وأبي أمامة صدي بن عجلان، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃. ولولا خشية الإطالة لأوردنا ما تيسر لنا من أسانيد ذلك ومتونه ولكن في الإرشاد بهذا الاختصار كفاية، والله أعلم.
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إلا مَا شَاءَ اللَّهُ
стр. 6521
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾
قال الإمام أحمد (١١): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى -يعني ابن أيوب الغافقي- حدثنا عمي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، قال لنا رسول الله ﷺ : "اجعلوها في ركوعكم". فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: "اجعلوها في سجودكم" ورواه أبو داود، وابن ماجة من حديث ابن المبارك، عن موسى بن أيوب به.
وقال الإمام أحمد (١٢): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: "سبحان ربي الأعلى".
وهكذا رواه أبو داود (١٣) عن زهير بن حرب، عن وكيع به. وقال: خولف فيه وكيع، رواه أبو وكيع وشعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس، موقوفًا.
وقال الثوري (١٤)، عن السدي، عن عبد خير قال: سمعت عليًّا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فقال: سبحان ربي الأعلى.
وقال ابن جرير (١٥): حدثنا ابن [¬١] حميد، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني: أن ابن عباس كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فأتى على آخرها: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ
стр. 6522
يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، يقول: سبحانك وبلى.
وقال قتادة (١٦): ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها، قال: "سبحان ربي الأعلى".
وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، أي: خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.
وقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة [¬١] والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.
وهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وقوله: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، أي: من جميع صنوف النباتات والزروع، ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، قال ابن عباس: هشيمًا متغيرًا. وعن مجاهد، وقتادة، وابن زيد، نحوه.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى، أحوى، أي: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك. ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملًا إلا أنه غير صواب؛ لمخالفته أقوال أهل التأويل.
وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ -أي: يا محمد- ﴿فَلَا تَنْسَى﴾. وهذا إخبار من الله ووعد منه له. بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، ﴿إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. وهذا اختيار ابن جرير.
وقال قتادة (١٧): كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئًا إلّا ما شاء الله.
وقيل: المراد بقوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ طلب، وجعلوا معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ، أي: لا تنسى ما نقرئك إلا ما يشاء الله رفعه، فلا عليك أن تتركه.
стр. 6523
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ أي: يعلم ما يجهر له العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ أي: نسهِّل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعًا سهلًا سمحًا مستقيمًا عدلًا، لا اعوجاج فيه ولا حرج، ولا عسر.
وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، أي: ذكر حيث تنفع التذكرة. ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين علي (١٨) ﵁: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال (١٩): حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله.
وقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾، أي: سيتعظ بما تبلغه - يا محمد - من قلبه يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، أي: لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه [¬١]، بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب، وأنواع النكال.
قال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان -يعني التيمي- عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء، فيأخذ الرجل أنصاره [¬٢] فينبتهم -أو قال: ينبتون- في نهر [الحياء -أو قال] [¬٣]: الحياة- أو قال: الحيوان -أو قال: نهر الجنة فينبتون- نبات الحبة في حميل السيل" - قال: وقال: النبي ﷺ : "أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء، [أو قال: تكون صفراء] [¬٤]، ثم تكون خضراء؟ " - قال: فقال
стр. 6524
بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية.
وقال أحمد أيضًا (٢١): حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس -أو كما قال- تصيبهم النار بذنوبهم -أو قال: بخطاياهم- فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا [¬١] على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان [في البادية] [¬٢].
ورواه مسلم من حديث بشر بن [¬٣] المفضل وشعبة، كلاهما [¬٤] عن أبي مسلمة [¬٥] سعيد بن يزيد، به مثله.
ورواه أحمد [¬٦] (٢٢) أيضًا عن يزيد، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة، حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة، [أو: يرش عليهم من أنهار الجنة] [¬٧]؛ فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.
وقد قال الله إخبارًا عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا … ﴾.
إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ
стр. 6525
وَمُوسَى ﴿(١٩)﴾
يقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، أي: طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، وتابع ما أنزل الله على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، أي: أقام الصلاة في أوقاتها، ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالًا لشرع الله. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار (٢٣):
حدثنا عباد بن أحمد العرزمي، حدثنا عمي محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله"، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، قال: "هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها".
ثم قال: لا يروى عن جابر إلّا من هذا الوجه.
وكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس. واختاره ابن جرير.
وقال ابن جرير: حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي [¬١]، حدثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدًا إلى العيد فمر بي. قال: فمررت به فقال: هل طعمت شيئًا؟ قلت: نعم. قال: أفضت على نفسك من الماء؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني ما فعلت [بزكاتك؟ قلت] [¬٢]: وكأنك قلت: قد وجهتها؟ قال: إنما أردتك لهذا. ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء.
قلت: وكذلك [¬٣] روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.
وقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة، فليقدم بين يدي صلاته زكاته، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.
وقال قتادة في هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾: زكى ماله،
стр. 6526
وأرضى خالقه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: تقدمونها على أمر الآخرة، وتبدونها على ما فيه نفعهم وصلاحهم في معاشهم ومعادهم، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾، أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، [فإن الدنيا] [¬١] دنية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبًا، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد.
قال الإمام أحمد (٢٤): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ذويد عن أبي إسحاق، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له".
وقال ابن جرير (٢٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا [¬٢] أبو حمزة، عن عطاء، عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما بلغ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ترك القراءة، وأقبل على أصحابه وقال [¬٣]: آثرنا الدنيا على الآخرة. فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل.
وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو، والله أعلم.
و [قد] [¬٤] قال الإمام أحمد (٢٦): حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب أخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى [¬٥] على ما يفنى" تفرد به أحمد.
стр. 6527
وقد رواه أيضًا (٢٧) عن أبي سلمة [¬١] الخزاعي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، به مثله سواء.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قال الحافظ أبو بكر البزار (٢٨):
حدثنا نصر بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ - قال النبي ﷺ : "كان كل هذا -أو: كان هذا - في صحف إبراهيم وموسى".
ثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس غير هذا، وحديثًا آخر أورده قبل هذا.
وقال النسائي (٢٩): أخبرنا زكريا بن يحيى، أخبرنا نصر بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى. فلما نزلت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال: وفَّى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾.
يعني أن هذه الآية كقوله في "سورة النجم" ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى … ﴾ الآيات إلى آخرين.
وهكذا قال عكرمة -فيما رواه ابن جرير (٣٠)، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة- في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ
стр. 6528
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، يقول: الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى.
وقال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا﴾، أي: مضمون هذا الكلام ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
وهذا اختيارٌ حسن قوي، وقد روي عن قتادة وابن زيد نحوه، والله أعلم.
[آخر تفسير سورة "سبح"، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة].
стр. 6529
[تفسير] سورة الغاشية [وهي مكية]
قد تقدم عن النعمان بن بشير (١): أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة.
وقال الإمام مالك (٢)، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد [¬١] الله بن عبد الله: أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: بم كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
رواه أبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، كلاهما عن مالك، به.
ورواه مسلم (٣) وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة، عن ضمرة بن سعيد به.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ (٥) لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾
الغاشية: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، لأنها تغشى الناس وتعمهم. وقد قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ
стр. 6530
الْغَاشِيَةِ﴾، فقام يستمع ويقول: "نعم قد جاءني".
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي: ذليلة. قاله قتادة.
وقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها.
وقوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، أي: قد عملت عملًا كثيرًا، ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة نارًا حامية.
وقال الحافظ أبو بكر البرقاني (٤): حدثنا إبراهيم بن محمد المزكى [¬١]، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار [¬٢]، حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: مر عمر بن الخطاب ﵁ بدير راهب، قال: فناداه: يا راهب [يا راهب] [¬٣]. فأشرف، قال [¬٤]: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله في كتابه ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، فذاك الذي أبكاني.
وقال البخاري (٥): قال ابن عباس: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: النصارى.
وعن عكرمة، والسدي: ﴿عَامِلَةٌ﴾ في الدنيا بالمعاصي، ﴿نَاصِبَةٌ﴾ في النار بالعذاب والأغلال.
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، أي: حارة شديدة الحر. ﴿تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ﴾، أي: قد انتهى حرها وغليانها. قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسدي.
وقوله: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: شجر من النار.
وقال سعيد بن جبير: هو الزقوم. وعنه: أنها الحجارة.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو الجوزاء، وقتادة: هو الشبرق - قال قتادة:
стр. 6531
قريش تسميه في الربيع الشبرق، وفي الصيف الضريع - قال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض.
وقال البخاري (٦): قال مجاهد: الضريع نبت يقال له الشبرق، يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس، وهو سم.
وقال معمر عن قتادة: ﴿إلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هو الشبرق إذا يبس سُمِّيَ الضريع.
وقال سعيد، عن قتادة: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾: من شر الطعام وأبشعه وأخبثه.
وقوله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾: لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَينٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾
لما ذكر حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾، أي: يوم القيامة ﴿نَاعِمَةٌ﴾، أي: يعرف النعيم فيها. وإنما حصل لها ذلك بسعيها.
وقال سفيان: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾: قد رضيت عملها.
وقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، أي: رفيعة بهية في الغرفات آمنون، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، أي: لا يسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو. كما قال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا﴾ وقال: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾.
﴿فِيهَا عَينٌ جَارِيَةٌ﴾، أي: سارحة. وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينًا واحدة، وإنما هذا جنس، يعني: فيها عيون جاريات.
وقال ابن أبي حاتم (٧): قرئ على الربيع بن سليمان: حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله
стр. 6532
عليه وسلم: "أنهار الجنة تفجر من تحت تلال -أو: من تحت جبال- المسك".
﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾، أي: عالية ناعمة كثيرة الفرش مرتفعة السمك، عليها الحور العين. قالوا: فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾، يعني: أواني الشراب معدة مرصدة لمن أرادها من أربابها. ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾، قال ابن عباس: النمارق الوسائد. وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم.
وقوله: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قال ابن عباس: الزرابي: البسط. وكذا قال الضحاك وغير واحد.
ومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها.
ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود (٨): حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي، عن محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى: حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله ﷺ "ألا هل من [¬١] مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر [¬٢]، لها، هي -ورب الكعبة- نور تلألأ [¬٣]، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية؟ ". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: "قولوا: إن شاء الله". [قال القوم: إن شاء الله] [¬٤].
ورواه ابن ماجة (٩) عن العباس بن [¬٥] عثمان الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر به.
﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى
стр. 6533
الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ (٢٢) إلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ﴾، فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها. ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟ أي: كيف رفعها الله عن الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾.
﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ﴾، أي: جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن.
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ﴾، أي: كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبَّه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك [¬١]، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه. وهكذا أقسم "ضمام" في سؤاله على رسول الله ﷺ كما رواه الإِمام أحمد (١٠) حيث قال:
حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان [¬٢] يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: "صدق". قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك
стр. 6534
بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: "صدق". قال: ثم ولَّى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا ولا أنقص منهن شيئًا. فقال النبي ﷺ : "إن صدق ليدخلن الجنة".
وقد رواه مسلم (١١)، عن عمرو الناقد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به. وعلقه البخاري (١٢)، ورواه الترمذي (١٣) والنسائي، [من حديث سليمان بن المغيرة، به. ورواه الإمام أحمد (١٤) والبخاري، وأبو داود والنسائي وابن ماجة] [¬١]، من حديث الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس، به بطوله، وقال في آخره: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
وقال الحافظ أبو [¬٢] يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما كان يحدث عن امرأة في الجاهلية على رأس جبل، معها ابن لها ترعى غنمًا، فقال لها ابنها: يا أمه، من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله قال: فمن خلق السماء؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله. قال: إني لأسمع لله شأنًا. وألقى نفسه من الجبل فتقطع.
قال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يحدثنا هذا [¬٣].
стр. 6535
قال ابن دينار: كان ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا.
في إسناده ضعف، وعبد الله بن جعفر هذا هو المديني ضغفه ولده الإمام علي بن المديني وغيره.
وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾، أي: فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب؛ ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: لست عليهم بجبار.
وقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان.
قال الإمام أحمد (١٥): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ". ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾.
وهكذا رواه مسلم في كتاب "الإيمان"، والترمذي والنسائي في كتاب "التفسير" من سننيهما، من حديث سفيان بن سعيد الثوري، به بهذه الزيادة. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (١٦) من رواية أبي هريرة، بدون ذكر هذه الآية.
وقوله: ﴿إلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾، أي: تولى عن العمل بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه. وهذه كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ قال الإمام أحمد (١٧):
حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي هلال، عن علي بن خالد؛ أن أبا أمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله
стр. 6536
عليه وسلم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله".
تفرد بإخراجه الإِمام أحمد، وعلي بن خالد، هذا ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه، ولم يزد على ما هاهنا: روى عن أبي أمامة، وعنه سعيد بن أبي هلال.
وقوله: ﴿إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ﴾، أي: مرجعهم ومنقلبهم، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُمْ﴾، أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
[آخر تفسير سورة الغاشية، ولله الحمد والمنة].
* * *
стр. 6537
[تفسير] سورة الفجر [وهي مكية]
قال النسائي (١): أخبرنا عبد الوهاب بن الحكم، أخبرني يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن [¬١] محارب بن دثار وأبي صالح، عن جابر؛ قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا [¬٢] فقال: منافق. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فسأل [¬٣] الفتى، فقال: يا رسول اللَّه؛ [جئت أصلي معه فطول] [¬٤] عليَّ، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناضحي. فقال رسول الله ﷺ : "أفتان [¬٥] يا معاذ؟ أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - و ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿الْفَجْرِ﴾ - و ﴿اللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ".
بِسم الله الرحمان الرحيم
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾
أما الفجر فمعروف، وهو الصبح. قاله علي وابن عباس [¬٦]، ومجاهد، وعكرمة، والسدي.
وعن مسروق، ومجاهد، ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر.
وقيل المراد بذلك الصلاة التي تفعل عندهم، كما قاله عكرمة.
стр. 6538
وقيل: المراد به جميع النهار. وهو رواية عن ابن عباس.
والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقد ثبت في صحيح البخاري (٢)، عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن [] [¬١] من هذه الأيام" -يعني: عشر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء". وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد.
وقد روى أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قال: هو العشر الأول من رمضان.
والصحيح القول الأول؛ قال الإمام أحمد (٣):
حدثنا زيد [¬٢] بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم [¬٣]، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر".
ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، كل منهما عن زيد بن الحباب، به.
ورواه ابن جرير (٤) وابن أبي حاتم، من حديث زيد بن الحباب به. [وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم] [¬٤].
وقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة، لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر. وقاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك أيضًا.
(قول ثان)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قلت [¬٥]: صلاتنا
стр. 6539
وترنا هذا؟ قال: لا، ولكن الشفع يوم عرفة والوتر ليلة الأضحى.
(قول ثالث)، و [¬١] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن النعمان -يعني ابن عبد السلام- عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الشفع والوتر. فقال: الشفع قول الله : ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾، والوتر قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾.
وقال ابن جريج [¬٢]: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق.
وفي الصحيحين (٥) من رواية أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر".
(قول رابع)، قال الحسن البصري، وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع، ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وهو رواية عن مجاهد، والمشهور عنه الأول.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع. ويقال: الشفع صلاة الغداة، والوتر: صلاة المغرب.
(قول خامس)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد [¬٣] الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: الشفع الزوج، والوتر: الله .
وقال أبو عبد [¬٤] الله عن مجاهد: الله الوتر، وخلقه الشفع، الذكر [¬٥] والأنثى.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: كل شيء خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإِنس، والشمس والقمر، ونحو هذا. ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد.
(قول سادس)، قال قتادة، عن الحسن: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: هو العدد، منه شفع ومنه
стр. 6540
وتر.
(قول سابع) في الآية الكريمة رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج ثم قال ابن جرير (٦): وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي [¬١] الزبير: حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني [¬٢]، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير [¬٣] بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث".
هكذا أورد [¬٤] هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، وما رواه هو أيضًا، والله أعلم.
قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من [¬٥] الليل.
وقد قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عمران بن حصين: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: هي الصلاة المكتوبة، منها شفع ومنها وتر، وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة. وقد روي متصلًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولفظه عام، قال الإمام أحمد (٧):
حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمران بي عصام [¬٦]؛ أن شيخًا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر؛ فقال: "هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر".
هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير (٨) عن بندار، عن عفان وعن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى، كلاهما [¬٧] عن همام -وهو ابن يحيى- عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن شيخ، عن عمران بن حصين.
стр. 6541
وكذا رواه أبو عيسى الترمذي (٩)، عن عمرو بن علي، عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما [¬١] عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، به. ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس [] [¬٢] أيضًا عن قتادة.
وقد روي عن عمران بن عصام، عن عمران نفسه، والله أعلم.
قلت: ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام الضبعي، -شيخ من أهل البصرة- عن عمران ابن حصين، عن النبي ﷺ … فذكره، هكذا رأيته في تفسيره، فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام.
وهكذا رواه ابن جرير (١٠): حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: "هي الصلاة، منها شفع، ومنها وتر".
فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري، إمام مسجد بني ضبيعة، وهو والد أبي جمرة [¬٣] نصر بن عمران الضبعي. روى عنه قتادة، وابنه أبو جمرة [¬٤]، والمثنى [¬٥] بن سعيد، وأبو التياح يزيد بن حميد. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل البصرة، وكان شريفًا نبيلًا [¬٦] حظيًّا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد. وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم.
ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر.
وقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: أي إذا ذهب.
وقال عبد الله بن الزبير: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ [¬٧]﴾ حتى يذهب بعضه بعضًا.
стр. 6542
وقال مجاهد، وأبو العالية، وقتادة، ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾: إذا سار.
وهذا يمكن [¬١] حمله على ما قال ابن عباس، أي: ذهب. ويحتمل أن يكون المراد إذا سار، أي: أقبل. وقد يقال: أن هذا أنسب، لأنه في مقابلة قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾، على (قباله كان قسمًا بإقبال الليل وإدبار النهار. وبالعكس، كقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. وكذا قال الضحاك: ﴿إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يجري.
وقال عكرمة: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْر﴾، يعني: ليلة جمع [¬٢]. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول في قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْر﴾، قال: اسر يا سار [¬٣] ولا تبيتن إلا بجَمْع.
وقوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، أي: لذي عقل ولب وحجًّا [¬٤]، وإنما سمى العقل حجْرًا لأنه يمنع الإنسان من [¬٥] تعاطى ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه جر البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي. ومنه حجر اليمامة، وحَجَرَ الحاكم على فلان: إذا منعه التصرف، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها المتقون المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون [¬٦] لديه، الخاشعون لوجهه الكريم.
ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ؟﴾، وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين، خارجين عن طاعته مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعِبَرًا: فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: وهؤلاء عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق، وهم الذين بعث الله [¬٧] فيهم رسوله هودًا ﵇ فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم، ومن آمن معه منهم، وأهلكهم بريح صرصر
стр. 6543
عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾. وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع؛ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون.
فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: عطف بيان، زيادة تعريف بهم.
وقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لأنهم كانوا يسكنون ييوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشًا؛ ولهذا ذكرهم هود [¬١] بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا [¬٢] عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وقال هاهنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم.
قال مجاهد: ارم: أمة قديمة. يعني عادًا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة، والسدي: أن إرم بيت يملكه [¬٣] عاد. وهذا قول حسن جيد قوي.
وقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عمود لا يقيمون.
وقال العوفي، عن ابن عباس: إنما قيل لهم: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لطولهم.
واختار الأول ابن جرير، ورد الثاني فأصاب.
وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: أعاد ابن زيد الضميرَ على العماد، لارتفاعها، وقال: بنوا عُمُدًا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد. وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة، أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم. وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه - ضعيف، لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (١١): حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه عن المقدام، عن النبي ﷺ أنه ذكر: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فقال: "كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم".
стр. 6544
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي. قال: قرأت كتابًا -قد سمى حيث قرأه-: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزًا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ .
قلت: فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحًا يقاتلون به، أو طول الواحد منهم فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم.
ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ مدينة إما دمشق، كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة -أو إسكندرية كما روي عن القُرَظي -أو غيرهما- ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إن جعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الأخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الأخبار عن مدينة أو إقليم.
وإنما نبهت على ذلك [¬١] لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، مبنية بلبن الذهب والفضة، قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داع ولا مجيب. وأنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.
وذكر الثعلبي وغيره أن رجلًا من الأعراب -وهو عبد الله بن قلابة- في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها، إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سرر وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبًا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس، فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئًا.
وقذ ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ هاهنا مطولة جدًّا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد كون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهَوَس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين، من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن
стр. 6545
عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات، ويَطْنزُون بهم. والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزًا كثيرة، من ظفر بشيء منها أمكنه تحوطه، فأما [¬١] على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولونه إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم، والله الهادي للصواب.
وقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها، فلذلك [¬٢] لم تصرف- فيه نظر؛ لأن المراد من السياق إنما هو الأخبار عن القبيلة؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾، يعني يقطعون الصخر بالوادي [¬٣]. قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها. وكذا قال مجاهد وقتادة، والضحاك وابن زيد، ومنه يقال "مُجتابي النّمار" إذا خرقوها، واجتاب الثوب: إذا [فتحه. و] [¬٤] منه الجيب أيضًا. وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا قول الشاعر:
ألا كُلّ شيء -ما خَلَا الله- بائد … كَما بَاد حيّ من شنيف ومارد
هم ضربوا في كل صماء صعدة … بأيد شداد أيدات السواعد
وقال ابن إسحاق: كانوا عربًا، وكان منزلهم بوادي القرى. وقد ذكرنا [قصة عاد] [¬٥] مستقصاة في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته.
وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره. ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها. وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل، [] [¬٦] كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه.
وقال قتادة: بلغنا أنه كانت له مطال وملاعب، يُلْعَب له تحتها، من أوتاد وحبال.
وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد، لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.
стр. 6546
وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾، أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، ﴿فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾، أي: أنزل عليهم رجزًا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى.
يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلًّا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلًّا بما يستحقه. وهو المنزه عن الظلم والجور.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديئًا غريبًا جدًّا -وفي إسناده نظر و [¬١] في صحته- فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معاذ، إن المؤمن لدى الحق أسير. يا معاذ، إن المؤمن لا يسكن روعه، ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه من وراء ذلك كله بالمرصاد".
قال ابن أبي حاتم: [يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا. أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا. ثم قال ابن أبي حاتم] [¬٢]:
حدثنا أبي، حدثنأ صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي، أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر -قال: والصراط عليهن، قال:- فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال: فيحاسبون على الصلاة ويُسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حُوسبوا على الأمانة كيف أدوها، وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سُئلوا عن الرحم كيف وَصَلوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذ متدلية [¬٣] إلى الهُويّ في جهنم تقول: اللهم من وصلني فَصِلْه، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه] [¬٤].
стр. 6547
وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾
يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه [¬١] وضَيّق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال [من يحب ومن لا يحب، وضيق على من يحب ومن لا يحب] [¬٢]، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر.
وقوله: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، فيه أمر بالإكرام له، كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك (١٢)، عن سعيد بن أبي [¬٣] أيوب، عن يحيى بن أبي [¬٤] سليمان، عن زيد [¬٥] بن أبي عتاب [¬٦]، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ : "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُسَاء إليه -ثم قال بإصبعه أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا".
وقال أبو داود (١٣): حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز -يعني: ابن
стр. 6548
أبي حازم [¬١]- حدثني أبي، عن سهل -يعني: ابن سعيد [¬٢]- أن رسول الله ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". وقرن بن إصبعيه [¬٣]: الوسطى والتي تلي الإِبهام.
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ [¬٤] عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾، أي: من أي جهة حصل لهم، من حلال أو حرام، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا﴾، أي: كثيرًا- زاد بعضهم: فاحشًا.
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾
يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال: ﴿كَلَّا﴾، أي: حقا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولي العزم [من الرسل] [¬٥] واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها". فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه [¬٦] الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدم بيانه في سورة "سبحان". فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.
وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، قال الإِمام مسلم بن الحجاج (١٤) في صحيحه: حدثنا
стр. 6549
عمر بن حفص بن غيَاث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد [¬١] الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف [زمام، مع كل زمام سبعون ألف] [¬٢] مَلَك يجرونها" وهكذا رواه الترمذي (١٥) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عُمَر بن حفص، به [¬٣]. ورواه أيضًا (١٦) عن عبد بن حُمَيد عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق بن سلمة -وهو أبو وائل- عن عبد الله بن مسعود، قوله ولم يرفعه. وكذا رواه ابنُ جرير (١٧)، عن الحسن بن عرفة، عن مَروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله، قوله.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾، أي: عملَه وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ يقول: ﴿يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي -إن كان عاصيًا- ويود لو كان ازداد من الطاعات-[إن كان طائعًا] [¬٤]-كما قال الإمام أحمد بن حنبل (١٨):
حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني: ابن المبارك- حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عَميرَة [¬٥]-وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هَرمًا [¬٦] في طاعة الله، لَحَقِره يوم القيامة، ولودّ أده يُرَدّ إلى الدنيا كيما [¬٧] يزداد مَن الأجر والثواب".
[وقد رواه أيضًا] [¬٨] [بَحِيرُ بن سَعد (١٩)] [¬٩] عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد [¬١٠]
стр. 6550
عن رسول الله ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾، أي: ليس أحد [¬١] أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه، ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، أي: وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في [¬٢] جنته، ﴿رَاضِيَةً﴾، أي: في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾، أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾، أي: في جملتهم، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا.
ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان. وعن بُرَيدة بن الحُصَيب: نزلت في حَمزة بن عبد المطلب ﵁.
وقال العَوفيّ، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، يعني صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا، ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
وروي عنه أنه كان يقرؤها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى حكمه والوقوف [¬٣] بين يديه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، قال: نزلت وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذا. فقال: "أما [¬٤] إنه سيقال لك هذا".
ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج (٢٠)، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: قرئت [¬٥] عند النبي ﷺ : ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ