ثلاث سور لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (٢٦): حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريري، عن أبي العلاء؛ قال: قال رجل: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نزلة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب [من بعدي منكبي] [¬١]، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ " [فقلت: أعو برب الفلق] [¬٢]، فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها [¬٣] معه، ثم قال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها معه، فقال: "إذا صليت فاقرأ بهما". و [¬٤] الظاهر أن [¬٥] هذا الرجل هو عقبة بن عامر، والله أعلم.
ورواه النسائي (٢٧) عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية به.
حديث آخر، قال النسائي (٢٨): أخبرنا محمَّد بن المثنى، حدثنا محمَّد بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن رومان [¬٦]، عن عقبة بن عامر، عن عبد الله الأسلمي -هو ابن أنيس- أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: "قل". فلم أدر ما أقول، ثم قال في: "قل". قلت: هو الله أحد. ثم قال في: "قل". قلت: أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق، حتى فرغت منها. ثم قال في: "قل". قلت: أعوذ برب الناس، حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ : "هكذا فتعوذ، ما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط".
حديث آخر قال النسائي (٢٩): أخبرنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بدل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة، عن سعيد الجريري، حدثنا أبو نضرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ يا جابر". قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال: "اقرأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". فقرأتهما، فقال: "اقرأ بهما، ولن تقرأ بمثلهما".
стр. 6722
وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن، ينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل [¬١] من جسده.
وقال الإمام مالك (٣٠) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين. وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده عليه رجاء بركتها.
ورواه البخاري (٣١) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، ومن حديث ابن القاسم، وعيسى بن يونس، وابن ماجة من حديث معن، وبشر بن عمر، ثمانيتهم عن مالك به.
وتقدم في آخر سورة: ﴿ن﴾، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان [¬٢] وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: "حديث حسن".
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح.
وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح. وروي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن محمد بن عقيل، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وابن
стр. 6723
زيد، ومالك عن [¬١] زيد بن أسلم - مثل هذا.
قال القرظي، وابن زيد، وابن جرير (٣٢): وهي كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الخلق. وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله.
وقال كعب الأحبار: ﴿الْفَلَقِ﴾: بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال:
حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان، عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا: ﴿الْفَلَقِ﴾: جب في قعر جهنم، عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم، من شدة حر ما يخرج منه.
وكذا روي عن عمرو بن عَبَسَةَ [¬٢]، [] [¬٣] والسدي، وغيرهم.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر، فقال ابن جرير (٣٣):
حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني، عن شعيب بن صفوان، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفلق جُبّ في جهنم مغطى". إسناده غريب ولا يصح رفعه.
وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: ﴿الْفَلَقِ﴾: من أسماء جهنم.
قال ابن جرير (٣٤): والصواب القول الأول، أنه فلق الصبح. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري ﵀ في صحيحه.
وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أي: من شر جميع المخلوقات.
وقال ثابت البناني، والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته [¬٤] مما خلق.
стр. 6724
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال مجاهد: غاسقُ الليل إذا وقب غُروبُ الشمس.
حكاه البخاري عنه (٣٥) ورواه ابن أبي نجِيح، عنه.
وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، وخُصَيف، والحسن، وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه.
وقال الزهريّ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: الشمس إذا غربت. وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل: إذا ذهب. وقال أبو المهزم، عن أبي هريرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ كوكب. وقال ابن زيد: كانت العرب تقرل: الغاسق سقوط الثريا، وكان الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها.
قال ابن جرير (٣٦): ولهؤلاء من الأثر ما حدثني نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله -ابن أخي همام- حدثنا محمَّد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ : ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال: "النجم الغاسق".
قلت: وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ .
قال ابن جرير (٣٧): وقال آخرون: هو القمر.
قلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد (٣٨):
حدَثنا أبو داود الحَفَري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث عن [¬١] أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع، وقال: "تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب".
ورواه الترمذي والنسائي (٣٩)، في كتاب [¬٢] التفسير من سننيهما، من حديث محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: "حسن
стр. 6725
صحيح".
ولفظه: "تَعوّذي بالله من شر [¬١] هذا، فإن هذا الغاسق إذا وقب". ولفظ النسائي: "تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب".
قال أصحاب القول الأول، وهو أنه [¬٢] الليل إذا ولج: هذا لا ينافي قولنا؛ لأن القمر آيةُ الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضئ إلا في الليل، فهو يرجع إلى ما قلناه. والله أعلم.
وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة والضحاك: يعني السواحر - قال مجاهد: إذا رقين [¬٣] ونفثن في العقد.
وقال ابن جرير (٤٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور [¬٤]، عن معمر، عن ابن طاوس، عن إليه قال: ما من شيء أقرب إلى [¬٥] الشرك من رقية الحية والمجانين.
وفي الحديث الآخر (٤١) أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت [¬٦] يا محمد؟ فقال: "نعم"، فقال: باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك.
ولعل هذا كان من شكواه ﵇ حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، وردّ كيد السحَرَة الحسَّاد من اليهود في رءوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وفضحهم ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يومًا من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى.
وقال الإمام أحمد (٤٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن حَبَّان، عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي ﷺ رجلٌ من اليهرد، فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عُقَدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها. فبعث رسول الله ﷺ [عليًّا، رضي الله تعالى
стр. 6726
عنه] [¬١] فاستخرجها، فجاء بها فحللَّها، قال: فقام رسول الله ﷺ كأنما نَشط من عقال، فما ذكر ذلك [لليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى] [¬٢] مات.
ورواه النسائي (٤٣) عن هَنّاد، عن أبي معاوية محمَّد بن حَازم الضرير.
وقال البخاري في "كتاب الطب" من صحيحه (٤٤): حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج [¬٣]، مول: حدثني آل [¬٤] عُروة، عن عروة، فسألت هشامًا عنه، فحدثَنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سُحِر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا- فقال: "يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب (٤٥). قال: ومن طَبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زُريق حَليف ليهُودَ، كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مُشط ومُشاقة (٤٦) قال: وأين؟ قال: في جُفّ طَلْعَة ذكر (٤٧) تحت رعوفة (٤٨) في بئر ذَرْوَان. قالت: [فأتى النبي ﷺ ] [¬٥] البئر حتى استخرجه فقال: "هذه البئرُ التي أريتُها، وكان ماءها نُقّاعة الحنَّاء، وكأن نخلها رءوس الشياطين". قال: فاستُخرجَ قالت [¬٦]: فقلت: أفلا؟ أي [¬٧]: تنَشَّرْتَ [¬٨] (٤٩)؟ فقال: "أمَّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا".
стр. 6727
وأسنده من حديث عيسى بن يونس، وأبي ضمرة أنس بن عياض، وأبي أسامة، ويحيى القطان وفيه: "قالت: حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله".
وعنده "فأمر بالبئر فدفنت".
وذكر أنه رواه عن هشام أيضًا ابنُ أبي [¬١] الزناد والليث بن سعد.
وقد رواه مسلم (٥٠)، من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير [¬٢] [وروه أحمد عن عفان، عن وهب، عن هشام به (٥١)].
ورواه الإمام أحمد (٥٢) أيضًا عن إبراهيم بن خالد [عن رباح] [¬٣] عن معمر، عن هشَام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يُرَي أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، وذكر تمام الحديث.
وقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره: قال ابن عباس وعائشة ﵄: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ فدبَّت إليه اليهود، فدم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأس النبي ﷺ وعدة أسنان من مُشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها.
وكان الذي تولى ذلك رجل منهم -يقال له: لبيد [¬٤] بن أعصم- ثم دسها في بئر لبني زُريق، قال لها [¬٥]: ذَرْوان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر هي أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يَذُوب ولا يدري ما عراه. فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فَقَعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طُبَّ. قال: وما طُبّ؟ قال: سُحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم طَبّه؟ قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين هو؟ قال: في جُفّ طلعة تحت راعوفة [¬٦] في بئر ذَرْوان- والجف: قشر الطلع. والراعوفة [¬٧]: حجر في أسفل البئر
стр. 6728
ناتئ [¬١] يقوم عليه الماتح [¬٢] (٥٣) - فانتبه رسول الله ﷺ مذعورًا، وقال: "يا عائشة، أما شعرت أن الله أخبرني بدائي؟ ". ثم بعث رسول الله ﷺ عليًّا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر كأنه نُقَاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجفّ فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشمطه، وإذا فيه وتر [¬٣] معقود" فيه اثنتا [¬٤] عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حين انحلّت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نَشط من عقال، وجعل جبريل ﵇ يقول: باسم الله أرقيك، من كل شر [¬٥] يؤذيك، من حاسد وعين الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرًّا".
هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم.
* * *
стр. 6729
تفسير سورة الناس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَه النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾
هذه الصفات [¬١] من صفات الرب الربوبية، والملك، والإلهية. فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة [¬٢] له. مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن ينعوذ بالمتصف بهذه الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَيّن له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال. والمعصوم من عَصَم الله.
وقد ثبت في الصحيح أنه أمر [ ﷺ قال]: "ما منكم [¬٣] من أحد إلا قد وُكل به قرينهُ". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" (٥٤).
وثبت في الصحيح (٥٥)، عن أنس في قصة زيارة صفية للنبيّ ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلًا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال رسول الله: "على رسلكما، إنها صفية بنت حُيي".
فقالا: سبحان الله! كما رسول الله. فقال: "إن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا. أو قال: شرًّا".
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٥٦): حدثنا محمَّد بن بحر، حدثنا عدي بن أبي عمارة،
стр. 6730
حدثنا زياد النّميري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر خَنَس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس". غريب.
وقال الإمام أحمد (٥٧): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت أبا تميمة [¬١] يُحدّث عن رَديف رسول الله ﷺ قال: عثر بالنبي ﷺ حمارُه، فقلت: تَعس الشيطان! فقال النبي ﷺ : "لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته. وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب".
تفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب.
وقال الإِمام أحمد (٥٨): حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن سَعيد المقبري، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحدكم إذا كان في المسجد، جاءه الشيطان فأبَس [¬٢] (٥٩) به كما يُبَسُّ [¬٣] الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه (٦٠) - أو: ألجمه"- قال أبو هُرَيرة: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق فتراه مائلًا -كذا- لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله . تفرد به أحمد.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، قال الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خَنَس. وكذا قال مجاهد، وقتادة.
وقال المعتمر بن سليمان، عن أنس: ذُكرَ لي أن الشيطان، أو الوسواس ينفث في قلب [ابن آدم] [¬٤] عند الحزن وعند الفرخ، فإذا ذكر الله خنس.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾، قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس.
стр. 6731
وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، هل يختص هذا ببني آدم -كما هو الظاهر- أو يعمّ بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا.
وقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فلا بدع في إطلاق الناس عليهم.
وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، هل هو تفصيل لقوله ﴿الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، ثم بينهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وهذا يقوي القول الثاني.
وقيل: قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، تفسير للذي يُوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وكما قال الإمام أحمد (٦١):
حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو عُمر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فجلست، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر [¬١] شياطين الإنس والجن".
قال [¬٢]: قلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: "خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر". قلت: يا رسول الله. فالصوم؟ قال: "فرض مجزئ [¬٣]، وعند الله مزيد [¬٤] ".
قلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول الله، فأيها [¬٥] أفضل؟ فقال [¬٦]: "جُهد من مُقل، أو سرّ إلى فقير". قلت: كما رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله، ونبي [¬٧] كان؟ قال: "نعم، نبي مكلم [¬٨] ". قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: "ثلاثمائة وبضعة عشر، جمًّا غفيرًا". وقال مرة؟: "خمسة عشر" - قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ورواه النسائي (٦٢)، من حديث أبي عمر الدمشقي، به. وقد أخرج هذا الحديث مطولًا جدًّا
стр. 6732
أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٦٣)، بطريق آخر، ولفظ آخر مطول جدًّا، فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد (٦٤): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذَرّ بن عبد الله الهَمْداني، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني أحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أتكلم به. قال: فقال النبي ﷺ : "الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة".
ورواه أبو داود والنسائي (٦٥)، من حديث منصور - زاد النسائي: والأعمش - كلاهما عن ذر، به.
آخر التفسير، ولله الحمد والمنة
стр. 6733
خاتمة ناسخ المخطوطة "ز"
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ورضي الله عن الصحابة أجمعين. حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان الفراغ منه في العاشر من جمادى الأولى [] (١) سنة خمس وعشرين وثمانمائة. والحمد لله وحده.
الحمد لله الذي رفع السماء بغيرِ عمادٍ، وبسط الأرض وثبتها بالأطواد، ومنح معرفته ومحبته من شاء من العباد، وأقام لدينه أولياء ينصرونه ويقومون به، وجعل منهم النجباء والأقطاب والأوتاد، وأعلى منار الدين بالعلماء العاملين، وأوضح بهم طرق الرشاد، وقمع لهم أهل الزيغ والأهواء والبدع والفساد، وثبت لهم دينهم بالنقل عن نبيهم بصحيح الإسناد، ونفى عنهم التدليس والشذوذ والانفراد.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المتعالى عن الشركاء والنظراء والأنداد، المنزه عن الحلول والاتحاد والإلحاد.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، سيدُ العباد، صلى الله عليه وعلى آله النجباء الأنجاد، وصحابته السادة الأبرار الأمجاد، صلاة تدوم وتقوم ما قامت السموات والأرض بأمره، وقابل البياض السواد.
وبعد، فقد أمرني السيد الجليل، من وصل الله له جناح الصنيع الجميل، وواصل عليه السول، وأوصل إليه المأمول، وعمَّر بحبه ربوع أنسي، وأمطر بفيضه ربيع نفسي، مولانا وسيدنا العبد الفقير إلى الله -سبحانه- الآمل الراجي عفوه الكريم وإحسانه، قاضي القضاة، حاكم الحكام، نجم الدين حجة الإسلام والمسلمين، سيد العلماء في العالمين، بهاء الملة، لسان الشريعة، عز السنة، حصن الأمة، خطب الخطباء، إمام البلغاء، غرة الزمان، ناصر الإيمان، شيخ الشيوخ العارفين -أبو حفص عمر- ابن سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله -تعالى- الشيخ الإمام العلامة، والحبر الفهامة، قدوة العلماء العاملين، أبي محمد حجي السعدي الشافعي -أمر- أعلى الله أمره، وأسنى (٢) قدره، من لا يتقلب إلا في طاعته، ولا يتصرف إلا في مرضاته- أن يُكتَبَ برسم خزانته (٣) تفسير الشيخ (٤) الإمام العالم الكبير، العلامة عماد الدين بن كثير ﵀ وأرضاه، وجعل بحبوحة الجنة مقره ومثواه. فامتثلت أمره بالسمع والطاعة، وعددت هذا الأمر من أنفس البضاعة، مع أني في الكتابة قليل الصناعة. فكتبت قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، فإن صادفت قبولًا وبلغت مأمولًا، فيكون سعدي سعيدًا، ويقع سهمي سديدًا …
فَإن وقَفَتْ بي قُدْرَتي دُونَ همتي … فمبلغُ علمْي والمعاذيرُ تُقْبَلُ
قد جَمَعت هذه الخزانةُ الشريفةُ أشتات العلوم على الإطلاق، من رام مثلها فهو مُقَصر عن يوم أسباب اللحاق، خصوصًا إذ كان بها هذا التفسير الذي مادته سنن المصطفى المنبه على جوامع ما يزداد اللبيب بها بصيرة في علمه النافع؛ إذ كان ﷺ قد أوتي جوامع الكلام، وعلَّم فصل الخطاب. فلم يسمع الناس كلامًا أعم نفعًا، ولا أقصر لفظًا، ولا أعدل وزنًا (٥)، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا
_________
(١) - في ز: من.
(٢) - في ش: وأسد.
(٣) - في ش: خزانة.
(٤) - سقط من ش.
(٥) - في ش: وفرًا.
стр. 6734
أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه ﷺ .
فلله در مولانا، إذ جمع أفراد (٦) الفضائل، ونظم آحاد العقائل، وحاز من العلم الذرى والغوارب. فلا يخفى على ذي لب أنه أغرق في الفهم نُصولًا، وأعرق في العلم أصولًا فأقول مختصرًا، وعما يليق بمدحه معتذرًا، عسى يمر به من تضاعيف ثنائي عليه ما يبلغني به الزلفى في حبه، والقربى من قلبه، وتلك أمنيتي حتى (٧) ألقى منيتي، لا أتعداها، ولا أتمنى سواها، ولله در القائل:
إذا ابنُ حجي جادت (٨) لنا يده … لم يُحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوارُ غُرته … تضاءَل الأنوران: الشمس والقمرُ
وإن مضى رأيه أو جَد عزمته … تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذرًا من خوف سطوته … لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
كأنه الدهر في نعمى وفي نقم … إذا تعاقب منه: النفع والضرر
كأنه - وزمام الدهر في يدهِ … يدا عواقب: ما يأتي ومَا يذَرُ
فالحمد لله الذي جعل جمال منظرك موازيًا لكمال مخبرك، وشامخ فَرْعك مقارنًا لراسخ عنصرك.
والله حسبي فيك من كل … ما يعوَّذ العبد به المولى
واسلم وعش لا زلت في نعمة … أنت بها من غيرك الأولى
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
كتبه الفقير محمد بن علي الصوفي البواب، بالخانقاة (٩) الثميصاتية (١٠)، بدمشق المحروسة، حامدًا ومصليًا، ومحسبلًا ومحوقلًا، والحمد لله وحده.
_________
(٦) - سقط من ش.
(٧) - في ش: حين.
(٨) - في ش: حادت.
(٩) - في ش: لمنعاه.
(١٠) - في ش: التصائية.