شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك [¬١] يا أبا شريح، وإن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بِخَرَبَة [¬٢] (٧٩٧).
رواه البخاري (٧٩٨)، ومسلم، وهذا لفظه، فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇ حرمها؛ لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها، وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنه قد كان رسول الله، ﷺ ، مكتوبًا عند الله خاتم النبيين؛ وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية. وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن بَدْء أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم [﵇] [¬٣]، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت [¬٤] له قصور الشام".
أي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.
وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله، وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها، وفي صحيح مسلم (٧٩٩) عن جابر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح" وقال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [أي اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا] [¬٥]، وناسب
стр. 702
هذا، لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وناسب هذا هناك؛ لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو من قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوّبه ابن جرير ﵀. قال: وقرأ آخرون ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربَّه أن من كفر فأمْتِعْه قليلًا.
وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول: ومن كفر، فأرزقه قليلًا أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم ﵇ الدعوة عمن أبي الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم [] [¬١] ظالم [لا يناله] [¬٢] عهده، بخبر الله له بذلك- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإني أرزق البر والفاجر، وأمتعه قليلًا.
وقال حاتم بن إسماعيل، عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهني [¬٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ رواه ابن مردويه. وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا
стр. 703
ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقوله تعالى: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وفي الصحيحين (٨٠٠): " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم"، وفي الصحيح (٨٠١) أيضًا: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
[وقرأ بعضهم: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، الآية. جعله من تمام دعاء إبراهيم. وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة. وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم؛ فإن الضمير في قال راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدًا على إبراهيم. وهذا خلاف نظم الكلام، واللَّه سبحانه هو العلام] [¬١].
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت، ورفْعَهما القواعد منه، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، [وحكى القرطبي وغيره عن أبيّ، وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
(قلت): ويدل على هذا قولهما بعده: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية، [¬٢]، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن
стр. 704
أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس المكي، عن وُهَيب بن الوَرْد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مُشْفِق ألا يتقبل [¬١] منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أُعطوا من الصدقات، والنفقات، والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء في [¬٢] الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.
وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان،: يقولان كما سيأتي بيانه.
وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده، ثم نُتِبْعه بآثار متعلقة بذلك.
قال البخاري (٨٠٢) ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَل أم إسماعيل ﵉ اتخذت منطقًا، ليعفِّي أثرها علي سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل ﵉ وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسِقَاءً فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم، ﵇، منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: ياإبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس [¬٣] ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت [¬٤]: آلله أمرك بهذا؟ - قال نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال [¬٥]: ﴿رَبَّنَا [¬٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵉، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ [¬٧] ماء السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط-
стр. 705
فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها [¬١]، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت [¬٢] هل ترى أحدًا؟، فلم ترى أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ : "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: "صه" -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، [وهو يفور] [¬٣] بعد ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أوقال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا".
قال [¬٤]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله، ، يبنيه [¬٥] هذا الغلام وأبوه، وإن الله- لا يضبع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور [¬٦] على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيّا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء عندنا [¬٧]، قالوا: نعم.
قال [عبد الله] [¬٨] بن عباس: فقال النبي، ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس". فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل ﵉، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل ليطالع تَرْكَتَه فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدّة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا فقال:
стр. 706
هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا [¬١] في جهد وشدّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي. وقد [¬٢] أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها، وتزوّج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟. فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال "اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء- قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇ قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم [أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم] [¬٣]، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يَبْري نَبْلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه [¬٤] فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إنّ الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك ، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت. فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
[ورواه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، به مطولًا] [¬٥].
ورواه ابن أبي حاتم (٨٠٣)، عن أبي عبد الله محمد بن حماد [الطهراني]. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا.
стр. 707
وقال أبو بكر بن مردويه (٨٠٤): حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل ألا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.
ثم قال البخاري (٨٠٥): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل، تشرب من الشنة، فيَدِرُّ لبنُها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم [إلى أهله] [¬١] فاتبعته أم إسماعيل، حتى لما [¬٢] بلغوا كَدَاء نادته من وراءه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله . قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها [¬٣] حتى لما فَني الماء، قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. [قال فذَهَبَت فصعدت الصفا، فنظرت، ونظرت، هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا] [¬٤]. فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطًا [حتى أتمت سبعًا] [¬٥]، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت؛ ما فعل -تعني [¬٦] الصبي- فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ [¬٧] للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلى أحس أحدًا قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا، حتى أتمت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل ﵇ قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض. قال: فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ [¬٨] أم إسماعيل، فجعلت تحفر.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ : "لو تركته لكان ظاهرًا".
стр. 708
قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها.
قال فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك -أو نسكن معك؟ - فبلغ ابنُها ونكح منهم امرأة.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ ، فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد. قال: قولي له إذا جاء: غير عتبة بابك، فلما أخبرته، قال: أنت ذاك، فاذهبي إلى أهلك.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب، فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ : "بَرَكة بدعوة إبراهيم".
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلًا له. فقال: يا إسماعيل، إن ربَّك، ، أمرني أن أبني له بيتًا. ففال: أطِعْ ربك . قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل -أو كما قال- قال: فقاما، فجعل إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: حتى ارتفع البناء، وضَعُف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حَجَر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء.
والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه "المستدرك" (٨٠٦) عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان الَقزَّاز [¬١]، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. كذا قال. وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، وكأن فيه اختصارًا، فإنه لم يذكر فيه شأن [¬٢] الذبح، وقد جاء في الصحيح أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم ﵇ كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا، ثم. يعود إلى أهله بالبلاد
стр. 709
المقدسة، والله أعلم، والحديث -والله أعلم- إنما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس، عن النبي، ﷺ .
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير (٨٠٧): حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجَرُ. قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثل الرأس. فكلمه، قال: يا إبراهيم ابن علي ظلي، أو قال [¬١]: على قدري، ولا تَزِد ولا تنقص. فلما بنى خرج، وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قالت: انطلق، فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة فلم تر شيئًا] [¬٢]، ثم رجعت إلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة لم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا] [¬٣]، حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت: يا إسماعيل! مت [¬٤] حيث لا أراك، فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أمّ ولد إبراهيم. قال: فإلى من وكلكما؟. قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ. قال: ففحص الغلام الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال: دعيه فإنه [¬٥] رواء. ففي هذا السياق [أنه بنى] [¬٦] البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل أنه كان محفوظًا: أن يكون أوّلًا وضع له محوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله [¬٧] تعالى.
ثم قال ابن جرير (٨٠٨): حدثنا هناد بن السَّريّ، حدَّثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلًا قام إلى علي، ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أوّل بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا. ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بني، إن الله أوحى إلى إبراهيم: أنِ ابنِ لي بيتًا في الأرض،
стр. 710
قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل الله السكينة، وهي ريح خجوج (٨٠٩)، ولها رأسان فأتبع أحدهما صاحبه، حتى انتهت إلى مكة، فتطوّت (٨١٠) على موضع البيت كطي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم، وبقي الحجر، فذهب الغلام [يبغى] [¬١] شيئًا. فقال إبراهيم: ابغني حجرًا كما آمرك. قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال: يا أبت! من آتاك بهذا الحجر؟ فقال: آتاني به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل ﵇ من السماء، فأتماه.
وقال ابن أبي حاتم (٨١١): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد القري، حدثنا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.
قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية، ومعه السكينة تدله على تبوُّء البيت كما تتبوّأ العنكبوت بيتًا، قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجرَ إلا ثلاثون رجلًا. قلت: يا أبا محمد، فإن الله يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قال: كان ذلك بعد.
وقال السُّدي: إن الله أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل: ابنيا بيتيَ للطائفين والعاكفين، والركع السجود، فانطلق إبراهيم [﵇] حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا، يقال لها: ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأوّل، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾] [¬٢]، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾، فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجزا حسنًا أضعه هاهنا. قال: يا أبت، إني كسلانُ لَغِب. قال: علي بذلك، [فانطلق يطلب له حجرًا، فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتنى بحجر أحسن من هذا] [¬٣] فانطق يطلب له حجرًا، فأتاه [¬٤] جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامة
стр. 711
وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبه! من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك، فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه، فقال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم، وإنما هُديَ إبراهيم إليها وبُوِيء لها. وقد ذهب إلى هذا [¬١] ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق (٨١٢): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.
وقال عبد الرزاق أيضًا (٨١٣)، أخبرنا هشام بن حسان، عن سوّار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع [¬٢] كلام أهل السماء، ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وصلاتها. فخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه، وفي صلاته، فوَجَّه إلى مكة، فكان موضع قَدَمه قرية، وخَطْوُه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم ﵇، فبناه. وذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾.
وقال عبد الرزاق (٨١٤): أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال آدم؛ يارب [¬٣] إني لا أسمع أصوات الملائكة، قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا، ثم أحفُفْ به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سيناء، [وجبل لبنان] [¬٤]، والجودي. وكان رَبَضَهُ من حراء، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم ﵇ بعد.
وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق أيضًا (٨١٥): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيتَ مع آدم
стр. 712
[حين] [¬١] أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحزن آدم [¬٢] إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، ، فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يُصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومُدّ له في خَطْوه، فكان بين كل خطوتين مفازة؛ فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به، ومن بعده من الأنبياء.
وقال ابن جرير (٨١٦): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي [¬٣]، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع الله [¬٤] البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني [عبد الله] [¬٥] بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم، إن الله لما بوّأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام -وخرج معه بإسماعيل، وبأمّه هاجر، وإسماعيل طفل صغير- يرضع، وحملوا فيما حدّثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت، ومعالم الحرم، وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة،: هي إذ ذاك عضاه سَلَم وَسَمُر، وبها أناس يقال لهم: العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا، فقال: ﴿رَبَّنَا [¬٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وقال عبد الرزاق (٨١٧): أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد؛ قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة وكذا قال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة.
وقال ابن أبي حاتم (٨١٨): حدَّثنا أبي، أخبرنا [¬٧] عَمرو بن رافع، أخبرنا [¬٨] عبد الوهاب ابن
стр. 713
معاوية، عن عبد المؤمن بن خالد، عن علباء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم، وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال: ما لكما ولأرضي؟ فقالا: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد: إن إبراهيم، وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى.
وذكر الأزْرَقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇ بالبيت، وهذا يدل على تقدّم زمانه، والله أعلم.
وقال البخاري (٨١٩) ﵀ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية: القواعد أساسه، واحدها قاعدة. والقواعد من النساء واحدتها قاعدُ [¬١].
حدثنا إسماعيل، حدّثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، أخبن عبد الله بن عمر، عن عائشة زوج النبي ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال: "ألم ترَي أن قومك حين بنوا [البيت اقتصروا] [¬٢] عن قواعد إبراهيم"؟ فقلت: يا رسول الله، ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حِدْثان قومك بالكفر". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشةُ سمعت هذا من رسول الله، ﷺ ، ما أرى رسول اللْه ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم ﵇.
وقد رواه في الحج عن القعنبي [¬٣]، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب. والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك، به (٨٢٠).
ورواه مسلم أيضًا (٨٢١) من حديث نافع قال: سمعت عبد الله بن [محمد بن] [¬٤] أبي بكر بن أبي قُحَافة يحدث عن عبد الله بن عُمَر، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية -أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله،
стр. 714
ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحِجْر".
وقال البخاري (٨٢٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثًا كثيرًا فما حدثثك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لي: قال النبي ﷺ : "يا عائشة! لولا قومُك حديثٌ عهدهم -فقال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس وبابا يخرجون منه" ففعله ابن الزبير.
انفرد بإخراجه البخاري فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه.
وقال مسلم في صحيحه (٨٢٣): حدَّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خَلْفًا".
قال: وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كُرَيب، قالا: حدثنا ابن نُمَير، عن هشام بهذا الإسناد انفرد به مسلم
قال (٨٢٤): وحدّثني محمد بن حاتم، حدّثني محمد [¬١] بن مهدي، أخبرنا [¬٢] سَلِيم بن حيان، عن سعيد -يعني ابن ميناء- قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدّثتني خالتي -يعني عائشة ﵂ قالت: قال النبي، ﷺ : "يا عائشة! لولا قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" انفرد به أيضًا.
ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇ بمدد طويلة وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين
وقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه عليه دائمًا
стр. 715
إلى يوم الدين.
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (٨٢٥): ولما بلغ رسول الله، ﷺ ، خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك، ليسقَّفوها [¬١] ويهابون هدمها، وإنما كانت رَضْمًا فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك، مولى بني مُلَيح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده، ويزعم الناس: أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدّة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يُهْدَى لها كل يوم فتتشرّق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احْزَألِّتْ وكَشَّتْ وفتحت فاها، فكانوا يهابونها. فبينا هي يومًا تَتَشرَّق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيَّة.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عَبْد بنِ عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بَغِي، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس.
قال ابن إسحاق: والناس ينحلون هذا الكلام للوليد [¬٢] بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم.
قال: ثم إن قريش تحزّأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزُهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وسَهْم. وكان شق الحِجْر لبني عبد الدار بن قُصَيّ، ولبني أسد بن عبد العزَّى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لُؤَيّ، وهو الحَطم.
ثم إن الناس هابوا هدمها، وفَرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها، وهو يقول اللهم لم تُرَعْ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية
стр. 716
الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالا: ننظر؛ فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كفي كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا.
قال: فحدّثني بعض من وروي الحديث، أن رجلًا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضًا أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقَّضَتْ مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بَنَوْها، حتى بلغ البنيان موضع الركن -يعني الحجر الأسود- فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدّوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لُؤَيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا "لَعَقَةَ الدم" فمكثت قريش على ذلك أربع ليال، أو خمسًا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاورا وتناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلهم، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من دخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا [¬١]، فكان أوّلَ داخل رسولُ الله ﷺ ؛ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ : "هَلُمّ إلَيّ ثوبًا". فأُتي به، فأخذ الركن -يعني الحجر الأسود- فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا. ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بُني عليه.
وكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي: (الأمين). فلما فرغوا من البنيان، وبنوها على ما أرادوا: قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحيّة التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
عجبت لما تصوبت العُقَاب … إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيشٌ … وأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدت … تُهَيِّبُنا البناءَ وقد تُهَابُ
فلما أن خشينا الزَّجْرَ جاءت … عُقابٌ تتلئب لها انصباب
فضمتها إليها ثم خَلَّتْ … لنا البنيان لبس لها حجاب
стр. 717
فَقُمْنَا حاشدين إلى بناء … لنا منه [¬١] القواعِدُ والتراب
غداة نُرَفِّع التأسيس منه … وليس على مُسَموّينا [¬٢] ثياب
أعزّ به المليك بني لُؤَي … فليس لأصله منهم ذَهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدَّمها كلاب
فبوّأنا المليكُ بذاك عِزّا … وعند الله يُلْتَمَسُ الثواب
قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي، ﷺ ، ثمانية عشرَ ذراعًا، وكانت تُكسى القباطي، ثم كسيت بَعْدُ البرود، وأول من كساها الديباجَ الحجاجُ بن يوسف.
(قلت): ولم تزل علي بناء قريش حتى احترقت [¬٣] في أول امارة عبد الله بن الزبير، بعد سنة ستين. وفي آخر [¬٤] ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل لها الحجر وجعل فيها بابا شرقيًّا وبابًا غربيًّا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين [﵂] [¬٥]، [عن رسول الله ﷺ ] [¬٦]، ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجاج، فردّها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن حجاج في صحيحه (٨٢٦): حدثنا هَنَّاد بن السَّرِيّ، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن أبي سليمان، عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يُجَزئَهم [¬٧] أو يحزبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس؛ أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهِيَ منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرِق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وَهِيَ منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها - النبي، ﷺ . فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري، فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء، تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة ﵂ تقول: إنّ النبي، ﷺ قال: "لولا أن الناس
стр. 718
حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني علي بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه" قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى له [¬١] أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير؛ كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء [على أسّ] [¬٢] نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه فنقضه، وأعاده إلى بنائه.
وقد رواه النسائي في سننه (٨٢٧)، عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير، عن عائشة بالمرفوع منه، ولم يذكر القصة، وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير ﵄ [¬٣]، لأنه هو الذي ودّه رسول الله، ﷺ ، ولكن خشي أن تنكره [¬٤] قلوب بعض الناس؛ لحداثة عهدهم بالإِسلام، وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان، ولهذا لما تحقق ذلكَ عن عائشة؛ أنها روت ذلك عن رسول الله، ﷺ ، قال: وددنا أنا تركناه وما تولى.
كما قال مسلم (٨٢٨): حدّثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا محمَّد بن بكر، أخبرنا ابن جريج [¬٥]، سمعت عبد الله بن عُبَيد بن عمير، والوليد بن عطاء، يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وَفَدَ الحارث بن [عبد الله] [¬٦] على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خُبَيب -يعني: ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله، ﷺ : "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منة، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فَهَلُمِّي لأرِيكِ
стр. 719
ما تركوا منه"، فأراها قريبًا من سبعة أذرع.
هذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير. وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبي - صلى الله عليه. وسلم -: "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض: شرقيًّا وغربيًّا. وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت: قلت: لا. قال: "تعزْزا ألا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعُونه حتى يرتقي، حتى إذا كان أن يدخل دفعوه فسقط". قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم. قال: وَدِدْت أني تركته وما تحَمَّل.
قال مسلم (٨٢٩): وحدّثناه محمَّد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو عاصم (ح) [¬١] وحدّثنا عَبدُ بن حُمَيد، أخبرنا عبد الرزاق -كلاهما عن ابن جريج- بهذا الإسناد، مثل حديث ابن بكر.
قال (٨٣٠): وحدثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قَزَعَةَ، أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل اللهُ ابنَ الزبير؛ حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ : "يا عائشة، لولا حِدْثَانُ قومك بالكفر، لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحِجْرِ، فإن قومك قصروا في البنيان". فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فإني [¬٢] سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركنه على ما بنى ابن الزبير. فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة أم المؤمنين؛ لأنه [¬٣] قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة، عن الأسود بن يزيد، والحارث ابن عبد الله بنع أبي ربيعة، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن محمَّد بن أبي بكر الصدّيق، وعروة بن الزبير فدّل هذا على صواب ما فعل [¬٤]، ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدًا.
ولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد، أو أبيه المهدي، أنه سأل الإِمام مالكا عن هدم الكعبة، وردها إلى [¬٥]، ما فعله ابن الزبير، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةَ للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها. فترك ذلك الرشيد.
стр. 720
نقله عياض والنووي. ولا تزال -والله أعلم- هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخرِّبها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في الصحيحين (٨٣١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "يخرّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" أخرجاه.
وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "كأني به أسود أفحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا" رواه البخاري (٨٣٢).
وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٨٣٣)، أخبرنا [¬١] أحمد بن عبد الملك الحراني، أخبرنا [¬٢] محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها [¬٣] من كسوتها. ولكأني أنظر إليه أصَيلع أفَيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله".
الفدع: زيغ بين القدم [¬٤] وعظم الساق.
وهذا والله أعلم إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، لما جاء في صحيح البخاري (٨٣٤) عن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليُحجَّنَّ [¬٥] البيتُ وليعتَمَرنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج".
وقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.
قال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.
стр. 721
وقال ابن أبي حاتم (٨٣٥): حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾، قال: مخلصين لك ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: مخلصة.
وقال أيضًا (٨٣٦): حدثنا علي بن الحسين، أخبرنا [¬١] المُقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ﴾، قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.
وقال عكرمة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت. وقال السدي: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان: العرب.
و [¬٢] قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
(قلت): وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي، فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. والمراد بذلك محمَّد ﷺ ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾ وغير ذلك من الأدلة القاطعة.
وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵉، كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المؤمنين المتقين، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى، أن يُحب أن يكون من صُلبه من يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وهو قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وقد ثبت في صحيح مسلم (٨٣٧)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
стр. 722
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال ابن جريج: عن عطاء: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أخرجها لنا، وعلمناها. وقال مجاهد: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا. وروي عن عطاءٍ أيضًا، وقتادة نحو ذلك.
وقال سعيد بن منصور (٨٣٨): حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصَيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، نرفع القواعد وأتم البنيان. ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله. [ثم انطلق به إلى المروة، فقال: هذا من شعائر الله] [¬١]. ثم انطلق به نحو مني، فلما كان من العقبة، إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كَبر وارمه، فكبر ورماه. ثم انطق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم، قال [¬٢] له: كبر وارمه، فكبر ورماه. فذهب الخبيث إبلبس، وكان الخبيث أراد أن يُدْخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات. قال: نعم.
وروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك.
وقال أبو داود الطيالسي (٨٣٩): حدثنا حماد بن سلمة عن [أبي عاصم] [¬٣] الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: إن إبراهيم لما أرِيَ أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به مني فقال: "هذا مُنَاخ الناس] [¬٤]. فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب [ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب] [¬٥]. ثم أتى به الجمرة [¬٦] القصوى [فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات] [¬٧]، حتى ذهب، فأتى به جَمعًا، فقال: هذا المشعر. ثم أتى به عرفة. فقال: هذه عرفة. فقال له جبريل: أعرفت؟.
стр. 723
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾
يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمَّد صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين، إليهم وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن، كما قال الإِمام أحمد (٨٤٠): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، حدثنا [¬١] سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلي بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية: قال: قال رسول الله، صدى الله عليه وسلم: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي، التي رأت، وكذلك أمهمات النبيين يَرَينَ".
وكذلك [¬٢] رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سُوَيد، له.
وقال الإِمام أحمد (٨٤١) أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي [¬٣]، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
стр. 724
والمراد: أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ﵇ - ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح به خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى بن مريم ﵇، حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: ﴿إني رسول الله إليكم [مصدقًا لما بين يدي من التوراة] [¬١] ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾. ولهذا قال في هذا الحديث: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم.
وقوله: "ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام! ". قيل: كان منامًا رأته حين حملت به، وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة، وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون [¬٢] الشام في آخر الزمان. معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك" (٨٤٢)، وفي صحيح البخاري: "وهم بالشام" (٨٤٣).
و [¬٣] قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني أمة محمَّد ﷺ . فقيل له: قد أستجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان. وكذا قال السدي وقتادة.
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، يعني القرآن: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، يعني: طاعة الله، والإخلاص. وقال محمَّد بن إسحاق: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: يعلمهم الخير فيفعلوه،
стр. 725
والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوا [¬١]؛ ليستكثروا [¬٢] من طاعته، ويجتنبوا [¬٣] ما يسخطه [¬٤] من معصيته.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيمُ في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياءَ في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾
يقول ﵎ ردًّا [على الكفار] [¬٥] فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء؛ فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، [أو قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾] [¬٦] وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفها ويرغب عنها ﴿إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه، إلى أن اتخذه الله خليلًا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، [فمن ترك] [¬٧] طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا كله [¬٨]؟؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
стр. 726
عَظِيمٌ﴾.
وقال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له، والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا. وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، أي: وصى بهذه الملة -وهي الإِسلام- لله [أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [¬١] لحرصهم [¬٢] عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها، إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم.
[كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾، وقد قرأ بعض السلف: ويعقوبَ بالنصب عطفًا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابنَ ابنه يعقوبَ بن إسحاق، وكان حاضرًا ذلك. وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي عنه: أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح، والظاهر -والله أعلم- أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، وقد قرئ بنصب يعقوب ها هنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما؛ لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب (١) المتقدمة، وثبت في الصحيحين (٨٤٤) من حديث أبي ذر، قلت: يا رسول الله! أيُّ مسجد وضع أولُ؟ قال: "المسجد الحرام" قلت: ثم أي. قال: "بيت المقدس". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" الحديث.
فزعم ابن حبان أن بين سليمان -الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه- وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين، والله أعلم، وأيضًا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه
стр. 727
ها هنا من جملة الموصين، وقوله:] [¬١] ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحًا ثبت عليه؛ وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح [¬٢]: "إن [¬٣] الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، [فيدخلها" (٨٤٥).
لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس" (٨٤٦)] [¬٤] وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى [¬٥] (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
يقول تعالى محتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل- وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم [¬٦] السلام - بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى
стр. 728
بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه.
[قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا، نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبًا، وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين. وبه يقول الحسن البصري وطاووس، وعطاء؛ وهو مذهب أبي حنيفة، وغير واحد من السلف والخلف. وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: إنه يقاسم الإخوة. وحُكي ذلك عن عمر، وعثمان وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف. واختاره صاحبا أبي حنيفة: القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. ولتقريرها موضع آخر.
وقوله] [¬١] ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: مطيعون خاضعون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [¬٢]﴾ والإِسلام: هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث، فمنها قوله [ ﷺ ] [¬٤]: "نحن معشر الأنبياء أولاد عَلَّات ديننا واحد .... " (٨٤٧).
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا [¬٥] لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم؛ فإن لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال أبو العالية والربيع وقتادة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾: يعني: إبراهيم وإسماعيل،
стр. 729
وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.
[ولهذا جاء في الأثر: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (٨٤٨).] [¬١]
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾
قال محمد بن إسحاق (٨٤٩): حدثني محمَّد بن أبي محمَّد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﵌: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمَّد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
وقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي لا نريد ما دعوتمونا [¬٢] إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي مستقيمًا. قاله محمَّد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية [¬٣].
وقال خصيف، [عن مجاهد] [¬٤] مخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: حاجًّا (٨٥٠). وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي.
وقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.
وقال مجاهد، والربيع بن أنس: حنيفًا، أي [¬٥] متبعًا، وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم.
وقال قتادة: الحنيفية شهادة ألَّا إله إلا الله؛ يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وما حرّم الله ، والختان.
стр. 730
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾
أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمَّد ﷺ مفصلًا، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وألَّا [¬١] يفرّقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية.
وقال البخاري (٨٥١): حدّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أي هريرة؛ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله ﵌: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و [¬٢] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ " الآية.
وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس (٨٥٢)؛ قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
وقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمّة من الناس، فسموا الأسباط.
[وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل، كالقبائل في بني إسماعيل. وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط حفدة يعقوب، ذراري أبنائه الاثنى عشر. وقد نقله الرازي
стр. 731
عنه وقرّره ولم يعارضه.
وقال البخاري: الأسباط قبائل في بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ها هنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم. كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ قال القرطبي: وسموا الأسباط: من السبط وهو التتابع، فهم جماعة، وقيل: أصله: من السبط بالتحريك وهو الشجر، أي: في الكثرة بمنزلة الشجرة الواحدة سبطة. وقال الزجاج: ويبين لك هذا، ما حدّثنا محمَّد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال القرطبي: السبط: الجماعة والقبيلة، والراجعون إلى أصل واحد] [¬١].
وقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله.
وقال سليمان بن حبيب: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.
وقال ابن أبي حاتم (٨٥٣): حدثنا محمَّد بن محمَّد بن مصعب الصوري، أخبرنا مؤمَّل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : "آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن". ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾
يقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا [بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ] [¬٢]﴾، [يعني: الكفار من أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما آمنتم به، يا] [¬٣] أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فقد أصابوا الحق، وأرشدوا إليه. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عن
стр. 732
الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم، ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٨٥٤): قرئ على يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدّثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إلى بعض الخلفاء مصحف عثمان [بن عفان] [¬١] ليصلحه، قال زياد: فقلت له: إن الناس ليقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم.
وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله.
وكذا روي عن مجاهد وأبي العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.
[وانتصاب صبغة الله: إما على الإغراء؛ كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم: بدلًا مني قوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾. وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾] [¬٢].
وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم (٨٥٥)، وابن مردويه من رواية أشعث بن إسحاق، [عن جعفر بن أبي المغيرة] [¬٣] عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن نبي الله ﷺ ، قال: "إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم: أنا أصبغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي. وأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ".
كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه إن صح إسناده، والله أعلم.
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ
стр. 733
مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾
يقول الله [¬١] تعالى مرشدًا نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- إلى درء مجادلة المشركين: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾. أي: أتناظروننا في توحيد الله، والإخلاص له، والانقياد، واتباع أوامره، وترك زواجره، ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له، ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. أي: نحن برآء منكم [ومما تعبدون] [¬٢]، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ إلى آخر الآية. وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾. إلى آخر الآية. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. الآية.
وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿[وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] [¬٣] وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي نحن براء منكم، كما أنتم براء منا، ونحن له مخلصون؛ أي: في العبادة والتوجه. ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم: إما اليهودية، وإما [¬٤] النصرانية، فقال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية والتي بعدها.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال الحسن البصري: كانوا يقرءون في كتاب الله الذي أتاهم؛ إن الدين الإِسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم في [¬٥] ذلك.
стр. 734
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد، ووعيد شديد، أي إن [¬١] علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾. أي: لهم أعمالهم، ولكم أعمالكم، ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغترّوا بمجرّد النسبة إليهم، حتى تكونوا [منقادين مثلهم] [¬٢] لأوامر الله، واتباع رسله الذين [¬٣] بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾
[قيل: المراد بالسفهاء ها هنا مشركو العرب، قاله الزجاج. وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد. وقيل: المنافقون، قاله السدي. والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم] [¬٤].
قال البخاري (٨٥٦): حدثنا أبو نعيم، سمع زهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل [¬٥] البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرَّ [¬٦] على أهل المسجد، وهم راكعون،
стр. 735
فقال: أشهد بالله؛ لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت؛ وكان الذي قد [¬١] مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالًا قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
انفرد به البخاري من هذ الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر (٨٥٧).
وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت [¬٢] المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فقال رجال [¬٣] من المسلمين: وددنا لو علمنا عِلْم من مات منا قبل أن نصرف [¬٤] إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس -وهم أهل الكتاب-: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ … ﴾. إلى آخر الآية.
وقال ابن أبي حاتم (٨٥٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: فوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء في الناس-[وهم] [¬٥] اليهود-: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (٨٥٩): إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة؛ أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو
стр. 736
الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله : ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي نحوه فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر: أنه قد كان رسول الله ﷺ أمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون [¬١] بين يديه الكعبة، وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس، والجمهور.
ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين: وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري: أنّ التوجه إلى بيت المقدس، كان باجتهاده ﵇.
والمقصود: أنّ التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة] [¬٢]، واستمرّ [¬٣] الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم ﵇ فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناسَ فأعلمهم [¬٤] بذلك، وكان أوّل صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين، من رواية البراء.
ووقع عند النسائي (٨٦٠) من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر. وقال: [كنت أنا وصاحبي أوّل من صلى إلى الكعبة.
وذكر غير واحد من المفسرين، وغيرهم، أن تحويل القبلة نزل على رسول الله، وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة فسمي مسجد القبلتين، وفي حديث نويلة بنت مسلم، أنهم جاءهم الخبر بذلك في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل الرجالُ مكان النساءِ، والنساءُ مكانَ الرجالِ. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] [¬٥].
وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين،
стр. 737
عن ابن عمر (٨٦١) ﵄ أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ [قد أنزل عليه الليلة قرآن] [¬١]، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
وفي هذا دليل على أنّ الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب، والكفرة من اليهود ارتياب وزيغٌ عن الهدى، وتخبيطٌ وشكٌّ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا [¬٢]: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟! فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله: ﴿فَأَيْنَمَا [¬٣] تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ و ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مراتٍ إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده، وفي تصرفه [¬٤]، وخدّامه، فحيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمَّد صلوات الله وسلامه عليه وأمّته عنايةٌ عطمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية [¬٥] على اسمه تعالى، وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في [¬٦] الأرض؛ إذ هي بناء [¬٧] إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد روى الإمام أحمد (٨٦٢) عن علي بن عاصم، عن حصين [¬٨] بن عبد الرحمن، عن عُمَر [¬٩] بن قيس، عن محمَّد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ، يعني: في أهل الكتاب: "إنهم لا يحسدوننا [¬١٠] على شيء، كما يحسدوننا [¬١١] على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا
стр. 738
الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: إنما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم، لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هاهنا الخيار والأجود، كما يقال [قريش] [¬١]: أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها.
وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة البرسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمّه وسطًا، خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح [¬٢] المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
وقال الإمام أحمد (٨٦٣): حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: "يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته. قال: فلذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: " [الوسط] [¬٣] العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم".
رواه البخاري (٨٦٤)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طرق عن الأعمش.
وقال الإمام أحمد أيضًا (٨٦٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
стр. 739
سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته؛ فيدعى بمحمد وأمّته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ ، فأخبرنا أنّ الرسل قد بلغوا، فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ ".
وقال الإمام [¬١] أحمد أيضًا (٨٦٦): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: "عدلًا".
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (٨٦٧)، وابن أبي حاتم، من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة عن [¬٢] نهاس [¬٣]، حدثني مكاتب [¬٤] لنا، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "أنا وأمّتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد: أنه قد بلغ رسالة ربه ".
وروى الحاكم في مستدركه (٨٦٨)، وابن مردويه أيضًا -واللفظ له- من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله، قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: والله [¬٥] يا رسول الله؛ [لنعم المرء كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان … وأثنوا
стр. 740
عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ : "أنت بما [¬١] تقول؟ " فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ : "وجبت"، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: يا رسول الله] [¬٢]؛ بئس [¬٣] المرءُ كان، إن كان لفظًّا غليظا، فأثنوا عليه شرًّا. فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: "أنت بالذي [¬٤] تقول"؟ فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ : "وجبت". قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد (٨٦٩): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود، أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيرٌ، فقال: وجبت، وجبت. ثم مر بأخرى فأُثني عليها شرٌّ، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﵌: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال [¬٥]: "وثلاثة"، قال: ففلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به.
وقال [¬٦] ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه [¬٧]، قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنّباوة يقول: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله في الأرض" ورواه ابن ماجه (٨٧٠)، عن [أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن