الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله : ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي نحوه فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر: أنه قد كان رسول الله ﷺ أمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون [¬١] بين يديه الكعبة، وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس، والجمهور.
ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين: وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري: أنّ التوجه إلى بيت المقدس، كان باجتهاده ﵇.
والمقصود: أنّ التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة] [¬٢]، واستمرّ [¬٣] الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم ﵇ فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناسَ فأعلمهم [¬٤] بذلك، وكان أوّل صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين، من رواية البراء.
ووقع عند النسائي (٨٦٠) من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر. وقال: [كنت أنا وصاحبي أوّل من صلى إلى الكعبة.
وذكر غير واحد من المفسرين، وغيرهم، أن تحويل القبلة نزل على رسول الله، وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة فسمي مسجد القبلتين، وفي حديث نويلة بنت مسلم، أنهم جاءهم الخبر بذلك في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل الرجالُ مكان النساءِ، والنساءُ مكانَ الرجالِ. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] [¬٥].
وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين،
стр. 737
عن ابن عمر (٨٦١) ﵄ أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ [قد أنزل عليه الليلة قرآن] [¬١]، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.
وفي هذا دليل على أنّ الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب، والكفرة من اليهود ارتياب وزيغٌ عن الهدى، وتخبيطٌ وشكٌّ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا [¬٢]: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟! فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله: ﴿فَأَيْنَمَا [¬٣] تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ و ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مراتٍ إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده، وفي تصرفه [¬٤]، وخدّامه، فحيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمَّد صلوات الله وسلامه عليه وأمّته عنايةٌ عطمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية [¬٥] على اسمه تعالى، وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في [¬٦] الأرض؛ إذ هي بناء [¬٧] إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد روى الإمام أحمد (٨٦٢) عن علي بن عاصم، عن حصين [¬٨] بن عبد الرحمن، عن عُمَر [¬٩] بن قيس، عن محمَّد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ ، يعني: في أهل الكتاب: "إنهم لا يحسدوننا [¬١٠] على شيء، كما يحسدوننا [¬١١] على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا
стр. 738
الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: إنما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم، لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هاهنا الخيار والأجود، كما يقال [قريش] [¬١]: أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها.
وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة البرسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمّه وسطًا، خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح [¬٢] المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
وقال الإمام أحمد (٨٦٣): حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: "يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته. قال: فلذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: " [الوسط] [¬٣] العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم".
رواه البخاري (٨٦٤)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طرق عن الأعمش.
وقال الإمام أحمد أيضًا (٨٦٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
стр. 739
سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته؛ فيدعى بمحمد وأمّته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ ، فأخبرنا أنّ الرسل قد بلغوا، فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ ".
وقال الإمام [¬١] أحمد أيضًا (٨٦٦): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: "عدلًا".
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (٨٦٧)، وابن أبي حاتم، من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة عن [¬٢] نهاس [¬٣]، حدثني مكاتب [¬٤] لنا، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "أنا وأمّتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد: أنه قد بلغ رسالة ربه ".
وروى الحاكم في مستدركه (٨٦٨)، وابن مردويه أيضًا -واللفظ له- من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله، قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: والله [¬٥] يا رسول الله؛ [لنعم المرء كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان … وأثنوا
стр. 740
عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ : "أنت بما [¬١] تقول؟ " فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ : "وجبت"، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ ، فقال بعضهم: يا رسول الله] [¬٢]؛ بئس [¬٣] المرءُ كان، إن كان لفظًّا غليظا، فأثنوا عليه شرًّا. فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: "أنت بالذي [¬٤] تقول"؟ فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ : "وجبت". قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد (٨٦٩): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود، أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيرٌ، فقال: وجبت، وجبت. ثم مر بأخرى فأُثني عليها شرٌّ، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﵌: "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة" قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال [¬٥]: "وثلاثة"، قال: ففلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به.
وقال [¬٦] ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه [¬٧]، قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنّباوة يقول: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله في الأرض" ورواه ابن ماجه (٨٧٠)، عن [أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن
стр. 741
هارون.
ورواه الإمام أحمد (٨٧١)، عن يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمرو وسريج، عن نافع بن عمر، به] [¬١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول تعالى: إنما شرعنا [¬٢] لك يا محمد التوجه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، أي مرتدًّا عن دينه ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة -وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة- أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأنّ كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامّة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض؟ فإنه [¬٣] كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. ولهذا كان بن ثبت على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة. وقد ذهب لعضهم إلى أن السابقين [¬٤] الأوَّلين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين.
وقال البخاري (٨٧٢) في تفسير هذه الآية:
حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء؛ إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه
стр. 742
وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة.
وقد رواه سلم (٨٧٣) من وجه آخر، عن ابن عمر. ورواه الترمذي (٨٧٤) من [¬١] حديث سفيان الثوري، وعنده أنهم كانوا ركوعًا، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه [¬٢] مسلم (٨٧٥) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله. وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله، وانقيادهم لأوامر الله ، ﵃ أجمعين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك، لا [¬٣] [] [¬٤] يضيع ثوابها عند الله. وفي الصحيح (٨٧٦)، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
[ورواه الترمذي (٨٧٧)، عن ابن عباس، وصححه] [¬٥].
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطيكم أجرهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمدًا ﷺ ، وانصرافكم معه حيث انصرف، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي الصحيح (٨٧٨) أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين
стр. 743
ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًّا من السبي، أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ : "أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها".
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٨٧٩): كان أول ما نُسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. فارتابت [¬١] من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾.
وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء. فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب [¬٢] يؤم به جبرائيل ﵇.
وروى الحاكم (٨٨٠) في "مستدركه" من حديث شعبة، عن يعلى بن [¬٣] عطاء، عن [¬٤] يحيى
стр. 744
ابن قمطة [¬١]، قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام، بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة.
ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
ورواه ابن أبي حاتم (٨٨١)، عن الحسن بن عرفة، عن هشيم [¬٢]، عن يعلى بن عطاء، به.
وهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي ﵁: إن الغرض إصابة عين الكعبة [¬٣].
والقول الآخر -وعليه الأكثرون- أن المراد المواجهة [¬٤] كما رواه الحاكم (٨٨٢)، من حديث [أبي إسحاق] [¬٥]، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي [بن أبي طالب] [¬٦] ﵁؛ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطره: قِبَلَهُ. ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وهذا قول أبي العالية ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم. وكما تقدم في الحددث الآخر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
[وقال القرطبي: روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي" (٨٨٣)] [¬٧].
و [¬٨] قال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدَّثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ﷺ صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمرَّ
стр. 745
على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت (٨٨٤).
وقال عبد الرزاق (٨٨٥): أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال [¬١]: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت القدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة.
وروى النسائي (٨٨٦)، عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ ؛ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي ﷺ فصلى للناس الظهر يومئذٍ.
وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر، وأنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن [¬٢] أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر؛ ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا رجاء بن [¬٣] محمد السقطي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدّثني أبي، عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر، أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدّثنا: أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين؛ ونحن مستقبلون البيت الحرام؛ فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب" (٨٨٧).
стр. 746
[وقال ابن مردويه أيضًا] [¬١]: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدَّثنا أحمد بن حازم، حدَّثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدَّثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس، قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ نادى [¬٢] مناد بالباب: إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان، وهم ركوع نحو الكعبة (٨٨٨).
وقوله: ﴿وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض: شرقًا، وغربًا، وشمالًا، وجنوبها، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
[مسألة وقد استدل المالكية بهذه الآية على أنّ المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع [سجوده، كما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة. قال المالكية: بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده، لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام. وقال بعضهم: ينظر الصلي في قيامه إلى صدره. وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده، كما قال جمهور الجماعة؛ لأنه أبلغ في الخضوع، وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأمّا في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره [¬٣].
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمّته، وما خصه [¬٤] الله تعالى
стр. 747
به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا تهدَّدهم [¬١] تعالى بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾
يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم، ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، ولهذا قال ها هنا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إخبار [¬٢] عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم متمسكون [¬٣] بآرائهم وأهوائهم [¬٤]؛ فهو أيضًا متمسك [¬٥] بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وما كان متوجهًا إلى بيت المقدس؛ لكونها [¬٦] قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى من مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبا للرسول، والمراد به [¬٧] الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾
يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ ، كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في
стр. 748
الحديث أن رسول الله ﷺ قال لرجل معه صغيرٌ: "ابنكَ هذا؟ " قال: نعم يا رسول الله، أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (٨٨٩).
[قال القرطبي: ويروى عن عمر، أنَّه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أُمِّه.
قلت: وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمترى في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم] [¬١].
ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان [¬٢] العلمي ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ ، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ثم ثَبَّت تعالى نبيه ﷺ ، والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾
قال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل [] [¬٣] قبلة - رضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.
وقال أَبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها [¬٤] الأمة إلى [¬٥] القبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.
стр. 749
وقال مجاهد في الرراية الأخرى [] [¬١]: ولكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقرأ ابن عبَّاس وأبو جعفر الباقر وابن عامر ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾] [¬٢] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾.
وقال هاهنا: ﴿أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرّقت أجسادكم وأبدانكم.
﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾
هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.
[وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات: فقيل: تأكيد، لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عبَّاس وغيره. وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبًا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي.
وقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار ورجح هذا الجواب القرطبي.
стр. 750
وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله، أو بعده من السياق، فقال أوّلا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها، وقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فذكر أنَّه الحق من الله، وارتقاءه المقام الأوَّل؛ حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ ، فبين أنَّه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه.
وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما كتبهم أنَّه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إليها.
وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار. وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم] [¬١].
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: أهل الكتاب، فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، أو [¬٢] لئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه الي بيت المقدس. وهذا أظهر.
قال أَبو العالية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ﷺ انصرافه [¬٣] إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
قال ابن أَبي حاتم (٨٩٠): وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أَنس، وقَتَادة، والسدّي نحو هذا. وقال هؤلاء في قوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني مشركي قريش.
ووجه بعضهم حجة الظَّلَمةِ - وهي داحضة - أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلِمَ رجع عنه؟ والجواب: أن الله
стр. 751
تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أوّلًا لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو - صلوات الله وسلامه عليه - مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة معين، وأمَّته تبع له.
وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي: لا تخشوا شبه الظمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه.
وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي [¬١]: ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت [¬٢] لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلت عنه الأم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأم وأفضلها.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾
يذّكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب: وهو [¬٣] القرآن، والحكمة: وهي السنة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفَرى [¬٤]، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرَّهم قلوبًا، وأقلهم [¬٥] تكلفًا، وأصدقهم [¬٦] لهجة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [مِنْ أَنْفُسِهِمْ] [¬٧] يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. وذمَّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.
قال ابن عبَّاس: يعني [بنعمة الله] [¬٨] محمدًا ﷺ ، ولهذا ندب الله المؤمنين
стр. 752
إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ [رَسُولًا مِنْكُمْ] [¬١]﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني.
قال عبد الله بن وَهْب: عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن موسى ﵇ قال: يا رب؛ كيف أشكرك؟ قال له ربه: "تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني، فقد كفرتني".
وقال الحسن البصري، وأَبو العالية، والسدي، والربيع بن أَنس: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره.
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وقال ابن أبي حاتم (٨٩١): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، حدَّثنا مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس، وشارب الخمر، والسارق، والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟! قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته، حتَّى يسكت.
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما أوجبت [¬٢] عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي.
وعن سعيد بن جبير، اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي.
وعن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر [¬٣] من ذكركم إياه.
وفي الحديث الصحيح (٨٩٢) " يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي،
стр. 753
ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه".
قال الإمام أحمد (٨٩٣): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قَتَادة، عن أَنس قال [¬١]: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : يا بن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملإ ذكرتك في ملإ من الملائكة -أو قال في [¬٢] ملإ خير منه [¬٣]- وإن دنوت مني شبرًا دنوت منك ذراعًا، وإن دنوت مني ذراعًا دنوت منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول".
صحيح الإسناد. أخرجه البخاري من حديث قَتَادة. وعنده قال قَتَادة: الله أقرب بالرحمة.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.
وقال الإمام أحمد (٨٩٤): حدَّثنا روح، حدَّثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة، رجل من قيس - حدَّثنا أَبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين [¬٤]، وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه"، وقال روح مرة: "على عبده".
стр. 754
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾
لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر، والإرشاد إلى [¬١] الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها؛ كما جاء في الحديث: "عجبًا للمؤمن! لا يقضي الله له قضاء إلَّا كان خيرًا له، إن أصابته سراء فشكر، كان خيرًا له، وإن أصابته فراء فصبر، كان خيرًا له".
وبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل اللمصائب الصبر والصلاة، كما تقدَّم في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وفي الحديث أن [¬٢] رسول الله ﷺ كان [¬٣] إذا حزبه [¬٤] أمر صلى (٨٩٥).
والصبر صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابًا، لأنه المقصود، [] [¬٥]. كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر [¬٦] لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله.
وقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ: أين الصابرون ليدخلوا الجنَّة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنَّة. فيقولون: قبل [¬٧] الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: نحن [¬٨] الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتَّى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنَّة، فنعم أجر العاملين.
стр. 755
(قلت): ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.
وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا هي منه إلَّا الصبر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم (٨٩٦): " أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطِّلاعَةً، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا! وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردّنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتَّى نقتل فيك مرة أخرى -لما يرون من ثواب الشهادة- فيقول الرب ﷻ : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون".
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٨٩٧)، عن الإمام الشَّافعي، عن الإمام مالك، عن الزُّهْريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتَّى ورجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه".
ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفًا لهم، وتكريمًا، وتعظيمًا.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾
стр. 756
أخبر تعالى أنَّه يبتلي عباده: أي يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: (﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال هاهنا: ﴿بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي بقليل من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب، والأقارب، والأحباب ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: لا تُغِل الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحل به عقابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا خوف الله، وبالجوع صيام رمضان، وبنقص [¬١] الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض. والثمرات: الأولاد.
وفي هذا نظر، والله أعلم.
ثم بين تعالى مَن الصابرون الذين شكرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنَّه لا يضيع لديه مثقال ذرّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [¬٢]﴾ أي: ثناء من الله عليهم ورحمة [¬٣]. قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ﴾ فهذان العدلان ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول الله [¬٤]: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد (٨٩٨) [حديث قال] [¬٥]:
стр. 757
حدَّثنا يونس [بن محمد] [¬١]، حدَّثنا ليث -يعني ابن سعد [¬٢]- عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب [¬٣]، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ ؛ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولًا سررت به. قال: "لا يصيب أحدًا من المسلملين مصيبةٌ فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلَّا فعل ذلك به"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أَبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم؛ أجرْني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه [¬٤]، ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير [¬٥] من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي استأذن عليَّ رسول الله ﷺ ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرَظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألّا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة فيّ غيرةٌ شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: "أمَّا ما ذكرت من الغيرة، فسوف يذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن. فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي". قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ ، فتزوجها رسول الله ﷺ ، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه - رسولَ الله ﷺ .
وفي صحيح مسلم (٨٩٩)، عنها أنَّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم؛ أجرْني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، [إلَّا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها"] [¬٦]. قالت فلما توفي أَبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الذ عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرًا منه - رسول الله ﷺ .
وقال الإمام أحمد (٩٠٠): حدَّثنا يزيد وعباد بن عباد، قالا: حدَّثنا هشام بن أَبي هشام،
стр. 758
[حدثنا] [¬١] عباد بن زياد، عن أمه عن فاطمة بنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ ؛ قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها -وقال عباد: قدم عهدها- فيحدث لذلك استرجاعًا، إلَّا جدّد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب".
ورواه ابن ماجة (٩٠١) في "سننه"، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن [¬٢]، زياد، عن أمه عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها.
وقد رواه إسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن [¬٣] زياد، عن أبيه (كذا) [¬٤]، عن فاطمة، عن أبيها.
وقال الإمام أحمد (٩٠٢): حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان؛ قال: دفنت ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة -يعني الخولاني- فأخرجني، وقال لي [¬٥]: ألا أبشرك. قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن ابن [¬٦] عرزب، عن أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: يا ملك الموت؛ قبضت ولد عدي؛ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده. قال: [نعم. قال] [¬٧]: فماذا [¬٨]، قال: قال:
стр. 759
حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد".
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك، فذكره.
وهكذا رواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وقال: حسن غريب. واسم أبي سنان عيسى بن سنان.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة؛ قالت: قلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قلت: فوالله ما على أحد جناح ألّا [¬١] يتطوّف بهما. فقالت عائشة: بئسما قلت يا بن أختي؛ [إنها لو كانت] [¬٢] على ما أوّلتها [¬٣] عليه، كانت فلا جناح عليه ألّا [¬٤] يطوّف بهما، ولكنها إنما أنزلت؛ أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا [] [¬٥] يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل [¬٦]، وكان من أهل لها يتحرَّج أن يطوّف بالصفا رالمررة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ،
стр. 760
فقالوا: يا رسول الله؛ إنا كنا نتحرج أن نطوّف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ] [¬١] فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما. فليس لأحد أن يدع الطواف بهما، أخرجاه في الصحيحين (٩٠٣).
وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال لي [¬٢]: [إن هذا]] [¬٣] العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إن الناس -إلا من ذكرت عائشة- كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
ورواه البخاري (٩٠٤) من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم.
ثم قال البخاري (٩٠٥): حدَّثنا محمد بن يوسف، حدَّثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة .. قال: كنا نرى أنهما [¬٤] من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
[وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن الطواف بينهما فنزلت هذه الآية.
وقال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.
(قلت) ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا] [¬٥]
стр. 761
[يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفْضَي السيول من إساف ونائل] [¬١]
وفي "صحيح مسلم (٩٠٦) " من [¬٢] حديث جابر الطويل، وفيه: أنَّ رسول الله على الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن، فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به" وفي رواية النسائي "ابدءوا بما بدأ الله به".
وقال الإمام أحمد (٩٠٧): حدَّثنا مريج، حدَّثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعَوا فإن الله كتب عليكم السعي".
ثم رواه الإمام أحمد (٩٠٨)، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عُبَيدة، عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي، فاسعَوا".
стр. 762
وقد استدل بهذا الحديث على مذهب [¬١] من يرى أن [¬٢] السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه، [ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك] [¬٣]. وقيل: إنّه واجب وليس بركن. [فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة] [¬٤]. وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية. قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾] [¬٥]. والقول الأول أرجح، لأنه ﵇ طاف بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، فكل ما فعله في حجمه تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم.
[وقد تقدم قوله ﵇ "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"] [¬٦]، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف [¬٧] هاجر وتَرْدادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نَفَد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس [¬٨] عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله ، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأتبع لها زمزم التي ماؤها "طعام طُعم، وشفاء سُقم"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط [¬٩] المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر، ﵍.
[وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب؛ ثامنة وتاسعة ونحو ذلك.
وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع. وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر
стр. 763
العبادات. حكى ذلك الرازي وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.
وقوله: ﴿فإن الله شاكر عليم﴾ أي: يثيب على القليل بالكثير، ﴿عليم﴾ بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [¬١].
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾
هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله.
قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ . ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالِم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
وقد ورد في الحديث المسند (٩٠٩) من طرائق [¬٢] يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره؛ أن رسول الله على الله عليه وسلم، قال: "من سئل عن علم، فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار".
والذي في الصحيح (٩١٠) عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحدًا شيئًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا [¬٣] مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. الآية.
وقال ابن أبي حاتم (٩١١): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي
стр. 764
سليم، عن المنهال به. عمرو، عن راذان- أبي [¬١] عُمَر- عن البراء بن عازب؛ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: "إنّ الكافر يضرب ضربة بين عينيه فيسمع صوته كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: دواب الأرض.
[ورواه ابن ماجة (٩١٢)، عن محمد بن الصباح، عن [عمار] [¬٢] بن محمد به] [¬٣].
وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجنّ والإنس.
وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت [¬٤] البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾: [] [¬٥] يعني تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون.
[وقد جاء في الحديث: "أنّ العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر" (٩١٣).
وجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا وهم كل فصيح وأعجمي؛ إمّا بلسان المقال أو الحال] أو كل من كان له عقل يوم القيامة، [والله أعلم] [¬٦].
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم [وأحوالهم] [¬٧]، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه [¬٨] ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وفي هذا دلالة على أنّ الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.
وقد ورد أنّ الأمم السابقة [¬٩] لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة
стр. 765
في التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.
ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمرّ به الحال إلى مماته بأن ﴿عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة التابعة [¬١]، لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ فيها، أي: لا [¬٢] ينقص عما هم فيه ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي: لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.
وقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف ورم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه [¬٣] الناس أجمعون.
[فصل
لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، فأمّا الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي. ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره لقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران، فيحدّه، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ : "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (٩١٤)، فدل على أنّ من لا حب الله ورسوله يلعن، والله أعلم] [¬٤].
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾
يخبر تعالى عن تفرّده بالإلهية، وأنه لا شريك له، ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم. وقد تقدّم تفسير هذين الاسمين في أوّل الفاتحة [¬٥]، وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله
стр. 766
صلى الله عليه وسدم أنه قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [الْحَيُّ الْقَيُّوم] [¬١]﴾ (٩١٥). ثم ذكر الدليل على تفرّده بالإلهية [بتفرده] [¬٢] بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من الخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في ارتفاعها ولطافتها [¬٣] واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وههذه الأرض في كثافتها [¬٤] وانخفاضها وجبالها، وبحارها وقفارها، وَوِهَادها وعُمرانها، وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، ههذا يجيء ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان [¬٥]، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾ أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل فهذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ومما لا يعلمون﴾.
стр. 767
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه [شيء من ذلك] [¬١]، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: فتارة [¬٢] تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، و [¬٣] تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، [ثم تارة تأتي من الجنوب - وهي الشامية - وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبا وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة وتارة دبورًا وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، و الله أعلم] [¬٤].
﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: سائر بين السماء والأرض مسخر] [¬٥] إلى ما يشاء [¬٦] الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه الله [¬٧] تعالي ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي [¬٨] في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٩١٦): أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الأشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد
стр. 768
ابن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أتت قريش محمدًا ﷺ ؛ فقالوا: يا محمد؛ إنا [¬١] نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: "أوثقوا [¬٢] لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبًا لتؤمنن بي". فأوثقوا له، فدعا ربه فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ : "رب لا، بل دعني وقومي فَلأَدْعُهم يومًا بيوم"، فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية.
ورواه ابن أبي حاتم (٩١٧) من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة به. وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا (٩١٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن [¬٣] أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت [¬٤] على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.
وقال وكيع (٩١٩) [بن الجراح] [¬٥]: حدَّثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾.
ورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي- عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضحى، به.
стр. 769
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾
يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له [¬١] أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه.
وفي "الصحيحين (٩٢٠) عن عبد الله بن مسعود قال [¬٢]: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك".
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم، وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا؛ بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجئون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا] [¬٣]، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ يقول: لو علموا ما يعاينونه [¬٤] هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم- لانتهوا عما هم فيه من الضلال.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرئ المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ
стр. 770
الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار [¬١] الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
والجن أيضًا تتبرأ منهم و [يتنصلون] [¬٢] من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.
وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله، وتقطعت بهم الحيل، وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا.
قال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة. وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح.
وقوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا، بل لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه [وإنهم لكاذبون] [¬٣]. كما أخبر الله [¬٤] تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ
стр. 771
عَلَيهِمْ﴾ [أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.
وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية؛ ولهذا قال تعالى] [¬١]: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
لما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق [¬٢] لجميع خلقه، فذكر في [¬٣] مقام الامتنان؛ أنه أباح لهم أن يأكلوا مما [في الأرض] [¬٤] في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار [¬٥] الذي في "صحيح مسلم (٩٢١) " عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحه عبادي فهو لهم حلال -وفيه- وإني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم [¬٦] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت [¬٧] لهم".
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (٩٢٢): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بنٍ شيبة المصري، حدثنا الحسن [¬٨] بن عبد الرحمن [الاحتياطي، حدثنا] [¬٩] أبو عبد الله
стр. 772
الجوزجاني -رفيق إبراهيم بن أدهم- حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده [إن الرجل لَيقِذف] [¬١] اللقمةَ الحرامَ في جَوْفه ما [¬٢] يُتَقَبَّل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به".
وقول: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
وقال قتادة، والسدي في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.
وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان. وقال مجاهد: خطاه، أو قال: خطاياه.
وقال أبو مِجْلَز: هي النذور في المعاصي.
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق بذبح كبش. وقال: هذا من خطوات الشيطان.
وقال أبو الضحى، عن مسروق: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم. فقال: لا أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا. قال: فما شأنك؟ قال حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطْعَم وكَفِّر عن يمينك.
رواه [¬٣] ابن أبي حاتم (٩٢٣).
وقال أيضًا (٩٢٤): حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري [¬٤]، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت يومًا [¬٥] على امرأتي، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل
стр. 773
مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك. فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان. وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة. وأتيت عاصمًا [¬١] وابن عمر فقالا مثل ذلك.
وقال [عبد بن حميد] [¬٢]: حدثنا [¬٣] أبو نعيم، عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَينَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾
يقول تعالى: (وإذا) قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه [¬٤] من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما ألفينا، أي: وجدنا عليه آباءنا أي من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم فهم ولا هداية.
وروى ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأنزل الله هذه الآية.
ثم ضرب لهم تعالى مثلًا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ فقال:
стр. 774
﴿وَ [¬١] مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما هم فيه من الغي: الضلال والجهل، كالدواب السارحة التي لا تفقه [ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها -أي دعاها إلى ما يرشدها- لا تفقه] [¬٢] ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.
هكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، نحو هذا.
[وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا، اختاره ابن جرير. والأوّل أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها] [¬٣]. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوّهون به، عُمي عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه.
[كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] [¬٤].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة [¬٥]، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٩٢٥) حدَّثنا أبو النضر، حدثنا الفضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا،
стр. 775
وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟! ".
ورواه مسلم في "صحيحه"، والترمذي من حديث فضيل [¬١] بن مرزوق.
ولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحزم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة، أو موقوذة، أو متردية، أو نطيحة، أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ على ما سيأتي إن شاء الله. وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٩٢٦).