محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه
تأليف:الأستاذ مسعود الندوي
مقدمة
بقلم معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي مدير الجامعة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:
فلم تحظ دعوة من الدعوات الإصلاحية، وخاصة في الوقت القريب بما حظيت به دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ السلفية الإصلاحية التي أشرقت شمسها في سماء الجزيرة فجلت كل ما هو موجود بأرضها من الضلالات والبدع، وأخلصت الدعوة للواحد الأحد، وأخذت تنتشر في بقاع العالم، ويرحب بها ويسير على نهجها كثير من علماء المسلمين ودعاتهم في أماكن مختلفة من البلاد الإسلامية.
وقد كانت الدولة السعودية- منذ حكمها الميمون لهذه الجزيرة ولا تزال- السند الأهم، والأقوى لهذه الدعوة السلفية المباركة، حيث الحكم المطلق لشرع الله المطهر، وتطبيقه في جميع شؤون الدولة والرعية، فكانت بحق دولة الإسلام وتطبيق شريعته.
وقد تناول هذه الدعوة المؤرخون والمفكرون والباحثون والكتاب في جميع أنحاء العالم على تعدد لغاتهم، واختلاف ميولهم ومذاهبهم بالتحقيق والتحليل والتمحيص والنقد، فمنهم من وفقه الله لقول الحق دون تحيز أو تعصب، ومنهم من اتبع هواه فألصق بالدعوة والقائمين عليها التهم الباطلة، ونسبوا إلى الشيخ الكثير من الأقوال التي لم تصدر عنه.. وعلى الرغم من كثرة الافتراءات التي وجهت إلى الشيخ وإلى دعوته من أعداء الإسلام حينا، ومن أهل الإسلام الذين استمرءوا البدع والخرافات أحيانا أخرى، فقد قيض الله من يتصدى لهذه الافتراءات والأكاذيب ويكشف زيفها وضلالها بالحجة الدامغة والقول الفصل..
ولعل من أهم الكتب التي تصدت لهذه المزاعم، وكشفت كل الدعاوى والأكاذيب، الموجهة إليها كتاب الأستاذ الفاضل الشيخ/ مسعود عالم الندوي- ﵀ والذي ألفه باللغة الأردية، وجمع فيه الكثير من المسائل التي أثيرت حول الشيخ ودعوته في الكثير من الكتب وبلغات مختلفة، وقد ناقشها مناقشة العالم المنصف من غير تحيز ولا تعصب، واستطاع بما حباه الله به
стр. 2
من العلم وسعة الاطلاع أن يفند الافتراءات الموجهة لها والأكاذيب المختلفة حولها مدعما نفيه بالبراهين القاطعة، وبشهادات شهود العيان من المسلمين وغير المسلمين.
ولأهمية اطلاع قراء اللغة العربية وغيرهم على هذا السفر العظيم، فقد قام الشيخ/ عبد العليم بن عبد العظيم البستوي ببذل الجهود الكبيرة لترجمته إلى اللغة العربية؛ لتعم فائدته جميع طلاب العلم والباحثين عن الحق والحقيقة، وليعرف دعاة اليوم أن طريق الهدى والحق طريق واحد يتحمس في الدفاع عنه كل مخلص لدينه من أبناء الإسلام في كل زمان ومكان، وبكل لسان دون النظر إلى رابطة غير رابطة العقيدة والدين، ودون انتظار أجر أو مكافأة، وإنما نصرا للحق، وأداء للواجب، وانتظارا للجزاء من الله .
وقد راجع الكتاب وقدم له عند صدوره عام ١٣٩٧ هـ فضيلة الدكتور/ محمد تقي الدين الهلالي جزاه الله خير الجزاء.
وبعد أن مضت مدة طويلة على صدور الكتاب بطبعته الأولى رأت الجامعة أن مثل هذا الكتاب جدير بالاهتمام، وإعادة النشر بعد أن يتم تصويب بعض الملاحظات التي فاتت على المؤلف والمترجم. فأحيل الكتاب إلى كل من فضيلة الشيخ/ إسماعيل الأنصاري- وفضيلة الشيخ عبد العزيز الرومي، وقاما مشكورين بمراجعته، والتنبيه على بعض الهفوات التي ظهرت في الطبعة الأولى. أثابهما الله على ما بذلاه من جهود؛ ليخرج الكتاب بصورة تناسب أهميته العلمية الكبيرة.
والجامعة إذ تقدم الكتاب في طبعته الجديدة وفاء لصاحب الدعوة، وإسهاما في القيام بالواجب المناط بها باعتبار أنها مؤسسة علمية كبرى تعنى بالدعوة الإسلامية، وتعمل لإعداد الدعاة إلى الله تعالى ترجو من الله العلي القدير أن يجعل عملها خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به عموم المسلمين إنه سميع مجيب.
والله ولينا ونعم المولى ونعم النصير.
مدير جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية
د. عبد الله بن عبد المحسن التركي
стр. 3
مقدمة
بقلم العلامة الأديب الدكتور محمد تقي الدين الهلالي
الحمد لله الذي نصر نبيه، وخليله محمدا ﷺ بالرعب مسيرة شهر، وجعل النصر حليف من اتبعه إلى آخر الدهر. وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم صلاة وسلاما بلا حصر.
أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه المتعالي محمد تقي الدين الهلالي: لا يخفى أن الإمام الرباني الأواب محمد بن عبد الوهاب، قام بدعوة حنيفية جددت عهد الرسول الكريم والأصحاب. وأسس دولة ذكرت الناس بدولة الخلفاء الراشدين وقهرت الشياطين.
وأحيت ما اندثر من علوم كتاب الله وسنة النبي الكريم. ولا شك أن معرفة أخبار هذه الدعوة وصاحبها تهم كل طالب علم من الموافقين والمخالفين، بل من المسلمين والكافرين وكذلك وقع، فإن المؤلفين في تاريخ هذه الدعوة المباركة لا يحصون كثرة من جميع أجناس بني آدم على اختلاف لغاتهم وميولهم وأذواقهم ما بين قادح ومادح ومتوقف محايد.
ومع كثرة التآليف التي صنفت في هذا الباب منها المطول الذي يستغرق مجلدات، ومنها المتوسط، ومنها المختصر، لا تكاد تجد من بينها كتابا جامعا لأشتات المباحث مع المقابلة والنقد والتحقيق والتمحيص.
ويصعب على طالب العلم أن يقرأ كل ما ألف في ذلك، وأن يحيط بما هنالك، ولو فرضنا أنه استطاع قراءة ذلك لشقت عليه المقابلة، واستخراج الحقيقة من بين تلك الآراء المتضاربة. فبقي طلاب الحقيقة والتلخيص في حاجة إلى من يستخلص لهم زبدة أخبار هذه الدعوة وخلاصتها بدون تحيز ولا تعصب. وهذا نادر ولا نقول إنه معدوم.
وقد وفق الله تلميذي البر الأستاذ الأديب مسعود عالم الندوي إلى القيام بهذا العمل الشاق، فبلغ فيه ذروة النجاح، وأفلح فيه غاية الفلاح بعد ما طالع بإمعان وتحقيق
стр. 4
أكثر من سبعين كتابا بلغات مختلفة، واستخرج منها المسائل المهمة في العقيدة، والتاريخ تاريخ الدعوة، وتاريخ ملوك آل سعود من أولهم إلى يومنا هذا، وما جرى بينهم وبين خصومهم من حروب ومهادنات باختصار غير مخل، وأسلوب غير ممل. فوضع بين أيدينا تاريخ دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وما نتج عنها من فتوح دينية ودنيوية، ووضع المسائل التي اختلف فيها المؤرخون في ميزان الذهب حتى حققها غاية التحقيق، ونفي افتراء الأعداء، وأكاذيبهم بالبراهين القاطعة، وبشهادات شهود العيان من المسلمين وغير المسلمين.
... ومليحة شهدت لها ضراتها ...
... والفضل ما شهدت به الأعداء ...
وكنت عالما أن تلميذي الأستاذ مسعود عالم الندوي ألف هذا الكتاب، وسماه "محمد بن عبد الوهاب" المصلح المفتري عليه، ولكن لما كان بلغة اردو لم أقرأه. وما كنت أظن أنه بلغ في العلم والتحقيق وسعة الاطلاع إلى هذا الحد الذي رأيته فبهرني "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".
وقد أتحف مسعود عالم بهذه التحفة قراء لغة "أردو" منذ زمان، وحرم منها غيرهم مع أن جميع طلاب الحقيقة في أشد الحاجة إلى هذا الكتاب. إذ يصعب بل يستحيل أن يجدوا هذه المسائل محققة كما هي، مجتمعة في كتاب واحد لا تزيد صفحاته على مائتين. فالفضل لله في إخراج هذا الكتاب، ثم لمسعود عالم الندوي، وقد كان أفضل تلامذتي في كلية ندوة العلماء التي دعاني إلى التدريس فيها بل إلى رئاسة أساتذة الأدب العربي فيها، الأستاذان الجليلان: السيد سليمان الندوي، والدكتور عبد العلي - رحمة الله - عليهما. فأقمت فيها من أول سنة ١٣٤٩ هـ إلى شعبان من سنة ١٣٥٢ هـ، وما رأيت في الاجتهاد والتحصيل مثل مسعود عالم. وكان كذلك مخلصا أيضا في دينه، وذا أخلاق كريمة وشجاعة لا يخاف في الحق لومة لائم.
ولم يقتصر على ما حصله على يدي في تلك المدة، بل سافر من الهند إلى بغداد، وأقام عندي سنة وبصحبة الأستاذ عاصم الحداد. فلازم دروسي في المسجد والبيت، ولم أر فيه نقصا إلا التعصب للمذهب الحنفي. فقد كان يخالفني في هذا الباب مع شدة احترامه لي.
стр. 5
ولما ورد بغداد قال له أحد كبار علماء الحنفية كيف تصاحب هذا الرجل وهو يطعن في مذهب أبى حنيفة ﵀، وقد انتقده أستاذنا الكوثري؟ فقال له مسعود عالم ﵀! إليك عنى أنا أعلم به منك ومن الكوثري.
ولكن هذا النقص أبى الله إلا أن يرفعه عنه قبل وفاته، فإنه كان ﵀ أحد رؤوساء الجماعة الإسلامية التي يرأسها الأستاذ الزعيم المودودي. فلما قبضت الحكومة الباكستانية على المودودي قبضت عليه، وبقي سنين في السجن، فلم يجد سبيلا إلى التأليف، فعكف على نيل الأوطار للشوكاني، فتبين له أن التعصب للمذهب لا يرضاه الله تعالى، ولا يرضاه السلف الصالح، ومنهم الإمام أبو حنيفة نفسه، فرجع عن التعصب واتبع الكتاب والسنة ومات على ذلك. رحمة الله عليه.
وأما قول ذلك العالم الحنفي: أنني أطعن في مذهب أبي حنيفة فهو فرية بلا مرية. فإنني لا اختلف مع أبي حنيفة ﵀ حتى أطعن فيه؛ لأن الاختلاف الذي يوجب العداوة إنما يكون في العقائد لا في الفروع، وأبو حنيفة ﵀ لا يخالف عقيدة السلف من الصحابة والتابعين، وسائر الأئمة المجتهدين مثقال ذرة. فأنا لا أطعن في مذهبه أبدا. أما مخالفته في الفروع فإن كانت تعد طعنا فأول طاعن في مذهبه محمد وأبو يوسف، فقد خالفاه في ثلث المذهب، وقيل: في ثلثي المذهب.
وإذا كان الفضل في إخراج هذه الدرة الثمينة يرجع إلى تلميذي مسعود عالم الندوي، فإن الفضل في إخراجها من عالم العجمية إلى عالم العربية يرجع إلى تلميذي عبد العليم بن عبد العظيم المتخرج في الجامعة الإسلامية في السنة الماضية. وهو الأول من بين تلامذة الجامعة كلهم، وهو الآن من طلاب الدراسات العليا في جامعة الملك عبد العزيز بمكة. فقد ترجم ترجمة فصيحة طيبة، وأطلعني عليها، وقرأها من أولها إلى آخرها، فأشرت عليه بتحسين بعض الألفاظ، فجاء هذا الكتاب جوهرة نفيسة، وتحفة لا تقدر بثمن، خصوصا وقد زينه المترجم بحواشي عديدة، تكملة لبحث ناقص، وإيضاحا لشيء غامض، وأنا أقترح على سماحة رئيسنا الجليل الأستاذ عبد العزيز بن باز أطال الله بقاءه، وأدام في سماء المعالي ارتقاءه أن يقرأ هذا الكتاب، وأن يأمر بطبعه ونشره لتعم فائدته جميع طلاب العلم من المسلمين وغيرهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أملاه ضحوة يوم الجمعة الحادي والعشرين من صفر سنة ١٣٩٤ هـ.
стр. 6
٣. إنه اطلع على كثير مما كتبه السائحون والمؤرخون الأوربيون في هذه الدعوة وصاحبها، وعرف موقفهم منها حسب مصالحهم المادية والسياسية، ففتح بابا جديدا للبحث والتحقيق، ودخل فيه، فأتى بمعلومات لا تكاد توجد لدى غيره. وكانت هذه هي المميزات- وكثير غيرها- التي دعتني إلى أن أقدم هذا السفر القيم إلى القارئ العربي. فاستعنت بالله العلي العظيم، وبدأت أترجم الكتاب بالعربية رويدا رويدا حتى أكملته بفضل الله وكرمه.
وسيجد القارئ الكريم في هذا الكتاب سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، وأنها سيرة إسلامية مثالية، ودعوة إسلامية خالصة.
إنها دعوة تحاول أن تعود بالمسلمين إلى الرقي والمجد والازدهار، كما كانوا في القرون الأولى. إنها دعوة دعا إليها جميع الأنبياء والمرسلين وإن محمد بن عبد الوهاب لم يبتدع شيئا من عنده، ولا خرج عن عقيدة المسلمين، التي اتفق عليها أئمة الإسلام كلهم.
نعم- قد كانت هناك شبهات أثيرت حول الدعوة والداعية في أيامها الأولى من قبل ذوي الأهواء والمضلين. وكانت هذه الشبهات والافتراءات قد أضلت كثيرا من المسلمين في البلدان الإسلامية، فوقعوا في شك وارتياب من هذه الدعوة الكريمة.
لكن- والحمد لله- سحب الافتراءات قد تقشعت والظلمات قد تبددت. وقد وضحت الدعوة جلية نقية لكل ذي عينين، وانتشرت رسائلها وكتبها في جميع أنحاء العالم. فما بال بعض الناس لا يزالون يرددون ما ورثوا عن آبائهم ومشايخهم، وقد تبين زيفه وخطؤه.
وأنا أدعو كل من يحمل في قلبه غيرة على الإسلام والمسلمين أن يدرس هذه الدعوة الكريمة التي أيقظت المسلمين، وأن يدفع كل الشوائب العالقة بأفكاره عن هذه الحركة الإسلامية الخالصة. فإن الجهل والضلال لا زالا فاشيين في كثير من طوائف المسلمين. ولا يخفى أن الأمة الإسلامية تمر الآن بمرحلة خطيرة جدا في تاريخها، ونحن بجهلنا وانحرافنا واختلاف كلمتنا نساعد الأعداء أكثر من مكايدهم ومكرهم عرفنا أم لم نعرف. فلنستيقظ من سباتنا ولنراجع أفكارنا ونصححها مستنيرين بنور الكتاب الكريم
стр. 7
والسنة النبوية، ثم ندعو إليها سائر الناس. ولا نجاة للمسلمين إلا بهذا. ولا وحدة للمسلمين إلا بهذا. فلنتمسك بكتاب الله، ولنسر على السنة النبوية، ونسأل الله التوفيق والسداد.
تنبيهات:
١. إن المؤلف ﵀ نقل كثيرا من النصوص والاقتباسات من المراجع العربية والإنجليزية. أما النصوص العربية فقد رجعت إلى مصادرها في الغالب، وأثبتها بحروفها في الترجمة. ولكن النصوص الإنجليزية لم أظفر بمصادرها إلا قليلا ولذلك اضطررت إلى أن أترجم المعاني التي أوردها المؤلف في الأصل.
٢. للمؤلف تعليقات كثيرة، وقد ترجمتها كما كانت، وقد أضفت بعض التعليقات من عندي حينما اقتضى الأمر. وكتبت كلمة "المترجم" في نهايتها وبهذا يمكن التفريق بين تعليقاتي وتعليقات المؤلف ﵀.
٣. لقد أثبتّ أرقام الصفحات والسنين كما وجدتها مكتوبة في الأصل إلا ما تبين لي أنه تصحيف في الطبع- وهو نادر جدا-؛ وذلك لأنه من المستحيل تقريبا أن يعود المترجم إلى كل المصادر التي ذكرها المؤلف، وفي الطبعات نفسها، ويقابل عدد الصفحات والسنين، ولكن أرجو من القارئ الكريم أن ينبهني إذا عثر على خطأ من هذا القبيل وله جزيل الشكر.
وختاما- أشكر جميع أساتذتي ورفقائي الذين ساعدوني في إنجاز هذا العمل المتواضع، وأخص بالذكر منهم أستاذي العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي الذي قد أنفق كثيرا من أوقاته الثمينة، واستمع إلى الترجمة من أولها إلى آخرها، وأفادني بكثير من الفوائد المهمة التي لا تكاد توجد عند غيره. فجزاه الله عني وعن المسلمين كل خير.
قسم الدراسات العليا الشرعية عبد العليم البستوي
جامعة الملك عبد العزيز بمكة٢٥ -صفر سنة ١٣٩٤ هـ
стр. 8
كلمة المترجم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله المرتضى، ونبيه المجتبى محمد وآله وأصحابه الطاهرين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:- فإن من نعم الله على الناس أنه لم يتركهم بعد ما خلقهم حيارى يتيهون في ظلمات البر والبحر بدون هدي ولا كتاب منير، بل أرسل إليهم من أنفسهم رسلا ليرشدوهم إلى الحق، وينقذوهم من الضلال. وكان آخرهم رسولنا المصطفى محمد ﷺ ، وقد أكمل الله به الدين ورضي الإسلام دينا إلى يوم القيامة، وانتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى بعد ما تركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وضمن الله تعالى حفظ الإسلام ورعايته إلى يوم القيامة، فخلق علماء جهابذة في كل عصر يتبعون سنة النبي الكريم، ويحيون ما اندرس منها، ويبينون للناس معالم الهدى والرشد، ويردونهم إلى السنة النبوية بعد ما غفلوا وجهلوا، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١، وقال رسول الله ﷺ : " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" ٢٣.
ومازال علماء الحق ودعاة الرشد يبذلون جهودهم لحماية عقيدة الإسلام وشريعته إلى يومنا هذا، فيردون كيد الكائدين وانحراف الزائغين، ويذكرون الغافلين. وكان من هؤلاء المجددين المجاهدين الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب التميمي ﵀ فقد ولد في عصر انتشرت فيه الضلالات، ونسيت العقيدة الإسلامية الصحيحة. ولما رأى محمد بن عبد الوهاب أن الشر قد اشتدت شوكته، وضعف أهل الحق وجبنوا، قام بتوفيق من الله يرد على الضلالات، وينير مصابيح الهدى
стр. 9
في دياجير الظلمات. ولكن الأمة الإسلامية التي كانت قد خرجت ترفع لواء التوحيد في يوم من الأيام، قد نسيت رسالته الخالدة فحاربته وقاومته عن جهل وضلال.
ولقد أوذي محمد بن عبد الوهاب أشد الإيذاء، وعانى أشد المصائب والمحن، ولكن مازال يستمر قدما في طريقه غير مبال بمخالفة ذوي الأهواء، واستفزازات أهل المطامع حتى تبين الحق وتجلى. ورجع عدد كبير من الناس إلى تلك المحجة البيضاء التي تركهم عليها الرسول العظيم ﷺ ، وعم في العالم الإسلامي نور الهدى والرشد، واستيقظ المسلمون من سباتهم. حتى بدت تباشير النهضة الإسلامية الشاملة التي نشاهدها في العالم الإسلامي، وحتى قامت تلك الدولة الإسلامية التي طبقت الشريعة الإسلامية في هذا العصر، وأصبحت نموذجا للآخرين، وردت عمليا على كثير من الأوهام والشبهات التي كانت تثار الفينة بعد الفينة من أعداء الإسلام. ولما كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هكذا.
ولما كانت نتائج هذه الحركة الإسلامية تبلغ هذا المدى، كان حقا على المسلمين عامة، وعلى طلبة العلم خاصة أن يعرفوها ويقدروها حق قدرها، ويقدموها لسائر الناس، ويدفعوا عنها التهم والافتراءات التي مازالت تثار من جهة بعض الطامعين في الجاه والمال من العلماء والجهال. وكانت هذه هي العوامل التي حفزتني إلى دراسة سيرة هذا الداعية المجاهد، وحركتني إلى معرفة رسالته وطريقته في الدعوة والإصلاح.
ولقد درست الكثير من الكتب التي ألفت للبحث في سيرته ودعوته، فرأيت أن كتاب الأستاذ مسعود عالم الندوي ﵀ يمتاز من بين هذه الكتب بعدة مزايا:-
١. إن المؤلف لا تربطه بالدعوة وأصحابها أي رابطة وطن أو نسب، فقد ألفه نصرا للحق وأداء للواجب بعيدا عن مركز الدعوة ونائيا عن أصحابها، ملتزما التجرد والإنصاف في كل القضايا التي ناقشها وبحثها.
٢. إنه اطلع على كثير من الكتب التي ألفت في الرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والطعن في سيرته ودعوته، وكذلك درس الكثير مما كتب في الرد على الكتب المذكورة وفي الدفاع عن الدعوة وصاحبها. وهكذا تمكن من تكوين آراء صائبة وسديدة، وقلما يتسنى ذلك لغيره.
стр. 10
محمد بن عبد الوهاب بمصلح مظلوم ومُفترى عليه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١)
ما أعجب صنع الله في هذا الكون. لقد أراد الكاتب أن يكتب في حركة التجديد والإمامة التي قام بها السيد أحمد الشهيد ﵀ وأحوال المتبعين لخطواته ولكن ظهرت سيرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
وبيان هذا الحادث العجيب أن طالبين من دار العلوم لندوة العلماء أرادا (سنة ١٩٣٥) أن يرتبا تاريخ حركة التجديد والإمامة التي قام بها الشهيدان أحمد البريلوي وإسماعيل الدهلوي -رحمهما الله تعالى- رحمة الأبرار الصالحين المجاهدين من عباده- فتصدى أحدهما لسيرة السيد أحمد، وأراد الآخر أن يبدأ عمله من مشهد بالاكوت. لقد بدأ كل منهما في عمله. فأما المجتهد الجريء والمخلص المجاهد فقد ألف سيرة الشهيد البريلوي (سنة ١٩٣٩ م) ، وأعنى بهذا صديقي المخلص الأستاذ السيد أبا الحسن على الحسني الندوي- أستاذ التفسير والأدب في دار العلوم ندوة العلماء، وقد وصل كتابه إلى أيدي أولي الفضل، وصدرت له طبعتان في مدة قصيرة١.
وأما الثاني (المؤلف) فقد وجد عقبات في كل خطوة. فقد كانت المعالم قد اختفت.. والذين رأوا أو عرفوا كانوا قد ناموا نومة سرمدية. والذين سمعوا مازالوا يهابون حتى الآن. لكن القلم المسافر لم ينس منزله، فقد ظهرت نماذج البحث الأولية في مجلة "الضياء" (شعبان سنة ٥٤ هـ) بعنوان "الحركة الوهابية السياسية"٢ وفي مجلة "الهلال"
стр. 11
الصادرة في بتنة بعنوان "الوهابية: حركة دينية وسياسية"، وحظيت بالقبول والرضا في المحافل المختصة.
وفي خلال البحث مر ذكر الحركة الوهابية- كما يقال في الغالب- في نجد أكثر من مرة. وعثرت على افتراءات واتهامات لم أستطع أن أصبر عليها. وأكبر خطأ وقع فيه الصديق والعدو هو الزعم بأن حركة التجديد والإمامة للشهيد أحمد إنما هي فرع للحركة الوهابية في نجد.
لا شك أن مأخذ الحركتين واحد، وهدفهما واحد، والذين قاموا بهما كانوا من رافعي لواء الكتاب والسنة. وكل منهما كان مجاهدا متحمسا، ولكن هذه حقيقة لا تجحد أن أحدهما ليست له أي علاقة- بعيدة أو قريبة بالآخر أعني أن أحدهما لم يستفد من آراء الآخر. فقد كانت تلكما الدعوتان كل منهما بعيدة عن الأخرى، وفي أحوال خاصة نشأت وترعرعت.
ومع اتحادهما في الأصل- أي دعوة الرجوع إلى الكتاب والسنة- تظهر انطباعات محلية خاصة في كل من الدعوتين، وتختلف كل منهما عن الأخرى في كثير من الأمور الفرعية.
وقد قلت آنفا إني قد مررت على افتراءات حول دعوة التجديد النجدية فلم استطع أن أصبر.
وهكذا اضطر هذا العاجز أن يرتب الكتاب على قسمين. وأن هذه الصفحات في سيرة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي، ودعوته هي المجلد الأول لذلك الكتاب المقترح. والمجلد الثاني سيكون في حركة التجديد والإمامة في الهند من استشهاد السيد أحمد (١٨٣١ م- ١٢٤٦ هـ) إلى سنة ١٨٧١ م، واستعرض فيه الأعمال والجهود والخدمات استعراضا دقيقا.
(٢)
وهنا أريد أن أوضح أمرا وهو أنني لا أقصد حينما أدون تاريخ الوهابية النجدية أو الوهابية الهندية أن أشعر الناس أن الحق قد انحصر في اتباع أحد هاتين الجماعتين، أو أني أرى هاتين الجماعتين مدرسة خاصة، أو مذهبا خاصا كالمدارس الفكرية الأخرى - دينية كانت أو أدبية - يمكن أن يزعم هذا بعض الدعاة الخاملين أو الأتباع المتشددين، ولكنني أرى أن التحزب يلحق بالإسلام والمسلمين أشد الضرر، والحق عندي هو
стр. 12
اتباع الكتاب والسنة فقط. فلا أرى الرشد والهداية ملكا لجماعة فقهية أو مدرسية١ أو وطنية.
إن الحق ليس ملك يمين نجد ولا الهند اشترته، فإن تعاليم الله ورسوله ﷺ واضحة جلية، والذي يتبعها اتباعا صحيحا يفوز بالرشد والفلاح.. وإني حينما أرتب تاريخ هذه الجماعات في نجد أو في الهند، وأبرز معالمهما الدارسة أقصد فقط أن أقدم سيرة مصلحين شهيرين في القرن الثاني عشر والثالث عشر وأتباعهما، ولا أرى أيضا أن هناك مصلحين فقط في هذه القرون. ففي الهند الشاه ولي الله الدهلوي (١١١٤- ١١٧٦هـ) ، وفي طرابلس محمد بن على السنوسي (١٢٠٢هـ - ١٧٨٧ م) لهما شأن عظيم في التجديد والإصلاح.
قد يقول قائل: أن حركة السيد أحمد كانت صدى لدعوة الشاه ولى الله، ولكن حتى بعد تسليم هذه الفكرة، فإن الطابع الخاص والتفردات الخاصة للسيد أحمد لا تزال باقية. وكذلك جمال الدين الأفغاني، والأمير عبد القادر الجزائري هما موضع حب لجماعة كبيرة- وبحق- في لون آخر من الإصلاح والتجديد.
وكذلك لا أرى أن هاتين الجماعتين في نجد أو في الهند معصومتان عن كل خطأ أو زلل. أما الغلو والتشدد في أهل نجد فحتى الأصدقاء يشكون منهما٢، وكل ما أقول إنهما كانتا جماعتين مخلصتين قامتا لله، ولم تألوا جهدا في سبيل إعلاء كلمة الله في حدود المساعي البشرية، فعلينا أن ندرس أعمالهما، أما مجرد الاقتناع بما يسمع، أو بدعاية الأعداء والمشايخ الجهال والمتصوفة، فإنه ليس من شيمة طلاب الحق.
وإني قد اجتنبت- قدر الإمكان- إبداء رأي في الكتاب. وقد حاولت أن أرتب الأحوال والأفكار على أساس من المراجع المعتمدة بما يمكن من البحث والتحقيق.
فإن نجحت فبتوفيق من الله، وإلا فلا يستبعد من طالب حقير أن يقع في بعض
стр. 13
الأخطاء والأوهام. وفي الأخير ابتهل إلى الله أن يرزقني الإخلاص في النية والعمل ويشرفني بقبول هذا العمل المتواضع١.
(٣)
لقد بدأت في ترتيب الكتاب الذي بين يديك في شوال سنة ١٣٥٩ هـ (نوفمبر سنة ١٩٤٠ م) إلا أن الأشغال لم تسمح لي أن أخصص له وقتا كثيرا، ولكن العمل مازال مستمرا رويدا، وتم مخطط الكتاب في نوفمبر سنة ١٩٤١ م. ولكن لم اجترئ على أن أكمل المسودة بسبب القلة في المراجع، وكلما كتبت شيئا ثم اطلعت على مصادر أخرى اضطررت إلى كثير من الإصلاح والتغيير، ولكن مع ذلك، ومع كثير من البحث والتحقيق لم أعثر على بعض الكتب المهمة واللازمة من المراجع وسأذكرها في باب المصادر.
وأقدم جزيل الشكر من أعماق قلبي إلى أولئك الأصدقاء والأكابر الذين ساعدوني بالأخبار عن المراجع، أو تهيئتها، وأخص بالذكر منهم، الدكتور عظيم الدين ببتنه، والبروفسور حسن عسكري ببتنه، والأستاذ عبد الرحمن الكاشغري بكلكتا، والأستاذ محمد داود الغزنوي بلاهور، والدكتور الشيخ محمد عناية الله بلاهور، والدكتور محمد حميد الله بحيدر آباد، والأستاذ شرف الدين وأولاده ببومباي، والأستاذ عبد المجيد الحريري ببنارس، والبروفسور محمد أكبر الندوي بجامعة كلكتا. والحكيم الحافظ يوسف حسن خان ببتنه، اشكرهم جزيل الشكر، وأراه واجبا علي، فلولا مساعدة هؤلاء الأكابر كان من الصعب علي الحصول على كثير من الكتب النادرة أو المفقودة.
ومن الضروري أن أذكر هنا عالما نجديا قد أرسل إليّ سلام المحبة حينما سمع عن هذا الكتاب في بومباي، ثم تجشم السفر إلى بتنه بطريق بنارس وشرف بيتي بنزوله
стр. 14
مدة يومين، وهو الشيخ محمد عمران بن محمد عمران من سكان الرياض بنجد، وكان رجلا متعلما من المتوسطين، إلا أنه من الذين تربوا بتعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن نجد فنفس الاتباع للسنة والتقوى والحماس والعمل الذي كنا نسمع أنه من مميزات هذه الجماعة. وعلى أقل تقدير ففي الهند نادرا ما رأيت مثله.. وقد استفدت منه كثيرا، وخاصة في تعيين سني وفاة علماء نجد المتأخرين عن ذاكرته وبجزم تام، إلا أنني قد بينت ما اعتمدت فيه على روايته في مواضعه.
وأرجو من القارئ الكريم أن تكون الأمور التالية على بال منه أثناء مطالعة الكتاب وسأكون شاكرا:
١. قد اكتفيت بذكر اسم المصنف أحيانا، وذلك اجتنابا من التطويل بذكر المصادر، ويمكن تعيين الكتب في باب المراجع.
٢. قد حاولت قدر الإمكان التوفيق بين التواريخ الهجرية والميلادية، ولكن اكتفيت بذكر السنة الميلادية مع السنة الهجرية حينما رأيت صعوبة في تعيين اليوم والشهر.
٣. حينما أذكر كلمة "شيخ الإسلام" أو "الشيخ" بدون اسم خاص فالمراد منه هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكذلك من آل الشيخ أولاده وأحفاده مع أن كتب الجماعة تستعمل لقب شيخ الإسلام للإمام ابن تيمية ﵀.
٤. لم ألتزم الحرفية في الترجمة من العربية أو الإنجليزية، إلا أنني حاولت أن أعبر عن المفهوم صحيحا كاملا عن الأصل.
٥. من الممكن الوهم أو الخطأ في نطق الأعلام الإنجليزية، فإن وجد خطأ من هذا القبيل فأرجو التنبيه، وإن أي تصحيح من أي نوع كان أقبله بشكر.
مسعود عالم الندوي
بتنه: ٨ جمادى الأولى ١٣٦١ هـ
стр. 15
الداعية: حياته وخدماته
الجزيرة العربية أيام ازدهاد المسلين
...
الجزيرة العربية أيام ازدهار المسلمين
"لقد شاهدت الصحراء العربية آلافا من تقلبات الليل والنهار، ولكن لم تكن هناك حادثة أهم من هذه الحادثة، حيث بهرت هذه الرمال المظلمة عيون العالم بأجمعه بعدما استنارت بنور شمس ساطعة (أي البعثة النبوية) ، وأقامت معالم النور في جميع أنحاء الدنيا، ولكن بمجرد ما فرغت من تنوير الجبال والصحاري، وإضاءة البر والبحر، اختفت من عيون الناس وذهب وارءها، لماذا؟
لأن الأمم التي اقتبست من هذه الأنوار زعمت أن بريقها ولألاءها لا يمكن أن يبهر عيون العالم أمام لمع هذه الرمال الصحراوية، فخير لها أن تبقى مظلمة خامدة"١ كان الحجاز قد فقد مكانته القيادية في عصر بني أمية، فقد جعله ساسة دمشق زاوية للسدنة، وأبناء المشايخ، وعلى أثر ذلك قضى سيف أبي مسلم الخراساني على نصيب العرب السياسي (١٣٢ هـ) والحكومة العباسية التي قامت على هذا الأساس تحولت إلى ملكية عجمية درجة بعد درجة.
ظهرت قوة الأتراك في عصر المعتصم (٢١٨-٢٢٧ هـ/ ٨٣٣- ٨٨٢ م) حتى اعتلوا على العرش وامتلكوا الدولة. سادت عشرات من الدويلات بعيدا وقريبا ثم بادت. ولكن الرجل العربي المسكين لم يكن له أي نصيب في هذه التقلبات. وفي عصر ازدهار المسلمين هذا أسست مدارس العلم في بغداد وقرطبة، نبعت ينابيع الرشد والهدى في جوامع الأزهر والزيتونة والقرويين، فتح الأتراك قسطنطينية، وزلزل سليمان الأعظم (٩٢٦- ٩٧٤ هـ/ ١٥٢٠- ١٥٦٦ م) أسوازفينا، دوخ المغول أرض الهند، ولكن الجمال العربي مازال يتنعم بنوم لذيذ في صحرائه.
стр. 16
حكم. الأتراك العثمانيون قرونا على الحجاز، وقدموا قرابين تبلغ الآلاف والملايين، وخصص القسم الأكبر من محاصيل مصر لخدمة الحرمين، عينت رواتب كبيرة للسدنة، ولكن لم يفض أي نبع للعلم في وادي العرب الذي هو غير ذي زرع، وراجت اللغة التركية في المكاتب.
الله أكبر! حكومة خليفة المسلمين، وتسيطر في مهبط الوحي لغة لا تمت إلى لغة القرآن بصلة، إن في ذلك لعبرة.
وما أكثر أعاجيب هذه الدنيا، وما أكثر ألاعيب الملك والسيادة، نعم! بقيت اللغة التركية هي اللغة الرسمية والضباط هم أتراك. أما العرب فلم يبق لهم شغل إلا سدانة القبور والاستجداء، أو قطع الطرق على غرار أيام الجاهلية الأولى.
محمد بن عبد الوهاب:
وأخيرا لما غشي الظلام العالم مرة أخرى، ترك المسلمون كتاب الله وسنة رسوله، واتخذوا مئات من الآلهة دون الله الواحد، وصاروا ينادون ويدعون البدوي والرفاعي في مصر، وعبد القادر الجيلاني في العراق والهند، وابن عباس في مكة والطائف، وابن علوان في اليمن١، وأصبحوا يخضعون ويتذللون أمام الأشجار والأحجار.
عندما وصل الأمر إلى هذا الحد طلعت شمس الهدى والرشد من واد غير ذي زرع، ورمال الأرض العربية التي كانت قد اشتهرت بطيب العرار والخزامي٢، قد فاح فيها طيب التوحيد، وكلمة الحق حتى عطرت العالم بأسره. وأريد بهذا شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب- ﵀ ونور ضريحه- الذي أعاد إلى الأذهان دروس التوحيد- التي
стр. 17
كانت قد نسيت- بجهده المتواصل وعمله الدائم، وبلغ رسالة الحق والصدق إلى حيث وصل صوت هذا الرجل المجاهد.
العالم الإسلامي عند ولادة ابن عبد الوهاب
بلغ العالم الإسلامي إلى دركه الأخير في الانحطاط الفكري عند نهاية القرن الثامن الهجري، فقد كانت أبواب الاجتهاد والفكر قد أغلقت منذ زمان، وكان العلماء يتدارسون متون المتأخرين وحواشيهم وكانت الحالة في الناحية العملية أسوأ وأسوأ، ولكن بلغ هذا الانحطاط في بداية القرن الثاني عشر الهجري إلى حد يتأسف منه الكفار، ويتحيرون حينما يقارنون بين حالتهم وحالة المسلمين في عصر الصحابة. قال الكاتب الأمريكي استودارد (lothrop Stoddard) :-
"أما الدين فقد غشيته غاشية سوداء. فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة سجفا من الخرافات وقشورا من الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهتك ستر المحرمات على غير خشية ولا استحياء.
ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه الله على من استطاعه ضربا من المستهزءات.
وعلى الجملة، فقد بدل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطا بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان١.
стр. 18
هذه صورة صورها معلق كافر، ولكن الخطوط والآثار التي تظهر في هذه الصورة للمسلمين أليست صحيحة اليوم إلى حد كبير؟ وكما يرى الأمير شكيب أرسلان "لو أن فيلسوفا نقريسيا من فلاسفة الإسلام، أو مؤرخا عبقريا بصيرا بجميع أمراضه الاجتماعية، أراد تشخيص حالته في هذه القرون الأخيرة ما أمكنه أن يصيب المحز، وأن يطبق المفصل تطبيق هذا الكاتب الأمريكي استودارد"١.
وإن لم يثقل عليك طول الكلام فاسمع حكاية أخرى لشقاءك بلسان معلق غربي آخر: "قد بردت عواطف المسلمين في القرن الثامن عشر، وما يسمى بالخليفة كان قد فقد قوته، حتى إن أهل النواحي الجنوبية ما كانوا يعترفون بسيادته، وأهل اليمن كانوا قد خلعوا نيره منذ قرون. وأشراف مكة كانوا متحمسين لمخالفة رئيسهم أكثر من النصارى. أما وحدة الاتجاه التي ترى الآن ما كانت يشعر بها في تلك الأيام إلا قليلا. المركز الروحي في مكة كان واقعا في حبل التنعم والتلذذ المادي، وتستطيع أن تجد عطفا وشفقة على كل شيء إلا على الزهد والورع، مع أنهم كانوا يشاهدون فتح النصارى للهند بأعينهم، وكانت الجيوش الكافرة تطوي فراش الأتراك، ولكن العرب قليلا ما يشعرون بهذه الحوادث. أما الغضب والنقمة الموجودان اليوم على فرنسا وبريطانية وروسيا، فقد كانا مفقودين بتاتا في تلك الأيام، وإذا عدم الغضب انعدم الحماس فكيف بالدعوة إلى الإسلام.
وخلاصة القول أن الإسلام كان متجها إلى الانحطاط. أما النهضة التي وصلت تياراتها إلى أفريقيا والصين في القرن التاسع عشر المسيحي، فقد كان من المستحيل أن يتوقعها أحد في ذلك الوقت٢.
نَجْد قبل ابن عبد الوهاب:
لقد رأيت لمحة قصيرة لحالة العالم الإسلامي، والديار المقدسة بالحكايات التي
стр. 19
سبقت، ولكن حالة نجد- قلب الجزيرة العربية- كانت أسوأ وأسوأ. وأقل ما يمكن أن يقال إن أهل نجد كانوا قد جاوزوا الحد في الانحطاط الخلقي، فلم يكن عندهم أي اعتبار للخير والشر في مجتمعهم، وكانت العقائد الوثنية قد تمكنت في القلوب بمر القرون، حتى أن كثيرا من الناس كانوا يظنون هذه الخرافات نموذجا صحيحا للدين، وما كان عندهم أي استعداد للتزحزح عما وجدوا عليه آباءهم خطأ أو صوابا.
وفي الجبيلة (وادي حنيفة) ، كان يعبد قبر زيد بن الخطاب، وفي الدرعية كانت توجد بعض القبور والقباب، وتنسب إلى بعض الصحابة، وكانت مراكز للتعبد الجاهلي من الدهماء، وفي وادي غبيرة كانت قبة ضرار بن الأزور سوقا للبدع والأوهام. والقلم قاصر عن بيان ما كان يعمل الشباب والفتيات مع شجرة قديمة في بليدة الفداء، فقد كانت النساء العاقرات يباشرن هذه الشجرة لطلب الأولاد، وكان غار على مقربة من الدرعية ترتكب عنده أكبر الفواحش المخزية وهلم جرا١.
كل هذا كان باسم الدين، والأشخاص المعدودون الذين كانوا يملكون بعض النصيب من الفقه والحديث، ما كانوا يجدون في أنفسهم قوة تحدوهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل كانت أغلبية علماء نجد خارجة عن عداد علماء العالم الآخرين-!!
أما الحالة السياسية فقد كانت أفسد وأسوأ. كانت نار الحرب الأهلية متأججة في جميع أنحاء نجد. كان بنو خالد مسيطرين على شمالي نجد (جبل شمر) في قبيلة طي
стр. 20
والحسا والذي يظهر أن إمارة العيينة كانت تعترف بسلطان بني خالد. وفي الدرعية كانت قبيلة عنزة ترسخ أقدامها، وفي منفوحة على قرب من الدرعية قامت أمارة دواس. ونجد مع صغره وضيق أطرافه كان مفرقا بين دويلات وإمارات صغيرة عديدة١.
ولادة محمد بن عبد الوهاب:
في هذه الأيام المظلمة والأحوال السيئة فتح محمد بن عبد الوهاب عينيه، وولد في بيت معروف بالعلم في مدينة العيينة٢. وذلك في سنة ١١١٥ هـ (١٧٠٣ م) ٣ فكان جده سليمان بن على بن مشرف من أشهر العلماء في عصره، وكان مركزا ومرجعا للعلماء
стр. 21
وله كتاب مشهور في المناسك، وذكر صاحب السحب الوابلة أن الحنابلة في الغالب يعتمدون على هذا الكتاب في باب المناسك١.
وكان عمه إبراهيم بن سليمان عالما جليلا أيضا، وابنه عبد الرحمن (م ١٢٥٦ هـ) كان فقيها وأديبا، ووالد الشيخ وهو عبد الوهاب بن سليمان (م ١١٥٣ هـ) ، كان ذا باع طويل في الفقه، وبقي قاضيا مدة طويلة في العيينة وحريملاء.
وسليمان بن عبد الوهاب (م ١٢٠٨ هـ) ، كان صاحب علم عظيم وكذلك كان ولده عبد العزيز (م ١٢٦٣ هـ) وكان موجودا في حريملاء عند الغارة المصرية في سنة ١٢٣٦ هـ، وحبس وذاق أنواعا من المصائب، وأحرقت مكتبته ونهبت أمواله٢.
نشأته:
كان محمد بن عبد الوهاب منذ نعومة أظفاره بارزا متفوقا في الذكاء وقوة الحفظ، وقد حفظ القرآن الكريم وعمره أقل من عشر سنين. ثم درس كتب الفقه الحنبلي على والده، وطالع كتب الحديث والتفسير بكثرة في صغره.
وقد أعجب والده عبد الوهاب بذكاء هذا الولد الطامح ومواهبه، ويقول: إنه قد استفاد من ذكاء ابنه البارع، وسعة اطلاعه أيام تدريسه. وكان الشيخ عبد الوهاب متأثرا جدا بولده حتى أنه كان يقدمه
стр. 22
للإمامة مع صغره. تزوج وهو صغير السن، ثم أدى فريضة الحج، وأقام شهرين في المدينة المنورة، ثم رجع إلى العيينة، واشتغل في طلب العلم من والده، ونسخ المذكرات والكتب العلمية حتى إنه كان يكتب عشرين صفحة في جلسة واحدة١.
في سبيل العلم:
كانت القدرة الإلهية قد وهبت ابن عبد الوهاب قلبا مرهف الحس شديد التأثر، وكان يتألم أشد الألم لما يرى حوله من الحالة البائسة للقرى والمدن في نجد، وكان العلماء في حالة سيئة فضلا عن العوام. وقد أخذ محمد عن والده عبد الوهاب كل ما كان يستطيع، وكان والده من كبار علماء نجد، ولم يأل جهدا في تعليم ولده، ولكن كيف يمكن لمجدد المستقبل ومصلحه أن يرتوي غرفتين من الماء.
وكان قد تشرف بحج بيت الله الحرام، وكانت مركزية الحجاز قد أثرت في نفسه، وحينما فكر في طلب العلم قصد الحجاز، وحينما كان الشاب الطامح في العشرين من عمره خرج يجول ويصول في الفيافي طلبا لليلى العلم وتوجه إلى الحجاز٢.
حج بيت الله وزار المسجد النبوي مرة ثانية، ثم حضر مجالس العلماء، وانقطع لطلب العلم واستفاد بالخصوص بصحبة الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، أحد العلماء المشهورين من المجمعة في بلاد نجد، وكان قد سكن في جوار الرسول عليه الصلاة والسلام٣.
وتستطيع أن تعرف جلالة قدر الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني وإخلاصه من هذه الرواية التي رواها الشيخ محمد بن عبد الوهاب. قال:
стр. 23
"كنت عنده يوما فقال لي: تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة؟ قلت: نعم.
فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة وقال: هذا الذي أعددنا لها١. وتعرف بالشيخ محمد حياة السندي (م ١١٦٥ هـ) بوساطة الشيخ عبد الله بن إبراهيم نفسه، وكان من أساتذة الحديث المعتمدين في المدينة، وصار ابن عبد الوهاب من تلامذته الخواص، ومكث عنده زمنا طويلا٢.
ويذكر في هذا الصدد تتلمذ ابن عبد الوهاب على العالم الشامي الشهير الشيخ علي الداغستاني (م ١١٩٩ هـ) ولكن العقل يستبعده٣ وكذلك ورد في بعض الكتب ذكر استفادته من المحدث الكبير محمد بن سليمان الكردي المدني (م ١١٩٤ هـ) إلا أن السنين والأحوال تشهد بعكس هذا بالإضافة إلى سكوت التواريخ المعتمدة المعاصرة٤.
وقد ذكر الأستاذ المحترم السيد سليمان الندوي أن الشاه ولي الله الدهلوي (م ١١٧٦ هـ) وشيخ الإسلام - رحمهما الله - قد استفادا من منبع واحد أي: المسجد النبوي٥.
стр. 24
ولا شك في وحدة المدرسة (المسجد النبوي) مع وحدة المصدر الحقيق أي: الكتاب والسنة إلا أننا لا نعلم وحدة الأساتذة.
ذكر لبيب البتنوني طلبه العلم في مكة المكرمة لكن لا تؤيده أي رواية صحيحة معتمدة. توجه الشيخ من المدينة النبوية إلى البصرة، ودرس على الشيخ محمد المجموعي الحديث واللغة ولازم صحبته. ويروي ابن بشر عن أستاذه عثمان بن منصور الناصري أن أولاد الشيخ محمد المجموعي أيضا كانوا ذوي باع طويل في العلم١.
وكان يريد الشام أيضا٢، لكن قلة الزاد حالت دون همه هذا فرجع إلى حريملاء (نجد) بطريق الأحساء حيث انتقل والده في سنة ١١٣٩ هـ/ ١٧٢٦ م من العيينة.
في ميدان الدعوة:
كان ابن عبد الوهاب مولعا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منذ صغر سنه، وصارت البدع تقلق باله منذ دراسته الابتدائية في الفقه والحديث في العيينة. وكلما وجد عملا يخالف أصول الدين حاول أداء فريضة النهي عن المنكر.
توجه إلى الحديث بعد ما استفاد في المدينة النبوية من محمد حياة السندي، وعبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي، ثم رفع بصره ونظر حواليه، فرأى العالم مغطى في رداء أسود من الضلال، وحسبما عرفنا أن الشيخ أول ما رفع صوته بإنكار الاستغاثة كان في تلك الأيام وعيل صبره حينما رأى أعمال الجهلة عند قبر الرسول الكريم ﷺ . وذات
стр. 25
مرة كان واقفا عند الحجرة النبوية، وكانت سوق البدع نافقة أمامه إذ مر عليه أستاذه الشيخ محمد حياة السندي، فسأله الشيخ: ماذا تقول في هؤلاء؟
فأجاب الأستاذ: ((إنّ هؤلاء متبّر مّا هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون)) ١. وازداد هذا الشعور في البصرة فصار ينهى عن المنكر بلا خوف، ونتيجة لذلك عانى أنواعا من المشقات، وفي الأخير اضطر إلى أن يترك البصرة. وزيادة على ذلك عذب الشيخ محمد المجموعي أيضا لأجل صلته به وعطفه عليه.
طرده الأشقياء في وقت الظهيرة، وكان يتقدم في هذه الحالة النكدة إلى الزبير٢ حتى جف حلقه من شدة العطش إلى أن جاءه رجل صالح (وكان يملك حميرا يكريها) يسمى أبا حميدان، فساعده وسقاه وأركبه على حماره حتى أوصله إلى الزبير٣. وكانت هذه مراحل أولية وأعمالا تمهيدية للدعوة الأساسية. فلما رجع إلى حريملاء صمم على استئصال البدع، ونشر التوحيد والأخلاق، وأسس دعوته على تحقيق التوحيد، وركز على إخلاص العبودية لله تعالى فقط أيا كان نوعها. وكان شعاره إعلاء كلمة الله.
وليس من لعب الأطفال التصدي لإصلاح أخلاق فسدت من القرون الطويلة، وكان يريد أن يوجد عواطف الصلاح والشفقة في البدو بدلا من عادات السرقة وقطع الطرق والخداع والنهب.. كانت غايته إصلاح عقيدة الجهال، وإقامتهم بباب الإله الحقيقي بدلا من الآلهة الباطلة والقبور والقباب. ولا يتجرأ على هذا كل من هب ودب. هذا عمل يقتضي الإيمان الخالص والعزيمة الصادقة، ويظهر من خلال تلك المصائب الشديدة التي عاناها الشيخ في هذا السبيل، والمشقات التي استقبلها صابرا ضاحكا مبتسما إنه كان متحليا بهذه الأوصاف حق التحلي.
стр. 26
دعا إلى التوحيد وحاول النهي عن الخضوع لغير الله والاستغاثة بالقبور والأولياء، واتخاذ عباد الله الصالحين آلهة يعبدون. واتخذ خطوات عملية للقضاء على البدع التي دخلت في الطريقة المسنونة في زيارة القبور- ولا تسأل بعد هذا-، فقد تدفقت سيول المخالفات وبدأ الأعزاء والأقرباء يؤذونه حتى إن الوالد نفسه ما أعجبه هذا الصنيع. وكان الشيخ يراعي كل المراعاة أدب الوالد واحترام الأستاذ ولكن الخطوات المتقدمة لم تتراجع. تجاوز الإيذاء كل الحدود ولكن جبل الصبر والعزيمة لم يتزحزح عن مكانه. ومع كل العقبات والموانع مازال يستمر في دعوته، واشتهر أمره في جميع مدن العارض وحريملاء والعيينة والدرعية والرياض وغيرها، وبدأت تعاليمه تنتشر.
كانت الدعوة مستمرة- ولكن سيرها كان بطيئا - بسبب برودة الوالد١ وتوفي الوالد في سنة ١١٥٣ هـ/ ١٧٤٠ م فاشتدت الدعوة. وبدأ يدعو الناس إلى اتباع السنة ونبذ البدع جهرا على رؤوس الأشهاد، وتأثر به بعض أهل حريملاء، فصاروا من أشد مناصريه ومساعديه، وبدءوا يحضرون دروس الشيخ ويستفيدون من مواعظه، وألف الشيخ "كتاب التوحيد" في هذه المدة٢.
في العيينة سنة ١١٥٧ هـ/ ١٧٤٤ م
خطت الدعوة خطواتها الأولى وحينذاك أحس الشيخ أنه من الصعب نجاح الدعوة في حالة الفوضى هذه. ففي كل ناحية أمير٣ حتى في حريملاء نفسها قبيلتان تتناحران للرئاسة٤، وفي مثل هذه الأحوال كان من الصعب اتخاذ أي خطوة مؤثرة.
стр. 27
فصمم العزم على توحيد بلاد نجد كلها تحت راية واحدة، وكان يعرف كل المعرفة أنه ليس من السهل نشر الدعوة في البلاد القاصية والدانية في مدة قصيرة إلا بحماية أمير ذي قوى ونفوذ١، وهذه هي الأفكار التي دعته إلى مكاتبة أمير العيينة عثمان بن معمر.
ولما وجد الأمير مستعدا لقبول الحق انتقل بنفسه إلى العيينة، فأكرمه الأمير كل الإكرام وعظمه كل التعظيم، وتزوج الشيخ بجوهرة بنت عبد الله بن معمر فتوطدت العلاقات أكثر في الظاهر، ولكن الشيخ كان يحمل غاية وهدفا معينا ومحددا، فالعلاقات الشخصية والقبلية قد تكون وسيلة للوصول إلى ذلك الهدف والغاية، ولكنها ليست غاية. عرض الشيخ دعوته على أمير العيينة، وفسر له معنى التوحيد وطلب منه العون والمساعدة في هذه المهمة الجليلة.
وكلمات الشيخ هذه جديرة بأن تحفظ وتذكر:
"إني لأرجو إن أنت قمت بنصر لا إله إلا الله أن يظهرك الله تعالى، وتملك نجدا وأعرابها." ٢ قدم هذا العرض إلى عثمان بكل صدق وإخلاص، ولكن مع الأسف لم يستطع أن يثبت على هذا فذاق عاقبته الوخيمة، وأخيرا انتقلت هذه النعمة من العيينة إلى الدرعية.
وعلى كل حال فقد وعد عثمان بن معمر بالمساعدة والنصر، واعتمادا على نصرته بدأ
стр. 28
الشيخ يصدع بدعوته والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآن لأهل العيينة أن تخشع قلوبهم لقبول الحق رويدا رويدا.
وفي هذه المدة تصدى الشيخ للقضاء على بعض مراكز البدع، ونجح في مهمته هذه، فقد كانت هناك بعض الأشجار تعظم في هذه الناحية فقلعها من أساسها١. وكان يوجد قبر باسم زيد بن الخطاب رضي الله عنه٢ كان استشهد يوم اليمامة كان هذا القبر في الجبيلة، وعليه قبة فهدمها ولم يكن هذا أمرا هينا حينذاك. ويذكر ابن بشر قصة هدم القبة فيقول:
"فقال لعثمان: دعنا نهدم هذه القبة التي وضعت على الباطل، وضل بها الناس عن الهدى. فقال: دونكها فاهدمها.
فقال الشيخ: أخاف من أهل الجبيلة أن يوقعوا بنا، ولا أستطيع هدمها إلا وأنت معي.
стр. 29
فساعده عثمان بنحو ستمائة رجل، فلما قربوا منها ظهر عليهم أهل الجبيلة يريدون أن يمنعوهم، فلما رآهم عثمان علم ما هموا به فتأهب لحربهم، وأمر جموعه أن تتعزل للحرب، فلما رأوا ذلك كفوا عن الحرب وخلوا بينهم وبينها.
ذكر لي أن عثمان لما أتاها قال للشيخ: نحن لا نتعرضها. فقال: أعطوني الفأس فهدمها الشيخ بيده حتى ساواها، ثم رجعوا فانتظر تلك الليلة جهال البدو وسفهاءهم ما يحدث بسبب هدمها فأصبح في أحسن حال١.
هذا بيان حادثة واحدة، ولكن كانت هناك عقبات على كل خطوة فالجهال والعلماء والمشايخ كلهم كانوا منغمسين في ظلمات البدع. كان صوت محمد بن عبد الوهاب وجهده هو الذي رفع لواء الحق بعد ظلمات وضلالات دامت قرونا طويلة، وعرفت البشرية تعاليم الإسلام الصحيحة.
أمر الشيخ عثمان بن معمر بإحياء الصلوات مع الجماعة، وعينت عقوبات للمتخلفين، وكان الأمراء يأخذون أنواعا من الضرائب والرسوم، فرفعها الشيخ ونفذ الزكاة فقط، وكان هذان عملين جيدين عملهما عثمان بن معمر وتسبب فيهما الشيخ، إلا أن الأعداء يطعنون فيهما أيضا ويبغونهما عوجا. وفي العيينة بدأ الشيخ يؤلف رسائل الدعوة المتسلسلة التي استمرت إلى وفاته، وصار له بعض الأنصار في الدرعية، فكان يرشدهم ويوجههم من العيينة٢.
الدعوة تنفى من العيينة:
كادت الدعوة أن تتكلل بالنجاح في العيينة وكادت مهمة الإصلاح أن تكتمل، ولكن ظهرت بادرة شر- وما قدر كان- إلا أن آلافا من الخيرات كانت مختفية وراءها. "أتت امرأة إلى الشيخ واعترفت عنده بالزنا والإحصان، وتكرر منها الإقرار فسأل عن عقلها فإذا هي صحيحة العقل وقال: لعلك مغصوبة. فأقرت واعترفت بما
стр. 30
يوجب الرجم فأمر بها فرجمت-، وأول من تقدمت يده إلى الحجر كان عثمان١ ".أثارت هذه الحادثة المفاجئة بلبلة في الأطراف والنواحي، وخاصة في محافل المتعودين بالجرائم، فامتعضوا أشد الامتعاض، وبلغ الوشاة والنمامون ذلك إلى سليمان بن عريعر الحميدي أمير الأحساء والقطيف، وحرضوه على معاداة الشيخ، وكان هذا الرجل منحرف المزاج خليعا متهتكا، وكان من المتوقع تماما عن أمثال هؤلاء أن يغضبوا ويثوروا على حادثة الرجم، وقال له القائلون: إن هذا الرجل ابن عبد الوهاب يريد أن يسلب عنك حريتك، وكان الكلام مؤثرا فوقع في قلبه، فكتب إلى أمير العيينة عثمان بن معمر مهددا:
"إن هذا المطوع٢ الذي عندك قد فعل وفعل ... وقال اقتله، فإن لم تفعل قطعنا خراجك الذي عندنا في الأحساء٣ ".
وكان المبلغ كبيرا أي ألفا ومائتي دينار سنويا عدا الأمتعة والأموال، فوقع عثمان في حيرة وغلب طمع الدنيا على حماية دعوة التوحيد، ولعل الدعوة لم تكن قد رسخت في قلبه بعد، ولعله ما كان يعرف تلك النعم التي تنزل على من يقوم بنصرة الحق. وفي هذه الحيرة والاضطراب أخبر الشيخ برسالة أمير الأحساء.
فأراد الشيخ أن يطمئنه وحاول تفهيمه بيقين الواثق، وإليك كلمات الشيخ هذه كما أوردها ابن بشر: "إن هذا الذي أنا قمت به، ودعوت إليه كلمة لا اله إلا الله، وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أنت تمسكت به ونصرته، فإن الله سبحانه يظهرك على أعدائك، فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك٤.بذل الشيخ كل جهوده في إقناعه، ولكن إذا سيطر على القلوب خوف زوال الدنيا فلا تؤثر حينذاك أي موعظة ولا تنجح أي نصيحة، خجل عثمان أول الأمر بنصيحة
стр. 31
الشيخ الموقرة المبشرة فأحجم، ولكنه لم يستطع أن يصبر فأرسل إلى الشيخ مرة أخرى قائلا:
"إن سليمان أمرنا بقتلك، ولا نقدر على غضبه ولا مخالفة أمره؛ لأنه لا طاقة لنا بحربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا، فشأنك ونفسك وخل بلادنا١.
أرسل إليه هذه الرسالة وأخرجه من العيينة مع جندي يسمى فريدا الظفيري، وقصة هذا النفي محزنة مليئة بالعبر. حر صحراء العرب والشيخ يمشي أمامه راجلا ليس في يده إلا مروحة، ووراءه فريد راكبا على الفرس، وحسبما يروي ابن بشر كان ابن معمر أوعز إليه أن يقتله.
الشيخ يمشي ويردد قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ولم يخاطب الجندي طول الطريق، ولما بسط يده ليقتله أمسكته قوة غيبية كما حدث هو بنفسه، وغلب عليه الفزع والهلع، وفر راجعا على أعقابه إلى العيينة. لقد أدهشته قوة الصدق ورأى حياته في خطر فعلا٢.
في الدرعية سنة ٥٨- ١١٥٧ هـ
توجه الشيخ إلى الدرعية بعد ما جاوز حدود ابن معمر، ووصل هناك وقت العصر، فنزل أولا في بيت عبد الله بن عبد الرحمن بن سويلم العريني، ثم انتقل إلى بيت أحد
стр. 32
تلامذته أحمد بن سويلم، ولما بلغ الخبر إلى أمير الدرعية محمد بن سعود حضر إليه مع إخوته مشاري وثنيان، وكلهم عاهد الشيخ على الطاعة والنصر١.
هذه الرواية الموجزة مأخوذة من ابن غنام، أما ابن بشر فقد فصل هذه الحادثة التي لها أهمية خاصة في سيرة الشيخ التبليغية، وبعد رواية ابن غنام نذكر رواية ابن بشر أيضا:
"وأما الشيخ فإنه سافر إلى الدرعية، فوصل إلى أعلاها وقت العصر، فقصد إلى بيت محمد بن سويلم العريني، فلما دخل عليه ضاقت عليه داره، وخاف على نفسه من محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وأسكن جأشه وقال: سيجعل الله لنا ولك فرجا ومخرجا٢.
مساعدة الأمير محمد بن سعود:
نزل الشيخ في بيت ابن سويلم، فصار مركزا لدعوة التوحيد، وبدأ الناس يؤمونه متسترين، واستفاد أهل العلم بالخصوص ولكن هذه الحالة ما كانت مرضية فأراد الشيخ أن يتصل بالأمير فكلم إخوته مشاري وثنيان، فكلما أولا زوجة الأمير موضى بنت أبي وهطان، وكانت امرأة ذكية متدينة، فأثنوا على الشيخ وذكروا علمه وفضله، وحثوها على الاتصال بالأمير، وشاء الله أن يتأثر قلب موضى بعلم الشيخ وفضله فقالت للأمير:
"إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك فأكرمه وعظمه، واغتنم نصرته٣ ".
كان الأمير محمد بن سعود معروفا بأخلاقه النبيلة من قبل دعوة الشيخ، فقد تأثر بكلام زوجته، واستقر في قلبه حب الشيخ وسارع إلى لقائه بعد ما ذكر له، فاستقبله بكل محبة وتعظيم، فعرض عليه الشيخ أهم أصول دعوته (معنى لا إله إلا الله، الأمر
стр. 33
بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد) ، وألقى خطبة موجزة ذكر فيها المساوئ الموجودة في أهل نجد، ولفت نظره إلى إصلاحها فتأثر الأمير ونطق قائلا:
"يا شيخ! إن هذا دين الله ورسوله، الذي لا شك فيه، وأبشر بالنصرة لك، ولما أمرت به، والجهاد ممن خالف التوحيد، ولكن أريد أن اشترط عليك اثنين:
١. نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا.
٢. إن لي على الدرعية قانونا آخذه منهم في وقت الثمار أخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا. قال الشيخ: أما الأولى: فأبسط يدك. الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية: فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات، فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها.
فبايع الأمير على يد الشيخ، وعهد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأظهر الاستعداد للعمل بالكتاب والسنة، وجرى هذا في سنة ١١٥٧ هـ أو سنة ١١٥٨?١. وما أن بايعه الأمير حتى بدأ الناس يأتون إليه زرافات ووحدانا، يستفيدون من علمه ويجددون إيمانهم، وانتقل من العيينة إلى الدرعية أصحابه وتلاميذه الأقدمون، وكان منهم بعض أقرباء الأمير عثمان بن معمر نفسه.
الجيل الأول:
كان الناس ينجذبون إلى الشيخ من أيام قيامه في العيينة، إلا أنهم كانوا قد قضوا مدة طويلة تحت ظلمات البدع، فكانوا يتلكئون في الإذعان للحق، ولكن إقامته في
стр. 34
الدرعية وسمعة الأمير محمد بن سعود الطيبة قد هيأتا للدعوة أرضا صالحة، وقد وصلت إلينا بفضل ابن غنام بعض أسماء أولئك السعداء الذين لبوا هذه الدعوة بكل حماسة في بدايتها، وابتلوا في سبيل ذلك بالمحن والبلايا. وأول من يذكر من الوجهاء والأعيان هم أخوة محمد بن سعود الثلاثة: مشاري، وثنيان، وفرحان١.وامتاز من أهل العلم أحمد بن سويلم وعيسى بن قاسم.
ومن ناحية الوجاهة والتأثير العام يذكر محمد الحزيمي، وعبد الله بن دغيثر وسليمان الوشيقيري، ومحمد بن حسين. وكما يقول فلبي:
"هؤلاء هم فرسان الوهابية البواسل، وتذكر أسماءهم باحترام حتى الآن وأولادهم يعتبرون جديرين بكل تكريم واحترام في القصر الملكي" (ص: ١٢، ١٣)
ابن معمر وندامته علي صنيعه
لقد اضطرب ابن معمر حينما بلغت إليه أخبار انتشار الدعوة، وقبولها المتزايد يوما بعد يوم، فندم على فعلته الأولى، وحضر إلى الشيخ واعتذر إليه، وطلب منه العودة إلى العيينة فأجابه الشيخ بصراحة.
"ليس هذا إليّ. إنما هو إلى محمد بن سعود، فإن أراد أن اذهب معك ذهبت، وإن أراد أن أقيم عنده أقمت. ولا استبدل برجل تلقاني بالقبول غيره إلا أن يأذن لي" ٢.
стр. 35
ولما سمع منه هذا الجواب الصريح ذهب إلى مضيفه محمد بن سعود واستأذنه، ولكنه لم يكن راضيا بأن يبعد عن بيته هذه النعمة بأي ثمن.
في ميدان العمل:
كانت الدرعية قرية صغيرة قبل أن يأتي إليها الشيخ، وكانت سوق الجهل نافقة فيها، فأقام الشيخ حلقات للوعظ والدرس وبدأ يعلم القادمين إليه علم الكتاب والسنة من الصباح إلى المساء، وكان يجعل جل اهتمامه الأمور اللازمة المهمة في دعوته- دعوة التوحيد وإخلاص العبادة لله- ويرسخها في قرارة النفوس. وقد أظهر شخصه الجذاب ودعوته الصادقة أثرهما العاجل، وكان من فوائد مجالس الوعظ والتذكير أن تقشعت سحائب "ما ألفوا عليه آباءهم". وصار الناس ينظرون إلى خرافات التقاليد والعادات بمنظار الكتاب والسنة فقط.
وإن جاذبية هذه المجالس بدأت تجذب العطاش إلى العلم من البلدان النائية إلى الدرعية، وكانت الأرزاق قليلة، ولذلك كان هؤلاء الطلبة يعملون أو يحترفون بحرفة في الليل لكي يحصلوا على قوتهم الذي يقيم أودهم، أما النهار فقد كانوا وقفوه لسماع آيات الله وأحاديث رسوله المصطفى ﷺ ، وبسبب كثرة التلاميذ وضيافتهم كان الشيخ مدينا دائما، ولكن الدعوة كانت تزداد توسعا وانتشارا يوما بعد يوم، وأن سلسلة القادمين ما كانت تكاد تنقطع١.
اتساع الدعوة:
كان أهل الدرعية من أنصار الدعوة منذ أن دخلها الشيخ، ولكنهم ما كانوا ليكتفوا بهذا فقط، بل كانوا يدعون أمراء نجد وأهل نواحيه إليها، ويخبرونهم بدعوتهم ويرغبونهم فيها، وقد واجهوا مخالفات واتهموا باتهامات وافتريت عليهم افتراءات، ولكن الحق
стр. 36
مازال يرتفع ويدوي، وبدأت ثمراته تظهر بعد حي، ن فقد بايع أمير العيينة في السنة الثانية من قيام الشيخ (سنة ١١٥٨ هـ أو ١١٥٩ هـ) وعاهد على إقامة الحدود الشرعية، وجاء أهل حريملاء أيضا بعد أيام قلائل وبايعوا أيضا.
ومن ناحية أخرى كانت مساعدات الأمير محمد بن سعود تنهال عليه انهيالا، فقد كان يأتي بجميع أموال الزكاة والخمس ويلقيها بين يدي الشيخ، يتصرف فيها كيفما يشاء، وكان الشيخ ينفقها في سبيل الله بلا تردد ولا إقتار، والأمير محمد بن سعود، وكذلك وفي عهده عبد العزيز بن محمد بن سعود (م سنة ١١٧٩ هـ/ ١٨٦٥ م الذي تولى الإمارة بعد وفاة والده في سنة ١١٧٩ هـ) ما كانا يحركان ساكنا إلا بعد استشارة من الشيخ وإذن منه، ولكن الشيخ كان ورعا زاهدا، فلم يكن يدخر حبة واحدة من هذه الأموال، بل كل ما يجئ إليه ينفقه في سبيل الله. قال ابن بشر: "وكان الشيخ ﵀ لما هاجر إليه المهاجرون تحمل الدين الكثير في ذمته لمؤنتهم وما يحتاجون إليه، وفي حوائج الناس، وجوائز الوفد إليه من أهل البلدان والبوادي، وذكر له أنه حين فتح الرياض كان في ذمته أربعون ألف نجدية فقضاها من غنائمها١.
واستمرت سلسلة الديون والإنفاق في سبيل الله إلى فتح الرياض، وأما بعد فتح الرياض٢ فقد اطمأن الشيخ بنجاح دعوته إلى حد ما، ففوض الأمور كلها إلى الأمير عبد العزيز، وتخلى من أمور بيت المال ووجه كل عنايته وجهوده إلى التعليم والتدريس، ولكن عبد العزيز ما كان يتصرف إلا بإذن من الشيخ وإشارة منه.
الدعوة خارج حدود نجد:
كانت دعوة الشيخ محصورة في نواحي نجد حتى الآن، ولكنها كانت دعوة عامة، فما كان نجد وحده يحتاج إلى إصلاح، بل العالم الإسلامي كله كان في غاية الانحطاط، ولكن بداية الإصلاح تكون من البيت، فلذلك كان من الطبيعي أن تكون العيينة
стр. 37
وحريملاء والدرعية والعارض المراكز الأولية لدعوة الشيخ.
ولكن من حين أن ظهرت بوادر الحياة في هذه النواحي، وسع الشيخ نطاق دعوته، وكتب رسائل تبليغية إلى علماء البلاد النائية وأمرائها وقضاتها، وحرضهم على قبول دعوته، ولكن قليل من لبى هذه الدعوة في بدايتها، وأما الأكثرون فقد استهزءوا وسخروا فمنهم من رماه بالجهل، ومنهم من زعم أنه ساحر واتهموه باتهامات وافتروا عليه افتراءات، كان الشيخ منزها عنها. ومن أبرز الملبين للدعوة والمؤيدين لها عالم صنعاء المجتهد الأمير محمد بن إسماعيل (م سنة ١١٨٢ هـ) ، ولما بلغته دعوة الشيخ أنشأ قصيدة بليغة تلقاها العلماء بالقبول ومطلعها:
سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي من البعد لا يجدي
وفي هذه القصيدة مدح للشيخ وثناء عليه، وذم للبدع ورد شديد على عقيدة وحدة الوجود، وأمور أخرى نافعة جدا١
стр. 38
وكان من أعظم أسباب فرح الأمير محمد بن إسماعيل١ أنه كان يظن نفسه منفردا في هذا الميدان. كما يظهر من شعره هذا:
لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي
وقد فرح الشيخ بقصيدة الأمير اليمني وتشجع بها، وأشار إليها في بعض رسائله٢.
وقد خالف الشيخ أخوه سليمان بن عبد الوهاب (م سنة ١٢٥٨ هـ) ، وكان قاضيا في حريملاء وخلفا عن أبيه، فألف رسائل في الرد عليه مملوءة بالأكاذيب وكما يقول
стр. 39
ابن غنام إنما خالفه "حسدا وغيرة"، وألف الشيخ أيضا رسائل في الرد على ما كتبه إلا
стр. 40
أن الله تعالى قد هداه في آخر الأمر فرجع إلى أخيه تائبا١.
"رجع إلى أخيه بالدرعية تائبا سنة ١١٩٥ هـ فأحسن إليه الشيخ وأكرم مثواه" وتوجد رسالة سليمان بن عبد الوهاب مطبوعة باسم "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية"، وأعداء التوحيد يتشدقون بذكر هذه الرسالة، ولكنهم يذوبون خجلا وحياء عند ذكر رجوع سليمان وتوبته. لقد بلغت مخالفة سليمان بن عبد الوهاب أشدها، وفي تلك السنة جمع الشيخ المسلمين من الأطراف والنواحي، وألقي عليهم خطبة شرح فيها دعوته بصورة واضحة صريحة.
وسنذكر مبادئ الدعوة والموافقة عليها أو المخالفة مفصلة فيما بعد، والغرض هنا ذكر عموم الدعوة وشمولها، فالمتعطشون للعلم يرحلون إلى الدرعية أفواجا، ورسائل الشيخ في الدعوة والتوجيهات كانت تنتشر في كل ناحية.
ابن دواس وأعداء آخرون:
لقد كان دهام بن دواس٢ أمير الرياض يبتلي الموحدين في الرياض ومنفوحة بأنواع المصائب والمحن، وما كان لهم أي ذنب سوى أنهم انخرطوا في سلك دعوة التوحيد، واتبعوا الشيخ في دعوته. ولفتت اعتداءاته انتباه الشيخ والأمير محمد بن سعود منذ السنة الثالثة من إقامته في الدرعية (سنة ١١٥٩ هـ) ، فاضطر الشيخ إلى أن يأذن