← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الكِفاية في التَّفسيرِ بِالمأْثورِ والدِّراية تأليف الفقير إلى رحمة ربه د. عبدالله خضر حمد الجزء الأول المقدمة والتمهيد وتفسير سورة الفاتحة الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م حقوق النسخ والطبع والنشر مسموح بها لكل مسلم الرقم الدولي ISBN: ٩٩٥٣ - ٧٢ - ٧١٥ - ٥

стр. 2

الطبعة الأولى ١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م الناشر: دار القلم بيروت - لبنان ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

стр. 3

المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: يعد تفسير القرآن الكريم الركيزة المهمة لدارسي العلوم الإسلامية، والدراسات المرتكزة عليها، كالدراسات الاسلامية، والثقافة الإسلامية ... الخ، والتفسير هو فهم القرآن الكريم، وفق إحدى مدارس المفسرين، كالمدرسة اللغوية، والمدرسة الموضوعية، والمدرسة اإلعجازية، وتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنّة النبوية، إلى غيرها من المدارس الأخرى، وتؤكد نتائج الدراسات التي أجريت أخيراً حول موضوع تفسير القرآن ومصادره، كدراسة عبد العليم صبّاح (١٩٩٩)، ودراسة محمد عبد النبي محمود (٢٠٠٤)، وغيرها من الدراسات بأن دراسة التفسير لها أهمية كبيرة للطلبة في كافة مراحل التعليم، سواء على الصعيد الجامعي، أو التعليم في الدراسات العليا، وأكدّت هذه الدراسات على أن للتفسير دوراً كبيراً في فهم مقصود المولى في آياته في كافة الوقائع واألحداث، كما أشارت دراسة عبد الوافي المعلم (١٩٩٧)، بأن عن طريق دراسة تفسير القرآن الكريم يمكن الوقوف على بعض الألفاظ الغريبة في القرآن الكريم، ومعرفة أسباب نزول الآيات القرآنية الكريمة. وقد أفرد الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره باباً سمّاه: " باب ما جاء في إعراب القرآن وتعليمه والحث عليه، وثواب من قرأ القرآن معرباً" (١)، ضمنه مجموعة من الأحاديث والأخبار التي تدل في مجموعها على تفضيل من قرأ القرآن معرباً وذم اللحن فيه وذلك "صوناً من تحريف الكلم عن مواضعه ودرءاً للخروج على مراد اهلل ﵎" (٢).

стр. 4

ومن الأحاديث والأخبار في هذا الشأن ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه" (١). وقال عبد الله بن مسعود ﵄: " جوّدوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي، والله يحب أن يعرب به" (٢). وقال أبو بكر (٣)، وعمر (٤) ﵄: " لبعض إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ حروفه" (٥). وقال ابن عمر: "أعربوا القرآن" (٦). قال السيوطي: "والمقصود من الإعراب في هذه النصوص ليس ما اطلع به علماء النحو، وإنما المقصود تفسير ألفاظه وتوضيح معانيه وبيان غريبه" (٧). فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتَعلُّم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] [آل عمران: ١٨٧]، وقال تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [آل عمران: ٧٧]. فذمّ الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله إليهم، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله، فعلينا أن ننتهي عما ذمَّهم الله تعالى

стр. 5

به، وأن نأتمر بما أمرنا به، من تَعَلُّم كتاب الله المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] [الحديد: ١٦، ١٧]. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها تنبيه على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها، كذلك يلين القلوب بالإيمان بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسؤول أن يفعل بنا ذلك، إنه جواد كريم. المنهج في التفسير المنهج لغة: نَهَجَ: الطريق الواضح و (المَنْهَجُ) و (المِنْهَاجُ) مثله و (نَهَجَ) الطريق (يَنْهَجُ) بفتحتين (نُهُوجًا) وضح واستبان و (أَنْهَجَ) بالألف مثله و (نَهَجْتُهُ) و (أَنْهَجْتُهُ) أوضحته يستعملان لازمين ومتعديين (١) نهج النهج: الطريق الواضح، وكذلك المنهج والمنهاج. وأنهج الطريق، أي استبان وصار نهجا واضحا بينا، قال يزيد بن الخذاق العبدى (٢): ولَقَدْ أَضَاءَ لَكَ الطَّرِيقُ وأَنْهجَتْ ... سُبُلُ المَسَالكِ والهُدَى يُعْدِي ونهجت الطريق، إذا أبنته وأوضحته، يقال: اعمل على ما نهجته لك، ونهجت الطريق أيضا، إذا سلكته. وفلان يستنهج سبيل فلان، أي يسلك مسلكه (٣)، وفي التنزيل ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: ٤٨) (٤). والمنهج اصطلاحاً: هو فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن حقيقة حين نكون بها جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين " (٥) وهذا تعريف عام لمنهج البحث العلمي والتعريف الاصطلاحي العام هو قريب من التعريف اللغوي لأن كليهما يعتمد على التوضيح والاستبانة للطريق. ويعرف المنهج بأنه "أداة التربية ووسيلتها، وهو ذلك الطريق الواضح الذي يسلكه المربي أو المدرس مع مَنْ يربيهم لتنمية معارفهم، ومهاراتهم، واتجاهاتهم، أو هو مجموع الخبرات التربويّة، والثقافيّة، والاجتماعيّة، والرياضيّة، والفنيّة، التي يهيئها المدرس لتلاميذه داخل المدرسة وخارجها بقصد مساعدتهم على النّمو الشامل في جميع النواحي وتعديل سلوكهم طبقاً لأهدافها التربويّة" (٦).

стр. 6

وانطلاقاً من هذا المفهوم الشامل للمنهج الدراسيّ المعاصر؛ فإنَّ للمنهج أربعة أركان رئيسية: أولها: الأهداف التربويّة. ثانيها: المادة العلميّة الشاملة للمعارف، وأوجه النشاط والخبرات التي تتكوّن منها مادة المنهج. ثالثها: طُرق وأساليب التدريس المتبعة مع التلاميذ لدفعهم إلى التعلُّم وتحقيق أهدافه المرسومة. رابعها: طُرق التقويم والقياس (١). أمَّا المنهج الإسلاميّ فإنَّه يعرف بأنَّه قانون الحياة الذي أنزله الله سبحانه إلى الجنس الإنسانيّ ليحكّموه في حياتهم وشؤونهم المختلفة، وهو منهج يتجاوب مع الفطرة الإنسانيّة التي فطر الله تعالى الناس عليها، والله أعلم بها؛ لأنَّه خالقها، قال تعالى: [أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، ذلك أنَّ الخالق أعلم بتصميم منهاج الحياة من الإنسان الذي يجهل طبيعة نفسه وطبيعة عقله، قال تعالى: [مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]. إنَّ الإنسان يعلم ما يبدو له من ظاهر الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]. ومن هنا؛ فإنَّ الإطار العام لهذا المنهج التربويّ الربانيّ المُنْزَل في جميع الأديان متفق في تجاوبه مع الفطرة الإنسانيّة الكامنة في كل إنسان؛ لأنَّ الناس جميعاً صفتهم الفطرة مشتركة عقلاً، ونفساً، وروحاً، وقلباً، وجسماً، فهو منهاج متكامل للإنسان في هذه المجالات الخمسة، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. وبناءً على ما تقدّم؛ فإنَّا نقصد بـ "مناهج المفسّرين": "الطُرق التي يتبعها المفسِّرون في تفسير كتاب الله تعالى". ذلك أنَّ منهم الذي يعتمد على الرواية، ومنهم مَنْ يعتمد على الدّراية، ومنهم مَنْ يجمع بين الرواية والدّراية، ومنهم مَنْ يعتمد على الفهم الشَّخصيّ والمجال الذي تخصَّص فيه. ومن هنا برزت عدّة مسمّيات، منها: "التَّفسير بالمأثور"، "التَّفسير الموضوعيّ"، "التَّفسير الصوفيّ الإشاريّ"، "التَّفسير الصوفيّ النَّظريّ"، "التفسير العلميّ"، و"التَّفسير البدعيّ" الذي يؤول كلام الله ويحمّله معاني فاسدة وبعيدة عن النَّص القرآنيّ الكريم. إن أصح الطرق في ذلك أن يُفَسَّر القرآن بالقرآن، ومن ثم بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، كما قال الشافعي-﵀: "كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نزلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] " (٢).

стр. 7

وعن أيوب السختياني أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير -وهو من كبار التابعين (ت ٩٥ هـ): لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: "والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا" (١). وقال مكحول الشامي -وهو من ثقات التابعين وفقهائهم- (ت ١١٣ هـ): "القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن" (٢). وعن حسان بن عطية -وهو أحد ثقات التابعين، مات بعد سنة ١٢٠ هـ- قال: "كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ، ويحضره جبريل بالسنة التي تفسر ذلك" (٣). وقال يحيى بن أبي كثير -وهو من صغار التابعين الثقات الأثبات، ت ١٢٩ هـ-: "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السنة" (٤).

стр. 8

وقال الإمام الطبري ﵀: "تأويلُ القرآن غيرُ مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن" (١). وقال ابن تيمية ﵀: "اتفق الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة الدين؛ أن السنة تُفَسِّر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عن مجمله" (٢). وقال الشاطبي ﵀: "لا ينبغي في الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه، وهو: السنة" (٣). ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه" (٤)، قال ابن القيم ﵀ معلقا على الحديث: "هذا هو السنة بلا شك" (٥)، وقال ابن كثير: "يعني: السنة، والسنة أيضا تنزل عليه بالوحي، كما ينزل القرآن؛ إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن" (٦)، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن، وقد استدل الإمام الشافعي، ﵀ وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك. والغرض أنك تطلب تفسيرَ القرآن منه، فإن لم تجدْه فمن السنة، كما قال رسولُ الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد برأيى. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفَّق رَسُولَ رسولِ الله لما يرضى رسول الله" (٧)، وهذا الحديث في المساند والسنن بإسناد جيد، كما هو مقرر في موضعه، وحينئذ،

стр. 9

إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود، ﵁، قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا جابر بن نوح، حدثنا الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود -: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت؟ وأين نزلت؟ ولو أعلم مكان أحد أعلم، بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته (١). وقال الأعمش أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن" (٢). وقال أبو عبد الرحمن السلمي: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ ، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا" (٣). ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله ﷺ ، وترجمان القرآن وببركة دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (٤). قال ابن مسعود: "نعْم ترجمان القرآن ابنُ عباس" (٥). فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود: أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة. وقد مات ابن مسعود، ﵁، في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّر بعده ابن عباس ستًا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ . وقال الأعمش عن أبي وائل: "استخلف علِيّ عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، [وفي رواية: سورة النور]، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا" (٦). ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره، عن هذين الرجلين: عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: "بَلِّغوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ومن كذب عَلَىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه

стр. 10

البخاري عن عبد الله (١)، ولهذا كان عبد الله بن عمرو يوم اليرموك قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك. وتجدر الإشارة بأن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، كما أنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدّتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نَقْلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]، فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين وسكت عن الثالث، فدل على صحته إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته، لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم. فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضًا. فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب. قال سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد: "كان ابن عباس إذا سئل عن الآية في القرآن قال به، فإن لم يكن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، ﵄، فإن لم يكن اجتهد برأيه" (٢). إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جَبْر، فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد

стр. 11

بن إسحاق: حدثنا أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عَرضْتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها" (١). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا طَلْق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مُلَيْكَة قال: "رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن، ومعه ألواحه، قال: فيقول له ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله" (٢). ولهذا كان سفيان الثوري يقول: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به" (٣). وكسعيد بن جُبَيْر، وعِكْرِمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق ابن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مُزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر أقوالهم في الآية فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ، يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالا وليس كذلك، فإن منهم من يعبّر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي. وقال شعبة بن الحجاج وغيره: "أقوال التابعين في الفروع ليست حجة؟ فكيف تكون حجة في التفسير؟ ، يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون بعضهم حجة على بعض، ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك " (٤). فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام (٥)، لما رواه محمد بن جرير، ﵀، بسنده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: " من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار " (٦). وفي رواية أخرى: "من قال في القرآن برأيه فأصاب، فقد أخطأ " (٧). لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ، لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم، وهكذا سمى الله القَذَفة كاذبين، فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر، لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم، لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم.

стр. 12

ولهذا تَحَرَّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرة، عن أبي مَعْمَر، قال: قال أبو بكر الصديق، ﵁: أيّ أرض تقلّني وأي سماء تظلني؟ إذا قلت في كتاب" الله ما لا أعلم" (١). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، عن العَوَّام بن حَوْشَب، عن إبراهيم التَّيْمِي، أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني؟ إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. منقطع (٢). وقال أبو عبيد أيضًا: "حدثنا يزيد، عن حميد، عن أنس، أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر" (٣). وقال عَبْد بن حُمَيْد: "حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كنا عند عمر بن الخطاب، ﵁، وفي ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: ما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك ألا تدريه" (٤). وهذا كله محمول على أنهما، ﵄، إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل، لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا﴾ الآية [عبس: ٢٧، ٢٨]. وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن ابن أبي مُلَيْكَة: "أن ابن عباس سئل عن آية لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها" (٥). وقال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: "سأل رجل ابن عباس عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]، فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]؟ فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم" (٦). وأخرج - أيضًا - ابن جرير الطبري: عن مَهْدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم، قال: "جاء طَلْق بن حبيب إلى جُنْدُب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن؟ فقال: أحرِّج عليك إن كنت مسلمًا إلا ما قمتَ عني، أو قال: أن تجالسني" (٧). وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: "إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن، قال: لا أقول في القرآن شيئًا" (٨).

стр. 13

وقال الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: "إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن" (١). وقال شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، قال: "سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء، يعني: عكرمة" (٢). وقال ابن شَوْذَب: حدثني يزيد بن أبي يزيد، قال: "كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت، كأن لم يسمع" (٣). وأخرج ابن جرير الطبري بسنده عن عبيد الله بن عمر، قال: "لقد أدركتُ فقهاء المدينة، وإنهم ليعظِّمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع" (٤). وقال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن هشام بن عُرْوَة، قال: "ما سمعت أبي تَأوَّل آية من كتاب الله قط" (٥). وقال أيوب، وابن عَوْن، وهشام الدَّسْتوائِي، عن محمد بن سيرين: "سألت عبَيدة السلماني، عن آية من القرآن فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن؟ فاتَّق الله، وعليك بالسداد" (٦). وقال أبو عبيد: حدثنا معاذ، عن ابن عون، عن عبد الله بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: "إذا حدثت عن الله فقف، حتى تنظر ما قبله وما بعده" (٧). حدثنا هُشَيْم، عن مُغيرة، عن إبراهيم، قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه (٨). وقال شعبة عن عبد الله بن أبي السَّفْر، قال: "قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله " (٩). وقال أبو عبيد: حدثنا هشيم، حدثنا عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق، قال: "اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله" (١٠).

стр. 14

فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا، فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ولما جاء في الحديث المروى من طرق: "من سئل عن علم فكتمه، ألْجِم يوم القيامة بلجام من نار" (١). فأما الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير بسنده عن عائشة، قالت: لم يكن النبيُّ ﷺ يفسر شيئًا من القرآن، إلا آيًا بعَددٍ، علمهنّ إياه جبريل ﵇" (٢). فإنه حديث منكر غريب (٣). وتكلَّم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى، مما وقفه عليها جبريل. وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله، كما صرح بذلك ابن عباس في رواية الأعرج عنه: " التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله" (٤). قال ابن جرير: "وقد روى نحوه في حديث في إسناده نظر: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أنبأنا ابن وهب قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي، عن أبي صالح، مولى أم هانئ، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام، لا يعذر أحد بالجهالة به. وتفسير تفسره [العرب، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب" (٥). والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي؛ فإنه متروك الحديث؛ لكن قد يكون إنما وهم في رفعه. ولعله من كلام ابن عباس، كما تقدم، والله أعلم بالصواب. والطَّرِيقةُ التي اتَّبعها في التفسير: أولا: ذكر الروايات حول اسم السورة.

стр. 15

ثانيا: ذكر مكان نزولها وعدد آياتها، وسبب نزولها -إن وجد-. ثالثا: أغراض السورة ومحتويات السورة وفضائلها-إن وجد-. رابعا: تفسير السورة: أذكر الآيةَ، ثم أذكر مَعْناها العام (١)، ثم أقوم بتَفْسيرَها من القُرْآن أو من السُّنَّة أو من أقوال الصحابة والتَّابعين، وأحْيانًا أذكر كل ما يتعلَّق بالآية من قضايا أو أحْكام، مع ذكر الأدِلةَ من الكِتَاب والسُّنة، وأقْوَال المذاهب الفِقْهِيَّة وأدِلتَهَا والتَّرْجِيحَ بَيْنَها. خامسا: الاهتمام باللغة وعلومها، والإحتكام كثيرًا عند الترجيح والاختيار إلى المعروف من كلام العرب، والإعتماد على أشعارهم، والرجوع إلى مذاهبهم النحوية واللغوية. سادسا: إختيار مذهب السلف في إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل. سابعا: إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها، فإنه يقال: من بركة العلم أن يضاف القول إلى قائله. ثامنا: الإضراب عن كثير من قصص المفسرين وأخبار المؤرخين إلا ما لا بد منه، وما لا غنى عنه للتبيين. تاسعا: تقدير الإجماع وإعطائه اعتبارا كبيرًا في الإختيار والترجيح. عاشرا: بيان أوجه القراءات السورة. الحادي عشر: ذكر فوائد كل آية (٢). الثاني عشر: الإعجاز البياني والدراسة الأسلوبية للسورة: إذ خصصت مبحثا للدراسة الأسلوبية لكل سورة، مبينا الظواهر الأسلوبية في المستويات (التركيبية والدلالية والصوتية). وذلك في مجلد خاص نهاية التفسير. كما تولدت رغبتنا في تخصيص مهاد عام حول (علوم القرآن واتجاهات التفسير)، وذلك من خلال فصلين: الفصل الأول: مهاد عام حول علوم القرآن، وقد اختص بشرح مفاهيم مفردات علوم القرآن الكريم، وبعد تعريف القرآن الكريم لغة واصطلاحا تناول البحث المواضيع الآتية: (أولا: - مفهوم الوحي، ثانيا: - نزول القرآن، ثالثا: - مراحل جمع القرآن الكريم وترتيبه، رابعا: - المكي والمدني، خامسا: - أسباب النزول، سادسا: - المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، سابعا: -الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، ثامنا: - القراءات، تاسعا: - الإسرائيليات، عاشرا: - تفسير القرآن وشرفه، حادي عشر: إعجاز القرآن، ثاني عشر: - ترجمة القرآن الكريم بغير لغته، الثالث عشر: - فضائل القرآن). الفصل الثاني: فقد اختص بعلوم التفسير واتجاهاته، وذلك من خلال محورين: المحور الأول: تناولنا فيه أنواع التفسير وذلك من خلال محاور: (١ - التفسير بالمأثور، ٢ - التفسير بالدراية، ٣ - التفسير الإشاري). في حين تطرقنا في المحور الثاني الى: اتجاهات التفسير، وذلك من خلال العناوين الآتية:

стр. 16

(١ - الاتجاه اللغوي، ٢ - الاتجاه العلمي، ٣ - الاتجاه الموضوعي، ٤ - الاتجاه الفقهي، ٥ - الاتجاه البلاغي). وفي الخاتمة: استظهرنا أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا التمهيد. أقولُ ذلك ملتمِسًا العُذْرَ مِنْ عالِمٍ سَقَط عَلَى زَلَل، أو قارئ وَقَعَ على خَطَأ، فَمِثْل هذَا العَمَلِ الكبِير لا بُدَّ أنْ تَظْهرَ فيهِ بَعْض الأخطاءِ المطبعيةِ، والأوْهامِ الْيَسِيرةِ، وصَدَقَ المُزَنيُّ ﵀ حين قال: "لَوْ عُورضَ كتابٌ سَبْعينَ مرةً لَوُجِدَ فيه خَطَأ، أبَى اللهُ أن يكون صَحِيحًا غَيْر كِتابِهِ"، فالمرْجُو من أهْلِ العِلْمِ أن يُرْسِلُوا لِي ما لَدَيْهِم من مُلاحظاتٍ أو اسْتِدْراكٍ أو تَعْقِيبٍ حتى أتدَاركَ ذلك في الطبعةِ اللاحقةِ إن شَاءَ اللهُ. ولا أنْسَى في خِتَامِ كَلِمَتي أنْ أرْفَعَ شُكْرِي إلى مَقَامِ والديَّ الَّلذَيْنِ كان لهما الفَضْلُ في تَنْشِئَتِي، وإرْشَادِي إلى العِلْمِ وحُبِّهِ، والاجْتِهادِ فِي طَلَبِهِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]. واللهَ أسْألُ أنْ يَنْفعَ به الجميعَ، وأنْ يجْعَلَهُ خالصًا لِوجْهِهِ الْكَرِيم، وأنْ يَكُونَ من الثَّلاث التي يَنْقطِعُ عَمَلُ ابْنِ آدمَ إذا مات إلا مِنْها، وأنْ يكْتُبَ لجميع من أسْهَمَ فيه الأجْرَ والمثوبَةَ، إنه وَلِيُّ ذلك والقادِرُ عليه، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه أجْمَعينَ. وكتبه: عبدالله بن خضر بن حمد بن بيرداود العراق/ أربيل: ٢/ شعبان/ ١٤٣٨ هـ

стр. 17

الفصل الأول مهاد عام حول علوم القرآن توطئة لقد فصل أبو شهبة في كتابه، المدخل لدراسة القرآن الكريم، المعنى المقصود بعلوم القرآن (١)، إذ بدأ أولا بكلمة علوم، فذكر أن معنى العلم _مفرد علوم_ في اصطلاح أهل التدوين، "جمله من المسائل المضبوطة بجهة واحدة" (٢)، والعلم في اللغة نقيض الجهل، وهو مصدر مرادف للفهم والمعرفة والإدراك، ويراد به إدراك الشيء على حقيقته، ثم نُقل بمعنى المسائل المختلفة المضبوطة ضبطاً علمياً والمتعلقة بعلم ما، ومن أحسن ما قيل في كلمة العلم أنها أشهر من أن تعرف. وإن تعريف القرآن عند الأصوليين والفقهاء "هو كلام الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، المعجز بلفظه، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف، من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس" (٣). تخصيص التعريف بهذا الشكل يخرج منه الكتب السماوية الأخرى _التي لم تنزل على محمد ﷺ ، وتخرج أيضا الأحاديث القدسية التي هي أيضا لفظا من الله تعالى، لكنها غير معجزة ولا يتعبد بتلاوتها (٤). أما المركب الإضافي، علوم القرآن، فمكون من كلمتين، كلمة علوم وقرآن. وقد عرف الكفافي والشريف علوم القرآن بأنه (٥): علم أو دراسة تدور حول أي جانب من جوانب القرآن الكريم، وهذا يتضمن علوم كثيرة مثل علم: رسم القرآن، إعراب القرآن، تفسير القرآن، أسباب النزول، المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، غريب القرآن، القراءات، فضل القرآن، الأحرف السبعة، مجاز القرآن، أقسام القرآن، أمثال القرآن، حجج القرآن، نزول القرآن وتنجيمه، جمع القرآن وكتابته، المصاحف العثمانية، فواتح السور، المحكم والمتشابه، إعجاز القرآن، تشبيه القرآن واستعاراته، الإعجاز في نغم القرآن، ترجمة القرآن، ترتيب القرآن، العام والخاص، المطلق والمقيد، المنطوق والمفهوم، جدل القرآن، قصص القرآن، وغيرها (٧). وأوضح الدكتور زرزور (٦) أن هذه العلوم من الأجدر أن تسمى"علوم التفسير" أو "علوم تفسير القرآن"، لأن غرضها الرئيسي إنما هو لتسهيل فهم وتفسير القرآن. وقد دعم رأيه هذا بأن كتب التفسير الكبيرة عادة ما تشتمل على مقدمة تذكر فيها أهم هذه العلوم قبل البدء بالتفسير، أمثال كتاب الطبراني والأصفهاني. وأفضل كما ذكرت بالمقدمة، تقسيم محاور هذه العلوم الى: العلوم للمحافظة على المحتوى، العلوم للمحافظة على القراءة، والعلوم للمحافظة على التفسير، والعلوم لإظهار الإبداع القرآني. و القرآن في اللغة: اختلفت فيه أقوال العلماء هل هو مصدر أم وصف؟ ثم هل هو مهموز أم غير مهموز؟ والذي نختاره أنه مصدر مهموز على وزن فُعلان بالضم كالغفران، والشكران، من قرأ يقرأ قراءةً، وقرآناً، ويشهد لهذا الاختيار ورود القرآن بمعنى القراءة في قوله تعالى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ [القيامة: ١٧ - ١٨] أي: قراءته عليك حتى تعييه (٨).

стр. 18

فـ"قرأ": تأتي بمعنى الجمع والضم والتلاوة، والقراءة: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، وقد نقل من هذا المعنى المصدري، وجعل اسماً للكلام المعجز، المنزل على محمد ﷺ من باب إطلاق المصدر على مفعوله، فأصبح كالعلم الشخصي له، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]. ولعلوم القرآن معنيان: أحدهما: معنى عام: وهوأنواع المعارف والعلوم المتصلة بالقرآن الكريم، سواء كانت خادمة له، أو دل القرآن على مسائلها وأحكامها (١). فعلوم خادمة للقرآن كعلم التجويد، وعلم التفسير، وعلوم اللغة العربية، وعلم الناسخ والمنسوخ، ونحو ذلك، وعلوم دل القرآن على مسائلها وأحكامها، كعلم الفقه، وعلم التوحيد، وعلم الفرائض، وعلم التاريخ، ونحو ذلك. وقد توسع بعض العلماء في ذلك حتى أدخلوا علم الطب، وعلم الفلك، والجبر، والهندسة، وغيرها. ولكن ليس هنالك شك أن كل العلوم الدينية والعربية داخلة في معنى علوم القرآن في معناه العام. والثاني: ومعنى خاص باعتباره علما مدونا: إن علوم القرآن باعتباره فناً مدوناً عبارة عن مباحث أساسية ينبغي الإلمام بها لكل مقبل على فهم ودراسة القرآن الكريم وإلا ضل عن سواء السبيل، لذا يمكن تعريفه بأنه: "أنواع المعارف والعلوم الخادمة للقرآن الكريم كعلم النزول، وعلم الرسم، وعلم التجويد والقراءات، وعلم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ وعلم التفسير ونحو ذلك" (٢). وفي القرن الثاني بدأ تدوين هذه العلوم في كتب منفصلة، كل علم يدرس ويدون على حده، ثم جمعت هذه العلوم في كتاب واحد لتأخذ الشكل المسمى بعلوم القرآن المتعارف عليه الآن. وقد ذكر الدكتور صبحي الصالح (٣) أن بداية ظهور الشكل المعاصر لعلوم القرآن إنما بدأ في كتاب "البرهان في علوم القرآن" للحوفي (ت ٤٣٠ هـ). بينما حدد كفافي والشريف بداية بلورة المفهوم المعاصرلعلوم القرآن في القرن الثامن على يد الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في كتابه "البرهان في علوم القرآن" (٤). فوائد معرفة علوم القرآن: ولمعرفة علوم القرآن فوائد جمة، منها (٥): ١ - أن دراسة القرآن الكريم وفهمه وتفسيره إنما تتطلب معرفة المفسر لهذه العلوم، لمعرفة أسباب النزول، لمعرفة الناسخ والمنسوخ وغيرها من علوم القرآن حتى يتفادى الخطا والزلل، والإسلام يحث على العلم والمعرفة، وبالعلم ترقى الأمم، فكيف إذا تكون ثقافة الدارس لعلوم القرآن، فهي أشرف الثقافات والعلوم.

стр. 19

علوم القرآن من أهم العلوم، وأعلاها، وأنفعها، إذ هو السبيل لفهم كتاب الله، ومعرفة أحكامه، وحكمه، ولذا تظهر علوم القرآن الكريم من جوانب عديدة أبرزها ما يأتي: ٢ - يساعد على فهم وتدبر القرآن الكريم، واستنباط أحكامه، ومعرفة حكمه، وحل مشكله، وفهم متشابهه، بصورة صحيحة دقيقة، لأنه لا يمكن أن يفهم القرآن ويفسره من لا يعرف نطقه، ورسمه، وأوجه قراءته، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ونحو ذلك، فهو الأساس، والمفتاح لفهم القرآن الكريم. ٣ - زيادة الثقة واليقين بهذا القرآن العظيم، خاصة لمن يتعمق في معرفة إعجازه، وأحكامه، وحكمه، ويقف على دقيق أسراره، إذ الجهل بمثل هذه العلوم يجعل المسلم عرضة للشبهات التي يقصد من ورائها زعزعة اليقين. ٤ - معرفة الجهود العظيمة ـ الممتدة عبر التاريخ وفي كل القرون ـ التي بذلها العلماء لخدمة هذا الكتاب، ودور هذه الجهود في حفظه من التغيير والتبديل، وفي تيسير فهمه. ٥ - التسلح بعلوم قيمة تمكن من الدفاع عن هذا الكتاب العزيز ضد من يتعرض له من أعداء الإسلام، ويبث الشكوك والشبهات في عقائده وأحكامه، وتعاليمه، وهو من أعظم الواجبات. ٦ - زيادة ثقافة الفرد المسلم بالمصدر الأول لدينه، وأعظم ما يملكه في وجوده، إذ ينبغي لكل مسلم أن يأخذ حظه من القرآن مهما كان تخصصه، ومهنته، وحرفته. ٧ - نيل الأجر والثواب، إذ تعلم مثل هذه العلوم من أوسع أبواب العبودية لله . ٨ - تطهير القلب، وتهذيب النفس، وزيادة الإيمان، إذ تعلم علوم القرآن يربط المسلم بصورة قوية بكتاب الله الذي أنزله الله شفاء للناس ورحمة. وبعد هذه التوطئة لعلوم القرآن سوف نتناول القرآن لغة واصطلاحا: ١ - تعريف القرآن لغة اختلف العلماء في تعريف القرآن لغة، على أقوال: القول الأول: أن كلمة القرآن مهموزة على وزن فُعلان، مشتق من (القرء) بمعنى الجمع. وهذا قول قتادة (١)، والزجاج (٢)، وأبو عبيدة (٣). وفي سبب تسميته بالقرآن وجهان: أحدهما: أنه سمّى قرآنا، لأنه يجمع السور فيضمها، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، أي: "تأليف بعضه إلى بعض، ثم قال ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، أي: فإذا ألّفنا منه شيئا، فضممناه إليك فخذ به، واعمل به وضمّه إليك، وقال عمرو ابن كلثوم في هذا المعنى (٤): ذراعى حرّة أدماء بكر ... هجان اللّون لم تقرأ جنينا

стр. 20

أي لم تضمّ فى رحمها ولدا قط، (١) ... وفى آية أخرى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا تلوت بعضه فى إثر بعض، حتى يجتمع وينضمّ بعضه إلى بعض ومعناه يصير إلى معنى التأليف والجمع" (٢). والثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد. حكاه قطْرب (٣)، وأبو هيثم (٤)، واللحياني (٥)، واستشهدوا بقول الشاعر (٦): أَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ ... مرَاحًا ولم يقرأ جنينًا ولا دمَا معناه: "لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا" (٧). قال أبو إسحاق: "وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن. قَرَأْتُه، أي: جَمَعْتُه" (٨). وذكر الأشعري (٩) ﵀ هذا المعنى في بعض كتبه فقال: "إن كلام الله يسمى قُرآنًا؛ لأن العبارةَ عنه قرن بعضه إلى بعض" (١٠). قال الفراء: "ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز" (١١). القول الثاني: أن كلمة القرآن مشتقة من (قرأ) بمعنى ألقى وأظهر. وهذا قول ابن عباس (١٢).

стр. 21

وذلك استشهاداً بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، يعني إذا بيناه فاعمل به (١). وعلى هذا القول فإن: "القرآن مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا، وهو مصدر مرادف للقراءة، وقد ورد بهذا المعنى في قوله تعالى: [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ] ﴿القيامة: ١٧ - ١٨﴾، أي: قراءته، ومنه قول حسان بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- في رثاء عثمان بن عفان-رضي الله تعالى عنه- (٢): ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ (٣) عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ ... يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا (٤) أي: قراءة" (٥). فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يسمى "قرآنًا" بمعنى القراءة، وإنما هو مقروء؟ قيل: كما جاز أن يسمى المكتوب: كتابًا، بمعنى: كتاب الكاتب (٦)، كما قال الشاعر في صفة كتاب طَلاقٍ كتبه لامرأته (٧): تُؤَمِّل رَجْعةً مِنّى، وفيها ... كِتابٌ مثلَ ما لَصِق الغِرَاء القول الثالث: أن "لفظ القرآن ليس مشتقاً، ولا مهموزاً، وأنه قد ارتجل وجعل عَلَمَاً للكتاب المنزل، كما أطلق اسم التوراة على كتاب موسى، والإنجيل على كتاب عيسى صلى الله عليهما وسلم". وها قول الإمام الشافعي-﵀ (٨). والقول الراجح هو أن القرآن مأخوذ من (قرأ) بمعنى: تلا، وهو مصدر مرادف للقراءة يدل على ذلك الآية السابقة: : [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ] ﴿القيامة: ١٧ - ١٨﴾ أي قراءته - وقوله: [وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ﴿الإسراء: ٧٨﴾، أي: قراءة الفجر (٩). والله أعلم. ٢ - تعريف القرآن في الاصطلاح: إن القرآن الكريم مصدر العلوم وأصل الحقائق الثابتة ومرجع العلماء يرجع إليه الفقهاء والأصوليون لمعرفة الأحكام الشرعية إجمالاً وتفصيلاً ويرجع إليه علماء اللغة لإظهار إعجازه

стр. 22

والإفادة من أسلوبه ومعاني كلماته الإفرادية والتركيبية، ويرجع إليه علماء القراءات لتحقيق هدفهم في معرفة كيفية النطق بألفاظه الكريمة. ذكر الإمام السيوطي في الإتقان: "أن القرآن كلام الله المنزل، ثم أخذ في تفصيل معنى الكلام وكيفية التنزيل، وعقد بعد ذلك فصلاً في تواتر نقل القرآن وذكر أن الأمة متعبدة بفهم معانيه، وإقامة حدوده، وحروفه على الصفة المتلقاه، ثم ذكر أن القرآن معجز، وأخذ في تفصيل القدر المعجز منه" (١)، وعليه فيمكن تلخيص كلامه على مقتضى الحد الجامع المانع فيقال: هو كلام الله المنزل على محمد ﷺ بواسطة جبريل، المتواتر، المعجز، المتعبد بتلاوته وتطبيق أحكامه. وقال الشوكاني (٢): "القرآن كلام الله تعالى، المنزل على نبينا محمد ﷺ ، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلًا متواترًا، المتعبد بتلاوته، المتحدى بأقصر سورة منه" (٣)، وهذا التعريف مزيد فيه على ما سبق قوله: "المكتوب في المصاحف" وهذا قيد غير لازم، ولا يشترط في إثبات القرآن أن يكون في المصاحف؛ لأن هذا القيد لا يشمل ما كان محفوظاً في الصدور، والكل يسمى قرآناً سواء كان مكتوباً أو محفوظاً. وقيل القرآن: "هو الكلام المعجز، المنزل على النبي ﷺ المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته" (٤). وقيل القرآن: "هو كلام الله المعجز المنزل على خاتم الأنبياء، والمرسلين محمد ﷺ بواسطة أمين الوحي جبريل ﵇، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختتم بسورة الناس، والمتحدى بأقصر سورة منه" (٥). وقولهم في التعريف: "كلام" جنس يشمل كل كلام، خصص هذا الجنس بالإضافة إلى لفظ الجلالة ليخرج كل كلام سوى كلام الله، بيد أن كلام الله منه ما هو متعبد بتلاوته، ومنه غير ذلك، فتكون نسبة التخصيص هنا نسبية بالنسبة لما سوى كلام الله، والكلام صفة لله قائمة به، أثبتها ربنا لنفسه، بدون تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل، وعُرِّف القرآن في العقيدة الطحاوية بأنه: "كلام الله، منه بدا، بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً، وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر" (٦). وهذا التعريف فيه زيادة تفصيل في جانب، وخلا من قيود مهمة في جانب آخر، فمثلا قوله: "بالحقيقة": إما أن تكون صفة كاشفة، أو تأكيداً معنوياً وعلى كلا التقديرين دخولها في

стр. 23

التعريف معيب، كما يلاحظ الباحث أن هذا التعريف خلا من وصف القرآن بالمعجز؛ فهل الإعجاز صفة مختصة بكلام الله؟ وهل في الحديث القدسي أو النبوي شيء من الإعجاز فتدخل في التعريف؟ على كلا الأمرين سيخرج غير القرآن من التعريف بقولهم: "المتعبد بتلاوته" أي: بإقامة حروفه وألفاظه، وبأنه لا يجزئ في الصلاة غيره. وعُرِّف كذلك بأنه: "كلام الله تعالى المنزل على محمد ﷺ للبيان، والإعجاز، المجموع بين دفتي المصحف، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر" (١). نستنتج مما سبق أن كل التعريفات تدور في الجملة حول معنى واحد غير أن في بعضها زيادة قيود، وإسهاب، والأصل في الحدود أن تكون جامعة مانعة، وعليه فإن الباحث يرى أن التعريف المختار هو: أن القرآن كلام الله المنزل على محمد ﷺ لفظاً، للبيان، والتحدي، والإعجاز، المتعبد بتلاوته، وبأحكامه، المنقول بالتواتر. شرح محترزات وقيود التعريف: قوله: كلام الله: الكلام صفة من صفات الله أثبتها سبحانه لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ ، وقولنا كلام الله الكلام جنس في التعريف يشمل كل كلام وإضافته إلى (الله) يخرج كلام غيره من الإنس والجن والملائكة، "فقد كلم سبحانه عبده ورسوله موسى بلا واسطة، بل أسمعه كلامه الذي هو صفته اللائقة بذاته كما شاء وعلى ما أراد، قال الله : [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ] ﴿البقرة: ٢٥٣﴾ [وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا] ﴿النساء: ١٦٤﴾، فأكده بالمصدر مبالغة في البيان والتوضيح" (٢). وقوله: "المنزل على محمد ﷺ ": خرج بقوله المنزل: كلام الله الذي استأثر به نفسه سبحانه: قال تعالى: [قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا] ﴿الكهف: ١٠٩﴾، وخرج بقوله على محمد ﷺ الكتب السماوية السابقة لنزول القرآن كالتوراة والانجيل وغيرها، قال تعالى: [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ] ﴿الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤﴾. وقوله: "لفظاً": قيدٌ خرج به الحديث القدسي والنبوي، إذ لم ينزل كل واحد منهما لفظاً، وإنما نزل الحديث النبوي معنى على الصحيح، وفي الحديث القدسي خلاف مشهور. وقوله: "للبيان": أي: للبيان التشريعي وغيره، وهو من مهام محمد ﷺ ، قال تعالى: [بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] ﴿النحل: ٤٤﴾. وقوله: "والتحدي": "إن القرآن قد تحدى الإنس والجن جميعاً، مكيهم، ومدنيهم، وعربيهم، وعجميهم، أن يأتوا ولو بمثل أقصر سورة من سور القرآن فعجزوا أجمعين " (٣)، قال تعالى:

стр. 24

[قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا] ﴿الإسراء: ﴾، وقال تعالى: [وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ﴿البقرة: ٢٣﴾. وقوله: "والاعجاز": "فالقرآن كتاب معجز بكليته وبجزئيته بكل وجوه الإعجاز، وهذا الإعجاز للبشرية كلها هو مقصد من مقاصد إنزال القرآن، إثباتاً لرسالة ونبوة محمد ﷺ ، كما أن إعجازه "في فصاحته وبلاغته، وأنباء الغيب، وأخبار الأمم السابقة، وما حواه القرآن من إعجاز علمي، وتشريعي محكم دقيق صالح لكل زمان ومكان" (١). وقوله: "المتعبد بتلاوته": المأمور بقراءته في الصلاة، وغيرها، ومتعبد بإقامة ألفاظه، وهذا قيد خرجت به الأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله إن قلنا أنها منزلة من عند الله بألفاظها، والأحاديث النبوية، وإن كانت مما نؤجر على قرأتها، واستخراج الأحكام الشرعية منها؛ ولكن لا يصح القراءة بها في الصلاة، ولا متعبدون بإقامة ألفاظها على الصحيح. وقوله: "المنقول بالتواتر": "المتواتر هو: ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه" (٢)، أي: من النبي ﷺ إلى أصحابه إلى التابعين وهكذا حتى وصل إلينا دون نقص أو تحريف مصداقاً لقول الله تعالى: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] ﴿الحجر: ٩﴾، وهذا قيد خرجت به القراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، والأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله إن قلنا إنها منزلة من عند الله بألفاظها. وسوف يتناول البحث في هذا المبحث المحاور الآتية: أولا: - مفهوم الوحي الوحي لغة: مصدر وحيْتُ، وأوحيت وحياً، ومعناه الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخطي، وكل ما ألقيته إلى غيرك (٣). قال الزبيدي: "أوحى إليه: كلمه بكلام يخفيه" (٤). قال في (المصباح): " الوحي الإشارة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليَعْلمه وَحْي كيف كان قاله ابن فارس وهو مصدر وَحَى إليه يَحِي من باب وعد وأوحى إليه بالألف مثله، وجمعه وُحِيّ، والأصل فُعول مثل فلوس وبعض العرب يقول وحيت إليه ووحيت له، وأوحيت إليه وله ثم غلب استعمال الوحي فيما يُلقى إلى الأنبياء من عندالله تعالى ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف والوَحَا السرعة وَحِيّ مثل سريع وزناً ومعنىً، فعيل بمعنى فاعل، وذكاةٌ وُحِيّةٌ أي سريعة أيضا ويقال وحيت الذبيحة أحيها من باب وعد أيضا ذبحتها ذبحاً وَحِيّاً، ووحّى الدواء الموت توحية عجّله، وأوحاه بالألف مثله، واستوحيت فلاناً استصرخته" (٥).

стр. 25

قال في (الأساس): "وَحَى إليه، وأوحى إليه بمعنى، ووحيت إليه، وأوحيت إذا كلمته بما تخفيه عن غيره، وأوحى الله إلى أنبيائه. ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨] " (١). قال الراغب: "أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: " أمر وُحِيٌّ " وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] " (٢). قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الوحي الإعلام السريع الخفي إما في اليقظة وإما في المنام" (٣). بهذا يظهر أن الوحي في الأصل: الخفاء والسرعة، وعلى هذا فالوحي في اللغة: "الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره" (٤). جاء في بيان المعاني: " واعلم أن معنى الوحي الإيماء بالتكليم خفية عن أن يفهمه الغير، وأصله الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وباشارة بعض الجوارح وبالكتابة، وحمل عليه قوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇ ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [المريم: ١١]، ولم يتكلم، وحمل على الإيماء قول الشاعر (٥): نظرت إليْها نظرةً فَتَحَيَّرَتْ ... دَقَائِق فِكْري فِى بَدِيْع صِفَاتِهَا فَأوحَى إِلَيْهَا الطرفُ أنَّي أحبّهَا ... فأثَّر ذَاكَ الوَحيُ في وَجنَاتِهَا وقول الآخر (٦): أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... اشارة محزون ولم تتكلم فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالجبيب المتيم وحمل على الاشارة قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً﴾ [آل عمران: ٤١]. هذا وقد اتخذت الملوك والأمراء حروفا وكلمات بأرقام اصطلحوا عليها وعبروا عنها باسم شفره، كناية عن هذا المعنى، واستنباطا منه، منعا من أن يفهم الغير ما يتخابرون به، لأن الله تعالى علم البشر كيف يتخاطبون، وكيف يتنعمون، وكيف يعذبون ويعذبون، مما وصفه من أحوال أهل الجنة والنار، وقصه في كتابه المنزل هذا وكتبه السابقة أيضا، وجعل أوائل السور رموزا بينه وبين حبيبه، فلا يعرف معناها إلا هما كما سنبينه في مواضعه إن شاء الله، هذا وان القول الجامع في معنى وحي الله لأنبيائه، هو إعلام خفي سريع خاص بمن بوحيه اليه، بحيث يخفي عن غيره الملاحق له، كما كان يوحي اليه في فراش عائشة فيعلم ما هو المراد وهي لا

стр. 26

تدري ما هو، وكذلك كان يوحي اليه بمحضر من أصحابه فيعي ما يتلقاه، وهم لا يعلمون شيئا منه إلا تغيّر حال الرسول عما كان عليه قبل الوحي لأنه ﵇ كان يعتريه ثقل وشدة حال نزوله حتى أنه ليعرق في الوقت البارد، من عظم ما يلاقي من هيبة كلام الرب ﷻ (١). والوحي بمعناه اللغوي يتناول: ١ - الأوامر الإلهية للملائكة، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ﴾ [الأنفال: ١٢]. ٢ - تبليغ الملائكة للأنبياء، ومنه تبليغ الآيات إلى رسول الله ﷺ -بواسطة ملك الوحي جبريل ﵇ الموكل بالوحي كما ورد في قوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢). وهذان الجنسان من أعلى وأعظم درجات الوحي. ٣ - الإلهام الفطري للإنسان، كالوحي إلى أُم موسى، والوحي للحواريين كما ورد في الآيات التاليات: : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] (٣). ٤ - الإلهام الغريزي للحيوان، كالوحي إلى النحل، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] (٤). أي: " أنَّ الله سخرها عن طريق الغريزة أنْ تصنع هذه الأشياء العجيبة" (٥). ٥ - الإشارة السريعة برمز أو إيماء كما ورد رمزاً قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، فقد ذكر ابن كثير أن زكريا أشار إلى قومه إشارة سريعة ولم يتكلم (٦). وأما الإيماء، فمثاله قول الشاعر (٧): نظرت إليها نظرةً فتحيرت ... دقائق فكري في بديع صفاتها فأوحى إِليها الطرف أني أحبها ... فأثر ذاك الوحي في وجناتها ٦ - الكتابة، ومن ذلك قول لبيد (٨): فمدافعُ الرَّيَّان عُرِّي رَسْمُها ... خَلَقاً كما ضَمِنَ الوُحِيَّ سِلامُها

стр. 27

فالْوُحِىُّ جمع وَحْيٍ وهو الكتابة، وإنما سميت الإِشارة والكتابة وحياً لدلالتهما على المعنى بسرعة لا يدانيهما فيها غيرهما. والعرب تسمي السرعة وحياً، فيقولون: تَوَحَّى الرجل إذا جاء بسرعة، فهما يرجعان إلى أصل واحد وهو السرعة (١). ٧ - وسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] (٢). وإنما سمي " الإلهام " و " التسخير الغرْيزي " و " الوسوسة الشيطانية " وحياً، لأنّها إعلام في خفاء، والعرب تسمي الإعلام الخفي وَحْياً (٣). قال الكسائي: "تقول: وحيت إليه، إذا كلمته بكلام تخفيه عن غيره" (٤). ولغة القرآن: (أوحى)، بالألف -ولم يستعمل مصدرها- وإنما جاء فيه مصدر الثلاثي: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. وعليه فان المعنى المستفاد من مادة الكلمة يشتمل على السرعة والخفاء ولو نظرنا لما استخدم هذه الأيام من وسائل الاتصال الحديثة فان فيها السرعة والخفاء، وسترى ذلك واضحاً في معنى الوحي في نظر العلم. في العلم: وهو ما توصل إليه علماء الصناعة من اكتشافات، وما فيه من الدقة، وما اكتشف من معلومات حو ل النمل والنحل والمخلوقات. فمن ذلك: التنويم المغناطيسي. الهاتف واللاسلكي، والراديو، والفاكس، والإنترنت وغيرها. التسجيلات الإلكترونية على أشرطة التسجيل وأسطواناته فتنقل صوت الغائب والميت وهكذا. أعمال النمل، والنحل وحشرات الإكسيكلوب وما فيه من الدقة والإتقان. العبقرية: ويعرِّفُها أفلاطون بأنها حال إلهية مولدة للإلهامات العلوية للبشر. ويقرر الفلاسفة بأنها حال علوية لا شأن للعقل بها. ويقول عباد الطبيعة بأنها هبة من الطبيعة نفسها لا تحصلها دراسة، ولا يوجدها تفكير. الحالات الروحانية التي يفتح على الإنسان بها بما لا مقدور له عليه (٥). في العقل: "ما جرى للنبي محمد- ﷺ وما أخبر به. ويشهد له المعجزات التي أظهرها أو خبَّر بها. وقد اعترف العقلاء بما أخبر به في زمانه وبعده، وما زال العقل مستسلما. والعقل هو مناط التكليف" (٦).

стр. 28

الوحي في الاصطلاح الشرعي: هو إعلام الله نبياً من أنبيائه أو رسولاً من رسله ما يشاء من كلام أو معنى بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به، على وجه الخفية والسرعة (١). وهذا ما يسمى بالناموس وهو الوسيلة للإعلام الربّاني لإبلاغ خلقه من البشر والمتمثل بملك الوحي جبريل ﵇ (٢). أو أن يُعلِم الله تعالى مصطفاه من عباده بما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، بطريقة سرّية سريعة غير معتادة للبشر (٣). أو إعلام الله تعالى النبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه (٤). أو عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. والفرق بينه وبين الإلهام وجدان تستيقنه النفس، وتنساق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور (٥). أنواع الوحي الإلهي: تكرر وورود كلمة (الوحي) في القرآن الكريم كثيراً، فبلغ ثمانياً وسبعين مرة (٦)، والوحي جنس ونوع وصورة. فأجناسه اثنان، وأنواعه ثلاثة، وصوره أكثر من ذلك. وقد كشف، قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]، أن أنواع الوحي متنوعة، فهذا ما يخص البشر دون غيره، فيتنوع الوحي بتنوع الموحى إليهم، وأما الصور فهي تنوع المثال في طريقة الوحي للنوع الواحد، فيمكن القول: بأن الوحي منه ظاهر، وخفي. ومنه متلو، وغير متلو؛ فالقرآن متلو، والسنة غير متلوة. وإذا قلنا بالتعميم فإن أنواع الوحي هي: الإلهام الفطري للإنسان. يقذفه الله تعالى في قلب مصطفاه على وجه من العلم الضروري. الإلهام الغريزي للحيوان. والإشارة السريعة من الإنسان. الوحي النفسي (٧). والتبليغ بطرقه المختلفة مناماً ويقظةً. وأما صور الوحي الإلهي إلى نبينا- ﷺ فهي: الرؤيا الصادقة. ما يلقيه الملك في روعه.

стр. 29

أن يسمع كصلصلة الجرس. مثل دوي النحل. الملك بصورته الملائكية. الملك بصورة بشرية معروفة. الملك بصورة بشرية غير معروفة. أن يأتيه الملك مناماً. التكليم الإلهي يقظة (خلاف النوم). كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. ومن أدلته النقلية: قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. ومن الحديث: ما ورد عن رسول الله- ﷺ فيما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله- ﷺ : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس- وهو أشده علي- فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" (١). وقد روى الحديث أيضا الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة ﵂ (٢). الفرق بين الوحي والإلهام من المعلوم عند المسلمين أن الوحي الذي هو أساس الأحكام قسمان: متلو وهو القرآن الكريم، وغير متلو وهو السنة النبوية الشريفة، وأما الإلهام فهو نوع من أنواع الوحي لكنه لا تنبني عليه الأحكام الشرعية وإليك بيان ذلك. إن القرآن الكريم هو الأساس الذي بني عليه دين الإسلام، فهو المعجزة الخالدة، به نزل جبريل ﵇ على رسول الله محمد ﷺ ليبلغه الناس، وكونه أساس حجية الأحكام عند المسلمين أمر مسلم لا يحتاج إلى تبيين. وأما السنة النبوية الشريفة وأنها من أسس حجية الأحكام فتدل عليه الأدلة التالية: ثبوت عصمة النبي ﷺ في التبليغ عن ربه في الكتاب والسنة. تقرير الله تمسك الصحابة بالسنة، في عصره ﷺ (٣). الكتاب الكريم لقوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].

стр. 30

السنة الشريفة نفسها كإخباره- ﷺ -وهو المعصوم من الكذب -بأنه قد أوحي إليه القرآن وغيره؛ وأن ما بينه وشرعه-من الأحكام-فإنما هو؛ بتشريع الله تعالى ومن عنده؛ وليس من عنده ﷺ . تعذر العمل بالقرآن وحده، إذ لا بد أن تبينه السنة. السنة نفسها فإن منها ما يقصد به تشريع الأحكام ومنها ما لا يقصد به ذلك. الإجماع (١). وأما بالنسبة للإلهام فإنه وإن كان نوعاً من أنواع الوحي فليس له حجة في بناء الأحكام عليه. وذلك لعدة أمور: ١ - لم نجد في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ما يشير إلى أنه حجة. ٢ - لم يرد عن سلف الأمة الصالح من اعتمده حجة. ٣ - إجماع أمة الإسلام على عدم حجيته. ٤ - لو قبل الناس الإلهام حجة لفتح باب لا يمكن إغلاقه لأن الكمال في الناس مستحيل، كما أن دعوى الإلهام دعوى واسعة تفتح باب الكذب والتزوير. ٥ - قبول الإلهام يفتح بابا للشيطان على الناس. وهكذا فإن الإلهام ليس حجة في بناء الأحكام عليه، لكن إذا صح الإلهام مع عدم المخالفة للشرع فقد يستفاد منه في بعض الهدايات والله أعلم. النبي والرسول والفرق بينهما النبوة لغة: من النبأ، وهو الإخبار؛ وأيضاً هي بمعنى العلو والارتفاع (٢)، وكلُّ رسولٍ نبيّ (٣)؛ والرسول لفظةٌ مشتقّةٌ من الإرسال، وتعني التوجيه والبعث (٤). أما اصطلاحا: فقد اختلف أهل العلم فيها، وافترقوا على مذاهب: أولاها: أنه لا فرق بين النبي والرسول، بل هو من قبيل الترادف، فيطلق النبي على الشخص الذي اصطفاه الله لإنذار قومه، والرسول تطلق عليه من جهلة تكليفه بمهمة التبليغ والإرسال. وهو مذهبٌ ضعيف كما نصّ عليه القاضي عياض وبيّنه ﵀ (٥). ثانيهما: أن النبي لم يؤمر بالتبليغ، في حين أن الرسول هو المأمور بتبليغ شرعه، وهو قولٌ مخالفٌ للأدلة أيضا، فكلاهما مبلّغٌ عن الله تعالى. ثالثهما: وهو مذهب جمهور أهل العلم، والذي نرجّحه، أن الرّسول هو المبعوث إلى قومٍ برسالة جديدة وشرعٍ جديد، في حين أن النبيّ هو مذَكِّرٌ لقومه برسالةٍ سابقةٍ، فيكون كلّ رسولٍ نبيّاً، وليس كلُّ نبيٍّ رسولا (٦).

стр. 31

و (الأنبياء) جمع نبي ويمد مهموزاً فيقال: نبيء، كما هي قراءة ورش عن نافع في جميع القرآن أو في غالبه، وهو عائد إلى الاشتقاق الأول الذي تقدم في كلمة النبوَّة (١). شبه الجاحدين للوحي والرد عليها (٢): لقد تفنن الحاقدون من أعداء الإسلام. وما زالوا يخططون ويجددون وضع الشبه واختلاقها، وهذا لا يؤثر على عظمة دين الإسلام فتنبه! ومن ذلك قولهم: ١ - لو كان الوحي ممكنا لأوحى الله إلى أفراد البشر عامة، ولم يخص به عدداً قليلاً ... ورده أن هذا من سذاجة القول فان الأعمال العادية التي يتفاوت الناس في إنجازها لا توكل أحياناً لكل الأفراد فكيف بالوحي وهو شديد الخطورة يحتاج إلى مؤهلات لا تتوفر إلا في نوادر البشر. ٢ - إن الوحي الذي تدعونه، وتدّعون تنجيمه جاء بهذا القرآن غير مرتب، ولا منظم، فلم يفرد كل غرض من أغراضه بفصل أو باب ... وهذا كلام من لا يعرف حقيقة القرآن الذي بهر نظمه وتنسيقه أصحاب الاختصاصات والفنون المختلفة في اللغة والحساب مع أن القرآن ليس كتاب تأليف، بل كتاب وحي ومنهج حياة، وأين موقعه إذا ما قورن بالكتب السماوية التي بين أيدي المدعين عليه. ٣ - اتهام النبي ﷺ بمرض الهستريا والهلوسة ... ورده أن صاحب الهستريا والهلوسة لا يستطيع أن يحل مشاكله، ولا أن يقود نفسه! ! والنبي ﷺ قاد أمة ونظم شعوبا وقضى على إمبراطوريات، وتحدى العباقرة الأصحاء. ٤ - إنكم تستدلون على الوحي بإعجاز القرآن، وتستدلون على إعجاز القرآن بما فيه من أسرار، ونحن لا ندرك الإعجاز ولا تلك الأسرار ٠٠٠ وجوابه إنّ قِصَر أفهامكم، وضعف عقولكم حجة عليكم لا لكم. وقد أدرك ذلك أهل الاختصاص واعترفوا به. كما أن في القرآن ما تعرفون من أنواع الإعجاز ولا قدرة لكم على الوقوف أمامه. ٥ - إعجاز القرآن بالعربية للعرب لا يدل على أنه وحي الله بل كلام محمد نسبه إلى ربه ٠٠٠ والرد على هذه الفرية كذبها القرآن بأسلوبه المتنوع؛ فمرة بألفاظ (قُل)، وأخرى بآيات العتاب، وأخرى بالنهي. ومن غير المعقول أن يأمر الإنسان نفسه وينتقدها ويفضحها أمام الناس، بل المعروف أن الإنسان يتستر على عيوبه ونقائصه ولا يكشفها للآخرين هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن محمداً ﷺ معروف للعرب الذين نشأ بينهم وتربى عندهم، وقام بخدمتهم فلِمَ لم يشهر كتابه ومؤلفه إلا بعد هذه المدة المديدة من الزمان وكذلك إن محمداً ﷺ ما كان يجيب على التساؤلات حتى يأتيه الوحي ويخبره بجواب الله عن تلك الأمور. كما أن أخبار القرآن فيها من أنواع الغيب المستقبلي فكيف يؤلف هذا؟ ! ومزيداً على ذلك إعجاز الائتلاف الموجود في القرآن لم يشتمل عليه مؤلف لا قديماً ولا حديثاً ولا يمكن أن يحصل له مثيل في المستقبل. ألا تراه جمع في ثلاث وعشرين سنة دون أن يكون فيه اختلاف أو تعارض فافهم؟ ! ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وأين أنت من محمد ﷺ الذي اعترف بأمانته وطهره من عاصره وشب معه، فهو حرب على الكذب والخنا والفساد والجهالة.

стр. 32

من خلال ما تقدم يمكن استخلاص أنَّ الحاجة الماسة لوجود الوحي ملحة جداً لقطع الطريق على المعترضين من المغرضين. وذلك أن الوحي يعطي القول الفصل والحجة التي لا مزيد عليها لبيان الإله الحقيقي الذي يستحق العبادة، وبيان الحلال والحرام وما يحتاج إليه الناس في جميع شؤونهم دون الشعور بالظلم والتحيز والكيل بأكثر من مكيال. يضاف إلى ذلك حصول القناعة والرضا المترتبة حينما يثق الإنسان بأن هذا هو حكم الله تعالى، وليس حكماً قابلاً للنقض صدر من إنسان يعتوره الهوى وحب المصالح. فالله تعالى مبرأ من التحيز والظلم بخلاف البشر. والقيام بأمر النبوة والرسالة وظيفة ثقيلة تحتاج إلى من يقدر على حملها، ومصداق ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، والنبوة والرسالة يقدر عليها الرجال بصفة عامة أكثر من النساء لما يكتنفها من ظروف وأخطار المرأة في منأى عنها. وما ورد من أقوال بأن النبوة قد حصلت للنساء فأقوال فيها نظر لضعف المرأة عن هذه المهام الجسام إلا إذا اعتبرنا ذلك مقصوراً عليها وحدها. وعدم وقوعه هو الراجح عند جمهور العلماء، فالوحي إذن وظيفة شريفة يستحق من يتميز بها الطاعة والاحترام والتقدير والإجلال والنصرة والمتابعة. وهذا لايقدره إلا من خالطت بشاشة الإيمان قلبه فاستحق بذلك المغفرة والرحمة من الله تعالى. وبعكسه من أنكر الوحي وكذب الأنبياء فعوقب بالنار والخلود الأبدي فيها وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه (١). ثانيا: - نزول القرآن يطلق الإنزال في اللغة على معنيين: - أحدهما: الهبوط من علو: يقال: نزل فلان من الجبل، ومنه قوله تعالى ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]. الثاني: الحلول: يقال: (نزل فلان بالمدينة)، أي: حلَّ بها (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩]. وكلا المعنيين يشعر بالمكانية والجسمية فلا مجال لتحققهما في كلام الله ووحيه فالتعبير إذن هو من قبيل المجاز ولا يمكن حمله على الحقيقة وقد ذهب العلماء إلى أن إنزال القرآن فيها توجيهان: أ- أن يقصد من إنزال القرآن إنزال حامله وهو الروح الأمين جبريل ﵇. ب- أن يقصد من الإنزال لازمة وهو الإعلام فمعنى إنزال القرآن على النبي ﷺ إيصاله إليه وإعلامه به. واختير لفظ الإنزال أيضاً لحكمة عظيمة وهي بيان شرف هذا القرآن وعلو منزلته وأنه من العالم العلوي ومن هنا اختيرت لفظة الإنزال على لفظة الإعلام والإيصال قال تعالى ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الإسراء: ١٠٥] (٣).

стр. 33

تنزلات القرآن الكريم: في هذه المسألة طرفان، أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه، أما الطرف المتفق عليه، فهو أن القرآن لم ينزل على رسول الله ﷺ من السماء جملة واحدة، بل كان ينزل الوحي به من عند الله، مفرقا حسب الحوادث والأحوال. وقد جاءت الآيات تقرر ذلك بوضوح تام لا لبس فيه، وتقرر حكمة النزول على تلك الصفة: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " لأنه كلما نزل عليه شيء من القرآن ازداد طمأنينةً وثباتاً، وخصوصاً عند ورود أسباب القلق؛ فإن نزول القرآن عند حدوث السبب، يكون له موقع عظيم، وتثبيت كثير، أبلغ مما لو كان نازلاً قبل ذلك ثم تذكره عند حلول سببه. ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا﴾، أي: مهلناه ودرجناك فيه تدريجاً، وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن، وبرسوله محمد ﷺ ، حيث جعل إنزال كتابه جارياً على أحوال الرسول ومصالحه الدينية " (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ على مهل، ليتدبروه ويتفكروا في معانيه ويستخرجوا علومه، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزيلاً﴾، شيئًا فشيئًا مفرَّقًا في ثلاث وعشرين سنَة" (٢). ومما يؤكد نزول القرآن مفرَّقاً: انقطاع الوحي في حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة ﵂ بالزنى، وقد انتظر النبي ﷺ نزول القرآن؛ لعظيم وقع المصيبة بتهمة زوجه حتى نزل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. ومما يؤكد نزول القرآن مفرَّقاً - أيضاً -: الآيات الأولى من سورة " عبس "؛ وذلك عندما أعرض النبي ﷺ عن تعليم ابن أم مكتوم الأعمى طمعاً في إسلام كبار قريش. وأما الذي وقع الخلاف فيه، فهو أول وأصل نزول القرآن: هل نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل على الرسول ﷺ مفرقا، أو كان نزوله على صفة واحدة، مفرقا حسب الوقائع، كما سبق. وسبب ذلك الخلاف هو فهم بعض الآيات التي تدل على نزول القرآن في وقت واحد، مثل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، مع تصريح ابن عباس ﵁ بذلك الفهم.

стр. 34

وقد اختلف العلماء في هذا النزول على أقوال: أولها: أن القرآن قد نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملةً واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجَّماً في ثلاث وعشرين سنة. قاله ابن عباس وهو قول الأكثرين. وهو الراجح. قال عنه الزركشي" إنه أشهر وأصح وإليه ذهب الأكثرون" (١). ووصفه ابن حجر بأنه: "الصحيح المعتمد" (٢). وقال ذلك عنه -أيضا- القسطلاني في لطائف الإشارات (٣). وذكر السيوطي أن القرطبي حكى الإجماع على أنه نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا (٤). وحكاية الإجماع في ذلك لا تصح لوجود المخالف في ذلك وتعدد المذاهب فيه. وأدلة هذا القول: ١ - أنه ظاهر الآيات الثلاث في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] وقوله جل وعلا: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥]. فقد دل ظاهر هذه الآيات الثلاث أن القرآن الكريم أنزل جملة في ليلة واحدة توصف بأنها مباركة من شهر رمضان. وهذا وصف مغاير لصفة نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ حيث إنه من المعلوم المقطوع به أن القرآن نزل على الرسول ﷺ منجما مفرقا في نحو ثلاث وعشرين سنة حسب الوقائع والأحداث. فتعين أن يكون هذا النزول الذي دل عليه ظاهر الآيات نزولا آخر غير النزول المباشر على النبي ﷺ . ٢ - أنه صريح الآثار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ ، ومن الأخبار التي استند إليها أصحاب هذا المذهب: عن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة". ثم قرأ: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] " (٥).

стр. 35

وعن ابن عباس ﵄ قال: " فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلا " (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد ﷺ بجواب كلام العباد وأعمالهم" (٢). وعن ابن عباس ﵄ قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] " (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: " أُنْزِلَ الْقُرْآنُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي رَمَضَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً، ثُمَّ أُنْزِلَ نُجُومًا" (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: "أنزل القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه أو أن يحدث منه شيئا أحدثه" (٥). وعن مقسم عن ابن عباس ﵄ قال: سأله عطيه بن الأسود فقال: إنه وقع في قلبي الشك في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر: ١] وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ٣] وقد أنزل في شوال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول؟ فقال ابن عباس -

стр. 36

رضي الله عنهما-: إنه أنزل في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة؛ جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلا (١) في الشهور والأيام" (٢). وعن سعيد بن جبير قال: "نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي ﷺ في عشرين سنة جواب كلام الناس" (٣). وعن سعيد بن جبير أيضا قال: "نزل القرآن جملة من السماء العليا إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل مفصلا" (٤). وعن الربيع بن أنس في قوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ قال: "أنزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كله" (٥). وعن إبراهيم النخعي في قوله : ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ قال: "أنزل جملة على جبريل ﵇، وكان جبريل يجيء بعد إلى محمد ﷺ " (٦). ووجه الاستدلال بهذه الأحاديث والآثار التي أخرجها الأئمة وصححوا بعضها، والتي يعضد بعضها بعضا أنها وإن كانت موقوفة في جملتها على ابن عباس ﵄ فإن لها حكم الرفع إلى النبي ﷺ لأن قول الصحابي الذي لا يأخذ عن الإسرائيليات، فيما لا مجال للرأي فيه له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وابن عباس لن يقول ما قال من هذا التفصيل والتحديد بمحض رأيه ومن عند نفسه فهو إذا محمول على سماعه من النبي ﷺ أو ممن سمعه منه من الصحابة والصحابة كلهم عدول. ٣ - عدم معارضته للقول الثاني مع توجيه أدلة هذا القول والرد عليها. ٤ - ضعف الأقوال الأخرى. ٥ - انتفاء المحذور العقدي بالتصريح بسماع جبريل للقرآن من الله دون واسطة. ٦ - شهرة القول وكثرة القائلين به، والمصححين له، حتى حكى القرطبي (٧) الإجماع عليه. القول الثاني: أنه ابتُدئ إنزال القرآن في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجَّما في أوقات مختلفة حسب الحوادث والوقائع وحاجات الناس، وهذ قول التابعي الجليل الشعبي (٨)، ومحمد ابن إسحاق (٩)، واختاره النسفي (١٠).

стр. 37

وأدلتهم (١): ١ - الواقع الفعلي لنزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا حسب الحوادث والوقائع على نحو من ثلاث وعشرين سنة. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، فصريح القرآن، وواقع نزوله يدل على تنجيمه وتفريقه. ٣ - أن الآيات الثلاث الواردة في وصف نزول القرآن المراد بها ابتداء نزول القرآن الكريم على الرسول ﷺ وأنه ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة وفي هذا جمع بين هذه الآيات وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]. ٤ - أن ما جاء من الآثار الدالة على نزول القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا وإن كانت صحيحة الإسناد فهي موقوفة على ابن عباس وغير متواترة. وهذه مسألة غيبية عقدية ولا يؤخذ في الغيبيات إلا بما تواتر يقينا في الكتاب والسنة فصحة الإسناد لا تكفي وحدها لوجوب اعتقاده. فكيف وقد نطق القرآن بخلافه. وهذا القول قول قويّ، إلاّ أنّه يُردّ من أوجه ثلاثة: الأوّل: أنّ أثر الشّعبي ﵀ رواه عنه الطّبري (٢)، بإسناد ضعيف، ففيه: أ- عمران أبو العوّام، وهو صدوق يهم (٣). ب- وفيه عمرو بن عاصم الكلابي، فهو صدوق في حفظه شيء (٤). الثّاني: أنّ الثّابت عن الشّعبي هو ما يوافق الجمهور، رواه عنه الطّبري بإسناد صحيح (٥). الثّالث: أنّه مخالف لما ذكره ابن عبّاس ﵁، وأقوال الصّحابة هي الحجّة في كلّ باب عند انعدام النّصوص. الرابع: كما يجاب على أدلة القول الثاني - على سبيل الإيجاز - بما يأتي: ١ - أن صفة نزول القرآن المباشر على الرسول ﷺ وكونه نزل عليه مفرقا، وكونه صريح قوله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾ هو محل إجماع ولا خلاف حوله ولا يعارض النزول جملة. ٢ - القول بأن المراد بالآيات الثلاث من سور البقرة، والدخان، والقدر، هو ابتداء النزول؛ هو صرف لها عن ظاهرها بغير صارف ويجعلها تحتاج إلى تقدير محذوف.

стр. 38

فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي ابتدأنا إنزاله. وهو يقتضي حمل القرآن على أن المراد به بعض أجزائه وأقسامه (١) فقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ أي أنزلنا بعضه. ٣ - أن القول بأن المسألة عقدية لا بد لها من أدلة متواترة قطعية الثبوت لإفادة العلم اليقيني ولا يكفي فيها الآثار الموقوفة؛ قول غير مسلم. واستبعاد الاستدلال بأحاديث الآحاد على العقائد غير صحيح فالعبرة بصحة الحديث فمتى صح الحديث احتج به سواء كان آحادا أم متواترا وسواء كان في الأحكام أم العقائد (٢). القول الثالث: أنّه نزل إلى السماء الدّنيا في ثلاث وعشرين ليلةِ قدر، في كلّ ليلة ينزل ما يقدّر الله إنزاله تلك السّنة. وهذا قول ابن جريج (٣)، وأبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي (٤)، ومقاتل بن حيان (٥)، وقال بنحوه مقاتل بن سليمان (٦)، ونسبه السيوطي للفخر الرازي (٧)، كما ينسب هذا القول في كثير من كتب علوم القرآن للماوردي (٨). وهذا القول ضعيف مدفوع أيضا بمذهب الصّحابيّ. قال عنه ابن حجر: "وهذا أورده ابن الأنباري من طريق ضعيفة ومنقطعة أيضا" (٩). وقال عنه القرطبي: "قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع "أن القرآن أنزل جملة واحدة" (١٠). وحكاية القرطبي للإجماع هنا غير مسلمة لما علمته من الأقوال في ذلك.

стр. 39

القول الرابع: أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ وأن الحفظة نجمته على جبريل في عشرين ليلة، وأن جبريل نجمه على النبي ﷺ في عشرين سنة. حكاه بعض المفسرين عن ابن عباس (١). قال ابن حجر: " وهذا -أيضا- غريب" (٢). وقال أبو شامة: " وهو قول مردود لأنه ليس بين الله وجبريل واسطة في تلقي القرآن الكريم" (٣). وقال ابن العربي متعقبا هذا القول: "ومن جهلة المفسرين أنهم قالوا: إن السفرة ألقته إلى جبريل في عشرين ليلة وألقاه جبريل إلى محمد ﵉ في عشرين سنة وهذا باطل، ليس بين جبريل وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد صلى الله عليهما واسطة" (٤). وقد نقل أبو شامة في المرشد الوجيز عن تفسير علي بن سهل النيسابوري عن جماعة من العلماء أن جبريل هو من أملاه على السفرة. قال: "قال جماعة من العلماء: تنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة، فحفظه جبريل ﵇، وغشى على أهل السماوات من هيبة كلام الله فمر بهم جبريل وقد أفاقوا فقالوا: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ [سبأ: ٢٣] يعني القرآن وهو معنى قوله: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم﴾ [سبأ: ٢٣] فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه جبريل على السفرة الكتبة. يعني الملائكة وهو قوله تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾ ﴿كرام بررة﴾ [عبس: ١٥ - ١٦] " (٥). وذهب إلى هذا المعنى من إملاء جبريل القرآن على السفرة علم الدين السخاوي في جمال القرآن في معرض حديثه عن حكمة إنزاله جملة فقال: " .. وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل ﵇ بإملائه على السفرة الكرام البررة ﵈ وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له" (٦) فيكون قولا خامسا. وقد حاول ابن عقيلة المكي الإجابة عما تضمنه ذلك الخبر من عدم أخذ جبريل للقرآن من الله. فقال بعد أن ساق الخبر: "فهذا يقضي أن جبريل ما أخذه إلا عن السفرة. قلت: لا تنافي، لاحتمال أن جبريل ﵇ سمعه من الله كما تقدم بصفة التجلي فعلمه جميعه ثم أمره الله أن يأخذه من اللوح المحفوظ فيضعه في بيت العزة عند السفرة، ثم أمر الله السفرة أن تنجمه على جبريل ﵇ في عشرين ليلة لكل سنة ليلة وإنما كان التنجيم من السفرة على جبريل لما ذكره الحكيم الترمذي: إن سر وضع القرآن في السماء الدنيا ليدخل في حدها لأنه رحمة لأهلها. فأخذ جبريل عن السفرة إشارة إلى أنه صار مخصوصا بهم فلا يؤخذ إلا عنهم" (٧).

стр. 40

ولا يخفى ما في هذا القول الأخير من ضعف، في كون جبريل ﵇ يأخذ القرآن إلى السفرة ثم يأخذه منهم؛ ، دون إنكار صلة السفرة بالقرآن، قال تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١٣ - ١٦]. والاتفاق حاصل والإجماع قائم على صفة نزول القرآن الكريم المباشر على الرسول ﷺ وأنه نزل منجما مفرقا من بعثته ﷺ إلى قرب وفاته ينزل أحيانا ابتداء بغير سبب وهو أكثر القرآن الكريم وأحيانا أخرى ينزل مرتبطا بالأحداث والوقائع والأسباب. وأما نزوله جملة فهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ وقوله: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ وقوله سبحانه: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فهو أنزل في ليلة اسمها ليلة القدر، وصفتها أنها مباركة، وشهرها شهر رمضان. وهو صريح الأخبار الواردة عن ابن عباس، والتي لها حكم الرفع إلى الرسول ﷺ . وما دام أن النزول جملة لا يعارض صراحة النزول السابق، ولا يرتبط به من خلال تلك النصوص. بل هو نزول خاص، ووجود معين حيث القرآن الكريم كلام الله ومنزل من عند الله يتلقاه جبريل ﵇ من الله بلا واسطة عند نزوله به على الرسول ﷺ مباشرة. وإن كان قد نزل به إلى بيت العزة فذلك نزول خاص. وأحد وجودات القرآن الكريم المتعددة. حيث يوجد القرآن الكريم في اللوح المحفوظ (١). ويوجد - أيضا - في الصحف المطهرة الموجودة في أيدي الكرام البررة من الملائكة كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. ويوجد - كذلك - في بيت العزة من السماء الدنيا كما دلت على ذلك الأخبار عن ابن عباس. وجائز أن يكون الوجودان الأخيران مختلفين متغايرين وجائز أن يكونا وجودا واحدا بأن يكون القرآن الكريم في تلك الصحف في بيت العزة وبأيدي أولئك الملائكة الكرام كما يوجد في الأرض بنزوله على الرسول ﷺ والنزول مقترن بما عدا الأول من الوجودات المذكورة. يقول البيهقي ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يريد به والله أعلم إنا أسمعناه الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع فيكون الملك منتقلا به من علو إلى سفل" (٢). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد عرض قرر فيه أن القرآن الكريم كلام الله منزل من عند الله كما هو صريح القرآن، قال: "فعلم أن القرآن العربي منزل من الله لا من الهواء، ولا من اللوح، ولا من جسم آخر، ولا من جبريل، ولا من محمد، ولا غيرهما، وإذا كان
следующие страницы →