← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

الأخضر عن خباب، رسول اللَّه ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى يختمها [واللَّه أعلم] [¬١]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ هذه السورة سورة البراءة من [¬٢] العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين [¬٣] بهذا الخطاب هم كفار قريش. وقيل: إنهم من جهلهم دعوا رسول اللَّه ﷺ عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل اللَّه هذه السورة، وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأصنام والأنداد، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، وهو اللَّه وحده لا شريك له. فـ "ما" هاهنا بمعنى "من". ثم قال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد اللَّه على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، أي: لا تقتدون بأوامر اللَّه وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون اللَّه بما شرعه، ولهذا كان كلمة الإِسلام [¬٤] "لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه"، أي: لا معبود إلا اللَّه ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ ، والمشركون يعبدون غير اللَّه عبادة لم يأذن بها اللَّه؛ ولهذا قال لهم الرسول ﷺ : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ [¬٥] كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا

стр. 6687

تَعْمَلُونَ﴾. وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. وقال البخاري (١١): يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإِسلام. ولم يقل "ديني" لأن الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ و ﴿يَشْفِينِ﴾. وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. انتهى ما ذكره. ونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التكيد، كقوله ﴿[فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] [¬١] (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ﴾. وحكاه بعضهم -كابن الجوزي وغيره- عن ابن قتيبة، فاللَّه اعلم. فهذه ثلاثة أقوال: أولها ما ذكرناه أولًا. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الماضي ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض. وثمَّ قول رابع، نصره أبو العباس بن تيميّة في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نفي الفعل لأنها جملة فعلية، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، نفي قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل وكونه قابلًا لذلك. ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضًا. وهو قول حسن أيضًا، واللَّه أعلم. وقد استدل الإِمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى، وبالعكس، إذا [¬٢] كان بينهما [نسب أو] [¬٣] سبب يتوارث به؛ لأن الأديان ما عدا الإِسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان. وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس، لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (١٢).

стр. 6688

آخر تفسير [¬١] سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وللَّه الحمد والمنة. [وبه التوفيق والعصمة] [¬٢]. * * *

стр. 6689

[تفسير] سورة إذا جاء نصر اللَّه والفتح [وهي مدنية] قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن. وقال النسائي (١): أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر، عن أبي العُمَيس (ح) وأخبرنا أحمد [¬١] بي سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: يا بن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال: صدقت. وروى الحافظ أبو بكر البزار (٢) والبيهقي، من حديث موسى بن عبيدة الربذي، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر؛ قال: أنزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول اللَّه ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء [¬٢] فرحلت [¬٣]، ثم قام فخطب الناس … فذكر خطبته المشهورة. وقال [¬٤] الحافظ البيهقي (٣): أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد [¬٥] الصفار، حدثنا الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا [عباد بن] [¬٦] العمام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، دعا رسول اللَّه ﷺ فاطمة وقال: "إنه قد نعيت إليّ نفسي"، فبكت، ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: "اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا [¬٧] بي". فضحكت. وقد رواه النسائي كما سيأتي بدون ذكر فاطمة.

стр. 6690

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ قال البخاري (٤): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رُؤيتُ أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم. فقال: ما تقولون في قول اللَّه : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك [¬١] تقول يا بن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول اللَّه ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرد به البخاري. وروى ابن جرير (٥)، عن محمد بن حميد، عن مهران، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس .. فذكر مثل هذه [¬٢] القصة، أو نحوها. وقال الإِمام أحمد (٦): حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال رسول اللَّه ﷺ : "نعيت إليّ نفسي … " بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به أحمد. وروى العوفي، عن ابن عباس مثله. وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول اللَّه ﷺ نعي إليه. وقال ابن جرير (٧): حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسين بن عيسى الحنفي، عن

стр. 6691

معمر، عن الزهري، عن أبي حازم، عن ابن عباس؛ قال: بينما رسول اللَّه ﷺ في المدينة إذ قال: "اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، جاء نصر اللَّه والفتح، جاء أهل اليمن". قيل: يا رسول اللَّه، وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإِيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية". ثم رواه (٨) عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور [¬١]، عن معمر، عن عكرمة … مرسلًا. وقال الطبراني (٩): حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ حتى ختم السورة، قال: نعيت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه ليسلم نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة. وقال رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك: "جاء الفتح ونصر اللَّه، وجاء أهل اليمن". فقال رجل: يا رسول اللَّه؛ وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم [¬٢]، الإِيمان يمان، والفقه يمان". وقال الإِمام أحمد (١٠): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، علم النبي ﷺ أن قد نعيت إليه نفسه، فقيل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة كلها. حدثنا وكيع (١١)، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين: أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال: لما نزلت نعيت إلى رسول اللَّه ﷺ نفسه. وقال الطبراني (١٢): حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة،

стр. 6692

عن أبي البختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال لما نزلت هذه السورة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها، فقال: "الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز". وقال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية". فقال له مروان [¬١]: كذبت -وعنده رافع بن خديج، وزيد بن ثابت، قاعدان معه على السرير- فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة [¬٢] قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قال: صدق. تفرد به أحمد، في هذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر، فقد ثبت من رواية ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا". أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (١٤). فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر ﵃ أجمعين- من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه، يعني نصلي له ونستغفره معنى مليح صحيح، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى. وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرًا لم ينو الإقامة بمكة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من [تسعة عشر] [¬٣] يومًا يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف. قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات. وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة. والصحيح أنه مسلم من كل ركعتين، كما ورد في سنن أبي داود (١٥)، أن رسول الله ﷺ كان مسلم يوم الفتح من كل ركعتين. وأما ما فسر به ابن عباس وعمر ﵄ [] [¬٤] أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله ﷺ نفسه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة -وهي: قريتك التي أخرجتك- ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا [¬٥] بك [¬٦] في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى؛ ولهذا قال: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾.

стр. 6693

قال النسائي (١٦): أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال لما نزلت: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح … ﴾ إلى آخر السورة، قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: "جاء الفتح، وجاء نصر الله، وجاء أهل اليمن". فقال رجل: يا رسول الله؛ وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإِيمان يمان [¬١]، والحكمة يمانية، والفقه يمان". وقال البخاري (١٧): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر [أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللّهم اغفر لي"- يتأول القرآن. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي، من حديث منصور به. وقال الإِمام أحمد (١٨): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق؛ قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر] [¬٢] في آخر أمره من قول: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه". وقال: "إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامه في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا". ورواه مسلم من طريق داود، وهو ابن أبي هند به. وقال ابن جرير (١٩): حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص، حدثنا عاصم، عن الشعبي، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا

стр. 6694

يذهب ولا يجئ، إلا قال: "سبحان الله وبحمده". فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجئ، ولا تقوم ولا تقعد إِلا قلت: "سبحان اللَّه وبحمده"؟ قال: "إني أمرت بها"، فقال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح … ﴾ إلى آخر السورة. غريب، وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مفرد، فيكتب هاهنا. وقال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ : ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، كان يكثر إذا قرأها -وركع- أن يقول: "سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم". ثلاثًا. تفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن مرة، عن شعبة، عن أبي إسحاق به. والمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولًا واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي. فلما فتح اللَّه عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام، ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري (٢١) في صحيحه، عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ ، وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي .. الحديث. وقد حررنا غزوة الفتح في كتابنا: "السيرة"، فمن أراد [¬١] فليراجعه هناك، ولله الحمد والمنة. وقال الإِمام أحمد (٢٢): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني جار لجابر بن عبد الله؛ قال: قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله، فسلم علي، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس، وما أحدثوا فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا". [آخر تفسير سورة النصر، ولله الحمد]

стр. 6695

[تفسير] سورة المسد [¬١] [وهي مكية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ قال البخاري (١): حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: "يا صباحاه! ". فاجتمعت إليه قريش، فقال [¬٢]: "أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو مُمْسيكم، "أكنتم تصدقوني؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك! فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها. وفي رواية (٢): فقام ينفض يديه، وهو يقول: تبًّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. الأول دعاء عليه [¬٣]، والثاني خبر عنه، فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة. وإنما سمي "أبا لهب" لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا إبراهيم بن العباس [¬٤]، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، لعن أبيه قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًّا فأسلم، قال:

стр. 6696

رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيها الناس؛ قولوا: لا إله إلا الله. تفلحوا". والناس مجتمعون [¬١] عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمّه أبو لهب. ثم رواه عن سريج [¬٢] (٤)، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، فذكره. قال أبو الزناد: قلت لربيعة: كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا، والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر [¬٣] القربة. تفرد به أحمد. وقال محمد بن إسحاق (٥): حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس؛ قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي؛ يقول: إني لمع أبي رجل شاب، انظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل -ووراءه رجل أحول وضيء، ذو جمة- يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: "يا بني فلان؛ إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفِّذَ عن الله ما بعثني به". وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان؛ هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب. رواه أحمد أيضًا والطبراني بهذا اللفظ. فقوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾، أي: خسرت وخابت، وضل عمله وسعيه، ﴿وتب﴾، أي: وقد تبَّ تحقق [¬٤] خسارته وهلاكه. وقوله: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ قال ابن عباس وغيره: ﴿وما كسب﴾ يعني: ولده. وروى عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين، مثله. وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإِيمان، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي. فأنزل الله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾. وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، أي: ذات ثور ولهيب وإحراق شديد، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾، و [¬٥] كانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي: أم جميل،

стр. 6697

واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم القيامة عونًا عليه في عذابه في نار جهنم؛ ولهذا قال: ﴿حَمَّالةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، يعني: تحمل الحطب فتلقي على زوجها، ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك مستعدة له. ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال مجاهد وعروة: من مسد النار. وعن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والثوري، والسدي: ﴿حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تمشي بالنميمة. [وقال العوفي عن ابن عباس، وعطية الجدلي، والضحاك، وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ . واختاره ابن جرير]. قال ابن جرير: وقيل: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب، فعيرت [¬١] بذلك. كذا حكاه، ولم يعزه إلى أحد. والصحيح الأول، والله أعلم. قال سعيد بن المسيب: كانت لها زيادة فاخرة، [فقالت: لأنفقنها] [¬٢] في عداوة محمد. يعني فأعقبها الله بها حبلًا في جيدها من مسد النار. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سليم مولى الشعبي، عن الشعبي قال: المسد: الليف. وقال عروة بن الزبير: السد: سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا. وعن الثوري: هي زيادة من نار، طولها سبعون ذراعًا. وقال الجوهري: المسد: الليف. والمسد أيضًا: حبل من ليف أو خوص، وقد يكون من جلود الإِبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسده مسدًا: إذا أجدت فتله. وقال مجاهد: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، أي: طرق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدًا؟. وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا أبي وأبو زرعة؛ قال: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي،

стр. 6698

حدثنا سفيان، حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن بدوس، عن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، أقبلت [¬١] العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول، لعنها الله [¬٢]: مُذمَّمًا أبينَا ودينَه قَلَيْنا وَأمرَه عَصَينا ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله ﷺ : "إنها لن تراني". وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: بها أبا بكر؛ إني [¬٣] أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا، ورب هذا البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت [] [¬٤]، فقالت: تعس مذمم! فقالت أو حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصان فما [¬٥] أكفم، وثقاف فما [¬٦] أعلم، وكلنا من بني العم [¬٧]، وقريش بعدُ أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٧): حدثنا إبراهيم بن سعيد، وأحمد بن إسحاق؛ قالا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [جاءت امرأة أبي لهب] [¬٨] ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء. فقال رسول الله ﷺ : "إنه سيحال بيني وبينها". فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر؛ فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا، ورب هذه البنية ما نطق بالشعر ولا يتفوه به. فقالت: إنك لمصدق. فلما ولت قال أبو بكر ﵁: ما رأتك؟! قال: "لا، ما زال ملك يسترني حتى ولت".

стр. 6699

ثم قال البزار: [لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد، عن أبي بكر وضي الله عنه] [¬١]. وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، أي: في عنقها حبل من نار، تُرفَع به إلى شفيرها [¬٢]، ثم يرمى بها إلى أسفلها، ثم كذلك دائمًا. قال أبو الخطاب بن دحَية في كتابه التنوير -وقد روى ذلك-: وعبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات": كل مسد: رشاء، وأنشد في ذلك: وَبَكْرَةً ومِحْوَرًا صِرَارًا … وَمَسَدًا مِن أبق مُغَارًا قال: والأبقُ: القنَّبُ. وقال الآخر شعرًا [¬٣]: يا مَسَدَ الخُوص [¬٤] تَعوّذْ مني [إنْ تَك] [¬٥] لَدْنًا لَيِّنًا فإني ما شئْتَ منْ أشْمَط مُقْسْئنّ [¬٦] قال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما، لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مسرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة. [آخر تفسير سورة المسد، ولله الحمد] * * *

стр. 6700

[تفسير] سورة الإخلاص [وهي مكية] ذكر سبب نزولها وفضيلتها قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو سعد محمد بن مُيسَّر [¬١] الصاغاني، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب؛ أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : يا محمد؛ انسب لنا ربك. فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾. وكذا رواه الترمذي وابن جرير، عن أحمد بن منيع، زاد ابن جرير: ومحمود بن خداش، عن أبي سعد محمد بن ميسر به، زاد ابن جرير والترمذي، قال: ﴿الصمد﴾: الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد [¬٢] إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله ﷻ لا يموت ولايورث، ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ ولم يكن له شبه ولا عدل، وليس كمثله شيء. ورواه ابن أبي حاتم، من [¬٣] حديث أبي سعد محمد بن ميسر به. ثم رواه الترمذي (٢) عن عبد بن حميد، عن عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية … فذكره مرسلًا، ولم يذكر (أبيًّا). ثم قال الترمذي:: هذا أصح من حديث أبي [¬٤] سعد. (حديث آخر في معناه) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٣): حدثنا [سريج بن يونس] [¬٥]، حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، أن أعرابيًّا جاء إلى النبي

стр. 6701

ﷺ فقال: انسب لنا ربك. فأنزل الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ … ﴾ إلى آخرها. إسناده مقارب. وقد رواه ابن جرير (٤)، عن محمد بن عوف، عن سريج [¬١]، فذكره. وقد أرسله غير واحد من السلف. وروى عبيد [¬٢] بن إسحاق العطار، عن قيس بن الربيع، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود؛ قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ : انسب لنا ربك. فنزلت هذه السورة: ﴿قل هو الله أحد … ﴾ (٥). قال الطبراني: رواه الفريابي وغيره، عن قيس، [عن] [¬٣] عاصم، عن أبي وائل، مرسلًا. ثم روى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عثمان الطائفي، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "لكل شيء نسبة، ونسبة الله: قل هو الله أحد". (حديث آخر في فضلها) قال البخاري (٦): حدثنا محمد -هو الذهلي- حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن -وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ عن عائشة؛ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ فلما رجعوا ذكروا [¬٤] ذلك للنبي ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ " فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : "أخبروه أن الله تعالى يحبه". هكذا رواه في كتاب "التوحيد". ومنهم من يسقط ذكر "محمد الذهلي"، ويجعله من

стр. 6702

روايته عن أحمد بن صالح، وقد رواه مسلم والنسائي أيضًا من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث [¬١]، عن سعيد بن أبي هلال به. حديث آخر: قال البخاري في كتاب الصلاة (٧): وقال عبيد [¬٢] الله، عن ثابت، عن أنس؛ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن [تقرأ بها] [¬٣]، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر فقال: "يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ ". قال: إني أحبها. قال: "حبك إياها أدخلك الجنة". هكذا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به. وقد رواه أبو عيسى الترمذي في جامعه، عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر … فذكر بإسناده مثله سواء، ثم قال الترمذي: "غريب من حديث عبيد الله، عن ثابت". قال: وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قال: "إن [¬٤] حبك إياها أدخلك الجنة". وهذا الذي علقه الترمذي، قد رواه الإمام أحمد في مسنده متصلًا، فقال (٨): حدثنا أبو النضر، حدثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت عن أنس؛ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فقال رسول الله ﷺ : "حبك إياها أدخلك الجنة". (حديث في كونها تعدل ثلث القرآن) قال البخاري (٩): حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد؛ أن

стр. 6703

رجلًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر [¬١] ذلك له، وكأن الرجل يتقالَّها، فقال النبي ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن". زاد إسماعيل بن جعفر (١٠)، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد؛ قال: أخبرني أخي [¬٢] قتادة بن النعمان، عن النبي ﷺ . وقد رواه البخاري (١١) أيضًا عن عبد الله بن يوسف، والقعنبي، ورواه أبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، كلهم عن مالك به. وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي (١٢) من طريقين، عن إسماعيل بن جعفر، عن مالك به. (حديث آخر) قال البخاري (١٣): حدثنا عمر [¬٣] بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم، والضحاك المشرقي، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ " فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: "الله الواحد الصمد ثلث القرآن". تفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النخعي، والضحاك بن شرحبيل الهمداني المشرقي، كلاهما [¬٤] عن أبي سعيد، قال الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق [¬٥] أبي عبد الله؛ قال: قال أبو عبد الله البخاري: عن إبراهيم، مرسل، وعن الضحاك، مسند.

стр. 6704

(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "والذي نفسي بيده، لتعدل نصف القرآن، أو: ثلثه". (حديث آخر [¬١]: قال الإمام أحمد (١٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟! قال: فإن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن. قال: فجاء النبي ﷺ وهو يسمع أبا أيوب، فقال: "صدق أبو أيوب". (حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي (١٦): حدثنا محمد بن بشار [¬٢]، حدثنا يحيي بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، أخبرني أبو حازم، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن". فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ : "فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن"، إني لأرى هذا خبرًا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: "إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن". وهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن محمد بن بشار به. وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب، واسم أبي حازم سلمان". (حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٧): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة بن

стр. 6705

قدامة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ في ليلة، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن". هذا حديث تساعيُّ الإسناد للإمام أحمد. ورواه الترمذي [¬١] والنسائي، كلاهما عن محمد بن بشار، بندار، زاد [¬٢] الترمذي: وقتيبة - كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به [¬٣]. فصار لهما عشاريًّا. وفي رواية الترمذي: عن امرأة أبي أيوب، عن أبي أيوب به. ثم قال: وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي سعيد، وقتادة بن النعمان، وأبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وأبي مسعود. وهذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث أحسن من رواية "زائدة". وتابعه على روايته إسرائيل، والفضيل بن عياض. وقد روى شعبة وغير واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور، واضطربوا فيه. (حديث آخر): قال أحمد (١٨): حدثنا هشيم، عن حصين، عن هلال بن يساف، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب -أو: رجل من الأنصار- قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنما قرأ بثلث القرآن". ورواه النسائي في "اليوم والليلة"، من حديث هشيم، عن حصين، عن ابن أبي ليلى به. ولم يقع في روايته: هلال بن يساف. (حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٩): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن عمرو بن ميمون، عن أبي مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن". وهكذا رواه ابن ماجة عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع به. ورواه النسائي في اليوم والليلة من طرق أخر، عن عمرو بن ميمون، مرفوعًا وموقوفًا.

стр. 6706

(حديث آخر): قال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا بهز، حدثنا بكير [¬١] بن أبي السميط، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ ". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن أضعف من ذلك وأعجز. قال: "فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن". ورواه مسلم والنسائي من حديث قتادة به. (حديث آخر): قال الإمام أحمد (٢١): حدثنا أمية بن خالد، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي ابن شهاب عن عمه [] [¬٢] الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن -هو ابن عوف- عن أمه -وهي: أم كلثوم بنت عقبة [¬٣] بن أبي معيط- قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن". وكذا رواه النسائي في "اليوم والليلة"، عن عمرو بن عليّ، عن أمية بن خالد به. ثم رواه (٢٢) من طريق مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، قوله. ورواه النسائي (٢٣) أيضًا في "اليوم والليلة" من حديث محمد بن إسحاق، عن الحارث بن الفضيل الأنصاري، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، أن نفرًا من أصحاب محمد ﷺ حدثوه عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: " ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها". (حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة): قال الإمام مالك بن أنس (٢٤)، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد بن حنين [¬٤]؛ قال: سمعت أبا هريرة، يقول: أقبلت مع النبي

стр. 6707

ﷺ فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "وجبت" قلت: وما وجبت؟ قال: "الجنة". ورواه الترمذي والنسائي، من حديث مالك. وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب، لا نعرف إلا من حديث مالك". وتقدم حديث (٢٥): " حبك إياها أدخلك [¬١] الجنة". (حديث في تكرار قراءتها): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٢٦): حدثنا قطن بن نُسير الغبري، حدثنا عُبيس بن ميمون القرشي، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "أما يستطيع أحدكم أن يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات في ليلة، فإنها تعدل ثلث القرآن؟ ". هذا إسناد [¬٢] ضعيف، وأجود منه حديث آخر، قال عبد الله بن الإمام أحمد (٢٧): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن أسيد بن أبي أسيد، عن معاذ بن [عبد الله بن خبيب] [¬٣]، عن أبيه؛ قال: أصابنا عطش [¬٤] وظلمة، فانتظرنا رسول الله ﷺ يصلي لنا، فخرج فأخذ بيدي، فقال: "قل". فسكت، قال: "قل". قلت: ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا، تكفك كل يوم مرتين". ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن أبي ذئب به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه النسائي (٢٨) من طريق أخرى، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب [¬٥]، عن أبيه، عن عقبة بن عامر … فذكره.

стр. 6708

(حديث آخر في ذلك) قال الإمام أحمد (٢٩): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، حدثني الخليل بن مرة، عن الأزهر بن [¬١] عبد الله، عن تميم الداري؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد - عشر مرات - كتب له أربعون ألف ألف حسنة". تفرد به أحمد، والخليل بن مرة: ضعَّفه البخاري وغيره بمرة [¬٢]. (حديث آخر): قال أحمد (٣٠) أيضًا [¬٣]: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان [¬٤] بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يختمها - عشر مرات - بنى الله له قصرًا في الجنة". فقال عمر: إذن نستكثر يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "الله أكثر وأطيب". تفرد به أحمد. ورواه أبو محمد الدارمي في مسنده (٣١) [] [¬٥] فقال [¬٦]: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو [عقيل زهرة] [¬٧] بن معبد -قال الدارمي: وكان من الأبدال- أنه سمع سعيد بن المسيب؛ يقول: إن نبي الله ﷺ ؛ قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة". فقال عمر بن الخطاب: إذن لتكثر قصورنا. فقال رسول الله ﷺ : "الله أوسع من ذلك". وهذا مرسل جيد. (حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا نصر بن علي، حدثني نوح بن قيس، أخبرني محمد العطار، أخبرتنى أم كثير الأنصارية، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين سنة". إسناده ضعيف.

стр. 6709

(حديث آخر): قال أبو يعلى (٣٢): حدثنا أبو الربيع، حدثنا حاتم بن ميمون، حدثنا ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ في يوم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائتي مرة كتب الله له ألفًا وخمسمائة حسنة، إلا أن يكون عليه دين". [إسناده ضعيف، حاتم ابن ميمون ضعفه البخاري وغيره]. ورواه الترمذي (٣٣)، عن محمد بن مرزوق البصري، عن حاتم بن ميمون، به، ولفظه: "من قرأ كل يوم، مائتي مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين". قال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ ؛ قال: "من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب : يا عبدي؛ ادخل على يمينك الجنة". ثم قال: غريب من حديث ثابت، وقد روي من غير هذا الوجه عنه. وقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حبان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائتي مرة حط الله عنه ذنوب مائتي سنة". ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر، والأغلب بن تميم، وهما متقاربان في سوء الحفظ. (حديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء) قال النسائي عند تفسيرها (٣٤): حدثنا عبد الرحمن بن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مغول، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد، فإذا رجل يصلي، يدعو يقول: اللَّهم؛ إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. قال: "والذي نفسي بيده، لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب". وقد أخرجه بقية أصحاب السنن من طرق، عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن بريدة،

стр. 6710

عن أبيه به. وقال الترمذي: حسن غريب. (حديث آخر في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة [¬١] قال الحافظ أبو يعلى (٣٥): حدثنا عبد الأعلى، حدثنا بشر بن منصور، عن عمر بن نبهان [¬٢]، عن أبي شداد، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء [¬٣]: من عفا عن قَاتله [¬٤]، وأدى دينًا خفيًّا [¬٥]، وقرأ [¬٦] في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ". قال: فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: "أو إحداهن". (حديث في قراءتها عند دخول المنزل) قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٣٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر السراج العسكري، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان، عن مروان بن سالم، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران". إسناده ضعيف. (حديث في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال) قال الحافظ أبو يعلى (٣٧): حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا يزيد بن هارون، عن العلاء أبي [¬٧] محمد الثقفي؛ قال: سمعت أنس بن مالك؛ يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت فيما مضى بمثله، فأتى جبريل النبي ﷺ فقال: "يا جبريل؛ ما لي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت [¬٨] فيما مضى؟! ". قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي، مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: "وفيم ذلك؟ " قال: كان يكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الليل والنهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: "نعم". فصلى عليه.

стр. 6711

وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (٣٨)، من طريق يزيد بن هارون، عن العلاء أبي [¬١] محمد وهو متهم بالوضع، فالله أعلم. (طريق أخرى) قال أبو يعلى (٣٩): حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله، حدثنا عثمان بن الهيثم -مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي- عن محمد أبي عبد الله، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس؛ قال: نزل جبريل على النبي ﷺ فقال: مات معاوية بن معاوية الليثي، فتحب أن تصلي عليه؟ قال: "نعم". فضرب بجناحه الأرض، فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت، فرفع سريره فنظر إليه، فكبر عليه وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي ﷺ : "يا جبريل؛ بم نال هذه المنزلة من الله تعالى؟ ". قال: بحبه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقراءته إياها ذاهبًا وجائيًا [¬٢]، قائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال. ورواه البيهقي (٤٠) من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن، عن محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس … فذكره وهذا هو الصواب، ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور. وقد روي هذا من طرق أخر، تركناها اختصارًا، وكلها ضعيفة. (حديث آخر في فضلها مع المعوذتين) قال الإمام أحمد (٤١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عقبة بن عامر؛ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله؛ بم نجاة المؤمن؟ قال: "يا عقبة؛ أخرس لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك". قال: ثم لقيني رسول الله ﷺ فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: "يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم؟ " قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم قال: "يا عقبة، لا تنسهن ولا تبت [¬٣] ليلة حتى تقرأهن". قال: فما نسيتهن منذ قال: "لا تنسهن"، وما بت ليلة قط حتى أقرأهن. قال عقبة: ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله؛ أخبرني

стр. 6712

بفواضل الأعمال. فقال: "يا عقبة؛ صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك". روى الترمذي بعضه في "الزهد"، من حديث عبيد الله بن زحر [¬١]، عن علي بن يزيد وقال: هذا حديث حسن. وقد رواه أحمد من طريق آخر (٤٢): حدثنا حسين بن محمَّد، حدثنا ابن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فروة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ ، فذكر مثله سواء. تفرد به أحمد. (حديث آخر في الاستشفاء بهن) قال البخاري (٤٣): حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل [¬٢] ذلك ثلاث مرات. وهكذا رواه أهل السنن، من حديث عقيل به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ قد تقدم ذكر سبب نزولها. وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عُزَير [¬٣] ابن الله،

стр. 6713

وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على [¬١] أحد في الإثبات إلا على الله لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريفُ الذي قد كمل [في شرفه، والعظيمُ الذي قد كمل في عظمته، والحليمُ الذي قد كمل في حلمه، والعليمُ الذي قد كمل في] [¬٢] علمه، والحكيمُ الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. وقال الأعمش عن شقيق [¬٣]، عن أبي وائل: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيد الذي قد انتهى سؤدده ورواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، مثله. وقال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيد. وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الحسن أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحي القيوم الذي لا زوال له. وقال عكرمة: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم [¬٤]. وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد. كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. وهو تفسير جيد، وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير، عن أُبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه. وقال ابن مسعود وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بريدة [¬٥]، وعكرمة أيضًا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوف له.

стр. 6714

قال سفيان عن منصور، عن مجاهد: ﴿الصَّمَدُ﴾: المصمت الذي لا جوف له. وقال الشعبيّ: هو الذي لا يأكل الطعام [¬١]، ولا يشرب الشراب. وقال عبد الله بن بريدة [¬٢] أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾ نور يتلألأ. روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم، والبيهقي، والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال (٤٤): حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمَّد بن عمرو بن رومي، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثني صالح بن حيان [¬٣]، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: لا أعلم إلا قد رفعه، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوف له. وهذا غريب جدًّا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة. وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير ﴿الصَّمَدُ﴾: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا و [¬٤] هو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك أيضًا [¬٥]. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، يعني: لا صاحبة له. وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾. أي دعو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ

стр. 6715

بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. وفي الصحيح -صحيح البخاري (٤٥) -: " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم". وقال البخاري (٤٦): حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من [¬١]، إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد". ورواه أيضًا (٤٧) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بمثله. تفرد بهما من هذين الوجهين. آخر تفسير سورة الإخلاص * * *

стр. 6716

[تفسير] سورتي المعوذتين [وهما مدنيتان] قال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: قلت لأبي بن كعب: إن ابن مسعود كان [¬١] لا يكتب المعوذتين في مصحفه؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فقلتها. فنحن نقول ما قال النبي ﷺ . ورواه أبو بكر الحميدي في مسنده (٢)، عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زر بن حبيش؛ قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يحكهما [¬٢] من المصحف. فقال: إني سألت رسول الله ﷺ ؟ فقال [¬٣]: "قيل لي: قل، فقلت" فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ . وقال أحمد (٣): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر قال: سألت ابن مسعود عن المعوذتين .. فقال: سألت النبي ﷺ عنهما؟ فقال: "قيل لي، فقلت لكم، فقولوا". قال أبي: فقال لنا النبي ﷺ ، فنحن نقول. وقال البخاري (٤): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش -وحدثنا عاصم عن زر- قال: سألت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر؛ إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: إني سألت النبي ﷺ ؟ فقال: "قيل لي، فقلت". فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ . ورواه البخاري أيضًا والنسائي (٥)، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدة، وعاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب به.

стр. 6717

وقال الحافظ أبو يعلى (٦): حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا الصلت [¬١] ابن بهرام، عن إبراهيم، عن علقمة؛ قال: كان عبد الله يحك المعوذتين من المصحف، قوله: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما. ولم يكن عبد الله يقرأ بهما. ورواه عبد الله بن أحمد (٧) من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. قال الأعمش: وحدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب؛ قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ ؛ قال: "قيل لي، فقلت". وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء، أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ ، ولم يتواتر عنده، ثم لعله [¬٢] قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ﵃ كتبوهما [¬٣] في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة. وقد قال مسلم في صحيحه (٨): حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". ورواه أحمد، ومسلم أيضًا، والترمذي، والنسائي (٩)، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. طريق أخرى، قال الإِمام أحمد (١٠): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن

стр. 6718

القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر؛ قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من [¬١] تلك النقاب، إذ قال لي: "يا عقبة، ألا تركب؟ " [قال: فأجللت رسول الله ﷺ أن أركب مركبه. ثم قال: "يا عُقَيبُ، ألا تركب؟ " قال] [¬٢]: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة، ثم ركب، ثم قال: " [يا عُقيب] [¬٣]، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ ". قلت: بلى يا رسول الله؛ فاقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مر بي فقال: "كيف رأيت يا عقيب [¬٤]؛ اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت". ورواه النسائي [¬٥] من حديث الوليد بن مسلم (١١) وعبد الله بن المبارك (١٢)، كلاهما [¬٦] عن ابن جابر به [¬٧]. ورواه أبو داود والنسائي أيضًا (١٣)، من حديث ابن وهب، عن معاوية [¬٨] بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم بن [¬٩] عبد الرحمن، عن عقبة به. (طريق أخرى) قال أحمد (١٤): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد بن عبد العزيز الرعيني، وأبو مرحوم، عن يزيد بن محمَّد القرشي، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر؛ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن اقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي (١٥)، من طرق، عن علي بن رباح، وقال الترمذي: غريب.

стр. 6719

(طريق أخرى) قال أحمد (١٦): حدثنا يحيى [¬١] بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر؛ قال: قال لي [¬٢] رسول الله ﷺ : "اقرأ بالمعوذتين، فإنك لن تقرأ بمثلهما". تفرد به أحمد. (طريق أخرى) قال أحمد (١٧): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير [¬٣]، عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء، فركبها، فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول الله ﷺ ، لعقبة [¬٤]: "اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ". فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًّا، فقال: "لعلك تهاونت [¬٥] بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها". ورواه النسائي (١٨) عن عمرو بن عثمان، عن بقية به. ورواه النسائي أيضًا من حديث الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن [بن جبير] [¬٦] بن نفير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر؛ أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين، فذكر نحوه. (طريق أخرى) قال النسائي (١٩): أخبرنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، سمعت النعمان، عن زياد أبي الأسد، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. (طريق أخرى) قال النسائي (٢٠): أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري [¬٧]، عن عقبة بن عامر، قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ

стр. 6720

فقال: "يا عقبة؛ قُلْ". قلت: ماذا أقول؟ فسكت عني، ثم قال: "قل". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟! [فسكت عني، فقلت: اللهم، أردده علي. فقال: "يا عقبة؛ قل". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ "، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: "قل". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟] [¬١] قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ "، فقرأتها حتى [¬٢] أتيت على آخرها، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "ما سأل سائل بمثلهما [¬٣]، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما [¬٤] ". (طريق أخرى) قال النسائي (٢١): أخبرنا محمَّد بن بشار [¬٥]، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسم قرأ بهما في صلاة الصبح. (طريق أخرى) قال النسائي (٢٢): أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران أسلم، عن عقبة بن عامر؛ قال: اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه فقلت: أقرئني سورة هود أو سورة يوسف. فقال: "لن تقرأ شيئًا أنفع عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. (حديث آخر) قال النسائي (٢٣): أخبرنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي عبد [¬٦] الله، عن ابن عائش [¬٧] الجهني؛ أن النبي ﷺ قال له: "يا بن عائش [¬٨]؛ ألا أدلك -أو: ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ " قال: بلى، يا رسول الله. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هاتان السورتان". فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث. وقد تقدم في رواية صدي بن عجلان (٢٤)، وفروة بن مجاهد (٢٥)، عنه: "ألا أعلمك

стр. 6721

ثلاث سور لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٢٦): حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريري، عن أبي العلاء؛ قال: قال رجل: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نزلة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب [من بعدي منكبي] [¬١]، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ " [فقلت: أعو برب الفلق] [¬٢]، فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها [¬٣] معه، ثم قال: " ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها معه، فقال: "إذا صليت فاقرأ بهما". و [¬٤] الظاهر أن [¬٥] هذا الرجل هو عقبة بن عامر، والله أعلم. ورواه النسائي (٢٧) عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية به. حديث آخر، قال النسائي (٢٨): أخبرنا محمَّد بن المثنى، حدثنا محمَّد بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن رومان [¬٦]، عن عقبة بن عامر، عن عبد الله الأسلمي -هو ابن أنيس- أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: "قل". فلم أدر ما أقول، ثم قال في: "قل". قلت: هو الله أحد. ثم قال في: "قل". قلت: أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق، حتى فرغت منها. ثم قال في: "قل". قلت: أعوذ برب الناس، حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ : "هكذا فتعوذ، ما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط". حديث آخر قال النسائي (٢٩): أخبرنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بدل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة، عن سعيد الجريري، حدثنا أبو نضرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ يا جابر". قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال: "اقرأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". فقرأتهما، فقال: "اقرأ بهما، ولن تقرأ بمثلهما".

стр. 6722

وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن، ينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل [¬١] من جسده. وقال الإمام مالك (٣٠) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين. وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده عليه رجاء بركتها. ورواه البخاري (٣١) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، ومن حديث ابن القاسم، وعيسى بن يونس، وابن ماجة من حديث معن، وبشر بن عمر، ثمانيتهم عن مالك به. وتقدم في آخر سورة: ﴿ن﴾، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان [¬٢] وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: "حديث حسن". بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح. وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح. وروي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن محمد بن عقيل، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وابن

стр. 6723

زيد، ومالك عن [¬١] زيد بن أسلم - مثل هذا. قال القرظي، وابن زيد، وابن جرير (٣٢): وهي كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الخلق. وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله. وقال كعب الأحبار: ﴿الْفَلَقِ﴾: بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان، عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا: ﴿الْفَلَقِ﴾: جب في قعر جهنم، عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم، من شدة حر ما يخرج منه. وكذا روي عن عمرو بن عَبَسَةَ [¬٢]، [] [¬٣] والسدي، وغيرهم. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر، فقال ابن جرير (٣٣): حدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني، عن شعيب بن صفوان، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفلق جُبّ في جهنم مغطى". إسناده غريب ولا يصح رفعه. وقال أبو عبد الرحمن الحبلي: ﴿الْفَلَقِ﴾: من أسماء جهنم. قال ابن جرير (٣٤): والصواب القول الأول، أنه فلق الصبح. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري ﵀ في صحيحه. وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أي: من شر جميع المخلوقات. وقال ثابت البناني، والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته [¬٤] مما خلق.

стр. 6724

﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال مجاهد: غاسقُ الليل إذا وقب غُروبُ الشمس. حكاه البخاري عنه (٣٥) ورواه ابن أبي نجِيح، عنه. وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، وخُصَيف، والحسن، وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه. وقال الزهريّ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: الشمس إذا غربت. وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل: إذا ذهب. وقال أبو المهزم، عن أبي هريرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ كوكب. وقال ابن زيد: كانت العرب تقرل: الغاسق سقوط الثريا، وكان الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها. قال ابن جرير (٣٦): ولهؤلاء من الأثر ما حدثني نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله -ابن أخي همام- حدثنا محمَّد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ : ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال: "النجم الغاسق". قلت: وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ . قال ابن جرير (٣٧): وقال آخرون: هو القمر. قلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد (٣٨): حدَثنا أبو داود الحَفَري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث عن [¬١] أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع، وقال: "تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب". ورواه الترمذي والنسائي (٣٩)، في كتاب [¬٢] التفسير من سننيهما، من حديث محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: "حسن

стр. 6725

صحيح". ولفظه: "تَعوّذي بالله من شر [¬١] هذا، فإن هذا الغاسق إذا وقب". ولفظ النسائي: "تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب". قال أصحاب القول الأول، وهو أنه [¬٢] الليل إذا ولج: هذا لا ينافي قولنا؛ لأن القمر آيةُ الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضئ إلا في الليل، فهو يرجع إلى ما قلناه. والله أعلم. وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة والضحاك: يعني السواحر - قال مجاهد: إذا رقين [¬٣] ونفثن في العقد. وقال ابن جرير (٤٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور [¬٤]، عن معمر، عن ابن طاوس، عن إليه قال: ما من شيء أقرب إلى [¬٥] الشرك من رقية الحية والمجانين. وفي الحديث الآخر (٤١) أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت [¬٦] يا محمد؟ فقال: "نعم"، فقال: باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك. ولعل هذا كان من شكواه ﵇ حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، وردّ كيد السحَرَة الحسَّاد من اليهود في رءوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وفضحهم ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يومًا من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى. وقال الإمام أحمد (٤٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن حَبَّان، عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي ﷺ رجلٌ من اليهرد، فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عُقَدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها. فبعث رسول الله ﷺ [عليًّا، رضي الله تعالى
следующие страницы →