← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

[تفسير] سورة العصر [وهي مكية] ذكروا أن عمرو بن العاص (١) وفد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾. ففكر مسيلمة هُنَيهة ثم قال: وقد أنزل عليّ مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: ياوَبْر ياوَبْر، إنما أنت أذنان وصَدْر، وسائرك [¬١] حفز نَقْز. ثم قال: كيف تري يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. وقد رأيت "أبا بكر الخرائطي" أسند في كتابه المعروف "بمساوي الأخلاق"، في الجزء الثاني منه، شيئًا من هذا أو قريبًا منه. والوبر: دويبة تشبه الهرّ، أعظم شيء فيه أذناه، وصدره وباقيه [دميم] [¬٢]، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك علي عابد الأوثان في ذلك الزمان. وذكر الطبراني (٢) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبيد الله بن حصن [] [¬٣]؛ قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يتفرقا إلا علي أن يقرأ أحدهما علي الآخر "سورة العصر" إلي آخرها، ثم يسلم أحدهما علي الآخر. وقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ العصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم، من خيرٍ وشر. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو العشيّ [¬٤]، والمشهور الأول.

стр. 6652

فأقسم تعالى بذلك على أن الإِنسان لفي خسر، أي: في خسارة وهلاك، ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ]﴾، فاستثنى من جنس الإِنسان عن الخسران الذين آمنوا] [¬١] بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر. آخر تفسير سورة العصر، ولله الحمد والمنة. * * *

стр. 6653

[تفسير] سورة "ويل لكل همزة لمزة" [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) الهماز بالقول، واللماز بالفعل. يعني يزدري بالناس ويتنقص بهم. وقد تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. قال [¬١] ابن عباس: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: طعان معياب [¬٢]. وقال الربيع بن أنس: الهُمزة: همزه [¬٣] في وجهه، ولمَزه [¬٤]: من خلفه. وقال قتادة: [همزه ولمزه] [¬٥]، بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم. وقال مجاهد: الهمزة باليد والعين، واللّمزةُ باللسان. وهكذا قال ابن زيد. [وقال مالك] [¬٦]: عن زيد بن أسلم: هُمَزة لحومِ الناس. ثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق، وقيل: غيره. وقال مجاهد: هي عامة. وقوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾. قاله السدي وابن جرير. وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة. وقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ﴾، أي: يظن أن جمعه [¬٧] المال يخلده في هذه الدار

стр. 6654

﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾، [أي ليلقين هذا الذي جمع مالًا فعدده في الحطمة] [¬١] وهي اسم من أسماء النار صفة [¬٢]، لأنها تحطم من فيها؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم [¬٣] يقول: لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي. وقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا [¬٤] بلغت [¬٥] فؤاده حذو حلقه ترجع [¬٦] على جسده. وقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة، كما تقدم تفسيره في سورة البلد. وقال ابن مرْدويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خَرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾، قال [¬٧]: مطبقة. وقد رواه [أبو بكر] [¬٨] ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن خالد [¬٩]، عن أبي صالح، قوله ولم يرفعه. ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، قال عطية العوفي: عمد من حديد. وقال السدي: من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، يعني: الأبواب هي الممدودة. وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد [¬١٠] ممددة. وقال العوفي: عن ابن عباس: أدخلهم في عَمَد فمدت عليهم بعماد، و [¬١١] في أعناقهم السلاسل فسدت [¬١٢] بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير. وقال أبو صالح: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني: القيود الطوال. آخر تفسير "ويل لكل همزة لمزة"

стр. 6655

[تفسير] سورة الفيل [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة. وكانوا قومًا نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإِرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم -يا معشر قريش- على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء. وهذه قصة أصحاب الفيل (١) على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب، قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس -وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا- هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوْس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام -وكان نصرانيًّا- فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة، لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم [¬١]، في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقًا في البحر، واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران: أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن أبرز إليّ وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخلف كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه

стр. 6656

وفمه وشق وجهه، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحًا، فداوى جرحه فبرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته. فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيه من تراب اليمن، وجز ناصيته وأرسلها [¬١] معه، ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه، ورضي عنه، وأقره على عمله. وأرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها. فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء، سمتها العرب: القُليس، لارتفاعها، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها. وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما حج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته. فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلًا، فأحدث فيها وكرَّ راجعًا. فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به. فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا. وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه هواء شديد فأحرقته، وسقطت إلى الأرض. فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عرمرم؛ لِئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلًا عظيمًا كبير الجثة لم ير مثله، يقال له: محمود. وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك، ويقال: كان معه أيضًا ثمانية أفيال، وقيل: اثنا [¬٢] عشر فيلًا. وقيل غيره، والله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة، بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عنق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًّا، ورأوا أن حقًّا عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد. فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له "ذو نَفْر" فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريده [¬٣] من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر "ذو نفر" فاستصحبه معه. ثم مضى [لوجهه حتى] [¬٤] إذا كان بأرض

стр. 6657

خثعم عرض [¬١] له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه: شهران [¬٢] وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نفيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات. فأكرمهم وبعثوا معه "أبا رغال" دليلًا. فلما انتهى أبرهة إلى المغمس، وهو قريب من مكة، نزل به، وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له: "الأسود بن مفصود" فهجاه بعض العرب -فيما ذكره ابن إسحاق- وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت. فجاء حناطة فدُل على عبد المطلب بن هاشم [¬٣]، وبلغه عن أبرهة ما قال: فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجلّه، وكان عبد المطلب رجلًا جميلًا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، ونزل [¬٤] معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد [¬٥] كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإِبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك. ويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث [¬٦] أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش، فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رءوس الجبال، تخوفًا عليهم بن معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة: لاهُمَّ [¬٧] إِنَّ المرْءَ يَمْـ … ـنَعُ رَحْلَهُ [] [¬٨] فَامْنَعْ حلَالكْ لا يَغْلبَن صَليبَهُم … ومِحَالُهُم غَدْوًا [¬٩] مِحالُك

стр. 6658

قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، ثم خرجوا إلى رءوس الجبال. وذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئًا بغير حق، فينتقم الله منهم [¬١]. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله -وكان اسمه محمودًا [¬٢]- وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود، أو ارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين، وأدخلوا محاجنهم [¬٣] في مراقه وبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان [¬٤]، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق. هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول: أينَ المَفَرُّ؟ والإِلهُ الغالِبُ [¬٥] … والأشْرَمُ المغْلُوبُ غيرُ الغالب قال ابن إسحاق: وقال نفيل في ذلك أيضًا: ألا حُيِّيتَ [¬٦] عنَّا يا رُدَيْنَا … نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الإِصباحِ عينا ردينةُ لو رأيت -ولا تَرَيه … لَدَى جَنْب المحصَّب- مَا رَأينَا إذًا لَعَذَرتنِي وَحَمِدت أمْري … وَلَم تَأسَي [¬٧] عَلَى مَا فَات بَينَا حَمدتُ الله إذ أبصَرتُ طَيرًا … وَخِفْتُ حجارَةً تُلقَى عَلَينا فَكُلّ القومِ يَسألُ عَن نُفَيلٍ … كَأنّ عليّ للحُبْشَان دَينًا؟ وذكر الواقدي بأسانيده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح. وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم. وطال الفصل في ذلك. هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة، منهم المطعم بن عدي، وعمرو بن عائذ بن عمران بن

стр. 6659

مخزوم، ومسعود الثقفي، على حراء ينظرون إلى ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب. فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم طيرًا أباييل، أي قطعًا قطعًا صفرًا [¬١] دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا. وقال محمد بن كعب [¬٢]: [جاءوا بفيلين، فأبى محمود فربض] [¬٣]، وأمَّا الآخر فشجع فحُصِبَ. وقال وهب بن منبه: كان معهم فيلة، فأما محمود -وهو فيل الملك- فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تشجع [¬٤] فحصب، فهربت بقية الفيلة. وقال عطاء بن يسار، وغيره: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم. قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن [¬٥] قلبه فيما يزعمون. وذكر مقاتل بن سليمان؛ أن قريشًا أصابوا مالًا جزيلًا من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة. وقال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة؛ أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي [¬٦] به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل [¬٧] والعُشر ذلك العام [¬٨]. وهكذا روى عن عكرمة من طريق جيد. قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدًا ﷺ كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة، لبقاء أمرهم ومدنهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ *

стр. 6660

تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، أي: لئلا يغير شيئًا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه. قال ابن هشام: الأبابيل: الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحده. قال: وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سَنج وجِلّ يعني بالسنج: الحجر، والجِلّ: الطين، يقول: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال: والعصف: ورق الزرع الذي لم يُقْضِبْ، واحدته عصفة. انتهى ما ذكره. وقد قال حماد بن سلمة عن عاصم، عن زر، عن عبد الله -وأبو سلمة بن عبد الرحمن-: ﴿طَيرًا أَبَابِيلَ﴾، قال: الفرق. وقال ابن عباس، والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضًا. وقال الحسن البصري، وقتادة: الأبابيل: الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل: شتى متتابعة مجتمعة. وقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة، تأتي من هاهنا ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان. وقال الكسائي: سمعت [النحويين يقولون: أبّول مثل العجّول. قال: وقد سمعت] [¬١] بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل: إبيل. وقال ابن جرير (٢): [حدثنا ابن المثنى] [¬٢]، حدثني عبد الأعلى، حدثني داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ أنه قال في قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ﴾ هي: الأقاطيع، كالإِبل المؤبلة. وحدثنا أبو كريب (٣)، حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: لها خراطيم كخراطيم [¬٣] الطير، وأكف كأكف الكلاب. وحدثنا يعقوب (٤) [] [¬٤]، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة في قوله: ﴿طَيرًا

стр. 6661

أَبَابِيلَ﴾، قال: كانت طيرًا خضرًا خرجت من البحر، لها رءوس كرءوس السباع. وحدثنا ابن بشار (٥)، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير [¬١]: ﴿طَيرًا أَبَابِيلَ﴾، قال: هي طير سود بحرية [¬٢]، [في منقارها] [¬٣] وأظافيرها [¬٤] الحجارة. وهذه أسانيد صحيحة. وقال سعيد بن جبير: كانت طيرًا خضرًا لها مناقير صفر، تختلف عليهم. وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب. رواه عنهم ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو [¬٥] معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير؛ قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرًا أنشئت [¬٦] من البحر، أمثال الخطاطيف، كل طيرٍ منها يحمل ثلاثة أحجار مجزّعة: حجرين في رجليه وحجرًا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رءوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر. وبعث الله ريحًا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعًا. وقال السدي عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قال: طين [¬٧] في حجارة: "سَنْك [¬٨]- وكِل". وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة: هَبّور. وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة. وعنه أيضًا: العصف: التبن. والمأكول:

стр. 6662

القصيل يجزُّ [¬١] للدواب. وكذلك قال الحسن البصري. وعن ابن عباس: العصف: القشرة التي على الحبة، كالغلاف على الحنطة. وقال ابن زيد: العصف: ورق الزرع، وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار دَرينا. والمعنى أن الله أهلكهم ودمرهم، وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جرى لهم، ثم مات. فملك بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة، ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى فاستغاثه على الحبشة، فأنفذ معه من جيرشه فقاتلوا معه، فرد الله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك، وجاءته وفود العرب للتهنئة. وقد قال محمد بن إسحاق (٧): حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة؛ قالت: لقد رأت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين، يستطعمان. ورواه الواقدي، عن عائشة مثله. ورواه أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس، عند إساف ونائلة، حيث يذبح المشركون ذبائحهم. قلت: كان اسم قائد الفيل أنيسًا. وقد ذكر الحافظ أبو نعيم (٨) في كتاب "دلائل النبوة"من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن، وإنما بعث علي الجيش رجلًا يقال له: [شمر] [¬٢] بن مفصود، وكان الجيش عشرين ألفًا، وذكر أن الطير طرقتهم ليلًا؛ فأصبحوا صرعى. وهذا السياق غريب جدًّا، وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه علي غيره. والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل في ذلك السياقات والأشعار. وهكذا روى ابن لهيعة، عن الأسود، عن عروة؛ أن أبرهة بعث الأسود بن مفصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه. والصحيح قدومه، ولعل ابن مفصود كان علي مقدمة الجيش، والله أعلم. ثم ذكر ابن إسحاق شيئًا من أشعار العرب، فيما كان من قصة أصحاب الفيل (٩)، فمن ذلك شعر عبد الله بن الزِّبَعرَى [] [¬٣]:

стр. 6663

تَنَكَّلُوا عَن بطن مَكَّةَ، إنها … كَانَتْ قَديمًا لا يُرَام حَريمُها لَم تُخلَقِ الشِّعرَى لَيالي حُرِّمَتْ … إذْ لا عَزيزَ مِنَ الأنام يَرومُها سَائل أميرَ الجيش عَنْها: ما رَأى؟ … فَلَسَوفَ يُنبي الجاهليَن عَليمُهَا ستّونَ ألفًا لم يئُوبوا أرضَهم، … بَل لَم يعش بَعدَ الإياب سقيمُها كَانَتْ بها عَادْ وجُزهُم قَبلَهم … واللهُ من فَوق العبَادَ يُقيمُهما وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المرّي [¬١]: ومن صنعه يوم فيل الحبو … ش، إذ كل ما بعثوه رزمْ محاجنهم تحت أقرابه [¬٢] … وقَدْ شَرَموا أنفَه [¬٣] فانخَرَمْ وَقَدْ جَعَلوا سَوطَه مغْولًا … إذا يمموه قفاه كُلِّمَ [فَولى و] [¬٤] أدْبَرَ أدْرَاجَه … وقد بَاء بالظلم من كان ثَمّ فأرسَلَ مِنْ فَوقهم حَاصبًا … يَلُفهمُ مثْل لَفّ القُزُم تحث [¬٥] على الصبر أخبارهم … وقد ثأجوا كثؤاج الغنم وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة: إنّ آيات رَبّنا بَاقيات … ما يمَاري فيهن إلا الكفور خُلِق الليل والنهار، فكلٌّ … مستبين حسابه مقدورُ ثم يجلو النهارَ ربٌّ رحيمُ … بمهاة شعاعها منشور حُبِس الفيلُ بالمغمّس حتى صار … يحبو كأنه معقورُ لازمًا حَلقُه الجرانَ كما قُطّر … مِن ظَهْر كَبكَب محدورُ حَوْلَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ أَبْطَالٌ … مَلَاويثُ [¬٦] في الحُرُوبِ صُقُورُ خَلَّفُوه ثم ابذَعَرّوا جَمِيعًا، … كُلّهم عَظْمُ ساقِه مَكْسُورُ كُلُّ دِينٍ يَومَ القِيَامَةِ عند الـ … ـله إلا دينَ الحنَيفَةِ [¬٧] بُورُ وقد قدمنا في تفسير"سورة الفتح" (١٠) أن رسول الله ﷺ لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش، بركت ناقته، فزجروها فألحت، فقالوا: خلأت

стр. 6664

القصواء. أي: حَرَنت. فقال رسول الله ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أجبتهم إليها". ثم زجرها فقامت. والحديث من أفراد البخاري. وفي الصحيحين (١١) أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب". آخر [تفسير] سورة الفيل ولله الحمد والمنة. * * *

стр. 6665

[تفسير] سورة "لإيلاف قريش" [وهي مكية] (ذكر حديث غريب في فضلها)، قال البيهقي في كتاب الخلافيات (١): حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، حدثنا أحمد بن عبيد الله الزينبي [¬١]، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل، حدثني عثمان بن عبد الله بن [أبي عتيق] [¬٢]، عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه، عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "فضل الله قريشًا بسبع خلال: أني منهم [¬٣]، وأن النبوة فيهم، والحجابة والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن". ثم تلاها رسول الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لإِيلَافِ قُرَيشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر … ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ … وإن كانت متعلقة بما قبلها، كما صرح بذلك محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ﴾، أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين. وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم، هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال

стр. 6666

الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، ولهذا قال: ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾، بدل من الأول ومفسر له؛ ولهذا قال: ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ﴾. وقال ابن جرير: الصواب أن اللام لامُ التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش [ونعمتي عليهم] [¬١] في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين علي أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان. ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ﴾، أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرمًا آمنا وبيتًا محرمًا [¬٢]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾، أي: هو رب البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندًّا ولا وثنًا؛ ولهذا [¬٣] من استجاب لهذا الأمر [¬٤] جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَ [¬٥] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. وقد قال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا عبد الله بن عمرو العدني، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل أمكم [¬٦] قريش لإيلاف قريش". ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس- عن عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ويحكم يا معشر قريش؛ اعبدوا رب هذا

стр. 6667

البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف". هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، ﵂. فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم. [آخر تفسير سورة "لإيلاف قريش" ولله الحمد] * * * _________

стр. 6668

[تفسير السورة التي يذكر فيها الماعون] [¬١] [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿أَرَأَيتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ يقول تعالى: ﴿أَرَأَيتَ﴾ -يا محمد- ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، وهو: المعاد والجزاء والثواب، ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، أي: هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا يَحضُّونَ] [¬٢] عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته. ثم قال: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال ابن عباس، وغيره: يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر؛ ولهذا قال: ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾، أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها [¬٣] شرعًا، فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق، وأبوالضحي. وقال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل في صلاتهم ساهون. وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلي آخره دائمًا أو غالبًا [¬٤]. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها علي الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها. فاللفظ يشمل هذا كله، ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي. كما ثبت في الصحيحين (١) أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب

стр. 6669

الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان [¬١] قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى، كما ثبت به النص إلي آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع فيها أيضًا؛ ولهذا قال: "لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". ولعله إنما حمله على [¬٢] القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه الله، فهو إذًا لم يصلّ بالكلية. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾ وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾. وقال الطبراني (٢): حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه [¬٣] البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إن في جهنم لواديًا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب الله، وللمصدق في غير ذات الله، وللحاج إلي بيت الله، وللخارج في سبيل الله". وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة؛ قال: كنا جلوسًا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء، فقال رجل يكني بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو [¬٤]؛ يقول: قال رسول الله ﷺ : "من سمّع الناس بعمله، سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره". ورواه أيضًا عن غندر (٤) ويحيى القطان (٥) عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ … فذكره [¬٥].

стр. 6670

ومما يتعلق بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أن من عمل عملًا لله فاطّلع عليه الناس، فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء، والدليل علي ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلَى الموصلي في مسنده (٦): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد [¬١]، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: كنت أصلي، فدخل عليَّ رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله ﷺ ، فقال: "كتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية". قال أبو علي هارون بن معروف: بلغني أن ابن المبارك قال: نعم الحديث للمرائين. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وسعيد بن بشير [¬٢] متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة، وقد رواه غيره عنه [¬٣]. قال أبو يعلى أيضًا (٧): حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال [¬٤] رجل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه [¬٥] أعجبه؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "له أجران، أجر السر وأجر العلانية". وقد رواه الترمذي (٨) عن محمد بن المثنى، وابن ماجة عن بندار، كليهما [¬٦] عن أبي داود الطيالسي، عن أبي سنان الشيباني، واسمه: ضرار بن مرة. ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه الأعمش وغيره، عن حبيب، عن [أبي صالح] [¬٧] … مرسلًا.

стр. 6671

وقد قال أبو جعفر بن جرير (٩): حدثني أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان النحوي، عن جابر الجعفي، حدثني رجل، عن أبي برزة الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال: "الله أكبر، هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع [¬١] الدنيا. و [¬٢] هو الذي إن صلى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه". فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم. وقال ابن جرير أيضًا (١٠): حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال: "هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها". وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعًا، أو تأخيرها عن أول الوقت [سهوًا حتى ضاع الوقت] [¬٣]. وكذا رواه الحافظ أبو يعلى (١١) عن شيبان بن فروخ، عن عكرمة بن إبراهيم به. ثم رواه (١٢) عن أبي الربيع، عن جابر [¬٤]، عن عاصم، [عن مصعب] [¬٥]، عن أبيه موقوفًا. [] [¬٦]، وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه (١٣) وكذلك الحاكم. وقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أي: لا أحسنوا [¬٧] عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع [¬٨] الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى. وقد قال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، قال علي: الماعون: الزكاة.

стр. 6672

وكذا رواه السدي، عن أبي صالح، عن علي. وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر، وبه يقول محمَّد بن الحنفية وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي، والزهري، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتت [¬١] لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله. وفي لفظ: صدقة ماله. وقال زيد بن أسلم: هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وضمنت الزكاة فمنعوها. وقال الأعمش وشعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار: أن أبا العُبيدَين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر. [وقال المسعودي عن سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين: إنه سُئِل ابن مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والقدر] [¬٢] والدلو وأشباه ذلك. وقال ابن جرير (١٤): حدثني محمَّد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي العبيدين، وسعد [¬٣] بن عياض، عن عبد الله؛ قال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث أن الماعون الدلو والفأس والقدر، لا يستغنى عنهن. وحدثنا خلاد بن أسلم (١٥)، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق؛ قال: سمعت سعد بن عياض يحدث عن أصحاب النبي ﷺ … مثله. وقال الأعمش (١٦) عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله: إنه سئل عن الماعون، فقال: ما يتعاون [¬٤] الناس لكنهم: الفأس والدلو وشبهه. وقال ابن جرير (١٧): حدثنا عمرو [بن علي] [¬٥] الفلاس، حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا أبو عوانة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: كنا مع نبينا صلى

стр. 6673

الله عليه وسلم ونحن نقول: الماعون: منع الدلو وأشباه ذلك. وقد رواه أبو داود والنسائي، عن قتيبة، عن أبي عوانة بإسناده، نحوه [¬١]. ولفظ النسائي عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله؛ قال: الماعون: العواري؛ القدر، والميزان، والدلو. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، يعني متاع البيت. وكذا قال مجاهد، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وغير واحد: إنها العارية للأمتعة. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [قال: لم يجيء أهلها بعدُ. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾] [¬٢]، قال: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية. رواه ابن جرير (١٨). ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم (١٩)، عن ابن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: الماعون: منع الناس الفأس والقدر والدلو. وقال عكرمة: رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المُنْخُل والدلو والأبرة. رواه ابن أبي حاتم. وهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة؛ ولهذا قال محمَّد بن كعب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، قال: المعروف؛ ولهذا جاء في الحديث (٢٠): " كل معروف صدقة". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، قال: بلسان قريش: المال.

стр. 6674

وروى ها هنا حديثًا غريبًا عجيبًا في إسناده ومتنه، فقال (٢١): حدثنا أبي وأبو زرعة؛ قالا: حدثنا قيس بن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دهثم [¬١] العجلي، حدثنا عائذ [¬٢] بن ربيعة النميري، حدثني قرة بن دُعمُوص النميري؛ أنهم وفدوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ما تعهد إلينا؟ قال: "لا تمنعوا [¬٣] الماعون". قالوا: يا رسول الله؛ وما الماعون؛ قال: "في الحجر، وفي الحديدة، وفي الماء". قالوا: فأي الحديدة؟ قال: "قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به". قالوا: وما الحجر؟ قال: "قدوركم الحجارة". غريب جدًّا، ورفعه [¬٤] منكر، وفي إسناده من لا يعرف، والله أعلم. وقد ذكر ابن الأثير في الصحابة ترجمة "علي النميري"، فقال: روى ابن قانع (٢٢) بسنده إن عائذ بن ربيعة بن قيس النميري، عن علي بن فلان النميري سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المسلم أخو المسلم، إذا لقيه حياه [¬٥] بالسلام، ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون". قلت: يا رسول الله؛ ما الماعون؟ قال: "الحجر والحديد، وأشباه ذلك". [آخر تفسير سورة الماعون] * * *

стр. 6675

[تفسير] سورة الكوثر [مدنية، وقيل: مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ قال الإمام أحمد (١): حدثنا محمَّد بن فضيل، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسمًا، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه أنزلت عليّ آنفًا سورة"، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حتى ختمها قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلَج العبد منهم فأقول: يا رب؛ إنه من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك". هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق. وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يشْخُب فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر، وأن عليه آنية عدد نجوم السماء. وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي، من طريق محمَّد بن فضيل وعلي بن مسهر، كليهما [¬١] عن المختار بن فلفل، عن أنس، ولفظ مسلم قال: "بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا [في المسجد] [¬٢] إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "أنزلت عليّ آنفًا سورة"، فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فَيُخْتَلَجُ العبد منهم، فأقول: رب؛ إنه من أمتي. فيقول: إنك [¬٣] ما تدري ما أحدث

стр. 6676

بعدك". وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة، وأنها منزلة معها. فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة. وقد رواه الإمام أحمد (٢) من طريق أخرى، عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس: أنه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري، ولم يشق شقًّا، وإذا حافتاه قباب. اللؤلؤ، فضربت بيدي في تربته، فإذا مسكة [¬١] ذَفِرَةٌ وإذا حصباؤه [¬٢] اللؤلؤ". وقال الإِمام أحمد (٣) أيضًا: حدثنا محمَّد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما جري فيه الماء، فإذا مسك أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ". ورواه البخاري (٤) في "صحيحه" ومسلم، من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر؛ حافتاه قباب اللؤلؤ المجوفة [¬٣]، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر". وهذا لفظ البخاري ﵀. وقال ابن جرير (٥): حدثنا الربيع، أخبرنا [¬٤] ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر؛ قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا؛ قال: لما أسري برسول الله ﷺ مضى به جبريل في السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر [¬٥] من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه فإذا هو مسك، قال: "يا جبريل؛ ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خبأ لك

стр. 6677

ربك". وقد تقدم حديث الإسراء (٦) في سورة "سبحان"، من طريق شريك عن أنس، وهو مخرج في الصحيحين. وقال سعيد عن قتادة (٧)، عن أنس: إن رسول الله ﷺ ؛ قال: "بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقال الملك الذي معه: أتدري ما [هذا؟ هذا] [¬١] الكوثر الذي أعطاك الله. وضرب بيده إلى أرضه فأخرج من طينه المسك". وكذلك [¬٢] رواه سليمان بن طرخان، ومعمر [¬٣]، وهمام، وغيرهم، عن قتادة، به. وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن أبي سريج [¬٤]، حدثنا أبو أيوب العباس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمَّد بن عبد الله ابن أخي [¬٥] ابن شهاب، عن أبيه، عغ أنس؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكوثر، فقال: "هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طير، أعناقها مثل أعناق الجُزُر". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنها لناعمة؛ قال: "آكلها أنعم منها". وقال أحمد (٨): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ ما الكوثر؟ قال: "نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر". قال عمر: يا رسول الله، إنه الناعمة! قال: "آكلها أنعم منها يا عمر". و [¬٦] رواه ابن جرير، من حديث الزهري، عن أخيه [] [¬٧] عبد الله، عن أنس أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكوثر … فذكر مثله سواء. وقال البخاري (٩): حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن

стр. 6678

أبي عبيدة، عن عائشة، قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم. ثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق. ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به. وقال ابن جرير (١٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة؛ قالت: الكوثر نهر في الجنة، شاطئاه در مجوف. وقال إسرائيل: نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء. و [¬١] حدثنا ابن حميد (١١)، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق [¬٢] أو مسروق؛ قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين؛ حدثيني عن الكوثر. قالت: نهر في بطنان الجنة. قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت. وحدثنا أبو كريب (١٢)، حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن ابن أبي نجيح، عن عائشة قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر، فليجعل أصبعيه في أذنيه. وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات: "عن رجل، عنها". ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك، لا أنه يسمعه نفسه، والله أعلم. قال السهيلي: ورواه الدارقطني مرفوعًا، من طريق مالك بن مغول، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي ﷺ . ثم قال البخاري (١٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، [حدثنا هشيم] [¬٣]، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في

стр. 6679

الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. ورواه أيضًا (١٤) من حديث هشيم، عن أبي بسر [¬١]، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكوثر: الخير الكثير. [وقال الثوري (١٥) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: الكوثر: الخير الكثير] [¬٢]. وهذا التفسير يعم النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر، كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد [¬٣]، ومحارب بن دثار، والحسن بن أبي الحسن البصري. حتى [¬٤] قال مجاهد: هو الخير الكثير في [¬٥] الدنيا والآخرة. وقال عكرمة: هو النبوة والقرآن، وثواب الآخرة. وقد صح عن ابن عباس أنه فسره [¬٦] بالنهر أيضًا، فقال ابن جرير (١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا عمر بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد [بن جبير] [¬٧]، عن ابن عباس قال: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل. وروى العوفي عن الشيخ عباس نحو ذلك. وقال ابن جرير (١٧): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل.

стр. 6680

وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء بن السائب، له مثله، موقوفًا. وقد روي مرفوعًا فقال الإمام أحمد (١٨): حدثنا علي بن حفص، حدثنا [¬١] ورقاء قال … وقال عطاء عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل". وهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق محمَّد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، به مرفوعًا. وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقال ابن جرير (١٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير. فقال: صدق، و [¬٢] الله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما [¬٣] نزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري على الدر والياقوت". وقال ابن جرير (٢٠): حدثني ابن البرقي [¬٤]، حدثنا ابن [أبي مريم] [¬٥]، حدثنا محمَّد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حرام [¬٦] بن عثمان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ أبي حمزة بن عبد المطلب يومًا فلم يجده، فسأل امرأته عنه -وكانت من بني النجار- فقالت: خرج -يا نبي الله- آنفًا عامدًا نحوك، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أو لا تدخل يا [¬٧] رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حيسًا فأكل منه، فقالت: يا رسول الله، هنيئًا لك ومريئًا، لقد جئتَ وأنا أريد أن آتيك فأهْنيك وأمْريك، أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرًا في الجنة [يدعى الكوثر] [¬٨]. فقال: "أجل،

стр. 6681

وعرضه -يعني أرضه- ياقوت ومرجان، وزبرجد ولؤلؤ". حرام [¬١] بن عثمان: ضعيف. ولكن هذا سياق حسن، وقد صح أهل هذا، بل قد تواتر من طرق [¬٢] تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض. [] [¬٣] وهكذا روي بن أنس، وأبي العالية، ومجاهد، وغير واحد من السلف: أن الكوثر نهر في الجنة. وقال عطاء: هو حوض في الجنة. وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته: فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحو البُدْن ونحوها. وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والربيع، وعطاء الخراساني، والحكم، وإسماعيل بن أبي خالد، وغير واحد من السلف. وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ … ﴾ الآية. وقيل: المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾: وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر. روى هذا عن علي، ولا يصح، وعن الشعبي مثله [¬٤]. وعن أبي جعفر الباقر: ﴿وَانْحَرْ﴾ يعني: ارفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وقيل [¬٥]: ﴿وَانْحَرْ﴾، أي: استقبل بنحرك القبلة. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابنُ جرير. وقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا منكرًا جدًّا فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم الفامي [¬٦]-سنة خمس وخمسين ومائتين- حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب؛ قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ : ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، قال رسول الله: "يا جبريل؛ ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ " فقال [¬٧]: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت،

стр. 6682

فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة. وهكذا رواه الحاكم (٢١) في المستدرك من حديث إسرائيل بن حاتم به. وعن عطاء الخراساني، [﴿وَانْحَرْ﴾ أي،] [¬١]: ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل، وأبرز نحرك، يعني به الاعتدال. رواه ابن أبي حاتم. [وكل هذه الأقوال غريبة جدًّا] [¬٢]. والصحيح القول الأول: أن المراد بالنحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ يصلي يوم [¬٣] العيد ثم ينحر نسكه ويقول: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك. ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له". فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول اللَّه؛ إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: "شاتك شاة لحم". قال: فإن عندي عناقًا هي أحب إِليَّ من شاتين، أفتجزئ عنّي؟ قال: "تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك" (٢٢). قال أبو جعفر بن جرير: والصواب قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير، الذي لا كِفَاءَ له، وخصك به. وهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القرظي وعطاء. وقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، أي: إن مبغضك -يا محمد- ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره. قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل. وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان؛ قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول اللَّه ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل اللَّه هذه السورة. وقال شمر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط.

стр. 6683

وقال ابن عباس أيضًا، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، و [¬١] جماعة من كفار [¬٢] قريش. وقال البزار (٢٣): حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس؟ قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت [سيدهم] [¬٣]، ألا ترى إلى هذا المُصَنبر المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية. فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. و [¬٤] هكذا رواه البزار [¬٥]، وهو إسناد صحيح. وعن عطاء قال [¬٦]: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول اللَّه ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين وقال: بتر محمد الليلة. فأنزل اللَّه [في ذلك] [¬٧]: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل. وعنه ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ﴾، يعني: عدوك. وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم. وقال عكرمة: الأبتر: الفهد. وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر. فلما مات أبناء رسول اللَّه ﷺ قالوا: بتر محمد. فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه [¬٨] ينقطع ذكره، وحاشا وكلّا، بل قد أبقى اللَّه ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد. آخر تفسير سورة الكوثر، وللَّه الحمد والمنة * * *

стр. 6684

[تفسير] سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [وهي مكية] ثبت في صحيح مسلم (١)، عن جابر، أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بهذه السورة، وبـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الطواف. وفي صحيح مسلم (٢)، من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر. وقال الإِمام أحمد (٣): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بضعًا وعشرين مرة -أو: بضع عشرة مرة- ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقال أحمد أيضًا (٤): حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: رمقت النبي ﷺ أوبعًا وعشرين -أو: خمسًا وعشرين- مرة، يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقال أحمد (٥): حدثنا أبو أحمد -هو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير [¬١] الزبيري- حدثنا سفيان -هو [¬٢] الثوري- عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: رمقت النبي ﷺ شهرًا، وكان يقرأ في الركعتبن قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.

стр. 6685

وكذا رواه الترمذي و [ابن ماجة، من حديث أبي أحمد الزبيري] [¬١]، أخرجه النسائي (٦) من وجه آخر، عن أبي إسحاق، به. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". و [قد [¬٢] تقدم في الحديث] [¬٣] أنها تعدل ربع القرآن، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن. وقال الإمام أحمد (٧): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن فروة بن نوفل -هو ابن معاوية- عن أبيه؛ أن رسول اللَّه ﷺ قال له: "هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟ ". قال: أراها زينب. قال: ثم جاء فسأله النبي ﷺ عنها، قال: "ما فعلت الجارية؟ " قال: تركتها عند أمها. قال "فمجيء ما جاء بك؟ " قال: جعت لتعلمني شيئًا أقوله عند منامي. قال: "اقرًا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك". تفرد به أحمد. وقال أبو القاسم الطبراني (٨): حدثنا أحمد بن عمرو القطراني، حدثنا محمد بن الطفيل، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة -وهو أخو زيد بن حارثة- أن النبي ﷺ قال: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها، فإنها براءة من الشرك". وقال الإمام أحمد (٩): حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة [¬٤] بن نوفل، عن الحارث بن جبلة قال: قلت: يا رسول اللَّه؛ علمني شيئًا أقوله عند منامي. قال: "إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فإنها براءة من الشرك". وروى الطبراني (١٠) من طريق شريك، [عن] جابر، عن معقل الزبيدي، عن [عباد أبي

стр. 6686

الأخضر عن خباب، رسول اللَّه ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى يختمها [واللَّه أعلم] [¬١]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ هذه السورة سورة البراءة من [¬٢] العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين [¬٣] بهذا الخطاب هم كفار قريش. وقيل: إنهم من جهلهم دعوا رسول اللَّه ﷺ عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل اللَّه هذه السورة، وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأصنام والأنداد، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، وهو اللَّه وحده لا شريك له. فـ "ما" هاهنا بمعنى "من". ثم قال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد اللَّه على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، أي: لا تقتدون بأوامر اللَّه وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون اللَّه بما شرعه، ولهذا كان كلمة الإِسلام [¬٤] "لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه"، أي: لا معبود إلا اللَّه ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ ، والمشركون يعبدون غير اللَّه عبادة لم يأذن بها اللَّه؛ ولهذا قال لهم الرسول ﷺ : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ [¬٥] كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا

стр. 6687

تَعْمَلُونَ﴾. وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. وقال البخاري (١١): يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإِسلام. ولم يقل "ديني" لأن الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ و ﴿يَشْفِينِ﴾. وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. انتهى ما ذكره. ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التكيد، كقوله ﴿[فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] [¬١] (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ﴾. وحكاه بعضهم -كابن الجوزي وغيره- عن ابن قتيبة، فاللَّه اعلم. فهذه ثلاثة أقوال: أولها ما ذكرناه أولًا. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الماضي ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض. وثمَّ قول رابع، نصره أبو العباس بن تيميّة في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نفي الفعل لأنها جملة فعلية، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، نفي قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل وكونه قابلًا لذلك. ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضًا. وهو قول حسن أيضًا، واللَّه أعلم. وقد استدل الإِمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى، وبالعكس، إذا [¬٢] كان بينهما [نسب أو] [¬٣] سبب يتوارث به؛ لأن الأديان ما عدا الإِسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس، لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (١٢).

стр. 6688

آخر تفسير [¬١] سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وللَّه الحمد والمنة. [وبه التوفيق والعصمة] [¬٢]. * * *

стр. 6689

[تفسير] سورة إذا جاء نصر اللَّه والفتح [وهي مدنية] قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن. وقال النسائي (١): أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر، عن أبي العُمَيس (ح) وأخبرنا أحمد [¬١] بي سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: يا بن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال: صدقت. وروى الحافظ أبو بكر البزار (٢) والبيهقي، من حديث موسى بن عبيدة الربذي، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر؛ قال: أنزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول اللَّه ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء [¬٢] فرحلت [¬٣]، ثم قام فخطب الناس … فذكر خطبته المشهورة. وقال [¬٤] الحافظ البيهقي (٣): أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد [¬٥] الصفار، حدثنا الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا [عباد بن] [¬٦] العمام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، دعا رسول اللَّه ﷺ فاطمة وقال: "إنه قد نعيت إليّ نفسي"، فبكت، ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: "اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا [¬٧] بي". فضحكت. وقد رواه النسائي كما سيأتي بدون ذكر فاطمة.

стр. 6690

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ قال البخاري (٤): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رُؤيتُ أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم. فقال: ما تقولون في قول اللَّه : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك [¬١] تقول يا بن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول اللَّه ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرد به البخاري. وروى ابن جرير (٥)، عن محمد بن حميد، عن مهران، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس .. فذكر مثل هذه [¬٢] القصة، أو نحوها. وقال الإِمام أحمد (٦): حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال رسول اللَّه ﷺ : "نعيت إليّ نفسي … " بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به أحمد. وروى العوفي، عن ابن عباس مثله. وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول اللَّه ﷺ نعي إليه. وقال ابن جرير (٧): حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسين بن عيسى الحنفي، عن
следующие страницы →