← Тараджим

Тараджим · id 1510

محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه

مسعود الندوي

Полный текст (190 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مازال يرتفع ويدوي، وبدأت ثمراته تظهر بعد حي، ن فقد بايع أمير العيينة في السنة الثانية من قيام الشيخ (سنة ١١٥٨ هـ أو ١١٥٩ هـ) وعاهد على إقامة الحدود الشرعية، وجاء أهل حريملاء أيضا بعد أيام قلائل وبايعوا أيضا. ومن ناحية أخرى كانت مساعدات الأمير محمد بن سعود تنهال عليه انهيالا، فقد كان يأتي بجميع أموال الزكاة والخمس ويلقيها بين يدي الشيخ، يتصرف فيها كيفما يشاء، وكان الشيخ ينفقها في سبيل الله بلا تردد ولا إقتار، والأمير محمد بن سعود، وكذلك وفي عهده عبد العزيز بن محمد بن سعود (م سنة ١١٧٩ هـ/ ١٨٦٥ م الذي تولى الإمارة بعد وفاة والده في سنة ١١٧٩ هـ) ما كانا يحركان ساكنا إلا بعد استشارة من الشيخ وإذن منه، ولكن الشيخ كان ورعا زاهدا، فلم يكن يدخر حبة واحدة من هذه الأموال، بل كل ما يجئ إليه ينفقه في سبيل الله. قال ابن بشر: "وكان الشيخ ﵀ لما هاجر إليه المهاجرون تحمل الدين الكثير في ذمته لمؤنتهم وما يحتاجون إليه، وفي حوائج الناس، وجوائز الوفد إليه من أهل البلدان والبوادي، وذكر له أنه حين فتح الرياض كان في ذمته أربعون ألف نجدية فقضاها من غنائمها١. واستمرت سلسلة الديون والإنفاق في سبيل الله إلى فتح الرياض، وأما بعد فتح الرياض٢ فقد اطمأن الشيخ بنجاح دعوته إلى حد ما، ففوض الأمور كلها إلى الأمير عبد العزيز، وتخلى من أمور بيت المال ووجه كل عنايته وجهوده إلى التعليم والتدريس، ولكن عبد العزيز ما كان يتصرف إلا بإذن من الشيخ وإشارة منه. الدعوة خارج حدود نجد: كانت دعوة الشيخ محصورة في نواحي نجد حتى الآن، ولكنها كانت دعوة عامة، فما كان نجد وحده يحتاج إلى إصلاح، بل العالم الإسلامي كله كان في غاية الانحطاط، ولكن بداية الإصلاح تكون من البيت، فلذلك كان من الطبيعي أن تكون العيينة

стр. 37

وحريملاء والدرعية والعارض المراكز الأولية لدعوة الشيخ. ولكن من حين أن ظهرت بوادر الحياة في هذه النواحي، وسع الشيخ نطاق دعوته، وكتب رسائل تبليغية إلى علماء البلاد النائية وأمرائها وقضاتها، وحرضهم على قبول دعوته، ولكن قليل من لبى هذه الدعوة في بدايتها، وأما الأكثرون فقد استهزءوا وسخروا فمنهم من رماه بالجهل، ومنهم من زعم أنه ساحر واتهموه باتهامات وافتروا عليه افتراءات، كان الشيخ منزها عنها. ومن أبرز الملبين للدعوة والمؤيدين لها عالم صنعاء المجتهد الأمير محمد بن إسماعيل (م سنة ١١٨٢ هـ) ، ولما بلغته دعوة الشيخ أنشأ قصيدة بليغة تلقاها العلماء بالقبول ومطلعها: سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي من البعد لا يجدي وفي هذه القصيدة مدح للشيخ وثناء عليه، وذم للبدع ورد شديد على عقيدة وحدة الوجود، وأمور أخرى نافعة جدا١

стр. 38

وكان من أعظم أسباب فرح الأمير محمد بن إسماعيل١ أنه كان يظن نفسه منفردا في هذا الميدان. كما يظهر من شعره هذا: لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي وقد فرح الشيخ بقصيدة الأمير اليمني وتشجع بها، وأشار إليها في بعض رسائله٢. وقد خالف الشيخ أخوه سليمان بن عبد الوهاب (م سنة ١٢٥٨ هـ) ، وكان قاضيا في حريملاء وخلفا عن أبيه، فألف رسائل في الرد عليه مملوءة بالأكاذيب وكما يقول

стр. 39

ابن غنام إنما خالفه "حسدا وغيرة"، وألف الشيخ أيضا رسائل في الرد على ما كتبه إلا

стр. 40

أن الله تعالى قد هداه في آخر الأمر فرجع إلى أخيه تائبا١. "رجع إلى أخيه بالدرعية تائبا سنة ١١٩٥ هـ فأحسن إليه الشيخ وأكرم مثواه" وتوجد رسالة سليمان بن عبد الوهاب مطبوعة باسم "الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية"، وأعداء التوحيد يتشدقون بذكر هذه الرسالة، ولكنهم يذوبون خجلا وحياء عند ذكر رجوع سليمان وتوبته. لقد بلغت مخالفة سليمان بن عبد الوهاب أشدها، وفي تلك السنة جمع الشيخ المسلمين من الأطراف والنواحي، وألقي عليهم خطبة شرح فيها دعوته بصورة واضحة صريحة. وسنذكر مبادئ الدعوة والموافقة عليها أو المخالفة مفصلة فيما بعد، والغرض هنا ذكر عموم الدعوة وشمولها، فالمتعطشون للعلم يرحلون إلى الدرعية أفواجا، ورسائل الشيخ في الدعوة والتوجيهات كانت تنتشر في كل ناحية. ابن دواس وأعداء آخرون: لقد كان دهام بن دواس٢ أمير الرياض يبتلي الموحدين في الرياض ومنفوحة بأنواع المصائب والمحن، وما كان لهم أي ذنب سوى أنهم انخرطوا في سلك دعوة التوحيد، واتبعوا الشيخ في دعوته. ولفتت اعتداءاته انتباه الشيخ والأمير محمد بن سعود منذ السنة الثالثة من إقامته في الدرعية (سنة ١١٥٩ هـ) ، فاضطر الشيخ إلى أن يأذن

стр. 41

لاتباعه في المقاومة والدفاع، وحينذاك قام الأمير محمد بن سعود وإخوانه وأبناؤه ونكلوا بالمعاندين، واستمرت الحروب مدة طويلة. واستمرت المناوشات مع أمير الرياض دهام بن دواس إحدى وثلاثين سنة تقريبا. وما زالت القوتان تتحاربان من سنة ١١٥٩ هـ إلى ١١٨٧. وفي أواخر سنة ١١٨٧ هـ بلغ الخبر إلى ابن دواس أن عبد العزيز بن محمد بن سعود قد هجم على المدينة فترك البلد وولى هاربا واستولى الأمير عبد العزيز على الرياض قلب نجد استيلاء كاملا١. وفي هذه المدة خرجت جيوش أخرى مجاورة إلى ميدان المبارزة، وشنت هجوما على مراكز أهل التوحيد، وغدر عثمان بن معمر حاكم العيينة مرارا٢. ولما رأى الأعداء أن قوة الشيخ وأتباعه من أهل نجد لا تزال تزداد وتنموا يوما فيوما، التجئوا إلى استعمال الأساليب الدنيئة فاتهم سليمان بن محمد بن سحيم الشيخ بتهم، وافترى عليه مساوئ عديدة، وأرسل إلى مدن الخليج والأحساء وغيرها، وقد رد الشيخ على رسالة من هذه الرسائل ردا مفصلا، وسنتكلم فيما بعد في أنواع الافتراءات وأجوبتها. واشترك مع أدعياء العلم والعمل في هذه الافتراءات أصحاب العروش

стр. 42

والقصور من الأمراء والحكام على النواحي، وذلك للحفاظ على مراكزهم وعروشهم١. ولكن مع كل هذه العقبات والموانع مازال نطاق الدعوة يتوسع أكثر فأكثر، وخرج المطاوعة من الدرعية وانتشروا في بلاد نجد كلها، حتى تجلت سنة محمد بن عبد الله (فداه أبى وأمي ﷺ في قلب الجزيرة على الأقل في صورتها الحقيقية. الوفاة: توفى الشيخ في شوال أو ذي القعدة سنة ١٢٠٦ هـ (يونيو أو يوليو سنة ١٧٩٢ م) بعد ما اشتغل في الدعوة والإرشاد مدة خمسين سنة متوالية. وكان رجلا عجيبا زاهدا

стр. 43

في الدنيا وما فيها، وقليل من الناس من حظي بمثل هذا القبول في حياته١. وقال تلميذه ابن غنام مرثية مطلعها٢

стр. 44

إلى الله في كشف الشدائد نفزع ... وليس إلى غير المهيمن مفزع وذكر محمد حامد الفقي مرثية للقاضي محمد بن علي الشوكاني١ (م سنة ١٢٥٠ هـ) مطلعها٢: مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي ... وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي مزية عظيمة: لقد حدث في التاريخ الإسلامي أكثر من مرة أن برز رجال ولكنهم سرعان ما

стр. 45

ارتدوا رداء دعاوى باطلة كالمهدوية أو المسيحية. وكانت نتيجة لازمة لهذا أنهم ألحقوا أضرارا جسيمة بالإسلام بدلا من أن يفيدوه. ولكن تعليمات شيخ الإسلام وأتباعه بعيدة كل البعد من هذه التوهمات المردية والأخطار المهلكة، وإني أعتبر هذا نجاحا باهرا لهذه الدعوة، وقد حاول بعض أدعياء العلم١ نسبة بعض التهم من هذا القبيل إليهم، ولكن أتباعه وخلفاءه كانوا معلنين ومخلصين في عقيدتهم، ولذلك لم تضرهم هذه الافتراءات شيئا. ومع أن الأعداء بذلوا جهودا عظيمة ولكن كل جهودهم ذهبت أدراج الرياح، ولم ينجحوا في إخراج أي تهمة من مؤلفات داعية التوحيد في البلاد النجدية ورسائله. فكتبه واضحة كما أن الواحد مع الواحد يساوي اثنين، وهي تشهد على جرأة مؤلفها وصدقه. وعلى سبيل المثال اقرأ كتاب التوحيد كاملا من أوله إلى آخره لا تجد فيه أي غموض، ولا تجد أدني شائبة من التصوف والتوهمات والأبحاث البعيدة التي لا طائل تحتها، ولا ترى فيه أي أثر للاستدلال الفلسفي ولا السفسطة اليونانية، فهو بعيد كل البعد من كل هذه الترهات. مزية أخرى: كان محمد بن عبد الوهاب عالما محضا، ولكن كان ذا نظر ثاقب بعيد المدى، لقد شاهد ثمرات٢ دعوته في حياته ثمرات دنيوية وثمرات دينية. فقد فتحت بلاد نجد

стр. 46

كلها في حياته، وأمير نجد وأهله كلهم كانوا مستعدين للجهاد بأرواحهم وحياتهم على إقدامه في كل لحظة. وكانت كل عظمتهم التي اكتسبوها إنما جاءت من قبل استجابتهم لدعوة الشيخ. فالمجاهدون وعامة الناس ما كانوا يعرفون أحدا غيره، وكانوا مولعين به فلو أراد أن يأخذ لأولاده نصيبا في الحكومة لأخذ، ولو أراد أن يملك

стр. 47

زمام الحكم في يده لملك، ولكنه مازال متنحيا عن هذه المسئوليات كلها. والأمير محمد بن سعود وخلفه الأمير عبد العزيز ما كانا يحركان ساكنا إلا برأي من الشيخ وإشارة، ولا يريدان هذا. وكل أموال الغنائم كانت تلقى تحت أقدام الشيخ، ولكن هذا الرجل الصالح لم ينشغل بها عن مهمته الأصلية. فلم يزل يعمل عمله، وكان يتدخل في أمور الدولة عندما كانت الحاجة تقتضي ذلك، ومن حين أحس أن الدعوة قد قويت وتأصلت أبعد نفسه عن إدارة الحكومة وأموال الغنائم، وكان من نتائج هذا الزهد أن أولاده أيضا مازالوا يشتغلون بخدمة الدين بعيدين عن الجاه الدنيوي إلى يومنا هذا. وقد مرت مائة وخمسون عاما ولكن لم يحدث أن خاصم أولاده آل سعود في التاج والعرش في يوم من الأيام. أولاده وأحفاده: لقد جاوز تلامذة الشيخ المستفيدون من دروسه ووعظه كل حد وحصر، حيث إنه لا يمكن لنا إحصاؤهم. وماذا ترى في كثرة وعموم تلك الأثمار اليانعة التي اجتنتها قوافل الناس المتتابعة طوال خمسين عاما أو أكثر!! وإذا حاولنا أن نقتصر على ذكر تلامذته فقط تعوقنا قلة التراجم والسير، ولذلك نكتفي من تلامذته بذكر أولاده وأحفاده فقط الذين يلقبون الآن- بحق- بآل الشيخ وهذا هو نسبهم. لقد كان الشيخ سعيدا حظيظا حيث ترك وراءه خلفاء يتبعون سنة النبي ﷺ ، ويشتغلون في تدريسها والدعوة إليها حسب منهجه، وأروع من هذا وأسر أن هذه السلسلة لم تنقطع إلى يومنا هذا، ففي هذه الآونة أيضا يفوق أولاده في العلم والعمل في جميع بلاد نجد. كان الشيخ كثير العيال، وتوفى بعض أولاده في حياته ولكنه ترك عند فاته أربعة أولاد: حسين، عبد الله، علي، إبراهيم١.

стр. 48

يقول ابن بشر: "لقد رأيت لهؤلاء الأربعة العلماء الأجلاء مجالس ومحافل في التدريس في الدرعية، عندهم من طلبة العلم من أهل الدرعية وأهل الآفاق الغرباء ما يفضي لمن حكاه إلى التكذيب. ولهؤلاء الأربعة المذكورين من المعرفة ما فاقوا به أقرانهم، وكل واحد منهم قرب بيته مدرسة فيها طلبة العلم من الغرباء ونفقتهم من بيت المال، يأخذون عنهم في العلم كل وقت١ " ١- حسين: وهو أكبرهم وخليفة الشيخ في الحقيقة، وكان قاضيا في الدرعية وإماما في جامع الدرعية، توفي سنة ١٢٢٤ هـ٢. وله عدة أولاد نبغوا في العلم والعمل والذين سماهم ابن بشر منهم هم: علي، حمد، حسن، عبد الرحمن، وعبد الملك.

стр. 49

كان علي أكبرهم وأعلمهم، ولذلك فوض القضاء في حياة أعمامه، ومازال يتولى القضاء في عهود عدة من الأمراء، وهم سعود بن عبد العزيز (١٢١٨ هـ - ١٢٢٩ هـ/ ١٨٠٣م- ١٨١٤ م) ، وعبد الله بن سعود (صلب سنة ١٢٣٤ هـ/ ١٨١٨ م) ، وتركي (قتل سنة ١٢٢٩هـ/ ١٨٣٤ م) ، وفيصل بن تركي (م سنة ١٢٨٨ هـ/ ١٨٦٥ م) وأما حمد فتوفي في أيام طلبه. والحسن كان قاضيا في الرياض أيام تركي بن عبد الله وكان حاذقا في الفقه، توفى في حداثة سنه ولم يعمر طويلا، فلبى داعي الأجل سنة ١٢٤٥ هـ. وأما عبد الرحمن فتولى القضاء في عهد كل من تركي وفيصل، وكان ذا باع طويل في الفقه والتفسير والنحو. وأما عبد الملك بن حسين فكان قاضيا في الحوطة أيام الفيصل. وقد استفاد عبد الرحمن، وحسن، وعبد الملك أبناء حسين كلهم من الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (سيأتي ذكره فيما بعد) . ومن الذين تتلمذوا على الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام من أحفاد حسين بن شيخ الإسلام هم: حسين بن حمد بن حسين بن شيخ الإسلام (قاضي حريق في عهد الفيصل) ، وحسين بن علي (بن حسين) بن شيخ الإسلام (قاضي الرياض في عهد الفيصل) ، وعبد الله بن حسن بن حسين بن شيخ الإسلام. ٢- عبد الله: أما الولد الثاني للشيخ فهو عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب كان من العلماء الأجلاء المنصفين، وكان خليفة شيخ الإسلام بعد وفاة حسين بن محمد، وكان قد اعترف بمكانته العلمية في حياة حسين بن محمد. وكان مع الأمير سعود بن عبد العزيز حينما دخل مكة في سنة ١٢١٨ هـ/ ١٨٠٣ م. والرسالة التي نشرها الأمير سعود عن عقائد جماعته كانت بقلم عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ هذا. وكان موجودا في الدرعية أثناء غارة إبراهيم باشا سنة ١٢٣٢ هـ، ولما شاهد همجية الجيوش المصرية وتدميرها لم يستطع أن يصبر، فاستل السيف وبرز إلى ميدان القتال.

стр. 50

يقول ابن بشر: "فشهر سيفه عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وانتدب واجتمعوا عليه ... الخ١ " ثم قاتل ببسالة نادرة وجرأة عظيمة، والغالب أنه اعتقل وأرسل إلى مصر وتوفى هناك٢. وقتل اثنان من أولاده عند الاستيلاء على الدرعية، وهما: سليمان بن عبد الله، وعلي بن عبد الله. وكان سليمان عالما جليلا، وكان قاضيا في الدرعية في حياة والده وكذلك تولى إمارة مكة أيضا في عصر الأمير سعود مدة. وكان قد عهد إليه تدريس البخاري في مجلس الأمير سعود بن عبد العزيز، وكان هذا منزلة علمية عظيمة. وعبد الله بن شيخ الإسلام نفسه كان يلقي الدروس من تفسير الطبري وابن كثير، وقد حضر ابن بشر هذه الدروس٣. وتظهر من وصفه أهمية هذه الدروس والمجالس العلمية، فقد ذكر طريقته في التعليم والتحديث بكلمات طيبة جدا. كان آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر الأمر الذي جعل دحلان يصفه بأنه كان أشد تعصبا من والده٤.

стр. 51

وكان قد ألف شرحا لكتاب التوحيد إلا أنه لم يتمه كما ذكر ابن بشر١. وقد تتلمذ على والده وعلى الشيخ أحمد بن ناصر بن معمر (م سنة ١٣٢٥ هـ) ، والشيخ حسين بن غنام (م سنة ١٢٢٥ هـ) ، وقد قتل في أواخر سنة ١٢٣٣ هـ بطريقة مؤلمة وحشية وسنفصل الكلام في ذلك فيما بعد. وله كتاب غير هذا وهو"كتاب التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق"، وهو مطبوع طبع في سنة ١٣١٩ هـ، وهو الآن بين يدي، وخير شاهد على سعة علم مؤلفه وطول باعه. وذكر بروكلمان كتابين آخرين له (ملحق ٢: ٥٣٢) . وهما: ١. أوثق عرى الإيمان ٢. المسائل. ولم أطلع عليهما، ولكن توجد رسالة في مجموعة التوحيد المكية (ط سنة ١٢٤٣) بقلم الشيخ سليمان بن عبد الله في جواب مسائل مهمة، ولعلها هي ما ذكره بروكلمان من رسالة "المسائل". واستشهد علي بن عبد الله بن شيخ الإسلام في سنة ١٢٣٤ هـ في مكان قرب الدرعية، وكانت له يد طولى في الحديث والتفسير، وقد ألف أيضا شرحا لكتاب التوحيد٢. والولد الثالث لعبد الله بن شيخ الإسلام هو عبد الرحمن بن عبد الله، وكان عالما معروفا. وتوجد بعض الرسائل الصغيرة لحسين بن شيخ الإسلام، وكذلك بعض الفتاوى في المكتبة الشرقية في بتنة٣.

стр. 52

٣- علي ابن شيخ الإسلام: كان عالما جيدا نابغة يضرب به المثل في الزهد والورع، وكان ذا ملكة عظيمة في الفقه والتفسير. عرض عليه القضاء لكنه أبى من شدة زهده وورعه، وتوفى أولاده كلهم في صغرهم إلا محمد بن علي بن شيخ الإسلام، فقد نشا وترعرع وصار عالما نحريرا. ٤- إبراهيم ابن شيخ الإسلام: والولد الرابع لشيخ الإسلام هو إبراهيم اشتهر في التدريس، ودرس عليه ابن بشر كتاب التوحيد في صغره (سنة ١٢٢٤ هـ) ، ولم يتول القضاء. ومن أجل تلامذة الشيخ حفيده عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام، وهو من علماء نجد الفائقين، توفى والده في حياة الشيخ تتلمذ على جده في صغره ودرس على أجل تلامذة الشيخ أمثال أحمد بن ناصر بن عثمان بن معمر (سنة ١٢٢٥ هـ) ، وعبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري (م سنة ١٢٣٧ هـ) ، والشيخ عبد الرحمن بن حسن هو مجدد علمي لآل الشيخ، وقد اعترف بمكانته في العلم منذ البداية. كان قاضيا في الدرعية أيام الأمير سعود بن عبد العزيز (م سنة ١٢٢٩ هـ) والأمير عبد الله بن سعود (صلب سنة ١٢٣٤ هـ) ، وهو من أولئك العلماء الأربعة الذين كان يحتج بعلمهم في آل الشيخ بعد وفاة الشيخ حسين بن شيخ الإسلام في سنة ١٢٢٥ هـ، وكانوا يتولون القضاء في العاصمة الدرعية١. كان قد سافر بل نفي إلى مصر (سنة ١٢٣٣ هـ) عند الاستيلاء على الدرعية، ولما استقرت الأحوال وعادت الأمور إلى نصابها رجع إلى نجد سنة ١٢٤١ هـ، وبذلك نفقت سوق العلم مرة أخرى، لقد فاز واستفاد من دروسه مئات من الناس منهم عشرات من بيت شيخ الإسلام نفسه٢. تولى القضاء في عهد تركي بن عبد الله (م

стр. 53

سنة ١٢٤٩ هـ/ ١٨٣٤ م) وفيصل بن تركي (م سنة ١٢٨٣ هـ/ ١٨٦٥ م) . وكان مرجعا للخاصة والعامة عهدت إليه مسئولية التدريس في المجالس الخاصة للأمير تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود (م سنة ١٢٤٩ هـ) ، وكان يدرس في الغالب من تفسير ابن جرير. وتولى التدريس والإرشاد في عهد فيصل بن تركي أيضا، ولقد كان صيت الأساطين الأربعة ذائعا قبل الاستيلاء على الدرعية، ولكن بعد استقرار الأحوال من جديد لم يبق إلا عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ، وعلي بن حسين بن الشيخ، وذلك في عهد الأمير تركي بن عبد الله. ونرى أسماء عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ، وعبد الملك بن حسين تردد كثيرا مع عبد الرحمن بن حسن، وعلي بن حسين في عهد الأمير تركى وفيصل١. إلا أننا نرى ذكر عبد الرحمن بن حسن بالخصوص فقط في أواخر أيام فيصل بن تركي (بعد سنة ١٢٥٦ هـ) . وفي نهاية أيام فيصل نجد ابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن يتولى القضاء والتدريس، وقد عمر علي بن حسين بن الشيخ طويلا، والغالب أنه توفي في أواسط عهد فيصل سنة ١٢٦٠ هـ. وعلى كل حال فقد كان الشيخ عبد الرحمن بن حسن من أحق الناس احتراما وتعظيما في أواخر أيام فيصل بن تركي، فقد ألف ابن بشر كتابه في سنة ١٢٧٠ هـ، وأنهاه بذكر حوادث سنة ١٢٦٧ هـ، وكان حيا إذ ذاك. وقد لقيه٢ بالجريف (W. GIFFORD PALGRAVE) أثناء رحلته في سنة ١٢٧٩ هـ/ ١٨٦٢ م في الرياض مع ابنه عبد اللطيف، لكنه وهم إذ ظن أنه عبد الله بن الشيخ. توفي (الشيخ عبد الرحمن بن حسن) سنة ١٢٨٥ هـ بعد ما عمر طويلا. لقد ذكر ابن بشر عدة من مصنفاته ورسائله، وقد أكمل شرح كتاب التوحيد الذي تركه سليمان بن عبد الله بن الشيخ (م سنة ١٢٣٢ هـ) ناقصا، وقد طبع مرارا باسم "فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد" ٣. وله كتاب آخر غير فتح المجيد، وهو باسم "قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين" وهو مطبوع، وهو حواش على كتاب التوحيد، ولقد أكثر الأستاذ محمد حامد الفقي الذي أشرف على الطبعة الجديدة لفتح المجيد من النقل في حواشي

стр. 54

فتح المجيد من قرة عيون الموحدين. له رسالة مختصرة منقولة في عنوان المجد١ وكذلك نقل ابن بشر عدة من مكاتيبه. وتوجد له ثلاث رسائل في مجموعة التوحيد المكية: ١. رسالة في جواب الجهميه "من ص: ٣٢ إلى ١٦٩ " ٢. رسالة في حكم موالاة أهل الإشراك "من ١٥٧ إلى ١٦٩" ٣. بيان الحجة في الرد على صاحب اللجة "من ٢٠٥ إلى ٢٥٢" وقد قتل من أبنائه محمد بن عبد الرحمن بن حسن عند الاستيلاء على الدرعية مثل بقية أهل بيته٢. وخلفه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، وكان قد سافر إلى مصر في صغره عند الاستيلاء على الدرعية. تتلمذ على والده وغيره من أهل العلم، ورجع إلى نجد سنة ١٢٦٤هـ، وجاء بعدد كبير من الكتب، وصار يساعد والده منذ قدومه فشاركه في الأمور العلمية وفي أعمال الدعوة. ونرى عبد الرحمن بن حسن مدرسا وواعظا في مجالس فيصل بن تركي (م سنة ١٢٨٠ هـ) إلى سنة ١٢٦٢ هـ، ثم برز ابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، فهو المقدم في كل ناحية من قضاء وتدريس وإمامة. وابن بشر معجب بدروس تفسيره ويمدحها أشد المدح٣، وقابله بالجريف سنة ١٢٧٩ هـ/ ١٨٦٢ م، وسنه إذ ذاك كان حوالي أربعين. وكان قاضيا في العاصمة الرياض٤. وله رسالة سماها "منهاج التقديس والتأسيس في الرد على المبطل داؤد بن سليمان بن جرجيس"، وسيأتي الكلام على هذه الرسالة فيما بعد. ورسالة أخرى موجزة مطبوعة في مجموعة الهدية السنية "٢٨- ٤٠" ذكر فيها ترجمة موجزة لشيخ الإسلام. لم نعرف سنة وفاته بالتحقيق ولكن روى عالم سائح نجدي أنه توفي سنة ١٣٠٤ هـ٥. والولد الآخر للشيخ عبد الرحمن بن حسن هو إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن ولم

стр. 55

أجد له ذكرا في كتب التراجم ولكنني عرفته بطريقة عجيبة، وهي أنني ذهبت إلى وطني في شوال سنة ٥٩ "اوجاوان- بتنة" وبدأت أستعرض بعض الكتب البالية في مكتبة بيتي، فعثرت على نسخة من كتاب "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان"، وكان مكتوبا في الصفحة الأولى من الكتاب بخط عربي خالص: "في ملك الحقير الفقير إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد النجدي الحنبلي عفا الله عنهم". ولا تسأل عن فرحي واغتباطي حينذاك-! وبعد تصفح بعض الأوراق وجدت ملاحظة طويلة مكتوبة بنفس الخط تدل على غزارة علمه وتوجد ملاحظة أخري موجزة في وسط الكتاب أيضا، ويوجد ختم في بداية الكتاب تحت الاسم وتقرأ منه فقط كلمة "إسحاق " بوضوح. ولا أدري كيف وصل هذا الكتاب إلى بيتي؟ والغالب أن جدي "من الأم" الشيخ عبد الصمد (م سنة ١٣١٨ هـ) كانت له علاقة به، لأن الشيخ عبد الصمد كان من علماء أهل الحديث الأفاضل، وكانت له علاقات وطيدة أخوية مع أشهر علماء أهل الحديث في زمانه، وبعد البحث والتنقيب تبين لي أن الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن كان قد سكن في الهند، واستفاد من الشيخ السيد نذير حسين الدهلوي١ (م سنة ١٣٢٠ هـ) .

стр. 56

والنواب صديق حسن خان (م سنة ١٣٠٧ هـ) ١ والشيخ محمد بشير السهسواني (م

стр. 57

سنة ١٣٣٦ هـ) ١.

стр. 58

وفي هذه الأيام امتاز من علماء هذا السليل المبارك الشيخ محمد١ بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن. وله رسالة ألفها في سنة ١٣٣٩ هـ توجد في مجموعة الدرر السنية، وسنه الآن يقارب الثمانين حسب رواية الشيخ عمران بن محمد. وقد ذكر محمد حامد الفقي أسماء عالمين معاصرين من هذا البيت في ومقدمته على كتاب فتح المجيد، وهما عبد الله بن حسن آل الشيخ رئيس القضاة في المملكة العربية

стр. 59

السعودية والشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف١.

стр. 60

الباب الثاني في ميزان الحكم كل ما حدث في نجد وأرجائها من الإصلاحات الطيبة في حياة شيخ الإسلام أو بعد وفاته، إنما كان نتيجة لدعوته وإخلاصه. والحقيقة أنه لم يقم فقط بانقلاب في أهل نجد وعقائدهم وأخلاقهم، بل لقد غيرها من العقب إلى الرأس، ومن حسن حظه قد وجد أمراء مجاهدين أمثال محمد بن سعود (م سنة ١١٧٩ هـ/ ١٧٦٥ م) ، وعبد العزيز بن محمد بن سعود (١١٧٩ هـ/ ١٧٦٥ م إلى ١٢١٨ هـ/ ١٨٠٣ م) ، وسعود بن عبد العزيز (١٢١٨ هـ/ ١٨٠٣ م إلى ١٢٢٩ هـ/ ١٨١٤ م) ، الذين لم يألوا جهدا في إنجاز مهمته. ولقد التصق اسم آل سعود بدعوة الشيخ، ولذلك نحب أن نقدم من تاريخ آل سعود باختصار تلك الأجزاء التي ترتبط ارتباطا خاصا ومباشرا بالدعوة. محمد بن سعود١: من حين نشأت الدعوة وترعرعت أرسل الأمير محمد بن سعود (م ١٧٩١ هـ/ ١٧٦٥م) وفدا إلى الحرمين، وقد طلب هذا الوفد من الشريف سعود بن سعيد (١١٤٦ هـ/ ١٧٣٣م) إلى (١١٦٥ هـ/ ١٧٥٢ م) إذنا عاما للحج وتكلم مع علماء

стр. 61

الحرمين في المسائل المختلف فيها، ولكن "فقهاء الحرم" عاملوه معاملة مؤلمة جدا فقد اعتقل رجال الوفد وتمكن بعضهم أن ينجو بنفسه بعد صعوبات. منع أهل نجد من الحج: هذه رواية دحلان الذي لا توجد في أي من كتابيه١. تواريخ صحيحة ولا دونه الحوادث والوقائع بصدق وأمانة ولم تعين السنوات أيضا، وعلى كل حال فأقل ما يعرف من هذا أن أهل نجد كانوا قد منعوا من الحج من قبل هذا. وابن بشر لم يذكر في حوادث سنة ١١٦٢ هـ سوى قوله: "في سنة ١١٦٢ هـ اعتقل شريف مكة سعود بن سعيد الحجاج النجديين ومات بعضهم" ٢. لقد ظهرت دعوة شيخ الإسلام بعد سنة ١١٥٧ هـ، واشتهرت بعد سنه ١١٦٠ هـ، ولذلك فليس من المعقول أن حجاج نجد قد منعوا قبل سنة ١١٦٢ هـ من زيارة البيت الحرام. ويظهر لنا من هذه القرائن أن حادث المنع عن الحج قد أتى بعد قصة اعتقال الحجاج هذه، ولم يزل مستمرا سوى فترات معينة خاصة فقد تشرف عدد كبير من علماء نجد وعوامهم بزيارة بيت الله في سنى ١١٨٣ هـ، ١١٨٥ هـ، ١١٩٧ هـ، ولكن الإذن في كل مرة كان مؤقتا، ولم يجد أهل نجد فرصة للحج والزيارة "بحرية" إلا بعد استيلاء عبد العزيز على الحرمين٣ وهذه هي التفاصيل: عبد العزيز بن محمد بن سعود: لقد توفي الأمير محمد بن سعود أيام كانت الدعوة في شبابها، وخلفه ابنه عبد العزيز

стр. 62

بن محمد بن سعود١ وكما يقول مرغليوث لقد أرسل وفدا إلى مكة في سنة ١١٧٩ هـ "١٧٦٦ م" واستقبل الوفد بحفاوة وأضافه الشريف٢، وأكد الوفد لعلماء مكة أن عقائدهم ليست منفصلة عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل.

стр. 63

هذه رواية مرغليوث. أما ابن غنام وابن بشر وفلبى فلم يذكروا وفدا في سنة ١١٧٩ هـ، ولا ندري من أين أخذه مرغليوث، وبعد سكوت ابن غنام وابن بشر فلا يمكن الاعتماد على ما ذكره مرغليوث، وروايات أحمد زيني دحلان (الدرر السنية ص: ٤٤) أيضا متعارضة جدا في هذا الباب ولا يمكن الوثوق بها. أول حج بعد المنع: وفي سنة ١١٨٣ هـ وقعت مناوشة بين الموحدين وفرقة من قبل أشراف الحجاز، واعتقل رئيس الفرقة الشريف منصور فأطلق الأمير عبد العزيز سراحه بدون فدية، ولقد ترك صنيعه هذا أثرا طيبا، وفي مقابل ذلك أذن لهم شريف مكة بالحج، وانتهز الفرصة عدد كبير من الموحدين. قال ابن غنام: "فاغتنم لذلك من المسلمين طائفة وسارت للحج آمنة"١. ومع أن قرار الإذن لم يمتد إلى سنين أخرى إلا أنه قد انفتح باب المحادثات والمفاوضات بسبب ذلك. أول وفد نجدي: قال ابن غنام: وفيها (أي في سنة ١١٨٥ هـ ١٧٧٩ م) أرسل الشيخ وعبد العزيز إلى والي مكة أحمد بن سعيد الشريف هدايا، وكان قد كاتبهم وراسلهم وطلب منهم أن يرسلوا فقيها وعالما من جماعتهم يبين لهم حقيقة ما يدعون إليه من الدين ويحضر عند علماء مكة، فأرسل إليه الشيخ عبد العزيز الحصين وكتب معه إلى شريف مكة رسالة. واجتمع هو وبعض علماء مكة عنده وهم يحيى بن صالح الحنفي، وعبد الوهاب ابن

стр. 64

حسن التركي مفتى السلطان، وعبد الغني بن هلال وتفاوضوا في ثلاث مسائل وقعت المناظرة فيها. "الأولى: ما نسب إلينا من التكفير بالعموم. والثانية: هدم القباب التي على القبور. والثالثة: إنكار دعوة الصالحين للشفاعة ... فصار لهم بتلك العبارة اقتناع ولهم إلى الإقرار إسراع، وتفوّهوا بأن هذا دين الله، وقالوا هذا مذهب الإمام المعظم، وانصرف عنهم عبد العزيز مبجلا مكرماً" ١. وابن بشر أيضا يذكر قصة هذا الوفد٢ ولكن بإيجاز، ولقد فصل الكلام فيه فلبي ولكن مصدره على الغالب هو روضة الأفكار لابن غنام، وأنه خلط بين حج سنة ١١٨٣هـ "١٧٦٩ م " ووفد سنة ١١٨٥ هـ (١٧٧١ م" مع أن ابن غنام ذكر كلا منهما منفصلا عن الآخر. وكان رئيس هذا الوفد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين، وهو من خواص تلامذة شيخ الإسلام وكان موضع ثقة كاملة له، وقد أرسله رئيسا على الوفد إلى مكة مرتين، وكان يتولى منصب القضاء في عهود الأمير عبد العزيز "م ١٢١٨ هـ/ ١٨٠٣" وسعود بن عبد العزيز (م ١٢٢٩ هـ/ ١٨١٤م) ، وعبد الله بن سعود (صلب ١٢٣٤ هـ/ ١٨١٩ م) بعد وفاة الشيخ. ولقد عامله إبراهيم معاملة سيئة جدا عند الاستيلاء على الدرعية سنة ١٢٣٤ هـ، وشدد عليه في الكلام٣ وكان إذ ذاك قد ضعف جدا. وهكذا تكون نشوة الفتح والاستعلاء الدنيوي، ولكنه والحمد لله لم يقتل مثل الآخرين، وتوفي في ١٢ رجب سنة ١٢٣٧ هـ (ط إبريل سنة ١٨٢٢ م)

стр. 65

الجدب والإذن العام للحج: قال ابن غنام: "وفيها (سنة ١١٩٧ هـ/ ١٧٨٥ م) أهدى عبد العزيز - حرسه الله تعالى - علي سرور والي مكة المشرفة خيلا وركابا، وكرمه بذلك وشرفه، وقصده بذلك التشريف والإكرام وإهدائه ذلك النفيس الذي هو أجل الحطام الرخصة لأهل الدين والإسلام في أداء واجب الافتراض والالتزام خامس أركان هذا الدين على التحقيق والجزم واليقين الذي منعوه من سنين، وكانوا على قضائه متوجدين، فجاء الأمر منه في ذلك بالرخصة، فشمر المسلمون وانتهزوا الفرصة فحجوا ذلك العام وكانوا نحو ثلاثمائة من الأنام١. وابن بشر سكت عن هذه القصة تماما. أما فلبي فقد فصل الكلام في الاستئذان ونتائجه، وقال في الجدب الذي عم في سنة ١١٩٧ هـ/ ١٧٨٥م. "ولكن مع ذلك (يشير إلى تلك الجهود التي بذلها الأمير عبد العزيز) قد منى العرب كلهم بمصائب عظيمة بسبب هذا الجدب الذي استمر طوال سنتين ولكن الجدير بالذكر أن الشريف لما أبلغ الأمير الوهابي برفع الحظر المفروض على النجديين، وأخلى سبيلهم إلى الحج لم يستفد منه سوى ثلاثمائة رجل٢ وذلك بسبب القحط. وهذا الإذن الثاني ذو أهمية خاصة في تاريخ العرب في تلك الأيام، فقد كان سرور قد انفصل تماما عن حكومة الخليفة المزعومة في قسطنطينية، وكان قد بدأ يشن الغارة على حدود عسير ونجد، وكان يريد من منع النجديين من الحج أن يظهر قوته عليهم، ولكن الوهابيين أبوا أن يذعنوا له. وفي مقابل ذلك بدءوا يتعرضون لقوافل الحجاج العراقية والفارسية التي كانت تمر من بلادهم، ولم يكن في وسع الشريف سرور أن يضمن حمايتهم، وكانت النتيجة أن باشا العراق منع القوافل من الخروج، وذلك لأن حكومة

стр. 66

فارس كانت تعتبر الباشا البغدادي مسئولا عن المتاعب التي كان يلقاها الحجاج في الصحراء، وكانت موارد أهل الحجاز تنحصر في تلك الأيام على هذه القوافل التي كانت ترد عليهم من طريق البر. ولما ضاق الشريف ذرعا من تجار مكة والمدينة اضطر إلى تحسين علاقاته مع الحكومة النجدية، ولم يجد مناصا سوى الخضوع، ولما أرسل الحاكم الوهابي هدايا الخيل والإبل إلى الشريف في أيام الجدب ظهر لجميع الناس أن العلاقات قد تحسنت١، إلا أن الإذن أيضا بدا مؤقتا٢. وفد نجدي ثان: توفى الشريف سرور في سنة ١٢٠٢ هـ، وتولى الأمر بعد ذلك عبد المعين بن مساعد، وخلفه غالب بن مساعد، وهو الشريف غالب الذي وقعت في عهده المعارك بين أهل نجد والحجازيين والمصريين، وحسبما يرويه المؤرخون فقد كان ينوي اجتناب هذا الصراع إلا أن العلماء حالوا دون كل هدنة. ومهما كان الأمر فإن أقوى دليل على تفهمه للأمور أن الشريف غالبا (١٢٠٢ - ١٢٢٨ هـ) بعد مدة سنتين فقط من توليه للإمارة طلب من الأمير عبد العزيز عالما يستطيع أن يتكلم في دعوة شيخ الإسلام. وقد لبى الأمير عبد العزيز هذه الدعوة فرحا مسرورا، واختار الشيخ عبد العزيز الحصين لهذه المهمة (وهو الذي كان رئيس الوفد الأول) ، وكتب شيخ الإسلام رسالة بيده ذكر فيها الأدلة بكل تفصيل مع الإشارة إلى الوفد الأول، وأن علماء مكة قد اطمأنوا إليهم في ذلك الوقت. واستقبل الشريف غالب الشيخ عبد العزيز الحصين استقبالا طيبا وكلمه طويلا، واعترف بأهميته وصدق أدلته، إلا أنه تراجع عن رأيه بعد ما أغواه العلماء المحليون، وحذره "فقهاء الحرم" بأنه إن أطاع

стр. 67

ابن سعود فسوف يفقد إمارته ووقع هذا الأمر في قلب الشريف غالب ومنعه الفزع من الإمارة النجدية عن قبول الحق، ولقد ذاق العالم الإسلامي كله مرارته. وألح عليه الشيخ عبد العزيز أن يجتمع مع جماعة من علماء مكة، ويناقشهم في المسائل المختلف فيها بصراحة ووضوح إلا أن العلماء لم يرضوا بهذا وأعلنوا بالحرف الواحد:- "هؤلاء الجماعة ليس عندهم بضاعة إلا إزالة نهج آبائك وأجدادك، ورفع يدك عن معتادك وجوائز بلادك، فطار لبه وارتعش قلبه"١، ولو أن "فقهاء الحرم" أخذوا جانب الحزم والتعقل، وتجنبوا هذه المعاملة المتهورة، وتم التفاهم بين الشريف غالب والأمير عبد العزيز لحقنت دماء المسلمين الغالية. والعجب أن ابن بشر لم يذكر هذا الحادث المهم. وفد نجدي ثالث: وبعد ما خاب الوفد الثاني في مهمته ابتدأت المناوشات بين الجانبين. وبدأ بها غالب بنفسه في سنة ١٢٠٥ هـ (١٧٩١م) ، واستمرت هذه الاشتباكات مدة طويلة تخللتها مهادنات، وفي خلال هذه المدة استمرت الجيوش النجدية في توسيع نفوذها في بقية أنحاء الجزيرة العربية حتى هجموا على جزيرة العمائر قرب الأحساء في سنة ١٢١١ هـ، ورجعوا غانمين٢. ولما رأى الشريف غالب هذا الازدياد في القوة النجدية بادر إلى المفاوضات مرة أخرى، وكتب إلى الأمير عبد العزيز كتابا طلب فيه أن يرسل عالما نجديا يستطيع أن يعرض مذهب الموحدين على أهل مكة. وكان الوفدان السابقان قد ذهبا في حياة شيخ الإسلام ومعهما مكتوب من شيخ الإسلام، وجاءت مطالبة الوفد الثالث بعد ما توفي الشيخ "سنة ١٢٠٦ هـ"، ولكن مع ذلك سارع الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى استجابته، ولم يكن هناك شيء أحب إليه من الدعوة إلى الله، واختار لهذه المهمة أحد تلامذة الشيخ الأجلاء وهو الشيخ حمد بن ناصر بن

стр. 68

عثمان بن معمر. ولما فرغ الشيخ حمد بن ناصر ورفقاؤه من الطواف قدموا هدايا الأمير عبد العزيز إلى الشريف، واستقبلوا استقبالا وديا، واستمرت المناقشات عدة أيام مع علماء مكة، وفي الأخير قدمت أسئلة عديدة إلى الشيخ حمد بن ناصر وطلب منه أن يكتب أجوبتها، فأجاب عنها مفصلا ومبرهنا بالأدلة، وقد طبعت هذه الأجوبة في رسالة سميت "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب"١، وتكلم في هذه الرسالة بالخصوص على مسألتين وهما: الشفاعة والاستغاثة وتكفير تاركي الصلاة وقتالهم. وسنتكلم فيما بعد بالتفصيل في هذه المواضيع، ولذلك لا أرى التعرض بموضوع بحث هذه الرسالة. وكانت هذه المناظرة في شهر رجب سنة ١٢١١ هـ في مجلس حافل أمام الشريف غالب. وعلق ابن غنام على هذه المناظرة في حوادث سنة ١٢١١ هـ:- "إنهم اعترفوا باستقامة حججه، ولكن مع ذلك جحدوا- الخ". وقد نقل ابن غنام الرسالة بكاملها٢ وذكر فلبي أيضا٣ جميع ما جرى في هذا الوفد والمناظرة، والعجب أن ابن بشر سكت أيضا عن ذكر هذا الوفد. ومن المناسب هنا أن اذكر كلمات في شأن رئيس الوفد حمد بن ناصر بن معمر فكان يتشرف بتتلمذه على شيخ الإسلام مثل رئيس الوفد الأول والثاني الشيخ عبد العزيز الحصين (م سنة ١٢٣٧ هـ) ، وزيادة على ذلك كان قد استفاد من أخيه سليمان بن عبد الوهاب (م سنة ١٢٢٥ هـ) ، وقد تولى القضاء في الدرعية مدة طويلة، وكان الأمير سعود بن عبد العزيز (١٢١٨- ١٢٢٩ هـ) قد أرسله للتدريس والإفتاء في مكة المكرمة، وتوفي هناك في أواسط ذي الحجة ١٢٢٥ هـ (بداية كانون الثاني يناير سنة ١٨١١ م٤ صلح بعد حرب: لقد زادت فتوحات "الوهابيين" حتى أن الباب العالي اهتم في شأنهم، وسلمت هذه

стр. 69

المهمة إلى سليمان باشا والي بغداد١، فأرسل جيوشا لكبح جماحهم بقيادة "ثويني" ثم بقيادة "علي باشا"٢، ولكنها رجعت خائبة خاسرة، وصارت الجيوش النجدية تشن غارات باستمرار على حدود العراق، وتقدم الأمير عبد العزيز فاستولى على البحرين وسواحل عمان وحكم سيطرته بهجمات على حكام بغداد والبصرة الأتراك. ولم يزل الحظر المفروض على النجديين من الحج مستمرا، وفي مقابل ذلك لم يزل هجومهم على العراق والتعرض لقوافل العراقيين مستمرا. وكان كل هذا مصدر تعب وقلق دائمين لأشراف مكة، فاضطروا لرفع الحظر عن الحج مرارا، وطلبوا الوفود للتفاهم، ولكنهم في الأخير عزموا على شن الغارة. وكانت هذه عادة الشريف غالب فقد قام بشن غارات شاملة بعد استعدادات كاملة في سني ١٢٠٥ "١٧٩٠ م" و ١٢١٠ هـ "١٧٩٥ م" و ١٢١٢ هـ "١٧٩٨ م" ولكن في كل مرة كان حظه الهزيمة ٣. ووقعت أعنف هذه المعارك٤ وآخرها في سنة ١٢١٢ هـ في الخرمة (قرية معروفة عند تربة) ، ومنى فيها غالب بهزيمة نكراء، وقتل آلاف من رجاله فلم يجد بدا من المصالحة والإذن للحج، وعينت الحدود بين الطرفين فكانت عتيبة وحرب والناحية الشمالية من عسير في حدود مملكة الشريف. وتم هذا الصلح في آخر جمادى الأولى سنة ١٢١٣ هـ (كانون الأول ديسمبر سنة ١٧٩٨ م٥، وعلى أثر ذلك بدأ النجديون وكذلك القوافل العراقية يؤدون فريضة الحج بأمن وسلام من سنة ١٢١٣ هـ إلى سنة ١٢١٥ هـ.

стр. 70

الحج سنة ١٢١٣ هـ: بعد معركة الخرمة أرسل الشريف رسولا إلى عبد العزيز وطلب منه الصلح فقبله الأمير، وأذن الشريف لأهل نجد بالحج، وفي العام نفسه تشرف ركب آخر من نجد بأداء فريضة الحج، وكان فيه نجلان لشيخ الإسلام وهما: علي بن محمد وإبراهيم بن محمد١. ويعلق دحلان على هذا بقوله: "وقد ارتبط بينهم عهود ومواثيق على المسالمة، وأن الحرب بينهم موقوف وأن يحج الوهابيون بيت الله الحرام، ونادى المنادي بالأمن والأمان ومنع الناس عن التعرض لهم باليد واللسان، فأقبلوا على مكة من كل مكان. فسبحانه وتعالى كل يوم هو في شأن ٢. ويذكر أحمد دحلان حج حمد بن ناصر أيضا إلا أن ابن بشر لم يذكر اسمه في نطاق ذكره للأعيان الآخرين. ولم يتمكن الأمير عبد العزيز ولا سعود بن عبد العزيز من أداء الحج في ذلك العام؛ وذلك بسبب أن نائب سليمان باشا وهو علي باشا قد أرسل جيشا عظيما لمحاربتهم، فاشتغل الوالد والولد في الاستعداد لهذه المهمة، ووقعت هذه الحادثة ما بين رمضان وذي القعدة سنة ١٢١٣ هـ (سنة ١٧٩٩ م) . الحج سنة ١٢١٤ هـ: "وفيها حج سعود بن عبد العزيز حجته الأولى، وأجمل معه غالب أهل نجد والجنوب والأحساء والبوادي غيرهم، وكانت حجة حافلة بالشوكة وجميع الخيل والجيش والأثقال والنساء، واعتمروا وقضوا حجهم على أحسن الأحوال، ولم ينلهم مكروه ورجعوا سالمين ولله الحمد والمنة"٣.

стр. 71

"وفي سنة أربع عشرة حج سعود بن عبد العزيز ومعه قوم كأمثال الرمال، واجتمع بمولانا الشريف في خيمة ضربت لهما بالأبطح، ورجع في الثامن والعشرين من ذي الحجة (مايو سنة ١٨٠٠ م) .١ الحج سنة ١٢١٥ هـ "وفيها حج عبد العزيز بن محمد بن سعود بالناس، واحتفلوا احتفالا أعظم من الأول التي قبلها، وأجمل معه غالب أهل نجد ومن تبعهم من البوادي وغيرهم بالنساء والأطفال، وحج معه ابنه سعود ثم إن عبد العزيز لما سار سبعة أيام أنس من نفسه الملل والثقل، وبالغ معه ابنه سعود..، فرجع عبد العزيز..، ورجع إلى الدرعية وحج سعود بالمسلمين واعتمروا وحجوا على أحسن حال، واجتمع سعود بغالب في مكة وبذل سعود في مكة من الصدقات والعطاء شيئا كثيرا. وهذه حجته الثانية" ٢. "وفي هاتين السنتين مرت قوافل الحجاج من أرجاء بلدان نجد آمنة مطمئنة، وكان سعود بن عبد العزيز بنفسه يشرف عليها، وفي السنة الثانية تشرف حاكم عمان أيضا بالحج".٣ لقد أخذنا هذا الترتيب بين الوقائع والحجات من مراجع موثوق بها، وقد حصل بعض الغلط في الترتيب عند الأمير شكيب أرسلان، ولعله بسبب اعتماده على بعض المصادر الأوربية٤. وكذلك الأمر في مقالة ما ردتمان ومع أن السنين فيها قد كتبت صحيحة إلا أن الترتيب منقلب٥. الغارة على كربلاء سنة ١٢١٦ هـ/ ١٨٠٢ م: لقد بولغ كثيرا في رواية قصة غارة النجديين على كربلاء وإهانة النجف وبلد الحسين ولكننا نذكر هنا الوقائع الصحيحة وبإيجاز: "ولقد فشلت تماما تلك الحملات المتكررة التي قام بها ولاة البصرة وبغداد من

стр. 72

الترك مع حلفائهم من آل المنتفق عام ١٧٩٧م، وحملة كخيا علي باشا سنة ١٧٩٨ م في إجلاء الوهابيين من الحسا. وانتهت هذه الحملات بتهادن عبد العزيز ووالي بغداد لمدة ست سنوات، ولكن صلات الوهابيين الودية مع بغداد والأشراف لم يطل أمدها. فداهم سعود بن عبد العزيز مدينة كربلاء في ١٨ ذي الحجة عام ١٢١٦ هـ (٢١ إبريل ١٨٠٢ م) للانتقام من قبيلة خزاعل الشيعية لاعتدائها على قافلة وهابية" ١. "وفيها سار سعود بالجيوش المنصورة والخيل العتاق المشهورة، ومن جميع حاضر نجد وباديها والجنوب والحجاز وتهامة وغير ذلك، وقصد أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين، وذلك في ذي القعدة٢، فحشد عليها المسلمون وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت، وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها على قبر الحسين وأخذوا ما في القبة وما حولها، وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر، ولم يلبثوا فيها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر بجميع تلك الأموال، وقتل من أهلها قريب من ألفي رجل" ٣. ومهما فرح أهل نجد بهذه الحادثة وشفي غيظهم إلا أنها أثارت موجة السخط والغضب بين المسلمين عامة والشيعة الإيرانيين خاصة ويقال أن "فتح علي شاه قاجار" (١٢١٢ هـ - ١٢٥٠ هـ/ ١٧٩٨ م- ١٨٣٤ م) قد عزم على شن الغارة على نجد بجيش عدته مائة ألف رجل، وكان سليمان باشا حاكم بغداد أيضا يعد جيشا عظيما. إلا أن أهل إيران قد اشتبكوا مع الروس، واشتغل سليمان باشا في إخماد ثورة من قبل الأكراد وهكذا صرفوا عما أرادوا ٤. أما غضب "فتح علي شاه قاجار" فمعقول ولكن كتب التاريخ الأخرى لا تثبت

стр. 73

إرادته غزو نجد. ولقد وجدت مخطوطة في المكتبة الشرقية ببتنة تلقي بعض الضوء على هذه الحادثة، وفيها رسالة من الأمير سعود بن عبد العزيز باللغة الفارسية إلى "فتح علي شاه قاجار" وفيها ذكر لقتل أهل نجف مع ذم أعمالهم الشركية، وكتب فيها أيضا أن "فتح علي شاه" إن لم يحاول استئصال هذه المفاسد فسيضطر أمير نجد أيضا إلى اتخاذ إجراءات صارمة. ومع هذه الرسالة يوجد جواب "فتح علي شاه" وقد حذر فيه أمير نجد، وأكد عليه أن يمتنع عن هذه (المظالم) ، وفي بداية الرسالة توجد بعض التوضيحات والإفادات عن دعوة شيخ الإسلام بكلمات موجزة، وهذه الإفادات من قبل سعود بن عبد العزيز. وأما أصل الرسالة فقد كتب من قبل الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، وعند الهجوم على كربلاء كان الأمير عبد العزيز حاكما وسعود بن عبد العزيز وليا للعهد وقائد الجيش، فمن المعقول أيضا وجود أسمائهما في الرسالة. كتبت هذه المخطوطة الوجيزة في سنة ١٢١٩ هـ/ ١٨٠٤ م أي بعد ثلاث سنين من الحادث فقط. ولا يوجد تاريخ في الرسائل إلا أنها كتبت في أيام قريبة من الهجوم على كربلاء وليس فيها أي ذكر لغارة "فتح علي شاه" المزعومة. ومن جهة أخرى يتبين لنا من تصريحات فلبي١ أن العلاقات بين "فتح علي شاه" وسعود بن عبد العزيز كانت طيبة وودية في سنة ١٨٠٨م؛ ولذلك فلا يمكن أن نقطع بشيء في إرادة ملك إيران الغارة على نجد. أما غارة سليمان باشا حاكم العراق فالذي نعرف عنها أنه توفي في سنة ١٢١٧ هـ أي بعد مدة قصيرة من حادث كربلاء.٢ انتهاء الهدنة سنة ١٢١٧ هـ: إن معاهدة الهدنة التي أبرمت بين الجانبين بعد وقعة الخرمة لم يقدر لها البقاء مدة طويلة، واتهم الشريف غالب الجيوش النجدية بخرق المعاهدة والقيام بأعمال عدوانية.

стр. 74

ولما لم تنحل المسألة بالمكاتبات أرسل الشريف غالب وزيره "عثمان المضايفي" لإجراء مفاوضات، إلا أنه لما وصل هناك انضم إليهم، ولما رجع دعا غالبا إلى المبارزة من قبل حلفائه الجدد. ومن جهة أخرى ساءت العلاقات بين غالب وأخيه عبد المعين، واستنجد عبد المعين بسعود فوقع اشتباك قرب الطائف، وتحصن غالب في قلعة الطائف إلا أنه مني بالهزيمة أخيرا، واستولى الجيش السعودي على الطائف، وعين عثمان المضايفي حاكما للحجاز١، وانتشرت الجيوش النجدية في الأطراف والجوانب، وأخذوا يتوجهون نحو مكة المكرمة. كان الحج قريبا وكان الركب الشامي نازلا على بعد ثلاثة أيام من الحرم بقيادة (عبد الله باشا) ، فتصالح مع سعود على شرط أن يعود الركب إلى بلاده بعد ثلاثة أيام من فراغه من شعائر الحج، وطلب غالب من عبد الله باشا أن يتوسط له لدى سعود إلا أنه رجع إلى بلاده بمجرد فراغه من الحج حسب شروط الاتفاق، وذهب طلب غالب هباء.٢ دخول مكة: بعد ما انتهت أعمال الحج لجأ غالب إلى جدة ودخل سعود بن عبد العزيز مكة المكرمة فاتحا وذلك في يوم السبت ٨ محرم الحرام سنة ١٢١٨ هـ "٣٠ إبريل سنة ١٨٥٣ م"٣، ولم يلق سعود أي معارضة من قبل المواطنين، وعين عبد المعين شقيق غالب أميرا على مكة وتوجه بنفسه إلى الإصلاح. قال ابن بشر: "ودخل سعود مكة واستولى عليها، وأعطى أهلها الأمان وبذل فيها من الصدقات

стр. 75

والعطاء لأهلها شيئا كثيرا. فلما فرغ سعود والمسلمون من الطواف والسعي تفرق أهل النواحي يهدمون القباب التي بنيت على القبور والمشاهد الشركية. وكان في مكة من هذا النوع شيء كثير في أسفلها وأعلاها ووسطها وبيوتها فأقام فيها أكثر من عشرين يوما ولبث المسلمون في تلك القباب بضعة عشر يوما يهدمون. يباكرون إلى هدمها كل يوم وللواحد الأحد يتقربون حتى لم يبق في مكة شيء من تلك المشاهد والقباب إلا أعدموها وجعلوها ترابا" ١. "لقد ولى سعود عبد المعين إمارة مكة وتوجه إلى تطهير الحرم من أرجاس الوثنية، ووزع الجواهر والأموال الموجودة في الكعبة وهدمت القباب وقتل بعض السدنة٢". ولم يذكر ابن بشر شيئا عن توزيع الجواهر وقتل السدنة. وهذا جانب واحد من دخول سعود مكة، ولعل عامة الناس لا يرضون بهذا فلنلاحظ الجانب الآخر أيضا. يقول الراهب هيوجس (Huges) : "لم يصب المواطنين أي أذى لأجل قداسة الحرم. وبعد أن تولى الإمارة أهل نجد عمرت المساجد حتى أن هذا المنظر من الزهد والطاعة لم ير له مثيل في هذا البلد الأمين بعد عهد النبوة" ٣. وكتب معاصر أوروبي آخر وهو برك هارت: "مازال أهل مكة يذكرون اسم سعود بالشكر والرضى حتى الآن، وما زالت معاملة الجنود الطيبة تذكر بثناء ومدح، وبالخصوص معاملتهم في أيام الحج والزيارات. ولم يستطيعوا أن ينسوا تلك المعاملة العادلة التي شاهدوها من جيوشه"٤ وزيادة على هذا أجبر الناس كلهم على الصلاة مع الجماعة، ودمرت آلات التنباك والملابس الحريرية، وألغيت المكوس والرسوم التي لا يقرها الشرع الإسلامي٥.
следующие страницы →