← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

حدَّثنا عُبَيد الله بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من تريد فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم. ورواه عبد بن حميد: عن روح بن عبادة، عن عمران -وهو ابن حُدَير [¬١]- عن أيوب، به. ورواه عبد -أيضًا-: من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] [¬٢] بمعناه. ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين [¬٣] العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان، ويقضيان. وقيل: يفديان فقط ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران ولا فدية، ولا قضاء. وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه. ولله الحمد والمنة. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن [¬٤] لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (٩٨٥) -: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة -يعني ابن الأسقع- أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة في [¬٥] رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان] [¬٦] والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله

стр. 807

القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أنَّ الزبور أنزل [¬١] لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإِنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه. وأمَّا الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النَّبيِّ الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأمَّا القرآن فإنَّما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدُّنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ثم نزل بعدُ مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ . هكذا روى من غير وجه، عن ابن عباس، كما قال إسرإئيل: عن السدي، عن محمَّد بن أبي المجالد، عن مقسم عن ابن عباس: أنَّه سأل [¬٢] عطية بن الأسود، فقال: وقع في قلبي الشك من [¬٣] قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقد أنزل في شوّال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرّم، وصفر، وشهر ربيع. فقال ابن عباس: إنَّه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام. رواه ابن أبي حاتم (٩٨٦) وابن مردويه، وهذا لفظه. وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدُّنيا فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة؛ لجواب كلام النَّاس. وفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدُّنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلَّا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ [¬٤] عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى

стр. 808

لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وبينات﴾ أي: ودلائل وحجج بينة، واضحة، جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي [¬١] للضلال، والرشد المخالف للغي [¬٢]، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال والحرام. وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا: "شهر رمضان" ولا يقال: "رمضان". قال ابن أبي حاتم (٩٨٧): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القُرَظي وسعيد -هو المقبري- عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى [¬٣]، ولكن قولوا: شهر رمضان. قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس، وزيد بن ثابت، (قلت): أبو معشر: هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعًا، عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ بن عدي [¬٤] وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: "باب يقال رمضان" (٩٨٨)، وساق أحاديث [في ذلك] [¬٥] منها: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (٩٨٩) ونحو ذلك. وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حَتْمٍ على من شهد استهلال الشهر -أي: كان مقيمًا في البلد حين [¬٦] دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه- أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة [¬٧] المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر، ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدم بيانه. ولما حتَّم الصيام أعاد ذكر الرخصة

стр. 809

للمريض والمسافر [¬١] في الإِفطار، بشرط القضاء فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه، أوكان على سفر أي: في حال السفر [¬٢]، فله أن يفطر فإذا أفطر فعليه عدة [¬٣] ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرًا [¬٤] عليكم ورحمة بكم. وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية: (إحداها [¬٥]: أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر. وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى، عن جماعة من الصحابة والتابعين. وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم. فإنه قد ثبتت [¬٦] السنة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فصام [¬٧] حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح (٩٩٠). (الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والصحيح قول الجمهور؛ أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان قال: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٩٩١). فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة [¬٨] صائمًا لما ثبت في الصحيحين (٩٩٢) عن أبي الدرداء قال [¬٩]:

стр. 810

خرجنا مع رسول الله ﷺ [في شهر رمضان] [¬١] في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه [من شدّة الحر] [¬٢]، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة. (الثالثة) قالت [¬٣] طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار [لفعل النبي ﷺ كما تقدم، وقالت [¬٤] طائفة: بل الإفطار أفضلَ] [¬٥] أخذًا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الصوم في السفر؛ فقال: "من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه" (٩٩٣)، وقال في حديث آخر: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (٩٩٤)، وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة؛ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله؛ إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ قال [¬٦] "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٩٩٥). وهم في الصحيحين، وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد ظلل عليه فقال: "ما هذا"؟ قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر"، أخرجاه (٩٩٦)، فأمّا إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثل جبال عرفة (٩٩٧). (الرابعه) القضاء هل يجب متتابعًا، أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع؛ لأن القضاء يحكي الأداء (والثاني) لا يجب التتابع بل إن شاء فرّق وإن

стр. 811

شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر، لضرورة أدائه في الشهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا أبو [¬١] هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره" (٩٩٨). وقال أحمد أيضًا (٩٩٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا [¬٢] عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة [¬٣] بن عروة الفقيمي، حدثني [¬٤] أبي عروة قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج [] [¬٥] يقطر رأسه من وضوء أو غسلٍ فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج [¬٦] في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن دين الله في يسر" -ثلاثًا يقولها- ورواه الإِمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال، به. وقال الإمام أحمد (١٠٠٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: [] [¬٧] حدثنا أبو التياح، سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا"، أخرجاه في الصحيحين.

стр. 812

وفي الصحيحين (١٠٠١) أيضًا [¬١]: أن رسول الله، ﷺ ، قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: "بشرا، ولا تنفرا، ويسرا، ولا تعسرا، وتطاوعا، ولا تختلفا". وفي السنن، والمسانيد: أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت بالحنيفية السمحة" (١٠٠٢). وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجريري [¬٢]، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن [¬٣] بن الأدرع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي [فترآه ببصره] [¬٤] ساعة فقال: "أتراه يصلي صادقًا؟ "، قال: قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تسمعه فتهلكه"، وقال: "إن الله إنما [¬٥] أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر" (١٠٠٣). ومعنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر، ونحوهما من الأعذار؛ لأرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم. وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾، وقال: ﴿وَسَبِّحْ [¬٦] بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ* ومن

стр. 813

اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد، والتكبير بعد الصلوات المكتوبات. وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير، ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولتكبروا الله [على ما هداكم] [¬١]﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته [¬٢] بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ قال ابن أبي حاتم (١٠٠٤): حدثنا أبي [حدثنا] [¬٣] يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني [¬٤]، عن الصُلْب [¬٥] بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد [فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ ] [¬٦] فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت". ورواه ابن جرير: عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به] [¬٧]. ورواه ابن مردويه، وأبو الشيخ الأصبهاني: من حديث محمد بن أبي حميد، عن جرير به. وقال ابن الرزاق (١٠٠٥) أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ [النبي ﷺ ] [¬٨]: أين ربنا؟

стр. 814

فأنزل الله : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية. وقال ابن جريج: عن عطاء أنه بلغه لما نزلت: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ قال الناس [لو نعلم] [¬١]: أي ساعة ندعو؟ فنزلت ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وقال الإمام أحمد (١٠٠٦): حدَّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدَّثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة [¬٢]، فجعلنا لا نصعد شرفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا فقال: "يا أيها الناس اربعوا [¬٣] على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله". أخرجاه في الصحيحين، وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن ابن [مل عنه] [¬٤] بنحوه. وقال الإمام أحمد (١٠٠٧): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا [¬٥] شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عن أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني". وقال الإمام أحمد (١٠٠٨) أيضًا [¬٦]: حدَّثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد

стр. 815

الرحمن بن يزيد بن جابر، حدَّثنا إسماعيل بن عبيد [¬١] الله، عن كريمة بنت [] [¬٢] حسحاس [¬٣] المزنية [¬٤] قالت: حدَّثنا أبو هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه رسلم يقول: "قال الله تعالى [¬٥]: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". (قلت): وهذا كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، كقوله [¬٦] لموسى وهارون ﵉: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داعٍ، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه [¬٧] ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال [¬٨] الإمام أحمد (١٠٠٩): حدَّثنا يزيد، حدثنا رجل، أنه سمع أبا عثمان- وهو [¬٩] النهدي- يحدّث عن سلمان- يعني الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى ليستحي [¬١٠] أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" - قال يزيد: سموا لي هذا الرجل فقالوا: جعفر بن ميمون. وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال

стр. 816

الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه. و [¬١] قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي [¬٢] ﵀ في أطرافه (١٠١٠): وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي به. وقال الإمام [¬٣] أحمد أيضًا (١٠١١): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا علي عن [¬٤] أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصاله: إمّا أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذًا نكثر [¬٥]، قال: "الله أكثر". وقال عبد الله بن الإمام أحمد (١٠١٢): حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدَّثنا ابن [¬٦] ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم: أن النبي ﷺ قال: "ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم".

стр. 817

ورواه الترمذي: عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان -وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان- به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقال الإمام مالك (١٠١٣): عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي". أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به، وهذا لفظ البخاري ﵀، وأثابه الجنة. وقال مسلم [في صحيحه] [¬١] (١٠١٤): حدثني أبو الطاهر، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل"، قيل: يا رسول الله و [¬٢] ما الاستعجال؟ قال: "يقول قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر [¬٣] عند ذلك، ويترك الدعاء". وقال الإمام أحمد (١٠١٥): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو [¬٤] هلال، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا يزال العبد بخير [¬٥] ما لم يستعجل"، قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: "يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي". وقال الإمام [¬٦] أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، حدَّثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، عن عروة بن الزبير، عن

стр. 818

عائشة ﵂ أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة، فتذهب حتى تعجل [¬١] له في الدنيا، أو تؤخر [¬٢] له في الآخرة، إذا [هو] [¬٣] لم يعجل، أو يقنط، قال عروة: قلت: يا أمّاه كيف عجلته وقنوطه؟ قالا: يقول: سألت فلم أعْطَ [¬٤]، ودعوت فلم أُجَبْ. قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب قوله يقول عائشة سواء. وقال الإمام أحمد (١٠١٦): حدثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي [¬٥]، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه، وأنتم موقنون [¬٦] بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل". وقال ابن مردويه: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن [¬٧] أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أُتي بن [¬٨] نافع بن [معد يكرب] [¬٩] ببغداد، حدثني [ابن أبي] [¬١٠] نافع [حدثني أبي نافع] [¬١١] بن [معد يكرب] [¬١٢] قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله ﷺ عن آية [¬١٣] ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: "يا رب مسألة عائشة"، فهبط جبريل فقال: "الله يقرئك [¬١٤] السلام، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة، وقلبه نقي، يقول يا رب فأقول لبيك فأقضي حاجته" (١٠١٧).

стр. 819

وهذا [¬١] حديث غريب من هذا الوجه. وروى ابن مردويه: من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس [¬٢]، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإِجابة؛ لبيك اللهم لبيك لبيك [¬٣] لا شريك لك لبيك، إن الحب والنعمة لك، والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد، لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفوًا أحد، وأشهد أن وعدك حقّ ولقاءك [¬٤] حق، والجنة حق، والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور" (١٠١٨). وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٠١٩): وحدثنا [¬٥] الحسن بن يحيى الأرزي [¬٦]، ومحمد بن يحيى القُطَعي [¬٧] قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري، عن الحسن، عن أنس: أن [¬٨] النبي، ﷺ ، قال: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم، واحدة لك، وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي فتعبدني، لا [¬٩] تشرك بي شيئًا، وأمّا التي لك فما عملت من شيء، [أو من عمل] [¬١٠] وفقوله، وأمّا التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة".

стр. 820

وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام-: إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدّة، بل وعند كل فطر. كما رواه الإِمام أبو داود الطيالسي في مسنده (١٠٢٠): حدثنا أبو محمَّد المليكي، عن عمرو [-هو ابن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو- عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو] [¬١] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة"، فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا. وقال أبو عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجه في سننه (١٠٢١): حدَّثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن إسحاق بن عبيد الله المدني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ : "إن للصائم عند فطره لدعوة [¬٢] ما ترد"، قال عبد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي. وفي مسند الإمام أحمد (١٠٢٢)، وسنن [الترمذي، والنسائي] [¬٣] وابن ماجه عن أخبرنا هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح [¬٤] لها أبواب السماء، ويقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين". ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ

стр. 821

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ هذة رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل، والشرب، والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام، أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو الجماع؛ قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسالم بن عبد الله، وعمرو بن دينار، والحسن، وقتادة، والزهري، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان. وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدّي، ومقاتل بن حيان: يعني [¬١] هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. وقال الربيع بن أنس: هنّ لحاف لكم، وأنتم لحاف لهنّ، وحاصله أنّ الرجل والمرأة كل منهما. يخالط الآخر، ويماسه، ويضاجعه، فنايسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا، قال الشاعر: إذا ما الضجيع [ثنى جيدها] [¬٢] … تداعت فكانت عليه لباسا وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدّم في حديث معاذ الطويل، وقال أبو إسحاق: عن البراء بن عازب قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، وكان [¬٣] يومه ذاك [¬٤] يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن [¬٥] أنطق فأُطلب لك، فغلبته عينه فَنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائمًا قال: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية:

стр. 822

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ففرحوا بها فرحًا شديدًا (١٠٢٣). ولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله [عليهم] [¬١]: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (١٠٢٤). وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء، والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم أن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء، والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله، عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وكذا روى العوفي عن ابن عباس. وقال موسى بن عقبة: عن كريب، عن ابن عباس قال: أن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون، ويشربون، ويحل لهم شأن النساء، فإذ نام أحدهم لم يطعم، ولم يشرب، ولم [¬٢] يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام وجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت قال: "وما [¬٣] صنعت؟ " قال: إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: "ما كنتَ خليقًا أن تفعل"، فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وإن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، رإن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه [¬٤] بعد صلاه المغرب فنام، ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ

стр. 823

الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يعني بالرفث: مجامعة النساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني [¬١] تجامعون النساء، وتأكلون، وتشربون بعد العشاء ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: جامعوهن ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الولد ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة. وقال هشيم: عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل من [¬٢] أهله، فقالت: إنها قد نامت فظنتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾. وهكذا رواه شعبة: عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى به (١٠٢٥). وقال أبو جعفر بن جرير (١٠٢٦): حدّثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث، عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية. وهكذا روي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة والسدي [¬٣] وقتادة، وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والمام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقًا. وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال أبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وشريح القاضي، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والربيع بن أنس، والسدي، وزيد بن أسلم، والحكم بن عتيبة، ومقاتل بن حيان، والحسن البصري، والضحاك،

стр. 824

وقتادة وغيرهم: يعني: الولد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الجماع. وقال عمرو بن مالك البكري: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال: قال قتادة: ابتغوا [¬١] الرخصة التي كتب الله لكم [وقال سعيد عن قتادة ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾] [¬٢] يقول ما أحل الله لكم. وقال عبد الرزاق أيضًا أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو ﴿اتبعوا﴾؟ قال: أيتهما شئت عليك بالقراءة الأولى. واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله. وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدّم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أبو عبد الله البخاري (١٠٢٧): حدّثني [¬٣] ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمَّد بن مطرف، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ [ولم ينزل] [¬٤]: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يعني الليل والنهار. قال الإِمام أحمد (١٠٢٨): حدثنا هشيم [¬٥]، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ

стр. 825

الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت [¬١] أنظر إليهما فلا [¬٢] يتبين [¬٣] لي الأبيض من الأسود [] [¬٤]، فلما أصبحت غدوت إلى [¬٥] رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: "إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك [¬٦] بياض النهار و [¬٧] سواد الليل". أخرجاه في الصحيحين (١٠٢٩) من غير وجه عن عدي، ومعنى قوله إن وسادك إذًا لعريض، أي: إن كان [ليسع لوضع] [¬٨] الخيط الأبيض والأسود المرادين من هذه الآية [تحتها، فإنهما] [¬٩] بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب. وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي قال: أخذ عدي عقالًا [أبيض و] [¬١٠] عقالًا أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا [¬١١]، فلما أصبح قال: يا رسول الله؛ جعلت تحت وسادتي، قال: " [إن وسادك إذا لعريض] [¬١٢] إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" (١٠٣٠). وجاء في بعض الألفاظ: "إنك لعريض القفا"، ففسره بعضهم بالبلادة وهو ضعيف؛ باب يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضًا [¬١٣]: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله؛ ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما [¬١٤] الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض النهار" (١٠٣١).

стр. 826

وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالحث على السحور، ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة" (١٠٣٢) وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن فصل [¬١] ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور [¬٢] " (١٠٣٣). وقال الإِمام أحمد (١٠٣٤): حدثنا إسحاق بن عيسى -هو ابن الطباع- حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرّع [¬٣] جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين". وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة من ماء تشبهًا بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى قريب انفجار الفجر كما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (١٠٣٥). وقال الإِمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان [¬٤]، عن

стр. 827

سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإِفطار، وأخروا السحور" (١٠٣٦). وقد ورد في [¬١] أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ سماه الغداء المبارك، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة [بن اليمان] [¬٢] قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ وكان النهار إلا أن الشمس لم [¬٣] تطع (١٠٣٧). وهو حديث تفرّد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي، وحمله على أن المراد قرب النهار كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي قاربن انقضاء العدة، فإما إمساك بمعروف [¬٤] أو ترك للفراق [¬٥]، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه، أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر حتى أن بعضهم ظن طلوعه، وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كبيرة [¬٦] من السلف أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هروة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كبيرة [¬٧] من التابعين منهم: محمَّد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل، وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر [¬٨] بن راشد، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد. وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإِمساك من طلوع

стр. 828

الشمس، كما يجوز الإِفطار بغروبها. (قلت): وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة (١٠٣٨): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنعنكم [¬١] أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"، لفظ البخاري. وقال الإمام أحمد (١٠٣٩): حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر". ورواه أبو داود، والترمذي ولفظهما (١٠٤٠): " كلوا واشربوا ولا يهيدنكم [¬٢] الساطعُ المصعِد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر". وقال [¬٣] ابن جرير [¬٤]: حدثنا محمد بن المثني، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة،

стр. 829

عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم نداء بلال، وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر" (١٠٤١). ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنطة، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعنكم [¬١] من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق" (١٠٤٢). قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض -[لعمود الصبح- حتى] [¬٢] يستطير" (١٠٤٣). ورواه مسلم في صحيحه (١٠٤٤)، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم -هو [¬٣] ابن علية- مثله [¬٤] سواء. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان [¬٥] التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره -أو قال: نداء [¬٦] بلال- فإن بلالًا يؤذن بليل -أو قال [¬٧]: ينادي

стр. 830

لينبه نائمكم، وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا أو هكذا حتى يقول [¬١]، هكذا"، ورواه من وجه آخر عن التيمي به (١٠٤٥). وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثنا أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "الفجر فجران: فالذي كأنه ذَنب السِّرحان [¬٢] لا يحرم شيئًا، وأما [¬٣] [] [¬٤] المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام [¬٥] " (١٠٤٦)، وهذا مرسل جيد. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال [¬٦]: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران: فأما الذي يسطع في السماء، فليس يحل: لا يحرم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير [¬٧] علي رءوس الجبال هو الذي يحرم الشراب. و [¬٨] قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء -وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا- فإنه لا يحرم به شراب للصائم [¬٩]، ولا صلاة، ولا يفوت به الحج [¬١٠]، ولكن إذا انتشر علي رءوس الجبال حرم الشراب للصيام وفات الحج. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ﵏. (مسألة) ومِن جَعلِهِ تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام، والشراب لمن أراد الصيام، يستدل علي أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة

стр. 831

وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة، وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم (١٠٤٧). وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي. وفي صحيح مسلم في عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" (١٠٤٨). فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم وأعلمكم بما أتقي". فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٠٤٩): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ" فإنه حديث جيد الإِسناد علي شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين (١٠٥٠) عن أبي هريرة عن الفضل بن عباس [¬١] [عن النبي ﷺ . وفي سنن النسائي عنه، عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس] [¬٢] ولم يرفعه (١٠٥١). فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكي هذا عن أبي هريرة، وسالم، وعطاء، وهشام بن عروة، والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبًا نائمًا، فلا حرج [¬٣] عليه؛ لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا، فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يُحكي هذا عن عروة، وطاوس، والحسن، ومنهم من فرق بين الفرض فيتمه ويقضيه [¬٤]، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري: عن منصور، عن إبراهيم النخعي، وهو

стр. 832

رواية عن الحسن البصري أيضًا، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديث [¬١] عائشة، وأم سلمة، ولكن لا تاريخ معه. وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة [¬٢] وهو بعيد أيضًا وأبعد [¬٣] إذ لا تاريخ، بل الظاهر من التاريخ خلافه، ومنهم من حمل حديث أبي هريرة علي نفي الكمال، فلا صوم له؛ لحديث عائشة وأم سلمة الدالين علي الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال [¬٤] وأجمعها، والله أعلم. وقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًّا، كما جاء في الصحيحين (١٠٥٢) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قا: قال رسول الله- ﷺ : "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم". وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" أخرجاه أيضًا (١٠٥٣). وقال الإمام أحمد (١٠٥٤): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني قرة بن عبد الرحمن، عَن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "يقول الله إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا"، ورواه الترمذي من غير وجه، عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال أحمد أيضًا (١٠٥٥): حدثنا عفان، حدثنا عبيد [¬٥] الله بن إياد [¬٦]، سمعت إياد بن لقيط، [قال:] [¬٧] سمعت ليلي، امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين

стр. 833

مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ﴿ثُمَّ [¬١] أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ فإذا كان الليل فأفطروا". ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل [صوم يوم] [¬٢] بيوم آخر ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تواصلوا"، قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: "فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني [¬٣] "، قال: فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر الهلال لزدتكم" كالمنكل بهم [¬٤]. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به (١٠٥٦). وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (١٠٥٧). وعن عائشة، ﵂، قالت: نهى رسول الله، ﷺ ، عن الوصال رحمة لهم، فقالوا [¬٥]: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني [¬٦] " (١٠٥٨). فقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي، ﷺ ، وأنه

стр. 834

كان يقوى علي ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي ولكن كما قال الشاعر: لها أحاديث من [¬١] ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد وأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلي وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعم يطعمني وساقٍ يسقيني [¬٢] "، أخرجاه في الصحيحين أيضًا (١٠٥٩). وقال ابن جرير (١٠٦٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبس [¬٣]، عن أبي بكر بن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرت برسول الله ﷺ ، وهو يتسحر، فدعاها إلي الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: "وكيف تصومين"؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر". وقال الإمام أحمد (١٠٦١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر. وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير (١٠٦٢)، وغيره من السلف؛ أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم علي أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشادي من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: "رحمة لهم" فكان ابن الزبير، وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك

стр. 835

ويفعلونه؛ لأنهم كانوا يجدون قوّة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون علي السمن والصبر؛ لئلا تتخرق [¬١] الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم. وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل [¬٢] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال [¬٣] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو [¬٤] نهارًا حتى يقضي اعتكافه. وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره، وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية. قال ابن أبي حاتم (١٠٦٣): وروي [¬٥] عن ابن مسعود، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف. وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يتلبث [¬٦] فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل [¬٧]، وليس له أن يقبل امرأته ولا أن [¬٨] يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود [¬٩] المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه. وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابه [¬١٠]: منها ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة [¬١١].

стр. 836

ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبه علي ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد، وتنبيه علي الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام، كما [ثبت] [¬١] السنة عن رسول الله، ﷺ ، أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه (١٠٦٤) من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂. وفي الصحيحين (١٠٦٥) أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا -وفي رواية تواريا- أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما [النبي] [¬٢] ﷺ : "علي رسلكما إنها صفية بنت حيي" أي: [لا تسرعا، واعلما أنها صفية بنت حيي] [¬٣] أي زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال [ ﷺ ]: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال شرّا". قال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلم أمّته التبري من التهمة في محلها؛ لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى من [¬٤] أن يظنا بالنبي ﷺ شيئًا، والله أعلم، ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع، ودواعيه من تقبيل ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء، ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين (١٠٦٦) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله، ﷺ ، يدني إليّ رأسه، فأرجله، وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت فما أسأل عنه إلا وأنا

стр. 837

مارّة. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه، وما حرمنا، وذكرنا [¬١] غاياته، ورخصه، وعزائمه حدود الله أي: شرعها الله، وبينها بنفسه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تجاوزوها وتتعدوها [¬٢]، وكان الضحاك، ومقاتل يقولان في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: المباشرة في الاعتكاف. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة، ويقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ حتى يبلغ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا، ويتلونه علينا: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: كما بين الصيام وأحكامه، وشرائعه، وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده، ورسوله محمد، ﷺ ، ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم: أنه آثم أكل حرام. وكذا روي، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة (١٠٦٧): أن رسول الله ﷺ قال: "ألا أنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن [¬٣] بحجته من بعض [فأقضي له] [¬٤]، فمن قضيت له، بحق مسلم، فإنما هي [¬٥] قطعة من نار، فليحملها، أو

стр. 838

ليذرها". فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو ملزم [¬١] في الظاهر، فإن طابق [ما] [¬٢] في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره، وعلى المحتال وزره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه [¬٣] في كلامكم. قال قتادة: اعلم يا بن آدم: [أن قضاء] [¬٤] القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى، وتشهد [¬٥] به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضِيَ له بباطل: أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾ قال العوفي: عن ابن عباس سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ يعلمون بها حل دَيْنهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم. و [¬٦] قال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دَيْنهم. وكذا روي عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك. وقال عبد الرزاق: عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ : "جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يومًا".

стр. 839

ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث ابن أبي رواد، به (١٠٦٨). وقال: [كان ثقة] [¬١] عابدًا مجتهدًا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه [¬٢] محمد بن جابر: عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : "جعل الله الأهلة، فإذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (١٠٦٩). وكذا روي من حديث أبي هريرة (١٠٧٠)، ومن كلام علي بن أبي طالب ﵁. وقوله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. قال البخاري (١٠٧١): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. وكذا رواه أبو داود الطالسي (١٠٧٢): عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم [¬٣] لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذة الآية. وقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله ﷺ في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطة [¬٤] بن عامر [من

стр. 840

الأنصار] [¬١] فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة [¬٢] بن عامر رجل فاجر [¬٣]، وإنه خرج معك من الباب، فقال [¬٤] له: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت. فقال: إني أحمس. قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. رواه ابن أبي حاتم، ورواه العوفي، عن ابن عباس بنحوه، وكذا روي عن مجاهد، والزهري، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والسدي، والربيع بن أنس. وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، و [¬٥] خرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه: أن يقيم، ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. الآية. وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية. وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم [دخلوا منازلهم] [¬٦] من ظهورها، ويرون [¬٧] أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾] [¬٨]. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه فيجازيكم بأعمالكم [¬٩] على التمام والكمال. ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ

стр. 841

مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نرلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله، ﷺ ، يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وفي هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم [¬١] أنتم كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن [¬٢] همتكم منبعثة على قتالهم كما أن [¬٣] همتهم منبعثة [¬٤] على [¬٥] قتالكم وعلى [¬٦] إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا. وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله [¬٧] الحسن البصري- من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة (١٠٧٣): أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا [¬٨] من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا [¬٩] [ولا أصحاب الصوامع"، رواه الإمام أحمد] [¬١٠].

стр. 842

وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا [¬١]، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع" (١٠٧٤)، رواه الإِمام أحمد. ولأبي داود عن أنس مرفوعًا نحوه (١٠٧٥)، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان (١٠٧٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [¬٢] قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا [واحد، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر] [¬٣] وترك سائرها، قال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف، ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة [¬٤]، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا [¬٥] إلى عدوّهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة [¬٦] " (١٠٧٧).

стр. 843

هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم، فاستعملوهم [¬١] فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا. ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكافر بالله والشرك به والصدّ عن سبيله أبلغ وأشدّ، وأعظم، وأطم من القتل، ولهذا قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يقول: الشرك أشد من القتل. وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم [القيامة، ولم يحل [لي] [¬٢] إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [¬٣]، لا يُعْضَد [¬٤] شجره، ولا يختلى [¬٥] خلاه [¬٦]، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (١٠٧٨). يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله [¬٧] يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم [¬٨] عند الخندمة [¬٩]، وقيل: صلحًا لقوله: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن".

стр. 844

وقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ولا [¬١] تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم، وقتلهم دفعًا للصيال [¬٢]، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف، والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام، والتوبة فإن الله يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه. ثم أمر الله [¬٣] تعالى بقتال الكفار ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١٠٧٩)، وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (١٠٨٠). وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون تقديره: فإن انتهوا، فقد

стр. 845

تخلصوا من الظلم -وهو الشرك- فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة، والمقاتلة كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، ولهذا قال [¬١]، عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله. وقال البخاري (١٠٨١): قوله [¬٢]: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ … ﴾ الآية: حدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضُيَّعُوا [¬٣]، وأنت ابنُ عمر، وصاحب النبي ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال [¬٤]: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة وحتى [¬٥] يكون الدين لغير الله. وزاد عثمان بن صالح: عن ابن وهب، [قال] [¬٦] أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه، عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر [¬٧] عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوت الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحَج البيت، قال [¬٨]: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ ، وكان الإِسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أمّا عثمان فكان [بالله عفا عنه] [¬٩]، وأمّا أنتم فكرهتم أن يعفو [¬١٠] عنه، وأمّا علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده فقال: هذا بيته حيث [¬١١] ترون.
следующие страницы →