← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وقال ابن جرير (٧٠٦): و ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما [¬١]، وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فَعيل، كما صُرف المؤلم إلى الأليم [¬٢]، والمُسمع إلى السميع. ومعنى المبدع [¬٣]: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد. قال: ولذلك سُمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبقه [¬٤] إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلًا أو قولًا [¬٥] لم يتقدّمه [¬٦] فيه متقدّم، فإن العرب تسميه مبتدعًا. ومن ذلك قول أعشى ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنَفي: يرعى [¬٧] إلى قول سادات الرجال إذا … أبدَوا له الحزْمَ أو ما شاءهُ ابَتَدعا أي: يحدث ما شاء. قال ابن جرير (٧٠٧): فمعنى الكلام؛ سبحان الله أن [¬٨] يكون له [¬٩] ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد [¬١٠] له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقرّ له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بُنُوَته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات، والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى [¬١١] من غير والد بقدرته. وهذا من ابن جرير ﵀ كلام جيد وعبارة صحيحة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يبين بذلك تعالى كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرة واحدة، فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا [¬١٢] قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وقال الشاعر:

стр. 667

إذا ما أراد الله أمرًا فإنَّما … يقول له كن قولة فيكونُ ونبه تعالى بذلك أيضًا على أنه خلق عيسى بكلمة: كن، فكان كما أمره الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ قال محمد بن إسحاق (٧٠٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله ﷺ : يا محمد! إن كنت رسولًا من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [وقال مجاهد ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾] [¬١]. قال: النصارى تقوله. وهو اختيار ابن جرير، قال: لأن [¬٢] السياق فيهم، وفي ذلك نظر. [وحكى القرطبي ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾: أي يخاطبنا بنبوّتك يا محمد. قلت: وهو ظاهر السياق والله أعلم] [¬٣]. وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ] [¬٤]﴾ قالوا: هم اليهود والنصارى، ويؤيد [¬٥] هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا [¬٦] جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾. الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿قل

стр. 668

سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب، وعتوّهم [¬١] وعنادهم، وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدّمهم في الكفر والعناد والعتوّ، كما قال تعالى ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى، لمن أيقن، وصدق، واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن [¬٢] الله ﵎، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه [¬٣]، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾ قال ابن أبي حاتم (٧٠٩)، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفَزَاري [¬٤]، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ ، قال: "أنزلت عليَّ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، قال: بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار". وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءة أكثرهم [¬٥]: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ بضم التاء على الخبر. وقراءة أبي بن كعب ﴿وما تسأل﴾. وفي قراءة ابن مسعود ﴿ولن تسئل عن أصحاب الجحيم﴾ نقلها [¬٦] ابن جرير (٧١٠) أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، كقوله [¬٧]: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا

стр. 669

الْحِسَابُ﴾. وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾. الآية. وكقوله تعالى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وأشباه ذلك من الآيات. وقرأ آخرون: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بفتح التاء على النهي، أي لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق (٧١١): أخبرنا الثوري، عن موسى بن عُبَيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله، ﷺ : "ليت شعري! ما فعل أبواي؟ ليت شعري! ما فعل أبواي؟ ليت شعري! ما فعل أبواي؟ " فنزلت: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فما ذكرهما حتى توفاه الله . ورواه ابن جرير (٧١٢)، عن أبي كُريب، عن وكيع عن موسى بن عبيدة [-وقد تكلموا فيه- عن محمد بن كعب] [¬١] به مثله. [وقد حكاه القرطبي، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان أي: قد بلغ فوق ما تحسب. وقد ذكرنا في التذكرة: أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به. وأجبنا عن قوله: "إن أبي وأباك في النار". قلت: والحديث المروي في حياة أبويه ﵇ ليس في شيء من الكتب الستة، ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله أعلم] [¬٢]. ثم قال [ابن جرير] [¬٣] (٧١٣): وحدّثني القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني حجاج، عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم: أنّ النبي، ﷺ ، قال ذات يوم: "أين أبواي؟ " فنزلت: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. وهذا مرسل كالذي قبله. وقد رَدَّ ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب، وغيره في ذلك؛ لاستحالة الشك من الرسول، ﷺ ، في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى. وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر؛ لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار. [كما ثبت هذا في الصحيح] [¬٤] ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير، والله أعلم.

стр. 670

وقال الإمام أحمد (٧١٤): حدثنا موسى بن داود، حدَّثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله، ﷺ ، في التوراة فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي؛ إنا أرسلناك شاهدًا، ومبشرًا، ونذيرًا، وحِرْزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع [بالسيئةِ السيئةَ] [¬١]، ولكن [يعفو ويغفر] [¬٢]، ولن يقبضه حتى يقيم [¬٣] به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله؛ فيفتح به أعينًا عُمْيًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا. انفرد بإخراجه البخاري (٧١٥)، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان، عن فُلَيح، به،. وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، وقال سعيد: عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. ورواه (٧١٦) في التفسير عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب. وزعم أبو مسعود الدمشقي [¬٤] أنه عبد الله بن رجاء. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به. وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته، فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبًا قال بِلُغَتِهِ: أعينًا عمومي، وآذانًا صمومي، وقلوبًا غلوفًا. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾

стр. 671

قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وليست اليهود -يا محمد- ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم [¬١]، وأقبلْ على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: قل يا محمد: إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل. قال قتادة: في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ قال: خصومة عَلَّمَها الله محمدًا ﷺ وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة. قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: "و [¬٢] لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون [¬٣] على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (٧١٧). (قلت): هذا الحديث مخرّج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو (٧١٨). ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد، ووعيد شديد للأمّة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعدما علموا من القرآن والسنة، عياذًا بالله من ذلك، فإن الخطاب مع الرسول، [والأمر لأمّته] [¬٤]. [وقد استدل كثير من الفقهاء لقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ حيث أفرد الملة، على أن الكفر كله ملة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه، سواء كان من أهل دينه أم لا؛ لأنهم كلهم ملة واحدة، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه. وقال في الرواية الأخرى كقول مالكٍ: إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى كما جاء في الحديث (٧١٩)، والله أعلم] [¬٥].

стр. 672

وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [] [¬١] قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هم اليهود والنصارى. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. وقال سعيد، عن قتادة: هم أصحاب رسول الله، ﷺ . وقال ابن أبي حاتم (٧٢٠): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، وعبد الله بن عمران الأصبهاني، قالا: [حدثنا يحيى بن يمان] [¬٢]، حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: إذا مر بذكر الجنة، سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار، تعوّذ بالله من النار. وقال أبو العالية: قال ابن مسعود: "والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يُحِلّ حلاله ويحرّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئًا على [¬٣] غير تأويله". وكذا رواه عبد الرزاق (٧٢١)، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود. وقال السدّي (٧٢٢): عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يُحِلون حلاله ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك. وقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، وَيَكِلُون ما أشكل عليهم إلى

стр. 673

عالمه. وقال ابن أبي حاتم (٧٢٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يقول: اتبعها. قال: وروي عن عكرمة، وعطاء، ومجاهد، وأبي رزين، وإبراهيم النخَعي نحوُ ذلك. وقال سفيان الثوري: حدثنا زُبَيد، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه. [قال القرطبي (٧٢٤): وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: "يتبعونه حق تلاوته" ثم قال: في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب، إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وقال عمر بن الخطاب: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها. قال: وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ (٧٢٥) -: أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوّذ] [¬١]. وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خبر عن: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدّمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية. وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: إذا أقمتموها حق

стр. 674

الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدّقتم ما فيها من الإخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته، وصفته، والأمر باتباعه، ونصره، ومؤازرته - قادكم ذلك إلى الحق، واتباع الخير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ .. الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ [¬١] أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾، أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد، ﷺ ، لواقعًا. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. وفي الصحيح: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" (٧٢٦). ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾ و [¬٢] قد تقدّم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكرّرت هاهنا، للتأكيد، والحث على اتباع الرسول النبي الأمي، الذي يجدون صفته في كتبهم، ونعته، واسمه، وأمره، وأمّته. يحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية. ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم [¬٣] ذلك الحسد على مخالفته، وتكذيبه، والحيد [¬٤] عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.

стр. 675

* ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله ﵇ وأن الله جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد [حين] قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذِ [¬١] ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: واذكر يا محمد، لهؤلاء المشركين، وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن كلهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفي جميع ما شرع له؛ فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) [شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [¬٢]﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [وقال تعالى]: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: بشرائع، وأوامر، ونواهٍ، فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله -تعالى- عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. وتطلق، ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [¬٣] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإمّا طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهنّ. قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أي: جزاء على ما فَعَل، كما قام بالأوامر، وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة، وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه. وقد اختُلِف في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇ فروي عن ابن عباس في ذلك روايات: فقال عبد الرزاق (٧٢٧)، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه أبو إسحاق السّبِيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.

стр. 676

وقال عبد الرزاق (٧٢٨) أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. قال ابن أبي حاتم (٧٢٩): وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك. (قلت): وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم (٧٣٠) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "عَشْرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء". قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء يعني: الاستنجاء. وفي [الصحيحين] [¬١]، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقيم الأظفار، ونتف الإبط" ولفظه لمسلم (٧٣١). وقال ابن أبي حاتم (٧٣٢): أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن

стр. 677

لهيعة، عن [ابن هُبَيرة] [¬١]، عن حَنَش [¬٢] بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في تفسير [¬٣]، هذه الآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: عَشْرٌ: ستٌّ في الإنسان، وأربعٌ في المشاعر، فأمّا التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. وقال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا: منها عشر آيات في براءة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وعشر آيات في الأحزاب ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت [¬٤] له براءة. قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. هكذا رواه الحاكم (٧٣٣)، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به. وهذا لفظ ابن أبي حاتم. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن [¬٥] إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله [¬٦] حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين [¬٧] وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار، ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه [¬٨] وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كلِّه، وأخلصه للبلاء قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.

стр. 678

وقال ابن أبي حاتم (٧٣٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا إسماعيل بن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن -يعني البصري: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [¬١]﴾ قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، أو ابتلاه بابنه فرضي عنه] [¬٢]. وقال ابن جرير (٧٣٥): حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله لقد ابتلاه [¬٣] بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس، والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده ليقومه حتى لحق بالشام، مهاجزا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، وابتلاه الله بذبح ابنه والختان، فصبر على ذلك. وقال عبد الرزاق (٧٣٦)، أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، والكوكب، [والقمر، والشمس]. وقال أبو جعفر بن جرير (٧٣٧): حدثنا ابن بشار، أحدثنا سَلْم بن قتيبة] [¬٤]، حدثنا أبو هلال، عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه بالكوكب، والشمس [¬٥]، والقمر، فوجده صابرًا. وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، فمنهنّ: ﴿قَال [¬٦] إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ [¬٧]﴾، ومنهنّ الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.

стр. 679

وقال ابن أبي حاتم (٧٣٨): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في [¬١] قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا؟ قال نعم: قال: ومن ذرّيتي؟ ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم. قال: وأمْنًا؟ قال: نعم: قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا أمّة مسلمة لك. قال: نعم: قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال: نعم. قال ابن أبي نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره. وهكذا رواه ابن جرير (٧٣٩) من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وقال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: الكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم. وقال السدي: الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. [وقال القرطبي (٧٤٠): وفي الموطأ وغيره (٧٤١)، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن

стр. 680

المسيب يقول: إبراهيم ﵇ أوّل من اختتن، وأوّل من ضاف الضيف، [وأول من استحد] [¬١] وأوّل من قلم أظفاره، وأوّل من قص الشارب، وأوّل من شاب فلما رأى الشيب قال: يا رب! ما هذا؟ قال: وقار. قال: يا رب! زدني وقارًا. وذكر ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال: أوّل من خطب على المنابر إبراهيم ﵇، قال غيره: وأوّل من برد البريد، وأوّل من ضرب بالسيف، وأوّل من استاك، وأوّل من استنجى بالماء، وأوّل من لبس السراويل. وروي [عن] معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أَتخذ المنبرَ لقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتَّخِذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم" (قلت): هذا الحديث لا يثبت والله أعلم: ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] [¬٢]. قال أبو جعفر بن جرير (٧٤٢) ما حاصله: أنَّهُ يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين؛ إلا بحديث، أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له. قال: غَيْرَ أنه قد روي عن النبي، ﷺ ، في نظير معنى ذلك خبران: أحدهما ما [¬٣] حدثنا به أبو كريب، حدثنا رشدين [¬٤] بن سعد، حدثني [زَبَّان بن فائد] [¬٥]، عن سهل بن معاذ بن أنس قال: كان النبي، ﷺ ، يقول: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: الذي وفى لأنه كان يقول كما أصبح، وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) [وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ] [¬٦] (١٨)﴾ [إلى

стр. 681

آخر] [¬١] الآية (٧٤٣). قال: والآخر منهما (٧٤٤) ما [¬٢] حدثنا به أبو كريب، أخبرنا [¬٣] الحسن بن [¬٤] عطية، أخبرنا [¬٥] إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله، ﷺ : ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] قال [¬٦]: "أتدرون مما وفَّي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار". ورواه آدم في تفسيره، عن حماد بن سلمة، وعبد بن حميد، عن يونس بن محمَّد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به. ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا يجوّز [¬٧] روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة: فإنّ كلّا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه، والله أعلم. ثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إنّ الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أولى بالصواب [من القول الذي قاله غيرهم] [¬٨] كان مذهبًا؛ لأن [¬٩] قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ

стр. 682

إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهنّ إبراهيم. (قلت): والذي قاله أوّلًا من أنّ [¬١] الكلمات تشمل [¬٢] جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوّزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم. وقوله: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال [¬٣] لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذرّيته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم. والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي أرسله [¬٤] الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذرّيته صلوات الله وسلامه عليه. وأما قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فقد اختلفوا في ذلك، فقال خصيف، عن مجاهد في قوله: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: إنه سيكون في ذرّيتك ظالمون. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكون لي إمام ظالم، وفي رواية لا اجعل إمامًا ظالما يقتدى به. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به. وقال ابن أبي حاتم (٧٤٥)، حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا [¬٥] شريك، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أنا من كان منهم صالحًا فسأجعله [¬٦] إمامًا يقتدى به، وأما من كان ظالمًا، فلا، ولا نُعْمَةَ عين. وقال سعيد بن جبير: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: المراد به المشرك، لا يكون إمامَ ظالمٍ. يقول: لا تكون إمام مشرك. وقال ابن جريج: عن عطاء، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.

стр. 683

وقال ابن أبي حاتم (٧٤٦): حدثنا [¬١] عمرو بن ثور -القيساري [¬٢]- فيما كتب إليّ، حدثنا الفريابي [¬٣]، حدثنا إسرائيل، حدَّثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. فأبى أن يفعل، ثم قال: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن أبي محمَّد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يخبره أنه كائن في ذرّيته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي أن يوليه شيئًا من أمره، وإن كان من ذرّية خليله، ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه. وقال ابن جرير (٧٤٧): [حدثنا المثنى] [¬٤]، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانتقضه. وروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقال الثوري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ. وقال عبد الرزاق (٧٤٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينال عبد الله في الآخرة الظالمين، فأمّا في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش. وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة. وقال الربيع بن أنس: عهدُ الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١١٣] يقول: ليس كل ذرّيتك يا إبراهيم على الحق.

стр. 684

وكذا رُوي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان [¬١]. وقال جويبر عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدوّ لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد [¬٢] بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي، ﷺ ، قال: " ﴿لَا يَنَالُ [عَهْدِي الظَّالِمِينَ] [¬٣]﴾ قال [¬٤]: لا طاعة إلا في المعروف" (٧٤٩). وقال السدي: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: عهدي: نبوّتي. فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرة في الخبر، أنه لا ينال عبد الله بالإمامة ظالمًا، ففيها [¬٥] إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇ أنه سيوجد من ذرّيتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدّم عن مجاهد وغيره، والله أعلم. [وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفةً، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا شاهدًا، ولا راويًا] [¬٦]. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال العوفي عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً﴾ قول: لا يقضون منه وطرًا؛ يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: مثابة للناس، يقول: يثوبون.

стр. 685

رواهما [¬١] ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم (٧٥٠): أخبرنا [¬٢] أبي، أخبرنا [¬٣] عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل [¬٤]، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه، ثم يرجعون. قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير في رواية، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك نحو ذلك. وقال ابن جرير (٧٥١): حدّثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدّثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو -يعني الأوزاعي-: حدّثني عبدة بن أبي لبابة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا. وحدّثني يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه. [وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي (٧٥٢): جعل البيت مثابًا لهم ليس … منه الدهر يقضون الوطر] [¬٥] وقال سعيد بن جبير -في الرواية الأخرى- وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: مجمعًا. ﴿وَأَمْنًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمنًا للناس. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ يقول: أمنًا من العدوّ، وأن يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون. وروي عن مجاهد وعطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمنًا.

стр. 686

ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا، من كونه مثابةً للناس، أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو تردّدت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، ﵇، في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ ويصفه تعالى بأنه جعله آمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل، ثم دخله كان آمنًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل [أبيه وأخيه] [¬١]ـ فيه فلا يَعْرض له، كما وصف [¬٢] في سورة المائدة بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، أي: يُرفع عنهم بسبب تعظيمها السوءُ، كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض. وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أوّلا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾. وفي هذه الآية الكريمة نبّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام [¬٣] ما هو؟ فقال ابن أبي حاتم (٧٥٣): حدثنا عمرو بن شبة [¬٤] النميري، حدَّثنا أبو خلف -يعني عبد الله بن عيسى- حدثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم الحرم كله. وروي عن مجاهد، وعطاء مثل ذلك. وقال أيضًا [¬٥] (٧٥٤): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذُكر هاهنا، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد. ثم قال: و ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يَعُدُّ كثير مقامَ إبراهيم الحجَّ كلَّه. ثم فسره [¬٦] لي عطاء فقال: التعريف،

стр. 687

وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف كان الصفا والمروة. فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا. ولكن قال: مقام إبراهيم الحجُّ كلُّه. قلت: أسمعت ذلك لم أجمع؟ قالا: نعم، سمعته منه. وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحِجْر مقام إبراهيم [نبي الله] [¬١] قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه. [وقال السُّدي: المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي وضعفه ورجّحه غيره، وحكاه الرازي في تفسيره، عن الحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس] [¬٢]. وقال ابن أبي حاتم (٧٥٥): حدثنا الحسن بن بن الصباح، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدّث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي، ﷺ ، قال له عمر: هذا مقامُ أبينا إبراهيم؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقال عثمان بن أبي شيبة (٧٥٦): أخبرنا [¬٣] أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله! هذا مقام خليلِ ربِّنا؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا غيلان بن عبد الصمد، حدثنا مسروق بن المرزبان، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه مرَّ بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله، أليس نقوم [¬٤] بمقام خليل ربنا؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ

стр. 688

إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقال ابن مردويه، حدَّثنا محمد بن أحمد بن أحمد القزويني، حدَّثنا علي بن الحسين، بن الجنيد، حدَّثنا هشام بن خالد، حدَّثنا الوليد، عن مالك بن أَنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: لما وقف رسول الله، ﷺ ، يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله! هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؟ قال: نعم. قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك؟ ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قال: نعم. هكذا وقع في هذه الرواية. وهو غريب. وقد روى النَّسائي (٧٥٧) من حديث الوليد بن مسلم نحوه. وقال البخاري (٧٥٨): باب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ﴿مَثَابَةً﴾: يثوبون: يرجعون. حدَّثنا مسدد، حدَّثنا يحيى، عن حميد، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي، ﷺ ، بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت: إن انتهين، أو ليبدلن الله رسولَهُ خيرًا منكن، حتَّى أتيتُ إحدى نسائه، فقالت: يا عمر! أما في رسول الله ما يعظ نساءه - حتَّى تعظهنَّ أنت، فأنزل الله -: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ … [¬١]﴾ .. الآية. وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدَّثني حميد قال: سمعت أنسًا، عن عمر، ﵄. هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطَّرِيق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطةٍ، وغرضه من تعليق هذا الطَّرِيق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنَّما لم يسنده، لأن

стр. 689

يحيى بن أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: هو سيئ الحفظ، والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٧٥٩): حدَّثنا هشيم، حدَّثنا حميد، عن أَنس قال: قال عمر ﵁: وافقت ربي في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة. فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ فنزلت كذلك، ثم رواه أحمد (٧٦٠) عن يحيى وابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أَنس، عن عمر أنَّه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره. وقد رواه البخاري (٧٦١)، عن عمرو بن عون، والترمذي، عن أحمد بن منيع، والنَّسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، كلهُم عن هشيم بن بشير، به. ورواه التِّرمِذي (٧٦٢) أيضًا عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، والنَّسائي عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد -وهو ابن تيرويه الطويل- به. وقال التِّرمِذي: حسن صحيح. ورواه الإمام علي بن المديني، عن يزيد بن زريع عن حميد، به. وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري. ورواه الإمام مسلم بن الحجاج (٧٦٣) في صحيحه بسند آخر؛ ولفظ آخر، فقال: حدثنا عقبة بن مُكرمَ، أخبرنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم. وقال أَبو حاتم الرازي (٧٦٤): حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدَّثنا حميد الطويل، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقفي ربي في ثلاث، أو وافقت ربي [في

стр. 690

ثلاث] [¬١]: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله؛ لو حجبت النساء فنزلت آية الحجاب. والثالثة: لما مات عبد الله بن أُبَيٍّ، جاء رسول الله، ﷺ ، ليصلي عليه. قلت: يا رسول الله! تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: إيهًا (٧٦٥) عنك يا بنَ الخطَّاب فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. وهذا إسناد صحيح أي، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قُدم عليه، والله أعلم. وقال ابن جرير: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله، ﷺ ، رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقال ابن جرير (٧٦٦): حدثنا يوسف بن سلمان، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، حدَّثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا] ومشى أربعًا، ثم تقدم [¬٢] إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل. وروى البخاري (٧٦٧) بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله، ﷺ ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين. فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحَجَر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به، ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، و [¬٣] كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول

стр. 691

الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، و [¬١] هكذا، حتَّى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي وإنه في قصة إبراهيم، وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عبَّاس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة منه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أَبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية: وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا. كما قال عبد الله بن وَهْب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أَنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇ وأخمص قدميه، غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم. وقال ابن جرير (٧٦٨): حدَّثنا بشر بن معاذ، حدَّثنا يزيد بن زريع، حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، إنما أمروا أن يصلوا عنده و [¬٢] لم يؤمروا بمسحه. وقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه، وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتَّى اخلولق وانمحى. (قلت): وقد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنَّه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنَّما أخره عن جدار الكعبة أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁ أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله، ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٧٦٩) وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين. قال عبد الرزاق (٧٧٠) عن ابن جريج. حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول من نقله عمر بن الخطاب، ﵁.

стр. 692

[وقال عبد الرزاق (٧٧١) - أيضًا- عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁] [¬١]. وقال الحافظ أَبو بكر أحمد [بن الحسين بن علي] [¬٢] البيهقي، أخبرنا أَبو [الحسين ابن] [¬٣] الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدَّثنا أبو إسماعيل محمد ابن إسماعيل السلمي، حدَّثنا أَبو ثابت، حدَّثنا الدراوردي، عن حشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر، ﵁، ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁، وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم. وقال ابن أبي حاتم (٧٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا ابن أبي عمر العَدَني [¬٤] قال: قال سفيان [يعني ابن عيينة] [¬٥] وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سُقْع [¬٦] البيت على عهد رسول الله، ﷺ ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ ، وبعد قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدرى كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله؟. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا؟ فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: حدَّثنا أبو عمرو [وهو أحمد بن محمد بن حكيم] [¬٧] حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب [بن أبي تمام] [¬٨]، حدَّثنا آدم [هو ابن أبي إياس] [¬٩] في تفسيره، حدَّثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: قال عمر [بن الخطاب] [¬١٠]: يا رسول الله! لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله، ﷺ ، إلى

стр. 693

موضعه هذا. قال مجاهد: و [¬١] كان عمر يرى الرأي؛ فينزل به القرآن (٧٧٣). هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن [¬٢] أول من أَخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مَرْدُويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨). قال الحسن البصري: قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى، والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء. وقال ابن جُرَيج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: أمرناه .. كذا، قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى لأنه في معنى: تقدمنا وأوحينا. وقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس (٧٧٤): قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾. قال: من الأوثان. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾: إن ذلك من الأوثان، والرفث [¬٣] وقول الزور، والرجس.

стр. 694

قال ابن أبي حاتم (٧٧٥): وروي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ﴾. أي: بلا إله إلَّا الله، من الشرك. وأما قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني من أتاه من غُرْبَةٍ ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه. [وهكذا روي عن قَتَادة والربيع بن أنس أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه] [¬١] كما قال سعيد بن جبير. وقال يحيى القطان عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان- عن عطاء في قوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده، وقال لنا ونحن مجاورون: أنتم من العاكفين. وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي (٧٧٦)، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين. وقال ابن أبي حاتم (٧٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلَّا مُكَلِّم الأمير: أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يُجْنِبون ويُحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون. [ورواه عبد بن حميد، عن سليمان بن حرب، عن حمَّاد بن سلمة، به] [¬٢]. (قلت): وقد ثبت في الصحيح (٧٧٨): أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول، ﷺ ، وهو عَزَب [¬٣]. وأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي (٧٧٩)، عن عطاء،

стр. 695

عن ابن عبَّاس: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود، وكذا قال عطاء، وقَتَادة. وقال ابن جرير، ﵀: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم، وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو: تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك، ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: (أحدِهما) أنَّه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَانَ قوم نوح من الأصنام، والأوثان؛ ليكون ذلك سنة لمن بعدهما [¬١]، إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى، به. كما قال عبد الرحمن بن زيد ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها. (قلت): وهذا الجواب مُفَرَّعٌ على أنَّه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم، ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد [صلى الله عليه وعلى آله وسلم] [¬٢]. (والجواب الثاني): أنَّه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾. قال: فذلك [¬٣] قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾. أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ ابنيا بيتي للطائفين. وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم، وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود. كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات. [وقد اختلف الفقهاء: أبهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك ﵀: الطواف به لأهل الأمصار أفضل. وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطقًا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام] [¬٤]، والمراد من ذلك الردُّ على المشركين الذين يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ

стр. 696

لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ثم ذكر: أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، وإمّا [¬١] بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين، لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر الركوع، والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنَّه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام، وفي ذلك [¬٢] أيضًا ردٌّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود، والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بَنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة، وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يعلمون شيئًا من ذلك، فكيف [¬٣] يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟! وقد حج البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -كما أخبر بذلك المعصوم، الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾. وتقدير الكلام إذًا. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي تقدّمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين، والعاكفين، والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها، وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات، وما أشبه ذلك، ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت الساجد لما بنيت له" (٧٨٠). وقد جمعت في ذلك جزءًا على حده، ولله الحمد والنة. [وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة فقيل: الملائكة قبل آدم، روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسن، ذكره القرطبي، وحكى لفظه، وفيه غرابه. وقيل: آدم ﵇. رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، وسعيد بن المسيب، وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء، وطور سيناء زيتا، وجبل لبنان، والجودى، وهذا غريب أيضًا. وروي عن ابن عبَّاس، وكعب الأحبار، وقَتَادة، وعن وَهْب بن منبه: أن أول من بناه شيث ﵇. وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب. وهي مما لا يصدق، ولا

стр. 697

يكذب، ولا يعتمد عليها بمجردها. وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال الإمام أَبو جعفر بن جرير (٧٨١): حدَّثنا ابن بشار قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدَّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ : "إِنَّ إِبَراهيم حرم بيت الله وأَمَّنَه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصاد صيدها ولا يُقطع عِضَاهُهَا". وهكذا رواه النَّسائي (٧٨٢)، عن محمد بن بشار، عن بندار، به. وأخرجه مسلم (٧٨٣)، عن أَبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثَّوري. وقال [ابن جرير] [¬٢] أيضًا (٧٨٤): حدَّثنا أَبو كريب، وأَبو السائب قالا [¬٣]: حدَّثنا ابن إدريس. وحدثنا أَبو كريب، حدَّثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم كَان عبدَ الله وخليله، وإني عبدُ الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عِضَاهَها وصَيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلَّا لعلف بعير". وهذه الطَّرِيق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من

стр. 698

وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أوّل الثمر، جاءوا به إلى رسول الله، ﷺ ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم، بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللَّهم، إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل مما دعاك لمكة، ومِثْلِهِ معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له فيعطه ذلك الثمر. وفي لفظ"بركة مع بركةٍ". ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان- لفظ مسلم (٧٨٥). ثم قال ابن جرير (٧٨٦): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها". انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء. وفي الصحيحين (٧٨٧) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ ، لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله، صلى الله عليه: سلم، كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقْبَل حتى إذا بدا له أحد قال: "هذا جبل [¬١] يحبنا ونحبه"، فلما أشرف على المدينة قال: "اللَّهم، إني أحرم ما بين جبليها، فل ما حرم به إبراهيم مكة، اللَّهم، بارك لهم في مُدِّهِم وصاعهم". وفي لفظ لهما: "اللهم [بارك لهم في مكيالهم، و،] [¬٢] بارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم". زاد البخاري: يعني أهل المدينة. ولهما أيضًا عن أنس: أن رسول الله، ﷺ قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" (٧٨٨). وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ عن النبي ﷺ : "إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها

стр. 699

وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة". رواه البخاري (٧٨٩) وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لأهلها، واني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة". وعن أبي سعيد، ﵁، عن النبي، ﷺ قال: "اللَّهم، إن إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مَأزِمَيها [¬١] (٧٩٠). ألا [¬٢] يُهْرَاقَ فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يُخبط فيها شجرة إلا لعلف اللَّهم، بارك لنا في مدينتنا، اللهم، بارك لنا في صاعنا، اللَّهم، بارك لنا في مدنا، اللَّهم، اجعل مع البركة بركتين" الحديث رواه مسلم (٧٩١). والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، ﵇، لمكة لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة. [وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى، والله أعلم] [¬٣]. وقد وردت أحاديث أُخَرُ تدلٌ على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين (٧٩٢) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ، يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. [وإنه لم يُحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [¬٤]. لا يعضد شوكه؛ ولا ينفر صيده، ولا تُلتَقَط لُقْطتُهُ إلا من عرّفها، ولا يخُتْلى خَلاهَا". فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخَر فإنه

стр. 700

لقينهم، ولبيوتهم فقال: "إلا الإذخر (٧٩٣) "، وهذا لفظ مسلم. ولهما (٧٩٤) عن أبي هريرة نحو من ذلك. ثم قال البخاري (٧٩٥) بعد ذلك: و [¬١] قال أبان بن صالح: عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي، ﷺ ، مثله. وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجه (٧٩٦)، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير [¬٢]، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن [¬٣] أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت [رسول الله] [¬٤] ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: "يأيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لُقْطَتَهَا إلا مُنْشِد". فقال العباس: إلا الإذخر فإنه للبيوت والقبور، فقال رسول الله، ﷺ : "إلا الإذْخِر". وعن أبي شُرَيح العدوي أنه قال لعَمْر بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن اُحدثك قولًا قام به رسول الله، ﷺ ، الغَدَ من يوم الفتح، سَمِعَتْهُ أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلي الله تعالى [¬٥] عليه وآله [¬٦] وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذنَ لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس؛ فليبلغِ الشاهدُ الغائب" فقيل لأبي

стр. 701

شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك [¬١] يا أبا شريح، وإن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بِخَرَبَة [¬٢] (٧٩٧). رواه البخاري (٧٩٨)، ومسلم، وهذا لفظه، فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇ حرمها؛ لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها، وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنه قد كان رسول الله، ﷺ ، مكتوبًا عند الله خاتم النبيين؛ وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية. وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن بَدْء أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم [﵇] [¬٣]، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت [¬٤] له قصور الشام". أي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله. وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله، وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها، وفي صحيح مسلم (٧٩٩) عن جابر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح" وقال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [أي اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا] [¬٥]، وناسب

стр. 702

هذا، لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وناسب هذا هناك؛ لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو من قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوّبه ابن جرير ﵀. قال: وقرأ آخرون ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربَّه أن من كفر فأمْتِعْه قليلًا. وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول: ومن كفر، فأرزقه قليلًا أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم ﵇ الدعوة عمن أبي الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم [] [¬١] ظالم [لا يناله] [¬٢] عهده، بخبر الله له بذلك- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإني أرزق البر والفاجر، وأمتعه قليلًا. وقال حاتم بن إسماعيل، عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهني [¬٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ رواه ابن مردويه. وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا

стр. 703

ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقوله تعالى: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وفي الصحيحين (٨٠٠): " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم"، وفي الصحيح (٨٠١) أيضًا: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. [وقرأ بعضهم: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، الآية. جعله من تمام دعاء إبراهيم. وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة. وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم؛ فإن الضمير في قال راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدًا على إبراهيم. وهذا خلاف نظم الكلام، واللَّه سبحانه هو العلام] [¬١]. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت، ورفْعَهما القواعد منه، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، [وحكى القرطبي وغيره عن أبيّ، وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. (قلت): ويدل على هذا قولهما بعده: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية، [¬٢]، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن

стр. 704

أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس المكي، عن وُهَيب بن الوَرْد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مُشْفِق ألا يتقبل [¬١] منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أُعطوا من الصدقات، والنفقات، والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء في [¬٢] الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه. وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان،: يقولان كما سيأتي بيانه. وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده، ثم نُتِبْعه بآثار متعلقة بذلك. قال البخاري (٨٠٢) ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَل أم إسماعيل ﵉ اتخذت منطقًا، ليعفِّي أثرها علي سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل ﵉ وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسِقَاءً فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم، ﵇، منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: ياإبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس [¬٣] ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت [¬٤]: آلله أمرك بهذا؟ - قال نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال [¬٥]: ﴿رَبَّنَا [¬٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵉، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ [¬٧] ماء السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط-

стр. 705

فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها [¬١]، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت [¬٢] هل ترى أحدًا؟، فلم ترى أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ : "فلذلك سعى الناس بينهما". فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: "صه" -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، [وهو يفور] [¬٣] بعد ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أوقال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا". قال [¬٤]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله، ، يبنيه [¬٥] هذا الغلام وأبوه، وإن الله- لا يضبع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور [¬٦] على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيّا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء عندنا [¬٧]، قالوا: نعم. قال [عبد الله] [¬٨] بن عباس: فقال النبي، ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس". فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل ﵉، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل ليطالع تَرْكَتَه فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدّة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا فقال:
следующие страницы →