← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نرلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله، ﷺ ، يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وفي هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم [¬١] أنتم كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن [¬٢] همتكم منبعثة على قتالهم كما أن [¬٣] همتهم منبعثة [¬٤] على [¬٥] قتالكم وعلى [¬٦] إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا. وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله [¬٧] الحسن البصري- من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة (١٠٧٣): أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا [¬٨] من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا [¬٩] [ولا أصحاب الصوامع"، رواه الإمام أحمد] [¬١٠].

стр. 842

وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا [¬١]، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع" (١٠٧٤)، رواه الإِمام أحمد. ولأبي داود عن أنس مرفوعًا نحوه (١٠٧٥)، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان (١٠٧٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [¬٢] قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا [واحد، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر] [¬٣] وترك سائرها، قال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف، ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة [¬٤]، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا [¬٥] إلى عدوّهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة [¬٦] " (١٠٧٧).

стр. 843

هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم، فاستعملوهم [¬١] فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا. ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكافر بالله والشرك به والصدّ عن سبيله أبلغ وأشدّ، وأعظم، وأطم من القتل، ولهذا قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يقول: الشرك أشد من القتل. وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم [القيامة، ولم يحل [لي] [¬٢] إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [¬٣]، لا يُعْضَد [¬٤] شجره، ولا يختلى [¬٥] خلاه [¬٦]، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (١٠٧٨). يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله [¬٧] يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم [¬٨] عند الخندمة [¬٩]، وقيل: صلحًا لقوله: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن".

стр. 844

وقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ولا [¬١] تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم، وقتلهم دفعًا للصيال [¬٢]، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف، والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام، والتوبة فإن الله يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه. ثم أمر الله [¬٣] تعالى بقتال الكفار ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (١٠٧٩)، وفي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (١٠٨٠). وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون تقديره: فإن انتهوا، فقد

стр. 845

تخلصوا من الظلم -وهو الشرك- فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة، والمقاتلة كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، ولهذا قال [¬١]، عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله. وقال البخاري (١٠٨١): قوله [¬٢]: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ … ﴾ الآية: حدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضُيَّعُوا [¬٣]، وأنت ابنُ عمر، وصاحب النبي ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال [¬٤]: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة وحتى [¬٥] يكون الدين لغير الله. وزاد عثمان بن صالح: عن ابن وهب، [قال] [¬٦] أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه، عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر [¬٧] عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوت الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحَج البيت، قال [¬٨]: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ ، وكان الإِسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أمّا عثمان فكان [بالله عفا عنه] [¬٩]، وأمّا أنتم فكرهتم أن يعفو [¬١٠] عنه، وأمّا علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده فقال: هذا بيته حيث [¬١١] ترون.

стр. 846

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ قال عكرمة: عن ابن عباس، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقسم، والربيع بن أنس، وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله ﷺ معتمرًا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان [¬١] معه من المسلمين، وأقصَّه [¬٢] الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى ويغزو [¬٣]، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (١٠٨٢). هذا إسناد صحيح، ولهذا لما بلغ النبي ﷺ وهو مُخَيَّم بالحديبية أن عثمان قد [¬٤] قتل، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين بايع أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة، تحت الشجرة على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين، وتحصن فَلُّهم [¬٥] بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق، واستمر عليها إلى كمال أربعين يومًا كما ثبت في الصحيحين عن أنس (١٠٨٣)، فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعًا إلى مكة، واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضًا عام ثمان. صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 847

وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ أمر بالعدل حتى في المشركين كما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال [¬١] بالمدينة، وقد رد هذا القول ابن جرير وقال: بل هذه [¬٢] الآية مدنية بعد عمرة القضية، وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، عن سليمان، قال [¬٣]: سمعت أبا وائل، عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (١٠٨٤). ورواه ابن أبي حاتم (١٠٨٥)، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية، عن الأعمش به مثله، قال: وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسططينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله، ﷺ ، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيّا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى

стр. 848

فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا، وأولادنا فنقيم فيهما، فنزلت فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإِقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به (١٠٨٦). وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل -[يريد] [¬١] فضالة بن عبيد-، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله! ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية. وقال أبو بكر بن عياش: عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، [وإنما هذه] [¬٢] في النفقة. رواه ابن مردويه، وأخرجه [¬٣] الحاكم في مستدركه (١٠٨٧) من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق به وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه الثوري وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء فذكره، وقال بعد قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التهلكة ولا

стр. 849

يتوب. وقال ابن أبي حاتم (١٠٨٨): حدَّثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث [¬١]، [حدّثني الليث] [¬٢]، حدَّثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل [¬٣]، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال اللَّه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال [¬٤]: ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة. وقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وقال الحسن البصري ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: هو البخل. وقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي! فأنزل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، رواه ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عَبيدة السَّلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني نحو قول النعمان بن بشير، إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك، ولهذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله. وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعًا (١٠٨٩): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني

стр. 850

أبو صخر، عن القرظي [محمد بن كعب] [¬١] أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان القوم في سبيل الله فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، [أنفق البائس من زاده] [¬٢] حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. وبه قال ابن وهب أيضًا (١٠٩٠): أخبرني عبد الله بن عياش [¬٣]، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أن رجالًا كانوا بخرجون في بعوث بعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة، فإمّا أن يقطع بهم، وإما كانوا عيالًا [¬٤]، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقيل لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم، والإخبار عن ترك فعل [¬٥] ذلك بأنه هلاك ودمار لمن [¬٦] لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أَعلى مقامات الطاعة فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما؛ ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ

стр. 851

أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما؛ ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتاب [¬١] الأحكام مستقصى، ولله الحمد والمنة. وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة [¬٢]، عن علي أنه قال في هذه الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ قال: [أن تحرم] [¬٣] من دويرة أهلك. وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس. وعن سفيان الثوري أنه قال [في هذه الآية: إتمامهما] [¬٤] أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره. وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات. وقال عبد الرزاق (١٠٩١): أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾: من تمامهما [¬٥] أن تفرد [كل واحد] [¬٦] منهما من الآخر، وأن تعتمر [¬٧] في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وقال هشيم، عن ابن عون، قال [¬٨]: سمعت القاسم بن محمد يقول: أن العمرة في أشهر الحج ليست بتامّة، فقيل له [فالعمرة في المحرّم] [¬٩] قال: كانوا يرونها تامّة، وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله. وهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: [عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة] [¬١٠] سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في

стр. 852

في القعدة سنة عشر، وما [¬١] اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأمّ هانئ [¬٢]. "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" (١٠٩٢). وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه ﵇ فاعتاقت عن ذلك بسبب الظهر [¬٣]، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها؛ والله أعلم. وقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ أي: أقيموا الحج والعمرة. وقال علي بن أبي [¬٤] طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ يقول من أحرم [بحج أو بعمرة] [¬٥] فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة [وطاف بالبيت] [¬٦] وبالصفا والمروة فقد حل. وقال قتادة: عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ قال: هي قراءة عبد الله: (وأقيموا [¬٧] الحج والعمرة [¬٨] إلى البيت) لا تجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت

стр. 853

ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس. وقال سفيان: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. [وكذا روى الثوري أيضًا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم: أنه قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)] [¬١]. وقرأ الشعبي: (وأتموا الحج والعمرةُ لله) برفع العمرة وقال: ليست بواجبة، وروي عنه خلاف ذلك. وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعدّدة، عن أنس وجماعة من الصحابة؛ أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة" (١٠٩٣). وقال في الصحيح أيضًا: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". وقد روى الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال: حدثنا

стр. 854

علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، متضمخ [¬١] بالزعفران عليه جبة فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله (﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فقال رسول الله ﷺ : "أين السائل عن العمرة؟ " فقال: ها أنا ذا. فقال له: "ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت [صانعًا] في حجتك فاصنعه في عمرتك" (١٠٩٤). هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق، فسكت رسول الله ﷺ ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال: "أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: "أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك" (١٠٩٥). ولم يذكر فيه الغسل، والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه [¬٢] الآية، وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم. وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست -أي عام الحديبية- حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، [وأن يحلقوا رءوسهم] [¬٣]، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم، ﵇، بأن يحلقوا رءوسهم، وأن [¬٤] يتحللوا، فلم يفعلوا؛ انتظارًا للنسخ حتى [خرج، فحلق] [¬٥] رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال رسول الله ﷺ : "رحم الله المحلقين"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، فقال في الثالثة: "والمقصرين" (١٠٩٦)، وقد كانوا اشتركوا في

стр. 855

هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم. ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره، على قولين: فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان، عن [¬١] عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح، عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [فليس الأمن حصرًا] [¬٢]. قال: وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم نحو ذلك. والقول الثاني: أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق، أو نحو ذلك، قال [¬٣] الإِمام أحمد: حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا حجاج [] [¬٤] الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "من كسر، أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى"، قال: فذكرت ذلك لابن عباس، وأبي هريرة فقالا: صدق. وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به (١٠٩٧)، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: "من عرج، أو كسر، أو مرض" فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم: عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن علية عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر. وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ ، دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول

стр. 856

الله؛ إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" (١٠٩٨). ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله (١٠٩٩)، فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علق الإِمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد [¬١] صح، ولله الحمد. وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، قال الإِمام مالك: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة، وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل، والبقر، والمعز، والضأن. وقال الثوري: عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: شاة. وكذا قال عطاء، ومجاهد وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، وابن عمر أنهما كان لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل، والبقر. قال: وروي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير نحو ذلك. (قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية الحديبية، فإنه [¬٢] لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك [¬٣] شاة، وإنما ذبحوا الإبل، والبقر، [ففي الصحيحين (١١٠٠) عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل، والبقر] [¬٤] كل سبعة منا في بقرة. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: بقدر يسارته.

стр. 857

وقال العوفي: عن ابن عباس إن [¬١] كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم. وقال هشام بن عروة: عن أبيه ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء. والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار: أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي: مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن، وابن عم رسول الله، ﷺ ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت (١١٠١): أهدى النبي، ﷺ ، مرة غنمًا. وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير رحمه الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريق عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما أن كان مفردًا، أو متمتعًا كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" (١١٠٢). وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال البخاري: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية من صيام فقال [¬٢]: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا! أما تجد شاة؟ "، قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك"، فنزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة (١١٠٣).

стр. 858

وقال الإمام أحمد (١١٠٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى علي النبي ﷺ وأنا أوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي أو قال حاجبي، فقال: "يؤذيك هوام رأسك؟ "، قلت: نعم. قال: "فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة" قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ. وقال أحمد أيضًا (١١٠٥): حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، على مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة [¬١] فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمرّ بي رسول الله ﷺ فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟ "، فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. وكذا رواه عفان [¬٢] عن شعبة عن أبي بشر - وهو جعفر بن إياس - به (١١٠٦)، وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به، وعن شعبة، عن داود، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة نحوه. ورواه الإِمام مالك (١١٠٧): عن [حميد بن] [¬٣] قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكر نحوه. وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، أنَّه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، رواه [¬٤] ابن مردويه، وروى أيضًا من حديث عمر بن قيس، سندل [¬٥]-وهو ضعيف- عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى

стр. 859

الله عليه وسلم -: "النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة" (١١٠٨)، وكذا روي عن علي، ومحمد بن كعب، وعلقمة [¬١]، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، والسدي، والربيع بن أنس. وقال ابن أبي حاتم (١١٠٩): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة أنَّه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مُدّين مدّين لكل إنسان، أو انسك شاة، أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك". وهكذا روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان [أو، أو] [¬٢] فأية أخذت أجزأ عنك. قال ابن أبي حاتم، ورُوي عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وحميد الأعرج، وإبراهيم النخعي، والضحاك نحو ذلك. (قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء، أنَّه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدّق بفرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، وهو مدّان، وإن شاء ذبح شاة، وتصدّق بها على الفقراء، أيَّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ولما أمر النبي، ﷺ ، كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال: "انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام" فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة. وقال ابن جرير (١١١٠): حدثنا أبو كريب: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: ذكر الأعمش قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فأجابه يقول: يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم، وجُعل مكانها طعام، فتصدّق، وإلا صام لكل [¬٣] نصف صاع يومًا، قال إبراهيم:

стр. 860

كذلك سمعت علقمة يذكر قال: لما [قام] [¬١] قال لي سعيد بن جبير: من هذا؟ ما أظرفه [¬٢]! قال: قلت: هذا إبراهيم. فقال ما أظرفه [¬٣]! كان يجالسنا، قال: فذكرت ذلك لإِبراهيم. قال: فلما قلت يجالسنا انتفض منها. وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبيد [¬٤] الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين كل مسكين مكوكين [¬٥]، مكوكًا من تمر، ومكوكًا من بر، والنسك شاة. وقال قتادة: عن الحسن، وعكرمة في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين. وهذان القولان من سعيد بن جبير، وعلقمة، والحسن، وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه قد ثبتت السّنة في حديث كعب بن عجرة بصيام [¬٦] ثلاثة أيام لا ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دلّ عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب، فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن، وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا والله أعلم. وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنَّه كان يقول: ما كان من دم، أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن. وقال هشيم، أخبرنا حجاج، وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنَّه كان قوله: ما كان من دم فبمكة؛ وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى [¬٧] ابن جعفر قال: حج عثمان بن عفان، ومعه علي والحسين بن علي، فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر، فإذا نحن برجل نائم، وناقته عند رأسه، قال: فقلت أيها النائم [¬٨]! فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي، قال فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إليَّ علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرّضناه [¬٩] نحوًا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين ما الذي تجد؟ قال:

стр. 861

فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثمَّ دعا ببدنة فنحرها، فإن كانت هذه الناقة عن الحلق ففيه أنَّه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل [¬١] فواضح. وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإذا [¬٢] تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا فلما فرغ منها أحرم بالحج، [وهذا هو التمتع] [¬٣] الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء. والتمتع [¬٤] العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله، ﷺ . وآخر يقول قرن. ولا خلاف أنَّه ساق هديًا. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي. وأقله شاة وله أن يذبح البقر؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر. وقال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي مسلم، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ ، ذبح بقرة عن نسائه، وكن متمتعات. رواه أبو بكر بن مردويه (١١١١). وفي هذا دليل على مشروعية [¬٥] التمتع كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين (١١١٢) قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله، ﷺ . ثمَّ لم ينزل قرآن يحرمها [¬٦]، ولم ينه عنها، حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحًا به: أن عمر ﵁ كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إنْ نأخذ [¬٧] بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام يعني قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرمًا لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر [¬٨] قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به، ﵁. وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك. قال

стр. 862

العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء. أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره، لقوله ﴿فِي الْحَجِّ﴾، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوّال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن، وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيان. وقال العوفي، عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا [¬١] كان يوم عرفة الثالث، فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله. وكذا روى أبو إسحاق عن وبرة [¬٢]، عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل يوم [¬٣] التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وكذا روي عن [¬٤] جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أيضًا. فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنَّه يجوز له صيامها لقول عائشة، وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي (١١١٣). هكذا رواه مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وعن سالم، عن ابن عمر، وقد روي من غير وجه عنهما (١١١٤). ورواه سفيان، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أنَّه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق. وبهذا يقول عبيد بن عمير [¬٥] الليثي، وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير؛ وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. والجديد من القولين: أنَّه لا يجوز صيامها أيام التشريق، لما رواه مسلم (١١١٥): عن نُبَيشَةَ الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله ". وقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه قولان: (أحدهما): إذا رجعتم [إلى رحالكم] في

стр. 863

الطريق؛ ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق. وكذا قال عطاء بن أبي رباح. والقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم. قال عبد الرزاق (١١١٦): أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع إلى أهله. وكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس. وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإِجماع. وقد قال البخاري (١١١٧): حدثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه [¬١] الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله، ﷺ ، فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ ، بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلما قدم النبي، ﷺ ، مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم [¬٢] أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصِّرْ وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". وذكر تمام الحديث. قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة، بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين (١١١٨) من حديث الزهري به. وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا [¬٣] مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾.

стр. 864

وقيل [¬١]: [معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾ الأمر بإكمالها وإتمامها اختاره ابن جرير] [¬٢]، وقيل [¬٣]: معنى [¬٤] ﴿كَامِلَةٌ﴾ أي: مجزئة [¬٥] عن الهدي. قال [¬٦] هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم. حدَّثنا ابن بشار، حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان -هو الثوري- قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم، وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه. وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة؛ لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا أو قال يجعل بينه وبين الحرم واديًا ثمَّ [¬٧] يهل بعمرة. وقال عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: المتعة للناس لا لأهل مكة من لم يكن أهله من الحرم. وذلك [¬٨] قول الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس. وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت كما قال عبد الرزاق (١١١٩): أخبرنا [معمر، عن] [¬٩] عطاء قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع. وقال عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن [¬١٠] جابر، عن مكحول في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: من كان دون الميقات.

стр. 865

وقال ابن جريج: عن عطاء ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: عرفة ومرّ [¬١] وعُرنة [¬٢] وضَجْنان والرجيع. وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، سمعت الزهري، يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع، وفي رواية عنه: اليوم واليومين، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم ومن كان منه على مسافة [لا يقصر] [¬٣] فيها الصلاة، لأنَّ من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم و [ما نهاكم] [¬٤] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره. ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ اختلف أهل العربية في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإِحرام بالحج فيها أكمل من الإِحرام [به] [¬٥] فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإِحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحْتُجَّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وبأنه أحد النسكين فصحَّ الإِحرام به في جميع السنة كالعمرة. وذهب الشافعي ﵀ إلى أنَّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به، وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه، والقول بأنّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد، ﵏، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات] [¬٦]، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدلّ على أنَّه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.

стр. 866

وقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي [¬١]، عن حجاج بن محمَّد الأعور، عن ابن جريج به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين، عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة [¬٢]، عن مقسم، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: من السنة أن [¬٣] لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج. وقال ابن خزيمة في صحيحه (١١٢٠): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا [¬٤] أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج] [¬٥]، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬٦]، حدَّثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي ﷺ ؛ أنَّه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج". وإسناده لا بأس به، ولكن [¬٧] رواه الشافعي والبيهقيُّ (١١٢١): من طرق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير؛ أنَّه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا. وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم. وقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قال البخاري (١١٢٢): قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا الذي علقه البخاري عنه [¬٨] بصيغة الجزم رواه ابن جرير (١١٢٣)

стр. 867

موصولا [¬١]: حدَّثنا [¬٢] أحمد بن حازم بن أبي غرزة [¬٣]، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من [¬٤] ذي الحجة. إسناده [¬٥] صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه (١١٢٤)؛ عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد [¬٦] الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره وقال: هو [¬٧] على شرط الشيخين. (قلت): وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وأبي ثور، ﵏. واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: رأيته [¬٨] العام، ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم [قال الله تعالى] [¬٩]: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ وإنما تعجل في يوم ونصف يوم [¬١٠]. وقال الإمام مالك بن أنس [والشافعيُّ في القديم] [¬١١]: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر أيضًا، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن أبي [¬١٢] مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (١١٢٥): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب،

стр. 868

أخبرني ابن جريج؛ قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج؟ قال: نعم، كان عبد الله يسمي [شوّالًا وذا القعدة وذا الحجة] [¬١]، قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكي هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد، وعروة بن الزبير، والربيع بن أنس وقتادة، وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه، من طريق حصين بن مخارق -وهو متهم بالوضع- عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : "الحج أشهر معلومات شوّال وذو القعدة وذو الحجة". وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم. وفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس ابن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة. وهذا إسناد صحيح. قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج. وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد، عن العمرة في أشهر الحج .. فقال: كانوا لا يرونها تامّة. (قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄ أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم. وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حباب فيه دلالة على لزوم إلا حرام بالحج والمضي فيه. قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام [¬٢]. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج

стр. 869

أو عمرة، وقال عطاء: الفرض: الإِحرام، وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم. وقال ابن جريج: أخبرني [¬١] عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وابن الزبير ومجاهد، وعطاء وإبراهيم النخعي، وعكرمة والضحاك، وقتادة وسفيان الثوري، والزهري ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية. وقوله: ﴿فلا رفث﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كذلك يحرم تعاطي دراعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال [¬٢] والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم. قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب مثله. قال ابن جرير (١١٢٦): وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس؛ أنه كان يحدو وهو محرم وهو يقول: وَهُنَّ يمشِينَ بنا همِيسا … إِنْ يصدُقِ الطيرُ نَنَكْ لميسا قال أبو العالية: فقلت تكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء. ورواه الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس فذكره. وقال ابن جرير أيضًا (١١٢٧): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، حدثني زياد بن حصين، حدثني أبي حصين بن قيس؛ قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاجّ [¬٣] وكنت خليلًا له، فلما كان بعد إحرامنا قال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه [رهو يرتجز] [¬٤] ويقول:

стр. 870

وهنّ يمشين بنا هميسا … إن تصدق [¬١] الطير ننك لميسا قال: فقلت أترفث وأنت محرم؟ فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء. وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه، سألت ابن عباس عن قول الله : ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع، وهي العَرَابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث. وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش، وكذا قال عمرو بن دينار، وقال عطاء: كانوا يكرهون العَرَابة وهو التعريض [بذكر الجماع] [¬٢] وهو محرم. وقال طاوس: هو أن يقول [¬٣] للمرأة: إذا حللت أصبتك، وكذا قال أبو العالية. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة [¬٤] والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك. وقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث غشيان النساء، وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، وإبراهيم وأبو العالية، وعطاء ومكحول [وعطاء الخراساني] [¬٥] وعطاء بن يسار، وعطة وإبراهيم النخعي، والربيع والزهري، والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك، والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. وقوله: ﴿ولا فسوق﴾، قال مقسم وغير واحد عن ابن عباس: هي المعاصي، وكذا قال عطاء ومجاهد، وطاوس وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن وقتادة، وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس، وعطاء بن يسار، وعطء الخراساني، ومقاتل بن حيان. وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: الفسوق [ما أصيب من معاصي الله صيدًا] [¬٦] أو غيره، وكذا روى ابن وهب: عن يونس، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم. وقال آخرون: الفسوق هاهنا السباب قاله ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير ومجاهد،

стр. 871

والسدي وإبراهيم النخعي [¬١] والحسن، وقد يتمسك لهولاءِ بما ثبت في الصحيح (١١٢٨): " سباب المسلم فسوق وقتاله [¬٢] كفر". [ولهذا رواه هاهنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه (١١٢٩)، ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه (١١٣٠)] [¬٣]. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق هاهنا الذبح للأصنام، قال الله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾، وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب. والذين قالوا: الفسوق هاهنا هو [¬٤] جميع المعاصي [معهم الصواب]، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد- ولهذا قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ - وقال في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. واختار ابن جرير أن الفسوق هاهنا هو ارتكاب ما نهي عنه في الإِحرام من قتل الصيد، وحلق الشعر، وقلم الأظفار، ونحو ذلك كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى [¬٥]، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه" (١١٣١). وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان: أحدهما: ولا مجادلة في وقت الحج، وفي مناسكه، وقد بينّه الله أتم كان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي

стр. 872

الْحَجِّ﴾ قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج] [¬١] قد تبين، ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمّهم الله به. وقال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع [¬٢]، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج فلا جدال فيه، وكذا قال السدي. وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج، وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج والله أعلم أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاءِ: نحن أصوب، وهول هؤلاءِ: نحن أصوب، فهذا فيما نرى والله أعلم. وقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، [فقطعه الله حين] [¬٣] أعلم نبيه بالمناسك. وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم. وقال حماد بن سلمة [¬٤]: عن جبر [¬٥] بن حبيب عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم الحج غدًا، ويقول بعضهم: الحج [¬٦] اليوم. وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحج [والله أعلم] [¬٧]. (والقول الثاني): أن المراد بالجدال هاهنا الخاصمة. قال ابن جرير: حدَّثنا عبد الحميد بيان، حدَّثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن [¬٨] مسعود في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.

стр. 873

وبهذا الإِسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي: سألت ابن عباس عن الجدال قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه. وكذا [¬١] روى مقسم، والضحاك عن ابن عباس، وكذا قال أبو العالية، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، ومكحول، والسدي، ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: الجدال] [¬٢] المراء والملاحاة حتى تُغْضب [¬٣] أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك. وقال إبراهيم النخعي ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال، وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر قال: الجدال [في الحج] [¬٤]: السباب والمنازعة، وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج: السباب والمراء والخصومات، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن [¬٥] الزبير، والحسن، وإبراهيم، وطاوس، ومحمد بن كعب قالوا: الجدال المراء. وقال عبد الله بن المبارك: عن يحيى بن بشير، عن عكرمة ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ والجدال: الغضب، أن تُغْضب [¬٦] عليك مسلمًا، إلا أن تستعتب [¬٧] مملوكًا، فتغضبه من غير أن تضربه فلا بأس عليك إن شاء الله. (قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (١١٣٢): حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله ﵌ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله، ﷺ ، وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة [¬٨] أبي بكر، وزمالة رسول الله، ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو [¬٩] بكر ينتظره إلى أن

стр. 874

يطلع عليه، فأطلع وليس معه بعيره فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يتبسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! ". وهكذا أخرجه أبو داود، وابن ماجة من حديث ابن إسحاق، ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي، ﷺ ، عن أبي بكر ﵁: "انظروا إلى هذا امحرم ما يصنع! " كهيئة الإِنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك والله أعلم. وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده (١١٣٣): حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ : "من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه". وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان الفبيح قولًا وفعلًا [¬١]، حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة. وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، قال العوفي: عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس. وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري [¬٢]، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وكذا رواه ابن جرير: عن عمرو -وهو الفلاس [¬٣]- عن ابن عيينة [به] [¬٤]. قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح.

стр. 875

(قلت): قد رواه النسائي (١١٣٤): عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وأمّا حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن [¬١] يحيى بن بشر [¬٢]، عن [¬٣]، شبابة، وأخرجه] [¬٤] أبو داود: عن أبي [¬٥] مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المُخرَّمي [¬٦]، عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون؛ فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١١٣٥). ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به. وروى ابن جرير (١١٣٦)، وابن مردويه: من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الدقيق، والسويق، والكعك، وكذا قال ابن الزبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، وسالم بن عبد الله، وعطاء الخراساني، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. وقال سعيد بن جبير: فتزودوا [¬٧] الدقيق والسويق والكعك. وقال وكيع [بن الجراح] [¬٨] في تفسيره حدَّثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير ﴿وتزودوا﴾ قال: الخشكنانج والسويق، وقال وكيع أيضًا: حدَّثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر، وزاد فيه حماد بن سلمة: عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة [¬٩].

стр. 876

وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾، لما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع، والطاعة، والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. قال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: يعني زاد الآخرة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١١٣٧): حدَّثنا عبدان، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس عن [¬١] جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة". وقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال [¬٢]: يا رسول الله ما نجد زادًا نتزوده، فقال رسول الله ﷺ : "تزوذ مما تكفّ به وجهك عن الناس وخير ما تزودتم التقوى"، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.

стр. 877

﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ قال البخاري (١١٣٨): حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو [¬١]، عن ابن عباس قال: كانت عكاظ، ومَجَنَّة [¬٢]، وذر المجاز أسواقًا [¬٣] في الجاهلية، فتأثموا [¬٤] أن يتَّجررا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. وهكذا رواه عبد الرزاق (١١٣٩)، وسعيد بن منصور، وغير واحد: عن سفيان بن عيينة، به [¬٥]. ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله، ﷺ ، عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وكذا [¬٦] رواه ابن جريج: عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان متَّجر الناس في الجاهلية عكاظ، ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية. وروى أبو داود رغيره (١١٤٠): من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

стр. 878

وقال ابن جرير (١١٤١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج). وقال علي بن أبي طلحة (١١٤٢): عن ابن عبَّاس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء، والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عبَّاس. وقال وكيع (١١٤٣): حدَّثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يقرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج). ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حمَّاد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمعت ابن الزُّبَير يقرأ [﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] [¬١] وهكذا فسرها مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومنصور بن المعتمر، وقَتَادة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، وغيرهم. وقال ابن جرير (١١٤٤): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا شبابة بن سوار، حدَّثنا شعبة، عن أبي أميمة قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل بحج ومعه تجارة فقرأ ابن عمر ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وهذا موقوف وهو قوي جيد، وقد روي مرفوعًا.

стр. 879

قال أحمد (١١٤٥): حدَّثنا أسباط، حدَّثنا الحسن بن عمرو الفقيمي [¬١]، عن [أَبى] [¬٢] أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون [¬٣] بالبيت، وتأتون المعروف [¬٤]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى [¬٥] النبي، صلى الله عليه رسلم، فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتَّى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ فقال: "أنتم حجاج". وقال عبد الرزاق (١١٤٦): أخبرنا الثَّوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنا قوم نكري، ويزعمون أنَّه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قال: بلى. قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فسأله عما سألت عنه فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ورواه عبد [بن حميد في تفسيره] [¬٦]: عن عبد الرزاق، به. وهكذا روى هذا الحديث ابن حذيفة: عن الثَّوري مرفوعًا، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا (١١٤٧). فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا عباد بن العوام] [¬٧]، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا أناس نكري في هذا الوجه إلى

стр. 880

مكة، وإن أناسًا [¬١] يزعمون: أنَّه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون، وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: بلى [¬٢]. قال: فأنتم حجاج، ثم قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه [¬٣]، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتَّى نزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدعا الرجل فتلاها عليه وقال: "أنتم حجاج". وكذا رواه مسعود [¬٤] بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وشريك القاضي: عن العلاءِ بن المسيب به مرفوعًا. وقال ابن جرير (١١٤٨): حدثني طليق [¬٥] بن محمد الواسطي، حدَّثنا أسباط -هو ابن محمد- أخبرنا الحسن بن عمرو - وهو الفقيمي - عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعروف [¬٦]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قلنا: بلى. قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتَّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ : أنتم حجاج". وقال ابن جرير (١١٤٩): حدثني أحمد بن إسحاق، حدَّثنا أَبو [¬٧] أحمد، [حدَّثنا مندل] [¬٨]، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر قال: قلت: يا أمير المؤمنين! كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلَّا في الحج؟ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. إنما صرف عرفات -وإن كان علمًا على مؤنث- لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سُمِّيَ به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير. وعرفة: موضع الوقوف [¬٩] في الحج، وهي عمدة أفعال الحج، ولهذا روى الإِمام أحمد،
следующие страницы →