← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6616–6655 · переход к 6621.

стр. 6616

ولهما عن ابن عمر (٣٨): كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. أخرجاه (٣٩). ولمسلم (٤٠) عنها: كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره. وهذا معنى قولها: "وشد المئزر". وقيل: المراد بذلك: اعتزال النساء. ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين، لما رواه الإِمام أحمد (٤١): حدثنا سريج، حدثنا أبو معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بقي عشر من رمضان شد مئزره، واعتزل نساءه. انفرد به أحمد وقد حكي عن مالك ﵀ أن جميع ليالي العشر في [¬١] تطلب ليلة القدر على السواء، لا يترجح منها ليلة على أخرى، رأيته في شرح الرافعي ﵀. والمستحب الإِكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه [¬٢]، ثم في أوتاره أكثر. والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: "اللَّهم، إنك عفو تحب العفو، فاعف عني"، لما رواه الإِمام أحمد (٤٢): حدثنا يزيد -هو ابن هارون- حدثنا الجريري -وهو: سعيد بن إياس- عن عبد الله بن بريدة: أن عائشة قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" وقد رواه الترمذي (٤٣)، والنسائي، وابن ماجة، من

стр. 6617

طريق كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة [¬١] ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قوله: اللهم، إنك عفو تحب العفو، فاعف عني". وهذا لفظ الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٤٤)، وقال: "هذا صحيح على شرط الشيخين. ورواه النسائي أيضًا من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن عائشة قالت [¬٢]: يا رسول الله؟ أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قولي اللَّهم، إنك عفو تحب العفو، فاعف عني". ذكر أثر غريب ونبأ عجيب، يتعلق بليلة القدر، رواه الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم، عند تفسير هذه السورة الكريمة فقال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن سعيد -يعني الراسبي- عن هلال [] [¬٣] أبي جبلة عن أبي عبد السلام، عن أبيه، عن كعب؛ أنه قال: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة [¬٤]، مما يلي الجنة، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، علوها [¬٥] في الجنة، وعروقها وأغصانها من [¬٦] تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله يعبدون الله على أغصانها في كل موضع شعرة [¬٧] منها ملك. ومقام جبريل ﵇ في وسطها، فينادي الله جبريل أن ينزل في كل ليلة قدر مع الملائكة الذين يسكنون سدرة المنتهى، وليس فيهم ملك إلَّا قد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، فينزلون [¬٨] على جبريل في ليلة القدر، حين تغرب الشمس، فلا تبقى بقعة في ليلة القدر إلا وعليها ملك، إما ساجد وإما قائم، يدعو للمؤمنين والمؤمنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة، أو بيت نار أو وثن، أو بعض أماكنكم التي تطرحون فيها الخبث، أو بيت فيه سكران، أو بيت فيه مسكر، أو بيت فيه وثن منصوب، أو بيت فيه جرس معلق، أو

стр. 6618

مبولة، أو مكان فيه كساحة البيت. فلا يزالون ليلتهم تلك يدعون للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحدًا من المؤمنين [¬١] إلا صافحه، علامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل. وذكر كعب أن من قال في ليلة القدر: "لا إله إلا الله"، ثلاث مرات، غفر الله له بواحدة، ونجاه من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة. فقلنا لكعب الأحبار: يا أبا إسحاق، صادقًا؟ فقال كعب: وهل يقول "لا إله إلا الله" في ليلة القدر إلا كل صادق؟ والذي نفسي بيده، إن ليلة القدر لتثقل على الكافر والمنافق، حتى كأنها على ظهره جبل، فلا تزال الملائكة هكذا حتى يطلع الفجر. فأول من يصعد جبريل حتى يكون في وجه الأفق الأعلى من الشمس، فيبسط جناحيه - وله جناحان أخضران، لا ينشرهما إلا في تلك الساعة - فتصير الشمس لا شعاع لها، ثم يدعو ملكًا ملكًا [¬٢] فيصعد، فيجتمع نور الملائكة ونور جناحي جبريل، فلا تزال الشمس يومها ذلك متحيرة، فيقيم جبريل ومن معه بين الأرض وبين السماء الدنيا يومهم ذلك، في دعاء ورحمة واستغفار للمؤمنين والمؤمنات، ولمن صام رمضان احتسابًا، ودعا لمن حدث نفسه إن عاش إلى قابل صام رمضان لله. فإذا أمسوا دخلوا إلى [¬٣] السماء الدنيا، فيجلسون حلقًا حلقًا [¬٤]، فتجتمع إليهم ملائكة سماء الدنيا، فيسألونهم عن رجل رجل، وعن امرأة امرأة، فيحدثونهم حتى يقولوا: ما فعل فلان؟ وكيف وجدتموه العام [¬٥]؟ فيقولون: وجدنا فلانًا عام أول في هذه الليلة متعبدًا ووجدناه العام مبتدعًا [¬٦]، ووجدنا فلانًا مبتدعًا ووجدناه العام عابدًا قال: فيكفون عن الاستغفار لذلك، ويقبلون على الاستغفار لهذا، ويقولون: وجدنا فلانًا وفلانًا يذكران الله، ووجدنا فلانًا راكعًا، وفلانًا ساجدًا، ووجدناه تاليًا لكتاب الله. قال: فهم كذلك يومهم وليلتهم، حتى يصعدون [¬٧] إلى السماء الثانية، ففي كل سماء يوم وليلة، حتى ينتهوا مكانهم من سدرة المنتهى، فتقول لهم سدرة [¬٨] المنتهى: يا سكاني، حدثوني عن الناس وسموهم لي. فإن لي عليكم حقًّا، وإني أحب من أحب اللَّه. فذكر كعب أنهم يعدون لها، ويحكون لها الرجل والمرأة بأسمائهم واسماء آبائهم. ثم تقبل الجنة على السدرة فتقول: أخبريني بما أخبرك سكانك من الملائكة. فتخبرها، قال: فتقول الجنة: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، اللهم عجَّلهم إليَّ، فيبلغ جبريل مكانه قبلهم، فيلهمه [¬٩] الله فيقول: وجدت فلانًا ساجدًا فاغفر له. فيغفر له، فيُسمعُ جبريلُ جميعَ [¬١٠] حملة العرش فيقولون: رحمة الله على فلان ورحمة الله على فلانة، ومغفرته

стр. 6619

لفلان، ويقول: يا رب، وجدت عبدك فلانًا الذي وجدته عام أول على السنة والعبادة، ووجدته العام قد أحدث حدثًا [وتولى عما أمر به] [¬١]. فيقول الله: يا جبريل، إن تاب فأعتبني قبل أن يموت بثلاث ساعات غفرت له. فيقول جبريل: لك الحمد إلهي، أنت أرحم من جميع خلقك، وأنت أرحم بعبادك من عبادك بأنفسهم، قال: فيرتج العرش وما حوله، والحجب والسماوات ومن فيهن، تقول: الحمد لله الرحيم، الحمد لله الرحيم. قال: وذكر كعب أنه من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب. آخر تفسير سورة [¬٢] "ليلة القدر" [ولله الحمد والمنة] * * *

стр. 6620

[تفسير] سورة "لم يكن" [وهي مدنية] قال الإِمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا حماد -هو [¬١] ابن سلمة- أخبرنا علي -هو ابن زيد- عن عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا حية البدري -وهو: مالك بن عمرو بن ثابت الأنصاري- قال: لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرها، قال جبريل: يا رسول الله، إن ربك يأمرك أن تقرئها أُبيًّا. فقال النبي صلى الله عليه وبسلم لأبي: "إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة". قال أبي: وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال: "نعم"، قال فبكى أبي. (حديث آخر)، وقال الإِمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وسماني لك؟ قال: نعم" فبكى. ورواه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي من حديث شعبة به. (حديث آخر)، قال الإِمام أحمد (٣): حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا أسلم المنقري [¬٢]، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إني أمرت أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا". قلت: يا رسول الله، وقد ذُكرت هناك؟ قال: "نعم" فقلت له: يا أبا المنذر، ففرحت بذلك. قال: وما يمنعني والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال مؤمل: قلت لسفيان: القراءة في الحديث؟ قال: نعم. تفرد به من هذا الوجه.

стр. 6621

(طريق أخرى)، قال أحمد (٤): حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال لي: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن -قال: فقرأ:- ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ - قال: فقرأ فيها: - ولو أن ابن آدم سأل واديًا من مال، فأعطيه، لسأل ثانيًا، ولو سأل ثانيًا فأعطيه لسأل ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلَّا التراب، ويتوب الله على من تاب. وإن ذلك [¬١] الدين عند الله الحنيفية، غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيرًا فلن يكفره". ورواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة به وقال: حسن صحيح. طريق أخرى قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥): حدثنا أحمد بن خليد الحلبي، حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أُبي بن كعب، عن أبيه، عن جده، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا المنذر: إني أمرت أن أعرض عليك القرآن" قال: آمنت بالله، وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت. قال: فرد النبي ﷺ القول، فقال: يا رسول الله، أذكرت هناك؟ قال: "نعم، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى". قال: فاقرأ إذًا يا رسول الله. هذا غريب من هذا الوجه، والثابت ما تقدم. وإنما قرأ عليه النبي ﷺ هذه السورة تثبيتًا له، وزيادة لإِيمانه، فإنه -كما رواه أحمد (٦) والنسائي، من طريق أنس، عنه. ورواه أحمد (٧) وأبو داود من حديث سليمان بن صرد عنه، ورواه أحمد (٨) عن عفان، عن حماد، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عنه. ورواه أحمد (٩) ومسلم وأبو داود والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن

стр. 6622

عبد [¬١] الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عنه - كان قد أنكر على إنسان، وهو: عبد الله بن مسعود، قراءة شيء من القرآن علي خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ فرفعه إلى النبي ﷺ فاستقرأهما، وقال لكل منهما: "أصبت". قال أُبيّ: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية. فضرب رسول الله ﷺ في صدره، قال أبي [¬٢]: ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا. وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقلت: "أسأل الله معافاته ومغفرته". فقال: على حرفين. فلم يزل حتى قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف. كما قدمنا ذكر هذا الحديث بطرقه وألفاظه في أول التفسير. فلما نزلت هذه السورة الكريمة وفيها: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾، قرأها عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار، والله أعلم. وهذا كما أن عمر بن الخطاب لما سأل رسول الله ﷺ يوم الحديبية عن تلك الأسئلة، وكان فيما قال: أو لم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ [قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا". قال: لا، قال: "فإنك آتيه ومطوف له"] [¬٣]. فلما رجعوا من الحديبية، وأنزل الله على النبي ﷺ "سورة الفتح"، دعا عمر بن الخطاب وقرأها عليه، وفيها قوله [¬٤]: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ … ﴾ الآية، كما تقدم (١٠). وروى الحافظ أبو نعيم في كتابه "أسماء الصحابة"، من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري المدني: حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم، عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن أبي حكيم المدني [حدثني] [¬٥] فضيل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فيقول: أبشر عبدي، فوعزتي لأمكنن [¬٦] لك في الجنة حتى ترضى".

стр. 6623

حديث غريب جدًّا وقد رواه الحافظ أبو موسى المديني وابن الأثير (١١) من طريق الزهري عن إسماعيل بن أبي حكيم عن [نظير] [¬١] المزني -أو: المدني- عن النبي، ﷺ : "إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقول [¬٢]: أبشر عبدي، فوعزتي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة، ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى". [قوله تعالى] [¬٣]: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ أما أهل الكتاب فهم: اليهود والنصاري، والمشركون: عبده الأوثان والنيران من العرب ومن العجم. وقال مجاهد: لم يكونوا ﴿منفكين﴾ يعني: منتهين حتى يتبين لهم الحق، وكذا قال قتادة. ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، أي: هذا القرآن؛ ولهذا قال تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾. ثم فسر البينة بقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾، يعني محمدًا ﷺ ، وما يتلوه من القرآن العظيم، الذي هو مكتتب في الملإ الأعلى، في صحف مطهرة، كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾.

стр. 6624

وقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ قال ابن جرير: إن [¬١] في الصحف المطهرة كتب من [] [¬٢] الله قيمة، عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله . قال قتادة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾، يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. وقال ابن زيد: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة معتدلة. وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، كقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا، كما جاء في [¬٣] الحديث المروي من طرق (١٢): " إن اليهود اختلفوا على إحدي وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ [¬٤] أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾؛ ولهذا قال: ﴿حنفاء﴾ أي: متحنفين عن الشرك إلى التوحيد. كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام، بما أغنى عن إعادته هاهنا. ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهي أشرف عبادات البدن، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهي الإِحسان إلي الفقراء والمحاويج. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي: الملة القائمة العادلة، أو: الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة، كالزهري والشافعي، بهذه الآية الكريمة علي أن الأعمال داخلة في الإِيمان، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ

стр. 6625

اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ يخبر تعالى عن مآل الفجار، من كفرة أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة؛ أنهم يوم القيامة ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين، لا يحولون عنها ولا يزولون. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها. ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية. وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة، لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيرُ الْبَرِيَّةِ﴾. ثم قال: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، أي: يوم القيامة، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيما منحهم من الفضل العميم. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، أي: هذا الجزاء حاصل لمن خشى الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وعلم أنه [¬١] إن لم يره فإنه يراه. وقال الإمام أحمد (١٣): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر [¬٢]، عن أبي وهب -مولى أبي هريرة- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بخير البرية؟ ". قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: "رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هيعة، استوى عليه [¬٣]. ألا أخبركم بخير البرية؟ ". قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: "رجل في ثلة من غنمه، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟ ". قالوا: بلى. قال: "الذي يسأل بالله، ولا يعطي به". آخر تفسير سورة "لم يكن" [ولله الحمد والمنة]

стр. 6626

[تفسير] سورة إذا زلزلت [وهي مكية] قال الإمام [¬١] أحمد (١): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد، حدثنا عياش بن عباس، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: أتي رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرئني يا رسول الله. قال له: "اقرأ ثلاثًا من [ذات الر] [¬٢] ". فقال [¬٣] له الرجل: كبر سني واستد قلبي، وغلظ لساني. قال: "فاقرأ من ذات حم". فقال مثل مقالته الأولى، فقال: "اقرأ ثلاثًا من المسبحات". فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة. فأقرأه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا﴾. حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق [نبيًّا] [¬٤] لا أزيد عليها أبدًا، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ : "أفلح الرويجل! أفلح الرويجل! ثم قال: علي به". فجاءه فقال له: أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدًا لهذه الأمة". فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى [¬٥] فأضحي بها؟ قال: "لا" ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله ". وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرحمن المقرئي [¬٦] به. وقال الترمذي (٢): حدثنا محمد بن موسى الحرشي [¬٧] البصري، حدثنا الحسن بن سَلْمٍ [¬٨] بن صالح العجلي، حدثنا ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ ﴿إذا زلزلت﴾ عدلت له بنصف القرآن" … ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث [الحسن بن سَلْمٍ] [¬٩].

стр. 6627

وقد رواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي [¬١] عن الحسن بن سَلْمٍ [¬٢]، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن". هذا لفظه. وقال الترمذي أيضًا (٣): حدثنا علي بن حجر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا يمان بن المغيرة العنزي، حدثنا عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل نصف القرآن". ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن". ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة. وقال أيضًا (٤) حدثنا عقبة [¬٣] بن مكرم العمي البصري، حدثني ابن أبي فديك، أخبرني سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: "هل تزوجت يا فلان؟ ". قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج؟! قال: "أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؟ " قال: بلى. قال: "ثلث القرآن". قال: "أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾؟ ". قال: بلى. قال: "ربع القرآن". قال: "أليس معك ﴿قل: يا أيها الكافرون﴾؟ ". قال: بلى. قال: "ربع القرآن". قال: "أليس معك ﴿إذا زلزلت الأرض﴾؟ ". قال: بلى، قال: "ربع القرآن. تزوج، تزوج [¬٤] ". ثم قال: هذا حديث حسن. تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي، لم يروهن غيره من أصحاب الكتب. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا (٢) وَقَال الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ قال ابن عباس: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١)﴾، أي: تحركت من أسفلها.

стр. 6628

﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا﴾، يعني: ألقت ما فيها من الموتى. قاله غير واحد من السلف. وهذه كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ. . .﴾، وكقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾. وقال مسلم (٥) في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "تلق [¬١] الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قمت رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا". وقوله: ﴿وَقَال الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾: استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها، أي: تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله ما قد أعده [¬٢] لها من الزلزال الذين لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: تحدث بما عمل العاملون علي ظهرها. قال الإِمام أحمد (٦): حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن المبارك- وقال الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي، واللفظ له: حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قال: "أتدرون ما أخبارها؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، [يوم كذا وكذا] [¬٣]. فهذه أخبارها". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وفي معجم الطبراني (٧) من حديث ابن لهيعة: حدثني الحارث بن يزيد -سمع ربيعة

стр. 6629

الجرشي-: أن رسول الله ﷺ قال: "تَحفظوا من الأرض، فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرًا أو شرًّا، إلا وهي مخبرة". وقوله ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾، قال البخاري: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها: واحد وكذا قال ابن عباس: ﴿أوحىلها﴾ أي: أوحى إليها. والظاهر أن هذا مضمن أذن لها. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: قال لها ربها: قولي فقالت. وقال مجاهد: ﴿أوحى لها﴾ أي: أمرها. وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم. وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، أي: يرجعون عن موقف الحساب، ﴿أشتاتًا﴾، أي: أنواعًا وأصنافًا، ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار. قال ابن جريج: يتصدعون أشتاتًا فلا يجتمعون آخر ما عليهم. وقال السدي: ﴿أشتاتًا﴾: فرقًا. وقوله تعالى: ﴿ليروا أعمالهم﴾، أي: ليعملوا ويجاوزا بما عملوه في الدنيا، من خير وشر؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال البخاري (٨): حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "الخيل لثلاثة، لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفًا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له. ولو أنها مرت بنهر [فشربت] [¬١] منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر؛ ورجل ربطها تغنيًّا وتعففًا، ولم ينسَ حق الله في رقابها، ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخرًا ورياء [¬٢] ونواء، فهي على ذلك وزر".

стр. 6630

فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر، فقال: "ما أنزل الله فيها شيئًا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ [¬١] يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. ورواه مسلم (٩) من حديث زيد بن أسلم به. وقال الإمام أحمد (١٠): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن، عن صعصعة بن معاوية -عم الفرزدق- أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ [¬٢] يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، قال: حسبي! لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وهكذا رواه النسائي في التفسير، عن إبراهيم بن [يونس بن محمد] [¬٣] المؤدب، عن أبيه عن جرير بن حازم، عن الحسن البصري؛ قال: حدثنا صعصعة عم الفرَزدق … فذكره. وفي صحيح البخاري (١١)، عن عدي مرفوعًا: "اتقوا [¬٤] النار ولو بشق تمرة، ولو [بكلمة طيبة] [¬٥] ". وفي الصحيح (١٢): لا تحقرن من المعروف شيئًا [¬٦] ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط".

стр. 6631

وفي الصحيح أيضًا (١٣): " يا نساء المؤمنات؛ لا تحقرن جارة لجارتها [¬١] ولو فرسن شاة". يعني: ظلفها [¬٢]. وفي الحديث الآخر (١٤): " ردوا [¬٣] السائل ولو بظلفٍ محرق". وقال الإِمام أحمد (١٥): حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب [¬٤] بن عبد الله، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "يا عائشة، استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان". تفرد به أحمد. وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة، وقالت: كم فيها من مثقال ذرة. وقال أحمد (١٦): حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل، أن عائشة أخبرته، أن النبي ﷺ كان يقول: "يا عائشة؛ إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبًا". ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به. وقال ابن جرير (١٧): حدثني أبو الخطاب الحساني [¬٥]، حدثنا الهيثم بن الربيع، حدثنا

стр. 6632

سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس؛ قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ [¬١] يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله؛ إني أجزي بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: "يا أبا بكر؛ ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذر [¬٢] الخير حتى توفاه [¬٣] يوم القيامة". ورواه ابن أبي حاتم، عن [أبيه عن] [¬٤] أبي الخطاب به. ثم قال ابن جرير (١٨): حدثنا ابن بشار [¬٥]، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب؛ قال: في كتاب أبي قلابة، عن أبي إدريس، أن أبا بكر كان يأكل مع النبي ﷺ … فذكره. ورواه أيضًا عن يعقوب، عن ابن عُلية، عن أيوب؛ عن أبي [¬٦]، قلابة: أن أبا بكر … وذكره. (طريق أخرى)، قال ابن جرير (١٩): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني حُيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١)﴾، وأبو بكر الصديق ﵁ قاعد، فبكي حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ : "ما يبكيك يا أبا بكر؟ ". قال: يبكيني هذه السورة. فقال له رسول الله ﷺ : "لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر الله لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم". (حديث آخر)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن [بن محمد] [¬٧] بن المغيرة -المعروف بعلان [¬٨] المصري- قالا: حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: لما أنزلت [¬٩]: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ قلت: يا رسول الله؛ إني لراء [¬١٠] عملي؟ قال: "نعم". قلت: تلك الكبار الكبار؟ قال: "نعم". قلت: الصغار الصغار؟ قال: "نعم". قلت: وا ثكل أمي! قال: "أبشر يا أبا [¬١١]، سعيد؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها -يعني إلي سبعمائة ضعف-

стр. 6633

ويضاعف الله لمن يشاء، والسيئة بمثلها أو يغفر الله، ولن ينجو أحد منكم بعمله". قلت: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة". قال أبو زرعة: لم يرو هذا غير ابن لهيعة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير [¬١]، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وذلك لما نزلت هذه الآية؛ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون علي الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء السكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة [¬٢] والكسرة والجوزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء؟ إنما نؤجر علي ما نعطي ونحن نحبه. وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون علي الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر. فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك بن يكثر، فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾، يعني: وزن أضغر النمل [¬٣] ﴿خَيرًا يَرَهُ﴾ يعني في كتابه، ويسره ذلك. قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضًا، بكل واحدة عشرًا، ويمحو محنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادته حسناته على سيئاته مثقال ذرة، دخل الجنة. وقال الإِمام أحمد (٢٠): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عصران، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها. [آخر تفسير سورة "إذا زلزلت" ولله الحمد] * * *

стр. 6634

[تفسير] سورة العاديات [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت وضبحت، وهو: الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، يعني: اصطكاك نعالها بالصخر [¬١] فتقدح منه النار. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، يعني الإِغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحًا، ويتسمع أذانًا، فإن سمع وإلا أغار. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ يعني: غبارًا في معترك الخيول. ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، أي: توسطن ذلك المكان كلهن جمع. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، قال: الإِبل. وقال علي: هي الإِبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليًّا قول ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت. قال ابن أبي حاتم وابن جرير (١): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه؛ قال: بينا أنا في الحجر جالسًا، إذ [¬٢] جاءني رجل فسألني عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، فقلت له: الخيل حين تغير

стр. 6635

في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني فذهب إلى علي ﵁ وهو عند سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾، فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال [¬١]: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أول غزوة في الإِسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا، إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلي المزدلفة، ومن المزدلفة إلي منى. قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁. وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ من عرفة إلي المزدلفة، فإذَا أووا إلي المزدلفة أوروا النيران. وقال العوفي عن ابن عباس: هي الخيل. وقد قال بقول علي: إنها الإِبل، جماعة منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير؛ وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة، وعطاء وقتادة والضحاك. واختاره ابن جرير. قال ابن عباس وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب. وقال ابن جريج، عن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح. وقال أكثر هؤلاء في قوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، يعني: بحوافرها. وقيل: أسعرن الحرب بين [¬٢] ركبانهن. قاله قتادة. وعن ابن عباس ومجاهد: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ يعني: مكر [¬٣] الرجال. وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلي منازلهم من الليل. وقيل: المراد بذلك نيران القبائل. وقال من فسره بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة. قال ابن جرير: والصواب الأول: [أنها الخيل حين] [¬٤] تقدح بحوافرها. وقوله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله. وقال من فسرها بالإِبل: هو الدفع صبحًا من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: هو المكان الذي إذا [¬٥] حلت فيه أثارت به الغبار إما في حج أو غزو. وقوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قال العوفي، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة،

стр. 6636

وقتادة، والضحاك: يعني جمع الكفار من العدو. ويحتمل أن يكون: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بذلك المكان جميعهن [¬١]، ويكون ﴿جَمْعًا﴾ منصوبًا على الحال المؤكدة. وقد روى أبو بكر البزار (٢) هاهنا حديثًا فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا فأشهرت [¬٢] شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، ضبحت بأرجلها، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا، ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾: صبحت القوم بغارة، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾، أثارت بحوافرها التراب، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قال: صبحت القوم جميعًا. وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هذا هو المقسم عليه، بمعنى أنه لنعم ربه لجحود كفور. قال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم النخعي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، وأبو الضحى، وسعيد بن معمر، ومحمد بن قيس، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسي نعم ربه. وقال ابن أبي حاتم (٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد [¬٣] الله، عن إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿إن الإِنسان لربه لكنود﴾، قال: الكفور الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده". ورواه ابن حاتم، من طريق جعفر بن الزبير -وهو متروك- فهذا إسناد ضعيف. وقد رواه ابن جرير (٤) أيضًا من حديث حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، عن أبي أمامة موقوفًا. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله علي ذلك لشهيد. ويحتمل أن يعود الضمير على الإِنسان. قاله محمد بن كعب القرظي. فيكون تقديره: وإن

стр. 6637

الإِنسان على كونه كنودًا لشهيد، أي: بلسان حاله. أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ [¬١] اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ﴾، أي: وإنه لحب الخير -وهو: المال- لشديد. وفيه مذهبان: أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال. والثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح. ثم قال تعالى مزهدًا في الدنيا، ومرغبًا في الآخرة [¬٢]، ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإِنسان من الأهوال: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ أي: أخرج ما فيها من الأموات، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، قال ابن عباس وغيره: يعني أبرز وأظهر ما [¬٣] كانوا يسرون في نفوسهم، ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾، أي: لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون، ومجازيهم [¬٤] عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة. آخر سورة "والعاديات"، ولله الحمد [والمنة، وبه التوفيق والعصمة، وهو حسبي] * * *

стр. 6638

[تفسير] سورة القارعة [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ ﴿القارعة﴾: من أسماء يوم القيامة، كالحاقة، والطآمة، والصآخة، والغاشية وغير ذلك. ثم قال معظمًا أمرها ومهولًا لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾، أي: في انتشارهم وتفرقهم، وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث. كما قال في الآية الأخرى: ﴿كأنهم جراد منتشر﴾. وقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾، يعني: قد صارت كأنها الصوف المنفوش، الذي قد شرع في الذهاب والتمزق. قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والضحاك، والسدي: ﴿الْعِهْنِ﴾: الصوف. ثم أخبر تعالى عما يئول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإِهانة، بحسب أعمالهم، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجحت حسناته على سَيئاته، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، يعني: في الجنة. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجحت سيئاته علي حسناته. وقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ﴾، قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم. وعبر عنه بأمه -يعني دماغه- روي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة. قال: قتادة: يهوي في النار على رأسه. وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار علي رءوسهم.

стр. 6639

وقيل: معناه ﴿فَأُمُّهُ﴾ التي يرجع إليها، ويصير في المعاد إليها ﴿هَاويَةٌ﴾ وهي اسم من أسماء النار. قال ابن جرير: وإنما قيل للَّهاوية: أمه؛ لأنه لا مأوي له غيرها. وقال ابن زيد: الهاوية: النار، التي [¬١] هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿ومأواهم النار﴾. قال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة [¬٢] أنه قال: هي النار، وهي مأواهم؛ ولهذا قال تعالى مفسرًا للَّهاوية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾. قال ابن جرير (١): حدثنا ابن عبد الأعلى: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأشعت بن عبد الله الأعمي؛ قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلي أرواح المؤمنين، فيقولون: روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا. قال: ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلي أمه الهاوية. وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعًا، بأبسط من هذا: وقد أوردناه في كتاب صفة النار، أجارنا الله منها بمنَّه وكرمه. وقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: حارة شديدة الحر، قوية اللَّهيب [¬٣]، والسعير. قال أبو مصعب، عن مالك (٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: إن النبي ﷺ ؛ قال: "نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". قالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية؟ فقال: "إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا". ورواه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن قتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد به. وفي بعض ألفاظه: "إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلهن مثل حرها".

стр. 6640

وقال الإِمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد وهو ابن [¬١] سلمة، عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة؛ يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ ؛ يقول: "نار [بني آدم] [¬٢] التي توقدون، جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم". فقال رجل: إن كانت لكافية؟ فقال: "لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا حرًّا فحرًّا". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو علي شرط مسلم. وقال الإِمام أحمد أيضًا (٤): حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وعمرو، عن يحيى بن جعدة "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، [وضربت بالبحر] [¬٣] مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد". وهذا على شرط الصحة، ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق [ … ] [¬٤] ورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري: "ناركم هذه جزء [¬٥] من سبعين جزءًا". وقد قال الإِمام أحمد (٥): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز -هو ابن محمد الدراوردي- عن سهيل [¬٦] عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "هذه النار جزء، من مائة جزء من جهنم". تفرد به أيضًا من هذا الوجه، وهو علي شرط مسلم أيضًا. وقال أبو القاسم الطبراني (٦): حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر [الحزامي]، حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عمه [¬٧] أبي سهيل، عن أبيه، عن

стр. 6641

أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفًا". وقد رواه أبو مصعب، عن مالك … ولم يرفعه. وروي الترمذي (٧) وابن ماجة، عن عباس [¬١] الدوري، عن يحيى بن أبي بكير [¬٢]، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم [¬٣] أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة". وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب. وجاء في الحديث -عند [¬٤] الإِمام أحمد- من طريق أبي عثمان النهدي، عن أنس. وأبي نضرة العبدي [¬٥]، عن أبي سعيد (٨). وعجلان، مولى المشمعل، عن أبي هريرة (٩)، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان يغلي منهما دماغه". وثبت في الصحيح (١٠) أن رسول الله ﷺ قال: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفسٍ في الصيف. فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها". وفي الصحيحين (١١): " إذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم". آخر تفسير سورة القارعة [ولله الحمد].

стр. 6642

[تفسير] سورة التكاثر [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ يقول تعالى: أشغلكم [¬١]- حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادي بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها؟! قال ابن أبي حاتم (١): حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن يحيى الوقار [¬٢] المصري، حدثني خالد بن عبد الدائم، عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عن الطاعة، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: حدثني يأتيكم الموت. وقال الحسن البصري: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد. وفي صحيح البخاري (٢)، في "الرقاق" منه: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب؛ قال: كنا نري هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يعني: "لو كان لابن آدم واد من ذهب". و [¬٣] قال الإِمام أحمد (٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف -يعني ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه قال: انتهيت إلي رسول الله ﷺ وهو يقول: " ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟! ". ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به.

стр. 6643

وقال مسلم في صحيحه (٤): حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ "يقول العبد: مالي مالي؟ وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فاقتنى [¬١]، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس". تفرد به مسلم. وقال البخاري (٥): حدثنا الحمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، سمع أنس بن مالك؛ يقول: قال رسول الله ﷺ : "يتبع الميتَ ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله". وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة به. وقال الإِمام أحمد (٦): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل". أخرجاه في الصحيحين. وذكر الحافظ ابن عساكر (٧)، في ترجمة الأحنف بن قيس -واسمه الضحاك- أنه رأي في يد رجل درهمًا فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر. ثم أنشد الأحنف متمثلًا قول الشاعر: أنت للمال إذا أمسكته … فإذا أنفقته فالمال لك وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة؛ قال: صالح بن حيان حدثني عن ابن بريدة في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. قال: نزلت في قبيلتين [من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت] [¬٢] إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدي الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلي القبر ومثل فلان؟

стр. 6644

وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل. وقال قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعَدّ من بني فلان وهم كل يوم يتساقطون [¬١] إلي آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. والصحيح أن المراد بقوله: ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح (٨)؛ أن رسول الله ﷺ دخل علي رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا باس، طَهُور إن شاء الله". فقال: قلت: طَهُور؟! بل هي حمى تفور، علي شيخ كبير، تُزيره القبور!. قال: "فَنَعَم إذًا". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سَلم [¬٢] الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾. ورواه الترمذي (٩) عن أبي كريب، عن حكام بن سلم، به [¬٣] وقال: غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن داود العُرْضي [¬٤]، حدثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران؛ قال: كنت جالسًا عند عمر بن عبد العزيز، فقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، فلبث [¬٥] هنيهة [¬٦] فقال: يا ميمون؛ ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله. قال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله إلى جنة أو إلى [¬٧] نار، وهكذا ذُكرَ أن بعضَ الأعراب سمع رجلًا يتلو [¬٨] هذه الآية ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فقال: بُعث اليوم ورَبّ الكعبة. أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلي غيره.

стр. 6645

وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد. وقال الضحاك: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يعني الكفار، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أيها المؤمنون. وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، أي: لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حتى صرتم إلي المقابر. ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ﴾، هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ تَوعَّدَهم بهذا الحال، وهي رؤية النار التي إذا زفرت زفرة واحدة [¬١]- خوَرّ كل ملك مقرب، ونبي مرسل علي ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، علي ما جاء به الأثر المروي في ذلك. وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك. [ما إذا] [¬٢] قابلتم به نعمة من شكره وعبادته. و [¬٣] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز [¬٤] المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز [¬٥]، حدثنا يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه سمع عمر بن الخطاب؛ يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد فقال: "ما أخرجك هذه الساعة؟ " قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: "ما أخرجك يا بن الخطاب؟ "، قال: أخرجني الذي أخرجكما. قال: فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما، ثم قال: "هل بكما من قوة، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلًّا؟ ". قلنا: نعم. قال: "مُرّوا بنا إلى منزل ابن التَّيِّهان أبي الهيثم الأنصاري". قال: فتقدم رسول الله ﷺ بين أيدينا، فسلم واستأذن -[] [¬٦] ثلاث مرات- وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام، تريد أن يزيدها رسول الله ﷺ من السلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم، فقالت: يا رسول الله، قد -والله- سمعت تسليمك، ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله ﷺ : "خيرًا". ثم

стр. 6646

قال: "أين أبوا [¬١]- الهيثم؛ لا أراه". قالت: يا رسول الله، هو قريب ذهب يَستعذبُ الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت بساطًا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقَرَّت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصَرَم لهم أعذاقًا، فقال له رسول الله ﷺ : "حَسْبُك يا أبَا الهيثم". قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسره، ومن رُطبه، ومن تَذْنُوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ : "هذا من النعيم الذي تسألون عنه". هذا [¬٢] غريب من هذا الوجه. وقال ابن جرير (١٠): حدثني الحسين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة؛ قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي ﷺ ؛ فقال: "ما أجلسكما هاهنا؟ " قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: "والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره". فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار. فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي ﷺ : "أين فلان؟ ". فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء. فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبًا [¬٣] ما زار [العباد شيء] [¬٤] أفضل من شيء زارني اليوم. فعلق قرْبَتَه [بكرَب نخلة] [¬٥]، وانطلق فجاءهم بعذق؛ فقال النبي ﷺ : "ألا كنت [¬٦] اجتنيت؟ " فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون علي أعينكم. ثم أخذ الشفرة، فقال النبي ﷺ : "إياك والحلوب". فذبح لهم يومئذ، فأكلوا. فقال النبي ﷺ : "لتسألن عن هذا يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم". ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به ورواه أبو يعلى وابن ماجة، من حديث المحاربي [¬٧]، عن يحيى بن عُبَيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بكر الصديق به. وقد رواه أهل السنن الأربعة (١١)، من حديث عبد الملك بن عمير [¬٨]، عن أبي سلمة، عن

стр. 6647

أبي هريرة، بنحو من هذا السياق وهذه القصة. وقال الإِمام أحمد (١٢): حدثنا سُرَيج، حدثنا حشرج، عن أبي نُصَيرة [¬١]، عن أبي عَسيب -يعني مولى رسول الله- قال: خرج رسول الله ﷺ ليلًا فَمرَّ بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مرَّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مرّ [¬٢] بعمر فدعاه فخرج إليه فانطلق حتى أتي حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: "أطعمنا"، فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: "لتسألن عن هذا يوم القيامة". قال: فأخذ عُمَرُ العذْقَ فَضَرب به الأرض، حتى تناثر البُسرُ قبل رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله؛ إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: "نعم، إلا من ثلاثة: خرقة لفَ بها الرجل عورته، أو كسرة سدَّ بها جوعته، أو جُحر تدخل فيه من الحرّ والقرّد. تفرد به أحمد. وقال الإِمام أحمد (١٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار، سمعت جابر بن عبد الله؛ يقول: أكل رسول الله ﷺ وأبو بكر [وعمر] [¬٣] رطبًا، وشربوا ماء، فقال رسول الله ﷺ "هذا من النعيم الذي تسألون عنه". ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به [¬٤]. وقال الإِمام أحمد (١٤): [] [¬٥]: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن صفوان بن سليم، عن محمود بن الربيع؛ قال: لما نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قالوا: يا رسول الله؛ عن أَي نعيم نُسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا علي رقابنا، والعدو حاضر، فعن أبي نعيم نسأل؟ قال: "أما إن ذلك سيكون".

стр. 6648

وقال أحمد (١٥): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان؛ حدثنا معاذ بن عبد الله بن حُبيَب [¬١]، عن أبيه، عن عمه قال: كنا في مجلس فطلع علينا النبي ﷺ وعلي رأسه أثر ماء، فقلنا: يا رسول الله؛ نراك طيب النفس. قال: "أجل". قال [¬٢]: ثم خاض الناس في ذكر الغني، فقال رسول الله ﷺ : "لا بأس بالغنى لمن اتقى الله. والصحة لمن اتقى الله [¬٣] خير من الغني، وطيب النفس من النعيم". ورواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد [¬٤]، عن عبد الله بن سليمان به. وقال الترمذي (١٦): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن عبد الله بن العلاء، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري؛ قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ : "إن أول ما يسأل عنه -يعني يوم القيامة- العبد من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونروك [¬٥] من الماء البارد". تفرد به الترمذي. ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن [¬٦] زَبْر به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لما نزلت: ﴿ثُمَّ [¬٧] ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قالوا: يا [¬٨] رسول الله؛ لأيّ نعيم نسأل [¬٩] عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: "إن ذلك سيكون". وكذا رواه الترمذي (١٧) وابن ماجة، من حديث سفيان -هو ابن عيينة- به [¬١٠]. ورواه

стр. 6649

أحمد (١٨) عنه، وقال الترمذي: حسن. وقال ابن أبي حاتم (١٩): حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة؛ قال: لما [¬١] أنزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قالت الصحابة: يا رسول الله؛ وأيّ نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه ﷺ : قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم. وقال ابن أبي حاتم (٢٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سُليمان [¬٢] ابن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلي -أظنه عن عامر- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قال: "الأمن والصحة". وقال زيد بن أسلم (٢١): عن رسول الله ﷺ : ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخَلْق، ولذة النوم. رواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة. وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: نعيم الغداء والعشاء، وقال أبو قلابة: من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي. وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾. وثبت في صحيح البخاري (٢٢)، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 6650

"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٢٣): حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق [¬١]، حدثنا أبو حمزة، عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما فوق الإِزار، وظل الحائط، وخُبْز [¬٢]، يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه". ثم قال: لا نعرفه إلّا بهذا الإسناد. وقال الإِمام أحمد (٢٤): حدثا بهز وعفان؛ قالا: حدثنا حماد، قال عفان في حديثه: قال إسحاق بن عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "يقول الله -قال عفان: يوم القيامة-: يا بن آم، حملتك علي الخيل والإِبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر ذلك؟ ". تفرد به من هذا الوجه. آخر تفسير سورة "التكاثر" ولله الحمد والمنة * * *

стр. 6651

[تفسير] سورة العصر [وهي مكية] ذكروا أن عمرو بن العاص (١) وفد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾. ففكر مسيلمة هُنَيهة ثم قال: وقد أنزل عليّ مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: ياوَبْر ياوَبْر، إنما أنت أذنان وصَدْر، وسائرك [¬١] حفز نَقْز. ثم قال: كيف تري يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. وقد رأيت "أبا بكر الخرائطي" أسند في كتابه المعروف "بمساوي الأخلاق"، في الجزء الثاني منه، شيئًا من هذا أو قريبًا منه. والوبر: دويبة تشبه الهرّ، أعظم شيء فيه أذناه، وصدره وباقيه [دميم] [¬٢]، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك علي عابد الأوثان في ذلك الزمان. وذكر الطبراني (٢) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبيد الله بن حصن [] [¬٣]؛ قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يتفرقا إلا علي أن يقرأ أحدهما علي الآخر "سورة العصر" إلي آخرها، ثم يسلم أحدهما علي الآخر. وقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم، من خيرٍ وشر. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو العشيّ [¬٤]، والمشهور الأول.

стр. 6652

فأقسم تعالى بذلك على أن الإِنسان لفي خسر، أي: في خسارة وهلاك، ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ]﴾، فاستثنى من جنس الإِنسان عن الخسران الذين آمنوا] [¬١] بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر. آخر تفسير سورة العصر، ولله الحمد والمنة. * * *

стр. 6653

[تفسير] سورة "ويل لكل همزة لمزة" [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) الهماز بالقول، واللماز بالفعل. يعني يزدري بالناس ويتنقص بهم. وقد تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال [¬١] ابن عباس: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: طعان معياب [¬٢]. وقال الربيع بن أنس: الهُمزة: همزه [¬٣] في وجهه، ولمَزه [¬٤]: من خلفه. وقال قتادة: [همزه ولمزه] [¬٥]، بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم. وقال مجاهد: الهمزة باليد والعين، واللّمزةُ باللسان. وهكذا قال ابن زيد. [وقال مالك] [¬٦]: عن زيد بن أسلم: هُمَزة لحومِ الناس. ثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق، وقيل: غيره. وقال مجاهد: هي عامة. وقوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾. قاله السدي وابن جرير. وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة. وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ﴾، أي: يظن أن جمعه [¬٧] المال يخلده في هذه الدار

стр. 6654

﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾، [أي ليلقين هذا الذي جمع مالًا فعدده في الحطمة] [¬١] وهي اسم من أسماء النار صفة [¬٢]، لأنها تحطم من فيها؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم [¬٣] يقول: لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي. وقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا [¬٤] بلغت [¬٥] فؤاده حذو حلقه ترجع [¬٦] على جسده. وقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة، كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مرْدويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خَرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾، قال [¬٧]: مطبقة. وقد رواه [أبو بكر] [¬٨] ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن خالد [¬٩]، عن أبي صالح، قوله ولم يرفعه. ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، قال عطية العوفي: عمد من حديد. وقال السدي: من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، يعني: الأبواب هي الممدودة. وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد [¬١٠] ممددة. وقال العوفي: عن ابن عباس: أدخلهم في عَمَد فمدت عليهم بعماد، و [¬١١] في أعناقهم السلاسل فسدت [¬١٢] بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير. وقال أبو صالح: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني: القيود الطوال. آخر تفسير "ويل لكل همزة لمزة"

стр. 6655

[تفسير] سورة الفيل [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة. وكانوا قومًا نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإِرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم -يا معشر قريش- على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء. وهذه قصة أصحاب الفيل (١) على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب، قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس -وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا- هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوْس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام -وكان نصرانيًّا- فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة، لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم [¬١]، في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقًا في البحر، واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران: أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن أبرز إليّ وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخلف كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه
следующие страницы →