← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الزمخشري في تفسيره المسمى بالكشاف، ولولا اعتزاله وانتصاره في كتابه للمعتزلة لكان كتاباً حافلاً، ومن المعاصرين الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير فقد جمع ما لم يجمعه غيره مستفيداً مِنْ مَنْ سبقه كثيراً، وهذا الاتجاه في التفسير تابع للتفسير بالدراية وسيسلط الباحث الأضواء عليه؛ كون هذه الدراسة التي نحن بصددها هي في التفسير البلاغي. أهمية التفسير البلاغي: وللتفسير البلاغي أهمية كبيرة نذكر منها: ١ - الوقوف على معجزة القرآن الكريم البلاغية التي تحدى بها الله تعالى العرب . قال ابن عاشور: "فإعجاز القرآن متوجه إلى العرب إذ هو معجز لفصحائهم، وخطبائهم، وشعرائهم، مباشرة، ومعجز لعامتهم بواسطة إدراكهم أن عجز مقارعيه عن معارضته مع توفر الدواعي عليه، فهذا برهان ساطع على أنه تجاوز طاقة جميعهم، ثم هو بذلك دليل على صدق المُنَزَّلِ عليه لدى بقية البشر الذين بلغ إليهم صدى عجز العرب بلوغا لا يستطاع إنكاره لمعاصريه بتواتر الأخبار، ولمن جاء بعدهم بشواهد التأريخ، كما أنه معجزة مستمرة على تعاقب السنين؛ لأنه قد يدرك إعجازه العقلاء من غير الأمة العربية بواسطة ترجمة معانيه التشريعية، والحكمية والعلمية، والأخلاقية، وهو دليل تفصيلي لأهل تلك المعاني، وإجمالي لمن تبلغه شهادتهم بذلك" (١). ٢ - توجيه التفسير للألفاظ والجمل القرآنية بما يرفع الإشكال ويوضح المعنى . ومثال ذلك: "لما جلس أبو عبيدة معمر بن المثنى (٢) لدروس العلم في المسجد جاءه رجل يقول له: إن العرب حين تستعمل أسلوب التشبيه فإنها تشبه مجهولاً بمعلوم حتى يتضح المجهول فما بال القرآن يشبه مجهولاً بمجهول في قوله تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصَّفات: ٦٥]، فنحن لم نر طلع الشجرة فهي مجهولة لدينا، ورؤوس الشياطين أيضًا مجهولة لنا حيث لم نر شيطانًا، فكيف وقع هذا في القرآن؟ فرد عليه معمر بأن العرب تكتفي بالصورة الذهنية عن الصورة المشاهدة، ورأس الشيطان صورته في الذهن العربي صورة كريهة مخيفة مرعبة، فشبه به شجرة الزقوم، ومن هنا نشأ علم البلاغة لخدمة أساليب القرآن الكريم" (٣). ٣ - فهم المعاني القرآنية من خلال معرفة القرائن وسياق النص ولهجات العرب . فالكلمة الواحدة والجملة الواحدة قد تحمل مدلولين متناقضين تماماً، دون أن تختلف الكلمة في بنائها الداخلي، وإنما الذي تغير هو (السياق) والقرائن المحيطة، فقد يقول الأب لابنه:

стр. 142

(افعل كذا) وهو يقصد المعنى الظاهري لهذه الكلمة، وقد يستخدم نفس الكلمة ويقصد بها التهديد، الذي يستطيع اكتشافه من خلال القرائن، وهنا ينقلب معنى (افعل) إلى معنى مناقض تماماً هو (لا تفعل)! ، وهذا هو بالضبط ما ينطبق على القرآن الكريم، فقد يستخدم القرآن صيغة الأمر ويقصد بها مدلولها الظاهري، عندما يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقد يقصد بها الإباحة عندما يقول: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿المائدة: ٢﴾، عقيب الحظر في قوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ] ﴿المائدة: ٩٥﴾، وقد يقصد التهديد عندما يقول: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزُّمر: ١٥]، وقد يقصد التعجيز والتحدي عندما يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، أو عندما يقول على لسان نبي الله هود ﷺ مخاطباً قومه الكافرين: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]، وقد يقصد الاستهزاء عندما يقول الله تعالى في خطابة لبعض أهل جهنم: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدُخان: ٤٩]، وهكذا وهلم جراً (١). ٤ - إثراء المعاني للألفاظ والجمل التي ظاهرها التماثل والتشابه . وتعنى بهذا كتب البلاغة التي تعنى بمقتضيات الأحوال وأسرار التراكيب ومثال ذلك ورود اليأس في القرآن الكريم بمعنى: الإحباط، والقنوط، وعدم الرجاء، مثل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [﴿يوسف: ٨٧]، أي: لا يقنط من رحمة الله ... وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللهِ وَلِقَاءِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٢٣]، وقوله: [لَا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصِّلت: ٤٩]، لكنه قد وردت آية فيها اليأس بمعنى العلم على لهجةٍ من لهجات العرب، دل عليها سياق النص، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتَى بَلْ للهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، ومعناها: أفلم يعلم (٢)، فدل ذلك على أهمية معرفة سياق النص، ولهجات العرب، لتفسير كتاب الله تعالى. خاتمة التمهيد إن النص القرآني ينأى عن النص البشري بكل أجناسه، فهو فمعجزة، ثابتة الألفاظ متحركة المعاني تصلح لكل متلقٍ في كل زمان ومكان، تحمل دلالات بعضها فوق طاقة العقل الإنساني واستيعابه، أقبل العلماء على هذا الكتاب المجيد مشغوفين بكل ما يتعلق به: حتى أحصوا عدد آياته وحروفه، وعدد ألفاظه المعجمة والمهملة، وأطول كلمة فيه وأقصرها، وأكثر

стр. 143

ما اجتمع فيه من الحروف المتحركة، واشتغلوا منه بأبحاث دون تلك وزنا معتقدين أن لهم في هذا كله ثوابا عند الله وأجرا، إذ حققوا إرادته الأزلية في حفظ كلامه المبين من عبث السنين. ويمكن تحديد أهم النتائج التي توصلنا إليها من هذا التمهيد كما يأتي: ١ - القرآن الكريم: هو كتاب الله تعالى الذي أنزله على خاتم المرسلين محمد ﷺ لهداية البشر، وهو دستور الحق لإصلاح الخلق، وقانون السماء لهداية الأرض، أودعه ربنا تعالى كل تشريع، وضمنه كل موعظة من شأنها تحقيق السعادة للبشرية جمعاء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٧ - ٥٨] ٢ - لم تكن كتب علوم القرآن -في القرن الأول- قد انفردت واستقلّت بالتأليف؛ بل نرى بعض الموضوعات كُتِبَتْ على وجه الاستقلال في القرون الأولى؛ كعلمِ القراءاتِ، وعلمِ الرسمِ، والناسخِ والمنسوخِ، وإعجاز القرآن، وبعض الكتب جمعت أكثر من نوع من هذه الأنواع. ٣ - كان القرآن الكريم موضع اهتمام المسلمين من أول يوم تنزل فيه على رسول الله ﷺ ، فوعاه الصحابة وحفظوه، وكتبوه، وطبقوا ما فيه، وكان ما قام به أبوبكر الصديق بمشورة عمر ﵄ من جمع القرآن مما هو مكتوب أو محفوظ في عهده ﷺ عملا عظيماً حُفظ به القرآن، وسار على نهجه عثمان بن عفان ﵁ عندما جمع الناس على مصحف واحد ومنع الاختلاف بين المسلمين، وقد نال زيد بن ثابت ﵁ شرف تحمل مسؤولية جمع القرآن في عهد أبي بكر، وكتابته في عهد عثمان. ٤ - الوحي عملية مرتبطة بحوار ثنائي: بين ذات أمرة، وذات متلقية، ورأينا ظاهرة الوحي مرئية ومسموعة، ولكنها خاصة بالنبي ﵌ وحده، ولم يكن الوحي ظاهرة ذاتية عند النبي ﵌ إطلاقاً، بل كانت منفصلة عنه انفصالاً تاماً، ربما صاحبه من خلالها إمارات خارجية في شحوب الوجه أو تصبب الجبين عرقا، ولكنها إمارات لم تكن لتمتلك عليه وعيه نهائياً، وكان الداعي لبحث ذلك هو الرد على هجمات طائفة من المستشرقين الذين يرون الوحي نوعا من الإغماء، أو مثلاً من التشنج، والأمر ليس كذلك، بل هو استقبال لظاهرة، أعقبه هذا الوقع، استعداد للنشر والتبليغ. بعد هذا أرسينا مصطلح الوحي على قاعدة من الفهم القرآني. ٥ - تناول البحث تحديد بداية نزول القرآن زمنياً، وتعيين ما نزل منه أول مرة، ثم أشرنا للنزول التدريجي، وضرورة تنجيم القرآن، وعالجنا هذه الظاهرة بما نمتلك من تقليل لأسرارها، وتقييم لأبعادها، وأوضحنا إيمان القرآن بمرحلية النزول، وتعقبنا ذلك بتأريخية ما انقسم منه إلى مكي ومدني، وسلطنا الضوء على ضوابط السور المكية والمدنية، وحمنا حول أسباب النزول وقيمتها الفنية، وما يستأنس منه بجذورها في تعيين النزول زمانياً ومكانياً، وتتبعنا ما نزل من القرآن بمكة أولاً بأول، وما نزل بالمدينة أولاً بأول، معتمدين على أصح الروايات وأشهرها، أو بما يساعد عليه نظم القرآن وسياقه، وختمنا الفصل بجدول إحصائي إستقرائي لسور القرآن كافة بترتيبها العددي والمصحفي والزماني والمكاني. ٦ - إن للآيات القرآنية قصة تعين على الفهم السديد وتلهم أرجح التأويل وأصح التفسير وهو ما يسمى بأسباب النزول، وحين وصفنا مقاييس المفسرين المحققين في ترجيح الروايات المنبئة عن تلك الأسباب بمصطلحها الدقيق وتخريجها الذكي ونقدها الحصيف، وجمعها بين السبب

стр. 144

التاريخي والسياق الأدبي في الآيات التي وضعت في السطور على حسب الحكمة ترتيبا وحفظت في الصدور على حسب الوقائع تنزيلا، وحين تحدثنا عن ألوان من التناسق الفني يعوض بها القرآن أسباب النزول إذا لم تعرف، أو يؤكد مدلولاتها "بالنماذج" الحية إذا عرفت ولم تحفظ، أو حفظت ولم تشتهر. ٧ - إن في اعتبار الشكل المصحفي، وطريق الرواية إلى النبي ﵌، وتعدد لهجات القبائل، مضافاً إلى المناخ الإقليمي القائم بين مدرستي الكوفة والبصرة، أسسا قابلة للاجتهاد والأثر في تعدد القراءات القرآنية، وانتهينا إلى أن الاختلاف كان في الأقل، والاتفاق في الأكثر، وحددنا وجهة النظر العلمية تجاه القراء السبعة والقراءات السبع، وأعطينا الفروق المميزة بين القراءة والاختيار، وأوردنا مقاييس القراءة المعتبرة ٨ - وقد تقصينا الخطوات التي مر بها التفسير حتى اتخذ الصورة التي نجده عليها في بطون المؤلفات، وأن نفرق بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، وأن نتبين كيف يفسر القرآن بالقرآن لما في دلالته من الإحاطة والشمول، في منطوقه ومفهومه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده، ومجمله ومفصله، ونصه وظاهره. ٩ - إن القرآن كله محكم بمعنى أنه متقن غاية الإتقان، وهو أيضًا متشابه، بمعنى أنه يصدق بعضه بعضًا؛ أما من جهة الاصطلاح، فالمحكم ما عُرف المقصود منه، والمتشابه ما غَمُض المقصود منه. وظهر لنا أيضًا الموقف السليم من النصوص الواردة في باب الصفات، وأن القول الصواب فيها ما ذهب إليه السلف من إجراء تلك النصوص على ظاهرها، دون أن يقتضي ظاهر تلك النصوص تمثيل الخالق بالمخلوق. ١٠ - وتبين لنا بعد التجوال في ميدان علوم القرآن الكريم أن (الناسخ والمنسوخ) علم من آكد العلوم وأوجبها تعلما وحفظا وبحثا وفهما وخاصة لمن أراد أن يخوض غمار تفسير كتاب الله تعالى وأن يغوص في لجته لاستخراج الدرر الثمينة والجواهر النفيسة. بل إنه علم لا يسع كل من تعلق بأدنى علم من علوم الديانة جهله كما قال ذلك? مكي بن أبي طالب القيسي? ? رحمه الله تعالى، وإن مما يدل على عظم شأن هذا العلم وجليل خطره أن? الإمام أحمد? وإسحاق بن راهويه? عداه شرطا لكون الإنسان عالما. وأن? أبا يوسف? صاحب? أبي حنيفة? اعتبره شرطا للإفتاء بل قال: إنه لا يحل? لأحد أن يفتي حتى يعرفه. ١١ - إن الترجمة عامل آخر يسير موازيًا لتعلم لغة القرآن الكريم في نشر دعوته، وتبليغ هدايته للعالمين، وليس بالضرورة أن يتحول المسلمون جميعًا إلى عرب، فأكثر المسلمين في أرض الله اليوم من العجم، وها نحن نراهم أشد نصرة لدين الله، وأكثر حرصًا على طلب العلم، وأكثر الأئمة الأعلام كانوا من غير العرب، وقد سجل القرآن الكريم، أن من آيات الله العظمية، وآيات القدرة: اختلاف الألسنة واللهجات. فلا مانع أن يُترجم القرآن الكريم لغير العرب، وأن يدخل غير العرب في دين الإسلام، ويتعلمون اللغة العربية. ١٢ - وننتهي إلى إعجاز القرآن, فإذا نحن نرد سحره إلى نسقه الذي يجمع بين مزايا النثر والشعر جميعا، بموسيقاه الداخلية, وفواصله المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل، وتقفيته التي تغني عن القوافي، ورأينا كيف تم للقرآن من الإعجاز بالألفاظ الجامدة ما لا يتم للفنان من الإبداع بالريشة والألوان, وحاولنا في تصور التشبيه والاستعارة والكناية وأنواع المجاز أن نبث الحياة في اصطلاحات القدامى، فكان القرآن -في هذا كله- نسيجا واحدا في بلاغته وسحر بيانه،

стр. 145

إلا أنه متنوع تنوع موسيقى الوجود في أنغامه وألحانه فذلك هو القرآن: إن نطق لم ينطق إلا بالحق، وإن علم لم يعلم إلا الهدى والرشاد، وإن صور لم يصور إلا أجمل لوحات الحياة، وإن رتل ترتيلا لم يسمع بعده لحن في الوجود ذلك كتاب الله المجيد (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ). وأخيرا فالقرآن الكريم، هو مرجع الإسلام الأول، ودليله الأعظم، إليه المستند في العقائد، والعبادات، والحكم، والأحكام، والآداب، والأخلاق، وفيه القصص، والمواعظ، والعلوم، والمعارف، لذلك كله، كان القرآن الكريم، موضع العناية الكبرى من الرسول? ومن صحابته، والتابعين، ومن سلف الأمة، وخلفها جميعًا، منذ القرن الأول إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وسيبقى كتاب الله هذا محفوظًا بحفظ الله؛ مصداقًا لقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وقد تبيّن لنا من خلال البحث أن العناية بالقرآن اتخذت أشكالًا مختلفة؛ فتارةً تتوجّه إلى لفظه وأسلوبه، وأخرى إلى كتابته ورسمه، وثالثة إلى إعجازه وتفسيره. ويمكننا أن نقول: إن كتاب الله تعالى -الذي حظي من عناية العلماء بالجهد الموفور، لشرحه وتفسيره، وبيان علومه، وهداياته- قد شمل عدة أنواع من المؤلفات، ككُتب التفسير، وكتب علوم القرآن، وكتب المناهج، وكتب الدخيل، فضلًا عن الموضوعات الخاصة في مؤلفاتها الموجزة في العقيدة، والأخلاق، والمعاملات ... ونحو ذلك، ولقد رأينا علماءنا سلفًا، وخلفًا قد ألَّفُوا الكُتُبَ، وتباروْا في هذا الميدان؛ حتى زخرت المكتبة الإسلامية، بثروةٍ لا نظيرَ لَهَا، وتراث عظيم، من المصنفات المتنوعة، والموسوعات القيمة. وبعد كان هذا إيذانا بجملة من نتائج البحث، الذي وقفنا عنده، فتلك مباحث في علوم القرآن لا ننمي إليها السعة والشمول، ولا ندعي لها التفصيل والاستيعاب، إنما هي طائفة من المسائل المهمة التي نرجو ألا يجهلها أو يتجاهلها عربي ينطق بالضاد أو مسلم يهتف بهذا الدين الحنيف، وها نحن أولاء نتركها بين أيدي القراء سائلين الله أن يشوقهم بها إلى تلاوة كتابه، فتدبر أحكامه، فالعمل بتعاليمه، لعل التاريخ يعيد نفسه، ولعلنا نرجع بهذا الكتاب كما كنا خير أمة أخرجت للناس، ونسأل الله تعالى أن يتقبله منا بأحسن قبوله، وأن ينفع به الباحثين والدارسين، وأن يجعله ذخيرة لنا يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. المؤلف انتهى المقدمة والتمهيد، ويليه تفسير سورة الفاتحة.

стр. 146

تفسير سورة الفاتحة وهي السورة الأولى من حيث الترتيب في المصحف الشريف، التي جمع الله فيها كل مقاصد القرآن، وأجمل معانيه في تلك الآيات السبع المثاني، بالأسلوب المعجز؛ واللفظ الموجز، والقول السلس الذي لا يحتاج إلى كثير معاناة بحث، ولا يستدعي عميق فهم وعويص تفكير؛

стр. 147

فهي نموذج القرآن الذي يرسم أسسه وحقائقه في كل نفس، ويصور معانيه في كل قلب: العلماء والدهماء على اختلاف منازلهم، وتباين درجاتهم، إذا ما لفتوا أفهامهم بعض اللفت، ووجهوا قلوبهم نوع توجيه، آتتهم هذه الفاتحة المباركة ذلك النموذج القرآني، وتلك الصورة الحقة لمقاصد الكتاب الحكيم. و لهذه السورة أسماءٌ متعددةٌ ، نذكر منها: أولا: - فاتحةُ الكتابِ (١): ورد في "الصَّحيحين" عن عُبادة بنِ الصَّامِت أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ " (٢)، وإنَّما سُمِّيت "فاتحة الكتاب" لافتتاح سُور القرآن بها كتابةً، وقراءةً في

стр. 148

الصلاة، وهذا ممَّا استدلَّ به من قال: إن ترتيب سُور القرآن منصوصٌ عليه كترتيب الآيات إجماعًا. وفي سبب تسميتها بـ (فاتحة الكتاب) أقوال (١): أحدها: أنها سمّيت بذلك، لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم والقراءة في الصلاة، وهي مفتتحة بالآية التي تفتتح بها الأمور تيمّنا وتبرّكا وهي التسمية. قال الطبري: "، فهي فَواتح لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة" (٢). والثاني: أنها سمّيت بذلك، لأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن. والثالث: أنها سميت بذلك، لأنها أول سورة نزلت من السماء. قاله الحسين بن الفضل (٣). وتجدر الإشارة بأن الأمة الإسلامية أجمعت على أن ترتيب الآيات في سورها على ما هو عليه المصحف اليوم توقيفي بأمر من النبي- ﷺ ، فقد كانت الآيات تنزل عليه، وجبريل يدله على مواضعها، ويبلغها رسول الله صحابته، ويأمر كتاب الوحي بنسخها في مواضعها، وكان جبريل يعارضه بالقرآن في رمضان كل عام مرة، حتى عارضه في السنة التي توفي فيها رسول الله مرتين مرتبا الآيات كما هي عليه الآن، وقد حفظه الصحابة بعده وأجمعوا على هذا الترتيب (٤).

стр. 149

ولقد نقل غير واحد من العلماء الإجماع في ذلك، فلقد جاء في البرهان للزركشي قوله: "فأما الآيات في كل سورة، ووضع البسملة في أوائلها، فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها" (١)، وممن نقل الإجماع أيضا حول هذه المسألة أبو جعفر ابن الزبير الغرناطي، حيث قال: "ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ ، وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين" (٢). فالإجماع والنصوص المترادفة كلها على أن ترتيب الآيات توقيفي، لا شبهة في ذلك، قال مكي (٣) وغيره: ترتيب الآيات في السور بأمر النبي- ﷺ ، ولما لم يأمر بذلك في أول براءة تركت بدون بسملة، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: "ترتيب الآيات أمر واجب، وحكم لازم، فقد كان الرسول بأمر من جبريل-﵇ يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا" (٤). ويقول السيوطي: "والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيئا، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه، ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولم يؤخر مقدم، وأن الأمة ضبطت على النبي r ترتيب آي كل سورة وموضعها وعرفت موقعها، كما ضبطت عنه نفس القراءات، وذات التلاوة، وأنه يمكن أن يكون الرسول- ﷺ قد رتب سوره، وأن يكون قد وكل ذلك إلى الأمة بعده، ولم يتول ذلك بنفسه" (٥). كما أن ترتيب السور في القرآن فيه خلاف بين أهل العلم على خلاف ترتيب الآيات، فيقول: " ... وإنما اختلف في ترتيب السور على ما هي عليه، وكما ثبت في مصحف عثمان بن عفان الذي بعث بنسخه (٦) إلى الآفاق، وأطبقت الصحابة على موافقة عثمان في ترتيب سوره وعمله

стр. 150

فيه" (١)، ثم قال: "فكيفما دار الأمر فمنه ﷺ عُرفَ ترتيب السور، وعلى ما سمعوه منه بنوا جليل ذلك النظر" (٢)، وإنما الخلاف وقع في فعلهم في ترتيب السور هل كان بتوقيف قولي، أو بمجرد استناد فعلي حيث بقي لهم فيه مجال نظر؟ وحتى لو كان هذا الأمر اجتهادا من الصحابة، فإن الأمر مسلم فيه أيضا، لأنه لا يوجد من هو أفصح، وأعلم بكتاب الله، وبآياته، وسوره، ونزوله من الصحابة ﵃، كما أنهم أعملوا في ذلك اجتهادهم الأقصى، وهم الأعلياء بعلمه، والمسلم لهم في وعيه، وفهمه، وهم العارفون بأسباب النزول، ومواقع الكلمات، وإنما ألفوه على ما كانوا يسمعون منه، وهو رسول الله- ﷺ ، وقد كان نظرهم هذا في ما استقر عليه النبي- ﷺ من كان فعله الأكثر، والسند في ذلك بان الترتيب في السور قد روعي فيه التناسب، وإن كان لم يُراعى فيه أسباب النزول، وزمانه ومكانه، بأدلة، وأحاديث رويت منها في صحيح مسلم (٣)، وما روى في مصنف ابن أبي شيبة (٤)، وما نُقل عن الخطابي (٥) والقاضي ابن العربي (٦)، والتأمل بالعقل في ذلك التناسب

стр. 151

الموجود بين عدة سور كالأنفال، وبراءة، والتناسب الموجود بين الطلاق، والتحريم، والضحى، والشرح ... مما لا يتوقف في وضوحه من له أدنى نظر، كما نقل عن أبي محمد بن عطية (١) قوله بتفصيل في المسألة، وساق له ابن الزبير في كتابه البرهان بعض ما يؤيد هذا الرأي، منه قول رسول الله- ﷺ : "إقرأوا الزهروان البقرة، وآل عمران" (٢)، وحديث يؤتى بالقرآن يوم القيامة تقدمه سورة البقرة (٣)، وحديث: صلى رسول الله- ﷺ بالسبع الطوال في ركعة (٤)، وحديث كان يجمع المفصل في ركعة (٥)، وحديث رواه البخاري من طريق عائشة: "أن النبي كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة قرأ المعوذتين .. " (٦)، وكأنه يؤيد الرأي القائل بأن ترتيب السور، إن لم يكن رسول الله- ﷺ ، قد أمر به بلسان المقال، فإنه قد أشار إليه بلسان الحال، وهو ما كان عليه أكثر عمله، وأن العبرة بما ورد على الأكثر والإجمال، لا على القلة والتفصيل، وقليل بقي فيه الخلاف. ثانيا: - أم الكتاب: جاء في "المسند" و"سنن ابن ماجه" عن عائشةَ ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ صَلَّى صلاةً لم يَقْرَأ فيها بأمِّ الكتابِ فهي خِدَاجٌ" (٧). وفي "سنن أبي داود" من حديث أبي هريرة: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أمُّ القرآن، وأمُّ الكتاب، والسَّبعُ المثاني" (٨). وفي هذا الغسم خلاف، جوّزه الجمهور (٩)، وقد سمَّاها ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: أمَّ الكتاب. وكرهه أنس والحسن، وابن سيرين (١٠)، قل الحسن: "أمُّ الكتاب الحلال والحرام" (١١).

стр. 152

قال القرطبي: "يشيرُ إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾] آل عمران: ٧]، وربما وجه بأنَّ أمَّ الكتاب هو اللوحُ المحفوظ، كما في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾] الرعد: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾] الزخرف: ٤] " (١). وقال أنس وابن سيرين: "أم الكتاب: اسم اللوح المحفوظ. قال الله تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب﴾ [الزخرف: ٤] " (٢). وهذا لا يدلُّ على مَنْعِ تسمية الفاتحة بذلك. والله أعلم. وقد اختلف في معنى تسميتها بأمِّ الكتاب، على ثلاثة أقوال (٣): أحدهما: أنها سميت بذلك، لأنَّها تتقدم على بقيَّة سُورِ الكتاب في الخطِّ، فهي تؤمُّ السور بتقدمها عليها، فالكتاب كله راجع إلى معانيها، فهي كالأصل له، كما سُمِّيت مكَّة أمّ القرى، لأن البلدان دُحِيت من تحتها. والقرآن سمّيت بذلك لأنها أوّل القرآن والكتب المنزلة، فجميع ما أودعها من العلوم مجموع في هذه السورة فهي أصل لها كالأم للطفل. والثاني: أنها سمّيت بذلك، لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة سميت أم القرى لأنها أشرف البلدان. والثالث: أنها سمّيت بذلك، لأنها مجمع العلوم والخيرات، كما أن الدماغ يسمى أمّ الرأس لأنها مجمع الحواس والمنافع. يقول أبو بكر البريدي: "الأم في كلام العرب: الراية ينصبها العسكر، قال قيس بن الخطيم: نصبنا أمّنا حتى ابذعرّوا ... وصاروا بعد إلفتهم شلالا فسمّيت أم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إليها كمفزع العسكر إلى الراية. ومنه قول ذي الرمة (٤): وَأَسَمْرَ، قَوَّامٍ إذَا نَام صُحْبَتِي، ... خَفِيفِ الثِّيابِ لا تُوَارِي لَهُ أَزْرَا عَلَى رَأْسِه أمٌّ لنا نَقْتَدِي بِهَا، ... جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لَهَا أمْرَا إذَا نزلتْ قِيلَ: انزلُوا، وإذا غدَتْ ... غَدَتْ ذاتَ بِرْزيقٍ نَنَال بِهَا فَخْرَا يعني بقوله: على رأسه أمٌّ لنا، أي على رأس الرمح رايةٌ يجتمعون لها في النزول والرحيل وعند لقاء العدوّ (٥). والعرب تسمي الأرض: أمّا، لأنّ معاد الخلق إليها في حياتهم وبعد مماتهم، قال أمية بن أبي الصلت (٦):

стр. 153

والأرض نوّخها الإله طروقة ... للماء حتّى كلّ زند مسفد والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد وأنشد أحمد بن عبيدة (١): نأوي إلى أمّ لنا تعتصب ... كما ولها أنف عزيز وذنب وحاجب ما إن نواريها الغصب ... من السحاب ترتدي وتنتقب يعني: نصبه كما وصف لها. وسميت الفاتحة أمّا لهذه المعاني. وقال الحسين بن الفضل: "سميت بذلك لأنها إمام لجميع القرآن تقرأ في كل صلاة وتقدم على كل سورة، كما أن أمّ القرى إمام لأهل الإسلام، وقال ابن كيسان: سميت بذلك لأنها تامة في الفضل" (٢). وقيل: أصالتها من حيث أنَّها محكمةٌ لم يتطرَّق إليها نسخٌ، من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾] آل عمران: ٧] (٣). ثالثا: - أمُّ القرآن: واختلف فيه أيضا، فجوزه الجمهور ومنهم الحسن الذي كره تسميتها بأمِّ الكتاب، وكرهه أنس وابن سيرين، والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين (٤). وقد ورد تسميتُها بذلك في أحاديث كثيرة: منها حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "كلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأمِّ القرآن فهي خِدَاجٌ" خرَّجه مُسْلِمٌ (٥). وخرَّج من حديث عُبادة أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن" (٦). الرابع: - السبع المثاني: وقد فسَّرها النبيُّ ﷺ بالفاتحة كما سيأتي ذكره، وذكر وكيع في "كتابه" عن سفيان عن عمرو بن ميمون عن أبي مسعود الأنصاريِّ عن النبيِّ ﷺ قال: " ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾] الحجر: ٨٧ [قال: فاتحة الكتاب". وممن قال (الفاتحة هي السبع المثاني): ابنُ عبَّاسٍ وابنُ عمر والحسن ومجاهدٌ وعكرمةُ وخلقٌ كثيرٌ. واختلف في سبب تسميتها بالمثاني على أقوال: أحدها: إذ هي سبع آياتٍ اتِّفاقاً (٧)، وليس في القرآن ما هو كذلك سواها (٨)، إنْ غَيَّر بعضُهم عَدّ التَّسمية آية دون ﴿صراط الذين أنعمتَ عليهم﴾، وبعضُهم عَكَس (٩)، وهذا القول هو المشهور (١٠).

стр. 154

وتجدر الإشارة بأن الإمام أبو عمر ابن عبد البر قد ألف رسالة في البسملة سماها "الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب من الاختلاف" سرد فيها مذاهب العلماء في البسملة، في قرآنيتها وعدم قرآنيتها، في الجهر بها والإسرار بها، وساق فيها ما استدل به كل على مذهبه، ولم يمل فيها إلى مذهب الشافعي كما قاله المؤلف، وسبقه إليه عبد الرحمن بن إسماعيل شهاب الدين أبو محمد المشهور بأبي شامة في كتاب البسملة ل ٢ - بل مال إلى مذهب إمامه مالك بن أنس، فإنه قال فيها ١٩٢: أجمع علماء المسلمين على أنها سبع آيات، فدل هذا الحديث على أن أنعمت عليهم آية، وبسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من أول السورة، وهذا عد أهل المدينة والشام والبصرة، وأما أهل مكة وأهل الكوفة من العلماء والقراء فيعدون بسم الله الرحمن الرحيم أول آية من أم القرآن، وليست أنعمت عليهم بآية عندهم، فهذا حديث قد رفع الإشكال في سقوط: بسم الله الرحمن الرحيم، ورجاله

стр. 155

ثقات: أبو حامد الغزالي (١)، والفقيه سلطان بن إبراهيم المقدسي (٢)، وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي، وأبو المعالي مُجَلِّي صاحب (٣) " الذخائر "، والحافظ أبو شامة (٤). وعليه قراء مكة، كابن كثير (٥) (والكوفة) كعاصم (٦) حمزة (٧) والكسائي (٨). وممن خالفهم من قراء المدينة: كنافع (٩) والبصرة: كأبي عمرو (١٠)، والشام كابن عامر (١١). أما سبب الإختلاف في البسملة فمرده" أنه قد وقع الإجماع على استحباب ذكر الله تعالى عند ابتداء كل أمر له بال حين الشروع فيه، وقد ورد فيه خبر عن النبي ﷺ . وقد كانت العرب في الجاهلية تفعل ذلك فيقولون: باسمك اللهم، ويدلّ عليه ما في قصة هدنة الحديبية (١٢)، ثم إنه شرع للنبي ﷺ في ذلك لفظ البسملة. وذكر الله تعالى

стр. 156

في كتابه حكاية عن كتاب سليمان ﵇ أنها كانت في أوله. ثم أثبتها الصحابة في المصحف خطًّا في أوّل كل سورة سوى براءة، فاختلف العلماء هل كان ذلك لأنها أنزلت حيث كتبت، أو فعل ذلك للتبرك كما في غيره، ولم يكتف بها في أول الفاتحة، بل أعطيت كل سورة حكم الاستقلال إرشادا لمن أراد افتتاح أيّ سورة منها إلى البسملة في أولها، ولما فقد هذا المعنى حين التلاوة بوصل السورة اختلف القراء فيه: فمنهم من اتبع المصحف فبسمل مستمرا على ذلك، إذ القراءة في اتباع الرسم شأن يُخَالَفُ لأجله قياس اللغة، على ما قد عرف في علم القراءة، فما الظن بهذا؟ وقد كان تقرر عندهم أن المصحف لم تكتبه الصحابة إلاّ ليرجع إليه فيما كانوا اختلفوا فيه، ومنهم من فهم المعنى فلم يبسمل إلاّ في أوّل سورة يبتدئ بها (١)، وقد صحّ أن النبي ﷺ لما أنزلت الكوثر وتلاها على الناس بسمل في أوّلها (٢)، وكذا لما قرأ سورة حم السجدة على عتبة بن ربيعة (٣)، ولما تلا سورة المجادلة على امرأة (٤) أوس بن الصامت (٥)، ولما قرأ سورة الروم على المشركين (٦)، ولإيلاف قريش -أخرج البيهقي حديثهما في " الخلافيات " (٧) - ولما قرأ سورة الحجر أخرجه ابن أبي هاشم (٨) بسنده (٩).

стр. 157

الثاني: أن تلك الآيات تثنى في كل ركعة أي تضم إليها السورة في كل ركعة. اختاره ابن عاشور قائلا: "ووجه الوصف به أن تلك الآيات تثنى في كل ركعة كذا في الكشاف (١) قيل وهو مأثور عن عمر بن الخطاب (٢)، وهو مستقيم لأن معناه أنها تضم إليها السورة في كل ركعة" (٣) (٤). الثالث: وإمَّا لأنَّها تَثنَّى نزولها، فَمَرَّة بِمكَّة حين فُرِضَت الصَّلاة وأخرى بالمدينة حين حُوِّلَت القِبلة (٥)، قال ابن عاشور: " وَهَذَا قَوْلٌ بَعِيدٌ جِدًّا وَتَكَرُّرُ النُّزُولِ لَا يُعْتَبَرُ قَائِلُهُ، وَقَدِ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ فَأَيُّ مَعْنًى لِإِعَادَةِ نُزُولِهَا بِالْمَدِينَةِ" (٦). الرابع: وإمَّا لاشتمال كلٍّ مِن آياتها السَّبع على الثّناء عليه جلَّ شأنُه؛ إمّا تصريحاً أو تلويحاً، وهو مبنيٌّ على ما هو الصَّحيح مِن عَدِّ التَّسمية آية منها، وعَدِّ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ بعضاً من السَّابعة، وإلَّا فتَضمُّنها الثّناء غير ظاهر. الخامس: وإمّا لتكرُّر ما تضمَّنته من المقاصد: فالثَّناء عليه سبحانه قد تَكَرَّر في جُملتَي البسملة والحمدِ لَه. وتخصيصُه عزَّ وعلا بالإقبال عليه وحده والإعراض عمَّا سواه قد تكرَّر في جملَتَي

стр. 158

العبادة والإستعانة. وطلبُ الهداية إلى الصِّراط المُستقيم مُكرَّر بـ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾، كما أنَّ سؤال البُعد عن الطَّريق غير القويم مُكرَّر بِذِكر ﴿المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (١). فهذه وجوه خمسة في تسميتها بالسَّبع المثاني. والمثاني تحتمل واحدا من ستة معان: أحدها: المثاني من الثناء، والثناء لا يكون إلا على الله. والثاني: المثاني من الثنيّ والإنثناء، وهذه لا تكون إلا في أطراف الأشياء، وأيضا تعني المعاني الخفية أو المتخفية في الإنثناءات، أو المعاني الباطنة، أوالمعاني غير الظاهرة للعيان آنيا، أو هي تلك التي لم يأن آوان ظهورها بعد، والتي سوف تظهر تباعا في القادم من الأزمنة. والثالث: المثاني من الإزدواجية، أي ثنائية التكوين. والرابع: المثاني من التثنية، أي العد مثنى مثنى، أو إثنتين إثنتين. والخامس: وهو امتداد أو هو تفصيل للمعنى الثاني (من الإنثناء)، وحيث تكون المثاني من ظهور معنى ثان لها، وهذا المعنى بدوره يظهر له معنى جديد وهكذا، إلى سبعة أعماق، أو سبعة أبعاد، أو سبعة معاني وكلها صحيح، مما يشير إلى معني المتشابه من الآيات. والسادس: وهو معنى لا يخص المثاني بذاتها، لكنه يخص العددية الدالة عليها (سبعة)، مما يعني أن مجرد ظهور خاصية معينة متميزة في آيات وسور كتاب الله، في سبعة أشكال أو سبعة تكرارات، أو سبعة سور، أو سبعة آيات، أو سبعة خصال، يصون لها إحتمال كونها من السبع المثاني. وقيل "أنَّ المثاني تُطلَقُ باعتبار معنيين: أحدهما: باعتبار ما ثُنِّي لفظُه وكرِّرَ. والثاني: باعتبار ما ثُنِّيَتْ أنواعُه وأقسامُه، وكرِّرَتْ، فإنَّ التثنية يُرَادُ بها مطلقُ العدد مِنْ غير تخصيصٍ بعدد الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾] الملك: ٤]، أي: مرَّةً بعد مرَّةٍ" (٢). والقرآن نوعان: أحدُهما: ما كُرِّر لفظُه لفائدةٍ مجدَّدةٍ، فهذا هو المتشابه. والثاني: ما نُوِّع وقُسِم ولم يُكرّر لفظُه، فهذا المثاني، وقد جَمَعَ اللهُ بين هذين الوصفين في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾] الزمر: ٢٣]، فوصف الكتاب كلَّه بأنَّه متشابهٌ ومثاني، فإمَّا أن يكون تنويعًا إلى هذين النوعين، وهما: النظائر المتماثلة، والمثاني في الأنواع، وإمَّا أن يكون المراد أنَّ آياته المتماثلة ثُنِّيَتْ فيه في مواضع لحِكَمٍ وفوائد متجدّدةٍ، وسورةُ الفاتحة على المثاني بهذين التفسيرين، لأنَّها تضمنت الأنواع والأقسام المعدّدة وذكر العبادة والاستعانة، وذكر المغضوب عليهم والضالين، وتضمنت ذكر النظائر المتماثلة، وثُنِّيت فيها كتكرير ﴿إِيَّاكَ﴾، و ﴿الصِّرَاطَ﴾، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾، وتكرير: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ على قول من يقول إنَّ

стр. 159

البسملة منها، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾] الحجر: ٨٧ [يدلُّ على أنَّها من جملة المثاني لا كلّها، وفي الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في الفاتحة: "هي السبع المثاني" (١). فالجواب: أنَّ القرآنَ كلَّه أربعةُ أقسامٍ: السبع الطُوَل، والمئون، والمثاني، والمفصّل، كما في "المسند" وغيرِه عن واثلة بن الأسقع أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أُعطيتُ مكان التوراةِ السَّبعَ الطُوَلَ، وأُعطيتُ مكان الزَّبورِ المئين، وأُعطيتُ مكان الإنجيلِ المثانيَ، وفُضِّلتُ بالمفصّلِ" (٢)، وقد رُوي نحو ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه (٣). والسَّبع الطُوَلُ هي: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، كذا قال ابنُ عبَّاسٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وقيل: إنَّ السابعة: الأنفال وبراءة. والمئون: ما كان بعد ذلك من السُّور يبلغُ عددُه مائةً، مائةً، أو يزيدُ عليها قليلاً أو ينقصُّ قليلاً. والمثاني: ما سوى ذلك، وسوى المفصل، وسُمِّي مثاني قيل: لأنَّه يتلوُ المئين، فكأنَّ المئين أوائل وهذه ثواني، وقيل: لأنَّه تُثنَّى فيه القَصَصُ والأمثالُ والفرائضُ والحدودُ، ونُقل عن ابنِ عبَّاسٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ. فالفاتحة من قِسْمِ المثاني، لأنَّها ليست من السَّبْعِ الطِّوالِ، وليست من المئين، ولا من المفصَّل، فتعيَّن أنَّها من المثاني، وإنَّما سمَّاها النبيُّ ﷺ السبع المثاني لاختصاصها من بين بقيَّة سُور المثاني بمعاني أخر تقتضي أنَّها أحَقّ بهذا الاسم من غيرِها من السُّور كتثنيتِها في الصلاة وغير ذلك، فصارت نوعًا مستقلاً بنفسِه فلذلك سُمِّيت: "السبع المثاني"، مع أنَّ في لفظ التِّرمذيِّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّها سبعٌ من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيتُه" (٤). الخامس: القرآنُ العظيم: وذلك لقولُ النبيِّ ﷺ في الفاتحة: "هي السَّبعُ المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه" (٥)، ففسَّر السَّبعَ المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة، فيكونُ هذا العطفُ حينئذٍ من بابِ: عطفِ الصِّفاتِ على الصِّفاتِ، لا من: عطفِ الموصوفاتِ على الموصوفاتِ، ونظيرُه قولُه : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾] الأعلى: ١ - ٤]، وكذلك قراءةُ عائشةَ وغيرِها من الصحابةِ: (حافظوا على الصَّلوات والصَّلاةِ الوُسطى وصلاةِ العصرِ)، ومن المفسِّرين من قال: إنَّ القرآن العظيم المرادُ به بقيةُ القرآن، فجعله من باب ذكر الخاص قبل العام وهو قليلٌ، والمعروف عكسُه، وهو ذكر الخاصِّ بعد العامِّ.

стр. 160

السادس: الصَّلاة: فقد ثبت في حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قال: "قال الله تعالى: قُسمت الصَّلاةُ بيني وبين عبدي نصفين، فنصفُها لي، ونصفُها لعبدي، ولعبدي ما سأل" خرَّجه مسلمٌ (١). وإنَّما سُمِّيت "صلاةً" لأنَّ الصلاةَ لا تخلوُ عنها، ولا تصحُّ إلاَّ بها، فسُمِّيت "صلاةً"، كما تسمَّى الصلاةُ "قرآناً"، كما في قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾] لإسراء: ٧٨]. وقد سمَّاها بهذا الاسم جماعةٌ من الأئمةِ. قال أبو شَامَة في أثناء كلامٍ له: "هذا إذا سلَّمنا توجَّه التنصيف إلى آيات الفاتحة، وذلك ممنوعٌ من أصلِه، وإنَّما التنصيف متوجِّهٌ إلى الصلاة بنصِّ الحديث، فإن قيل: المرادُ قراءة الصلاةِ، قلنا: بل المراد قسمةُ ذِكْرَ الصلاةِ، أي: الذِّكْرُ المشروعِ فيها وهو ثناءٌ ودعاءٌ، فالثناءُ: منصرفٌ إلى الله تعالى، سواء ما وقع منه في القراءةِ، وما وقع منه في الركوعِ والسجودِ، وغيرهِما، والدعاءُ منصرفٌ إلى العبدِ، سواء ما وقع منه في القراءة والسجود وغيرِهما. وأقرّه عليه النوويُّ مع تسميته الفاتحة بـ (الصلاة) " (٢). السابع: - رقية الحقِّ: وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال للذي رَقَى بالفاتحة: "وما يدريك أنَّها رقيةٌ"، وثبت أنَّه قال: "لقد أكلتَ برقيةِ حقٍّ" (٣). الثامن: - سورة الحمد: وقد اشتهر تسميتُها بذلك، وحَمَلَ كثيرٌ من النَّاس حديثَ: (كان يفتتحُ الصَّلاة بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ على أنَّه أُريد ذكر اسم السُّورة. فإن قيل: ففي القرآن سُورٌ كثيرةٌ أوَّلُها: ﴿الحمد لله﴾، فما وجهُ تسمية الفاتحة بـ "سورة الحمد" دون غيرها؟ فالجواب: أنَّ الثناء على الله سبحانه في هذه السُّورة هو المقصودُ الأعظم من سائرِ معانيها، وقد استوعب نحو شطرها، فهو الغالب عليها، فسمِّيت بما غَلَبَ عليها، بخلافِ غيرِها.

стр. 161

التاسع: - الشفاء: ذكره غيرُ واحدٍ، وذكروا من حديث ابنِ سيرين عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "فاتحةُ الكتابِ شفاءٌ من كلِّ داءِ" (١)، وفي رواية: "من كل شيء إلا السَّامَ" (٢)، وهو الموت، وقيل: إن الدارمي خرَّجه (٣)، وروي مرسلا عن عبد الملك بن عمير أن النبي ﷺ قال: "في فاتحة الكتاب: شفاء من كل داء" (٤)، وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري: "فاتحة الكتاب شفاء من السم" (٥). وتُسمَّى "الشافية" أيضًا. قال الرَّازيُّ: "وأقول: الأمراضُ منها ما هو روحانيَّة، ومنها ما هو جسمانيَّة، بدليل تسميتِه تعالى الكفرَ مرضًا، في قولِه تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾] البقرة: ١٠]، وهذه السورة مشتملةٌ على معرفةِ الأصول والفروع والمكاشفات، فهي في الحقيقة شفاءٌ، بل الشفاءُ (٦) في هذه المقامات الثلاثة" (٧). وقال ابن القيم: "فقد أثر هنا الدواء في هذا الداء وأزاله، حتى كأنه لم يكن، وهو أسهل دواء وأيسَره، ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيراً عجيباً في الشفا، ومكثت بمكة مدة تعتريني أدواء، ولا أجد طبيباً ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيراً عجيباً، فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألماً، فكان كثير منهم يبرأ سريعاً" (٨). ولكن هاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الأذكار والآيات أو الأدعية التي يُستشفى بها، ويُرقى بها هي نفسها نافعة شافعة، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل، وتأثيرَه، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجح فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة (أي طبيعة البدن) لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة (أي الأجسام) إذا أخذت الدواء لقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، فكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفسٌ فعالة، وهمة مؤثرة في إزالة الداء. العاشر: - الوافية: حُكِي عن سفيان بنِ عُيينَةَ، لأنَّها لا تقبلُ الحذف، فلا بدَّ من الإتيان بها وافيةً تامَّةً، وقال الزَّمخشريُّ: إنَّما سُمِّيت وافيةً لاشتمالِها على المعاني التي في القرآن من الثناء على الله بما هو أهلُه، ومن التعبُّد بالأمرِ والنَّهي، ومن الوعد والوعيد (٩).

стр. 162

الحادي عشر: - الأساس: رُوي عن الشَّعبيِّ أنَّه سمَّاها: الأساس، وأنَّه قال: "سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقول: أساسُ الكُتُبِ القرآن، وأساسُ القرآن الفاتحة، وأساسُ الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم" (١). قال الرَّازيُّ: وسُمِّيت أساسًا لوجهين: أحدُهما: أنَّها أوّلُ سورةٍ من القرآن، فهي كالأساس، والثاني: ] أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة [(٢)، وهذه السورة مشتملة على (٣) ما لا بد منه في الإيمان، والصلاة لا تتم إلا بها (٤). الثاني عشر: - الكنز واستدل بذلك بما رواه أنس بن مالك-﵁ عن النبي- ﷺ قال: "إن الله أعطاني فيما منّ به عليّ، أني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبين عبدي نصفين" (٥). وأخرج الواحدي في أسباب النزول عن علي قال: "نزلت فاتحة الكتاب بمكة عن كنز تحت العرش" (٦)، وعنه ﵁ أنه سئل عن فاتحة الكتاب، فقال: "حدثنا نبي الله- ﷺ أنها أنزلت من كنز تحت العرش" (٧). وقد ذكرت هذا التسمية في بعض كتب التفاسير وعلوم القرآن (٨). وقيل سميت بذلك لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، وهي بمثابة الجواهر المكنوزة فيه (٩). وهذه الأحاديث التي وردت في التسمية لم يصرح فيها رسول الله ﷺ بتسميتها بالكنز، إنما ذكر أنها نزلت من كنوز العرش، فهي وصف للسورة وليست اسما لها (١٠). الثالثة عشر: - الشكر ذكر هذه التسمية بعض المفسرين كالرازي (١١)، وأبي مسعود (١٢)، والألوسي (١٣)، كما ذكرها السيوطي (١٤)، والبقاعي (١٥).

стр. 163

ووجه التسمية بذلك لاشتمالها على الشكر، قال الرازي: وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم والإحسان" (١). وتجدر الإشارة بأن هذه التسمية مجرد أجتهاد من السادة المفسرين لما تضمنته االسورة من معاني الشكر والثناء لله، دون الإستناد في تسميتها إلى حديث أو أثر صحيح. الرابعة عشر: - الثناء: قال بهذه التسمية الفيروزآبادي (٢)، ولك لاشتمال السورة على الثناء على الله تعالى في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]، دون أن يذكر مستنده في ذلك. الخامسة عشر: -المناجاة: ذكر هذا الاسم كل من السيوطي (٣)، والآلوسي (٤)، وعللا بأن العبد يناجي فيها ربه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وهذه التسمية من باب الإجتهاد ولم يثبت ذلك عن الرسول- ﷺ ولا صحابته الكرام-رضي الله تعالى عنهم-. السادسة عشر- التفويض: ذكره كل من السيوطي (٥) والألوسي (٦)، فقالوا أنها سميت بذلك، لأنه يحصل بها التفويض (٧) فهي مشتملة عليه في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، وها أيضا اجتهاد منها -رحمهما الله- دون استناد على دليل. السابعة عشر: - الدعاء: وردت هذه التسمية في بعض كتب التفسير: كتفسير الرازي (٨)، والبيضاوي (٩)، وأبي مسعود (١٠)، والألوسي (١١)، كما ذكرها البقاعي في نظمه (١٢)، والسيوطي في الإتقان (١٣)، وعللوا

стр. 164

في وجه تسميتها: " لاشتمالها عليه في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وأخرج أبو عبيد عن مكحول: "أم القرآن قراءة ومسألة ودعاء" (١). قلت: لا شك بأن الدعاء من المعاني التي اشتملت عليها سورة الفاتحة، أما كون الدعاء اسما لها، فلم يثبت ذلك عن الرسول ﷺ ، بل مجرد اجتهاد واستنباط من السادة العلماء-رحمهم الله تعالى-. الثامنة عشر: - النور ذكرها كل من السيوطي (٢)، والألوسي (٣)، وعلل هذا الأخير سبب تسميتها بذلك، لظهورها بكثرة استعمالها أو لتنويرها القلوب لجلالة قدرها، أو لأنها لما اشتملت عليه من المعاني عبارة عن النور بمعنى القرآن. وهذا اجتهاد، إلم لم أحد سندا صحيحا في تسميتها بالنور، إنما هو وصف للسورة كما في حديث ابن عباس: "قال فيه جبريل: أبشر بنورين أوتيتها لم يؤتها نبي قبلك: فتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة .. " (٤). التاسعة عشر: - تعليم المسألة: أوردت هذه التسمية، كل من: البيضاوي (٥)، وأبي مسعود (٦)، والألوسي (٧)، كما ذكرها السيوطي في الإتقان (٨)، ونسب إلى المرسي قوله في وجه التسمية: "لأن فيها آداب السؤال، لأنها بدئت بالثناء قبله" (٩). وقد أخرج أبو عبيد عن مكحول قوله: "أم القرآن قراءة ومسألة ودعاء" (١٠). قلت: وهذه التسمية أيضا من باب الإجتهاد، لأن تعليم المسألة هو من المعاني التي تضمنتها السورة، ولم يرد حديث عن الرسول ﷺ في ذلك. العشرون: - السؤال: سماها بذلك كل من: الرازي (١١)، والسيوطي (١٢)، والألوسي (١٣)، ووجه التسمية بلك لكونها اشتملت على الدعاء الذي هو السؤال لله تعالى. قال الرازي: " روي أن رسول الله ﷺ حكي عن رب العزة- أنه قال: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" (١٤)، وقد فعل

стр. 165

الخليل-﵇ ذلك حيث قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، إلى أن قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣]، ففي هذه السورة أيضا وقعت البداءة بالثناء عليه ، وهو قوله: ﴿الحمد لله﴾ إلى قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾، ثم ذكر العبودية وهو قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦]، وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية في الدين .. " (١). قلت وهذه التسمية أيضا من اجتهاد العلماء-﵏ وهو مشابه للاسم الذي قبله. هذه كانت أسماء سورة الفاتحة التي ذكرها المفسرون التوفيقية والاجتهادية وأشهرها وأكثرها تداولا هي: (فاتحة الكتاب، والسبع المثاني، وأم الكتاب، وأم القرآن، وأشهر هذه الأسماء هي "الفاتحة")، أما باقي التسميات فهي من باب الإجتهاد لطون السورة تضمنت لمعانيها. والله تعالى أعلم. وقد اختلف العلماء في مواضع نزولها ، وفيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّها نزلت بمكَّة . نُقل عن عليٍّ وابن عبَّاسٍ وأبي هريرة والأكثرين، حتى قال أبو ميسرة: "هي أوَّل سورة نزلت من القرآن بمكَّة، وأنَّها ابتدئت بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ". أخرجه البيهقي (٢)، وهذا قول جمهور العلماء، ودليلهم (٣): أولا: ما أخرجه أبو بكر بن الأنباري في المصاحف عن عبادة قال: "فاتحة الكتاب نزلت بمكة" (٤). ثانيا: أخرج الواحدي في أسباب النزول عن عليّ، قال: "نزلت فاتحة الكتاب بمكة عن كنز تحت العرش" (٥)، وعنه ﵁ أنه سئل عن فاتحة الكتاب، فقال: "حدثنا نبي الله- ﷺ أنها أنزلت من كنز تحت العرش" (٦). الثالث: أخرج أبو نعيم في الدلائل عن رجل من بني سلمة قال: "لما أسلمت فتيان بني سلمة ... فسأله فقرأ عليه: الحمد لله رب العالمين، وكان ذلك قبل الهجرة (٧) ".

стр. 166

الرابع: وقالوا: لم تكن صلاة في الإسلام بدون فاتحة الكتاب، ومن المعلوم أن الصلاة شرعت في الأيام الأولى من البعثة، وفرضت الصلوات الخمس في ليلة الإسراء والمعراج، وكانت قبل الهجرة بثلاث سنوات. قال جلال الدين: "ولم يحفظ صلاة بغير فاتحة الكتاب" (١). قال ابن كثير: "وهي مكية قاله ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، وقتادة، وأبو العالية، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] (٢). ووجه الاستدلال بهذه الآية على أن سورة الفاتحة مكية، هو أن هذه الآية من سورة الحجر، وسورة الحجر سورة مكية، فهي تتحدث عن الفاتحة، فهذا دليلٌ من القرآن على أن سورة الفاتحة نازلة بمكة، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، ولا يلتفت إلى غيره. واختلف في أول ما نزل من القرآن على أقوال: أحدها: أن أول ما نزل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ منفردة. قال الفخر الخطيب (٣): "وهو قول الأكثرين من الذين قالوا: لم تنزل (المدثر) و (اقرأ) أولا" (٤). ونقله في موضع آخر عن ابن عبَّاسٍ (٥). الثاني: ان أول ما نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، كما جاء في حديث جابر الصحيح (٦). والثالث: وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهذا هو الصحيح، فإنه لما أنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ رجع فتدثر، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٧). واتفق العلماء أن أول ما نزل القرآن على وجه الإطلاق قطعا ً الآيات الخمس الأولي من سورة العلق، وهي قوله تعالي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، ثم فتر الوحي مدة، ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]، ففي الصحيحين: عن عائشة ﵂ في بدء الوحي قالت: "أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي هو الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِب إليه الخلوة، وكان يخلو في غار حراء، يتحنث [يتعبد] فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطنى الثالثة ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق ١ - ٣]، فرجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على زوجته خديجة بنت خويلد ـ رضي الله

стр. 167

عنها ـ، فقال: زملوني، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكَسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل ابن عمها، وكان امرًأً تنصر بالجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله له أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس (جبريل ﵇ الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا (شابا)، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال: أَوَ مُخرجي هم؟ ، قال نعم، لم يأت رجل قَط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب (يلبث) ورقة أن توفي، وفتر الوحي (١). وفيهما عن جابر ﵁، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال وهو يحدث عن فترة الوحي: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢] إِلَى ⦗٨⦘ قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ بَوَادِرُهُ" (٢)، وفيه، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) إلى (وَالرُّجْزَ فَاهْجُر (٥ ْ) (المدثر: ١ - ٥). وثمت آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أولية مقيدة مثل: حديث جابر ﵁ في الصحيحين، إن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله: أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) قال أبو سلمة: أنبئت أنه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: ١) فقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله ﷺ : قال رسول الله ﷺ : " جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت ... " فذكر الحديث وفيه: "فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبوا علي ماء بارداً، وأنزل علي: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: ١) إلى قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) (المدثر: ١ - ٥) " (٣). فهذه الأولية التي ذكرها جابر ﵁ باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة اقرأ ثبتت نبوة النبي ﷺ ، وما نزل من سورة المدثر ثبتت به الرسالة في قوله ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]. ولهذا قال أهل العلم: إن النبي ﷺ نبئ بـ (اقْرَأْ) [العلق: ١]، وأرسل بـ (الْمُدَّثِّرُ) [المدثر: ١].

стр. 168

القول الثاني: أنها أُنزلت بالمدينة . قاله أبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري (١)، روى منصور عن مجاهد قال: "إن إبليس رنَّ أربعَ رنَّاتٍ: حين لُعِنَ، وحين أُهبط من الجنَّة، وحين بُعث النبيُّ ﷺ ، وحين أُنزلت فاتحة الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة" (٢). قال الحسين بن الفضل: "هذه هفوة من مجاهد، لأنّ العلماء على خلاف قوله" (٣). وروى الطَّبرانيُّ في "الأوسط": "حدثنا عُبيد بن غنَّام ثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ ثنا أبو الأَحْوَصِ عن منصورٍ عن مجاهدٍ عن أبي هريرة: أنَّ إبليسَ رنَّ حين أُنزلت فاتحةُ الكتابِ، وأُنزلت بالمدينة، وقال: لم يروه عن منصور إلا أبو الأحوص، تفرّد به أبو بكر بن أبي شيبة" (٤)، ورواه سفيان وغيره عن منصور ووقفُوه على مجاهدٍ. واستدلوا على هذا بحديث مشهور في صحيح مسلم: "بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة" (٥). فإن قيل: هذا كان في المدينة، فكيف جاء بفاتحة الكتاب وهي نزلت بمكة؟ يقال: هو لم يأتِ بها أصلاً، وإنما بشر النبي ﷺ بذلك، والبشارة يمكن أن تكون أيضاً على أمرٍ قد مضى، فبين له المزية لسورة الفاتحة وآخر آيتين أوتيهما ﷺ من سورة البقرة، فالبشارة يمكن أن تكون عن شيء كان في الماضي، وهو كذلك، فلا يفهم منه أنه هو الذي نزل بها كما قال بعض المعاصرين: إن بعض القرآن قد ينزل به غير جبريل، فالأمر واضح أن جبريل هو الذي نزل به كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، فالقول بأن هذا في الجملة ولا يؤثر على ذلك أن ينزل غيره بآيةٍ أو نحو هذا، فهذا قول غير صحيح. ومعروف قطعاً أن النبي ﷺ كان يصلي بمكة، وكان يقرأ الفاتحة، وآية الحجر تدل على نزولها بمكة. القول الثالث: أنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة: أراد بعض أهل العلم أن يوفق وأن يجمع فقال: نزلت مرتين، مرة بمكة ومرة بالمدينة. قال الشوكاني: "وقيل: إنّها نزلت مرّتين مرّةً بمكّة ومرّةً بالمدينة جمعًا بين هذه الرّوايات" (٦).

стр. 169

قال الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ): " وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهذا كما قيل في الفاتحة نزلت مرتين، مرة بمكة، وأخرى بالمدينة" (١). قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت: ق ١١ هـ): "مكية مدنية؛ لأنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة." (٢). القول الرابع: أن نصفها الأول نزل بمكة ونصفها الآخر نزل بالمدينة: وحكى أبو اللّيث السّمرقنديّ: " أنّ نصفها نزل بمكّة ونصفها الآخر نزل بالمدينة" (٣). قال ابن كثير: "وهو غريبٌ جدًّا، نقله القرطبيّ عنه (٤) " (٥). والصحيح أنَّها أُنزلت بمكَّة، وذلك لأمرين (٦): أحدهما: فإنَّ سورة (الحِجْر) مكِّيَّةٌ بالإجماع، وقد أنزل الله فيها: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾] الحجر: ٨٧]، وقد فسَّرها النبيُّ ﷺ بالفاتحة، فعُلم أنَّ نزولهَا متقدمٌ على نزول (الحِجْر). والثاني: وأيضًا فإنَّ الصَّلاةَ فُرضت بمكَّة، ولم يُنقل أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه صلَّوا صلاةً بغير فاتحة الكتاب أصلاً، فدلَّ على أنَّ نزولهَا كان بمكَّةَ. قال ابن رجب: "وأمَّا الرِّواية بأنَّها أوَّل سورة أُنزلت من القرآن فالأحاديث الصَّحيحة تردُّه" (٧). وأما عدد آياتها، "فهي سبعُ آياتٍ كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الحجر: ٨٧]، وفسَّرها النبيُّ ﷺ بالفاتحة، ونقل غيرُ واحدٍ الاتفاق على أنَّها سبعٌ، منهم ابنُ جرير (٨) وغيرُه" (٩). واختلف أهل العلم في الآي التي صارت بها سبع آيات، وفيه قولان (١٠): أحدهما: أنها صارت سبع آيات بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وها قول عظم أهل الكوفة. قال الطبري: "وقد رُوي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين" (١١). والثاني: أنها سبع آيات، وليس منهن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولكن السابعة ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وذلك قول عُظْم قَرَأةِ أهل المدينة ومُتْقنيهم. وفي عددها قولان شاذّان (١٢):

стр. 170

أحدُهما: أنَّها ستُّ آياتٍ، حُكي عن حسين الجُعْفِيِّ (١). والثاني: أنَّها ثمانُ آياتٍ، وأنَّ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ آيةٌ. قاله عمرو بن عبيد (٢). قال ابن رجب: " نُقل عن عمرو بن عبيد أنَّها ثمانُ آياتٍ، ولا يعبأُ به" (٣). قال أبو حيان: " وشذ عمرو بن عبيد، فجعل آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فهي على عده ثمان آيات" (٤). قال ابن عطية: " وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧] هو الفصل في ذلك" (٥). وأمَّا كلماتُها: فهي خمسٌ وعشرون كلمةً (٦). وأمَّا حروفُها: فمائةٌ وثلاثة عشر حرفًا (٧). وإن هذه السُّورة العظيمة لها فضائلٌ وخصائصٌ عديدةٌ، قال ابن رجب: "ولم يثبت في فضائلِ شيءٍ من السُّور أكثر مما ثبت في فضلِها، وفضلِ سورة (الإخلاص) " (٨). ثم سرد مجموعة من فضائلِها (٩). (أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) شرع الله تعالى لكل قارئ للقرآن العظيم، أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]؛ ذلك لأن القرآن الكريم هداية للناس وشفاء لما في الصدور، والشيطان سبب الشرور والضلالات، فأمر الله سبحانه كل قارئ للقرآن أن يتحصن به سبحانه من الشيطان الرجيم، ووساوسه، وحزبه. وأجمع العلماء على أن الاستعاذة ليست من القرآن الكريم، ولهذا لم تكتب في المصاحف (١٠). قوله: (أَعُوذُ بِاللهِ)، أي: " أستجيرُ بالله - دون غيره من سائر خلقه" (١١). قال ابن كثير: " أي: أستجير بجناب الله" (١٢). قوله: (مِنَ الشَّيْطَانِ)، أي: "من الشيطان أن يضرَّني في ديني، أو يصدَّني عن حق يلزَمُني لرَبي" (١٣). قال ابن كثير: أي: "من الشيطان أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا

стр. 171

أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عمَّا هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وقال تعالى في سورة " قد أفلح المؤمنون ": ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون: ٩٦ - ٩٨]، وقال تعالى في سورة " حم السجدة ": ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦] [فصلت: ٣٤ - ٣٦] " (١). وفي المراد بـ (الشيطان) قولان: أحدهما: أن المراد به: الشيطان المخصوص وهو إبليس الذي كانت قصته مع أبينا آدم-﵇. والثاني: أن المراد به كل شيطان، أي: كل ما يصدق عليه هذا الاسم أو الوصف. والقول الثاني أصح، لأنه يدخل فيه الأول ويدخل فيه سائر الشياطين، ومن المعلوم أن سائر الشياطين يصدون الإنسان عن طاعة الله. وقد اختُلف في معنى (الشيطان) من ناحية اللغة، بناء على الاختلاف في اشتقاقه وأصالة النون في بنائه، وفيه وجهان: أحدهما: أن (الشيطان) نونه أصلية على وزن "فيعال" مشتق من (شطن)، بمعنى: بَعُد عن الحقِّ، ، فسمي الشيطان شيطانا، لتباعده من الخير، فهو من: شطنه يشطنه شطنًا: إذا خالفه عن وجهته ونيَّته، وشَطَّت الدار: بَعُدَت، والشاطن: الخبيث، وتشيطن الرجل: إذا صار كالشيطان وفعل فعله، ومنه الشيطنة: التي هي مرتبة كلية عامَّة لمظاهر الاسم المضل (٢)، قال أمية بن أبي الصلت يصف سليمان بن داود ﵉ (٣): أيما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأغلال فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط. وقال نابغة بني شيبان (٤): فأضحت بعدما وصلت بدار ... شطون لا تعاد ولا تعود

стр. 172

والثاني: أن (الشيطان) مأخوذ من الفعل (شاط)، وعلى هذا الاشتقاق يكون على وزن فعلان، والنون فيه زائدة، بمعنى: احترق من الغضب، فهو من: شاط يشيط، وتشيط: إذا لفحَته النار فاحترق أو هلك، مثل هيمان وغيمان، مِن هام وغام (١)، فسمي الشيطان سمي شيطانا، لغيه وهلاكه (٢)، قال الأعشى (٣): وَنَطْعَنُ الْعَيْرَ فِي مَكْنُونِ فَائِلِهِ ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا الْبَطَلُ أراد: وقد يهلك على أرماحنا (٤). وذكر ابن الأثير أن نون (الشيطان) إذا جعلت أصلية كان من الشطن وهو: البعد عن الخير، أو الحبل الطويل، كأنه طال في الشر، وإن جعلت زائدة كان من شاط يشيط: إذا هلك، أو من استشاط غضباً، إذا احتد في غضبه والتهب، قال: والأول أصح (٥)، وذكر ابن كثير أن من العلماء من صحح المعنيين مع قولهم بأن الأول أصح (٦). والشطن: البعد، ومنه شطنت داره، أي بعدت، ويقال: نوى شطون أي بعيدة، وبئر شطون: أي بعيدة القعر، ويقال للحبل شطن سمي بذلك لطوله، وجمعه أشطان، وفي الحديث: «كُلُّ هَوىً شَاطِنٌ فِي النَّارِ» (٧) (٨). قال ابن قتيبة: "الشاطن البعيد عن الحق" (٩). قال محمد بن إسحاق: " إِنَّمَا سمي شَيْطَانا لِأَنَّهُ شطن عَن أَمر ربه. والشطون: الْبعيد النازح " (١٠). وقال أبو عبيد: "الشيطان كل عات متمرد من إنس، أو جن" (١١)، أو دابة، قال جرير (١٢): أيامَ يدعُونني الشَيْطانَ من غَزَلٍ ... وهُنَّ يَهْوَيْنَني إذْ كنتُ شَيْطانا ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيا عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]، وكذا قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، أي أصحابهم من الجن والإنس، وقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ [الأنعام:

стр. 173

١٢١]، وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، قيل مردة الجن وقيل مردة الإنس (١) (٢). واشتقاقه من (شطن) هو القول الراجح، وذلك لأنَّها أقرب إلى وصف أعمال الشيطان التي تَهدف إلى إبعاد الناس عن عمَل الخير واتِّباع الحق، "لأنَّ اشتقاق الشيطان من شطن، بمعنى: بَعُد عن الخير ومال عن الحقِّ - أقرب إلى الحقيقة من اشتقاقه من شاط، بمعنى: احترق، ذلك أنَّ عمل الشيطان هو إبعاد الناس عن الحقِّ، والذي يبعد الناس عن الحقِّ والخير يكون هو بعيدًا عنه" (٣). والجن لغة: اسم جنس جمعي، واحده جني، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سموا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون (٤)، والجمع جنان، وهم الجنة (٥). وكل شيء وقيت به نفسك، واستترت به فهو جنة، ومنه قول النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري في كتاب الصوم: "والصيام جنة" أي وقاية، حيث يقي صاحبه من المعاصي. وسمي الجنين جنينًا لاستتاره في بطن أمه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] (٦). وسميت الجنة – بفتح الجيم – بذلك لكثرة شجرها، بحيث يستر بعضها بعضًا (٧). وأما الجن اصطلاحًا فهم: نوع من الأرواح العاقلة المريدة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم وصورتهم الحقيقية، يأكلون ويشربون ويتناكحون، ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة (٨). فإن قال قائل: وما الفرق بين الجن والشياطين؟ فالجواب: أن الشياطين هم مردة الجن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ... ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية. وواحد الشياطين: شيطان، مأخوذ من شطن بمعنى بعد ولا يقتصر هذا اللفظ على مردة الجن فقط، بل يطلق كذلك على كل عارم ومؤذ من الجن والإنس، قال الله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ

стр. 174

الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (١)، وقال سبحانه عن المنافقين: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ (٢) أي إلى أصحابهم من الجن والإنس (٣). وإذا كان الجن ممن يساكن الناس، قالوا: عامر، جمع عمار، وإذا كان مما يعرض للصبيان، قالوا: أرواح، والخبيث من الجن هو الشيطان، والأشد خبثاً مارد. ومن اشتد أمره من المردة: عفريت، وجمعه عفاريت (٤) والجن ثلاثة أصناف كما قال رسول الله ﷺ : "صنف يطير في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون" (٥) وردت آيات قرآنية كثيرة في الجن، وسميت السورة الثانية والسبعون من كتاب الله تعالى باسمهم: (سورة الجن). وقد دل الكتاب العزيز والسنة المطهرة على وجود الجن ودل عليه كذلك الإجماع، وعليه فإنه لا يجوز لأي أحد من الناس إنكارهم، ولذا قال جمع من أهل العلم: إنه يكفر من أنكرهم، ففي كتاب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (٦) لابن حزم قوله: "وأجمع المسلمون كلهم على ذلك – أي على وجود الجن وأنهم خلق من خلق الله – نعم والنصارى والمجوس والصابئون وأكثر اليهود حاشا السامرة فقط، فمن أنكر الجن أو تأول فيهم تأويلاً يخرجهم به عن هذا الظاهر، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمدًا ﷺ إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن، أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك كما يوجد في طوائف المسلمين كالجمهية والمعتزلة من ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرين بذلك، وهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالاضطرار، ومعلوم بالاضطرار أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضًا قائمة بالإنسان أو غيره كما يزعم بعض الملاحدة، فلما كان أمر الجن متواترًا عن الأنبياء تواترًا ظاهرًا، تعرفه العامة والخاصة لم يمكن طائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل أن تنكرهم، كما لم يمكن لطائفة كبيرة من الطوائف المؤمنين بالرسل إنكار الملائكة، ولا إنكار معاد الأبدان، ولا إنكار عبادة الله وحده لا شريك له، ولا إنكار أن يرسل الله رسولاً من الإنس إلى خلقه، ونحو ذلك مما تواترت به الأخبار عن الأنبياء تواترًا تعرفه العامة والخاصة، كما تواتر عند العامة والخاصة مجيء موسى إلى فرعون، وغرق فرعون، ومجيء المسيح إلى اليهود وعداوتهم له، وظهور محمد ﷺ بمكة وهجرته إلى المدينة، ومجيئه بالقرآن والشرائع الظاهرة، وجنس الآيات الخارقة التي ظهرت على يديه، كتكثير الطعام والشراب، والإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة التي لا يعلمها بشر إلا بإعلام الله وغير ذلك (٧).

стр. 175

كما أجمعوا على الاستعاذة بالله العظيم من شرورهم، ومن يعرف عجائب خلق الله وعظمته وقدرته لن يستغرب وجود عالم الجن غير المرئي، ووجود عالم الإنس المرئي، فكلاهما من مخلوقات الله تعالى العقلاء. وكان لبعض القدامى اعتقادات عجيبة في الجن، حتى إن بعضهم جعل الجن شركاء لله ، فأبطل القرآن هذا كله، فقال عز من قائل: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾] الصافات ١٥٨]. تعريف إبليس لغة: اختلف أهل العلم في تعريف كلمة (إبليس)، على أقوال: أحدها: أن إبليس اسم عربي، على وزن إفعيل، مشتق من الإبلاس، وهو الإبعاد من الخير، أو اليأس من رحمة الله (١)، يقال أَبلَس الرجل: إذا انقطع ولم تكن له حجَّة، وأَبلَس الرجل: قُطِع به، وأبلس أيضًا: سكَتَ، وأبلس مِن رحمة الله: يئس، والإبلاس: الحزن المعترض من شدَّة البأس، وقد استخدم العربُ هذه المعاني فقالوا: ناقة مِبلاس: إذا كانت لا تَرغو من الخوف، وفلان أبلس: إذا سكَت من شدَّة الخوف (٢)، والقرآن الكريم استخدم هذه المعاني اللغويَّة لكلمة أبلس، فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. والثاني: وقال الأكثرون: إن إبليس اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية (٣)، وقد ذكر ابن الأنباري أن إبليس لو كان اسماً عربياً لم يصرف كإكليل وإحليل (٤)، قال أبو إسحاق: أن إبليس أعجمي معرفة، وذكر الزبيدي أن إبليس لا يصح أن يشتق وإن وافق معنى إبليس لفظاً ومعنى، وقد غلط العلماء الذين قالوا باشتقاقه. وذكر الطبري بأنه: "لم يصرف استثقالاً، إذ كان اسماً لا نظير له من أسماء العرب، فشبهته العرب إذ كان كذلك بأسماء العجم التي لا تجري كما في إسحاق حيث لم يجروه، وهو مشتق من أسحقه الله إسحاقاً، إذ وقع ابتداء اسماً لغير العرب التي تسمت به العرب، فجري مجراه، وهو من أسماء العجم في الإعراب فلم يصرف، وكذلك أيوب إنما هو من آب يئوب" (٥). وقال ابن حجر: "وقد تعقب بأنه لو كان اسماً عربياً مشتقاً من الإبلاس لكان قد سمي به بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه" (٦).

стр. 176

وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، وكذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له، نعم روى الطبري عن ابن عباس قال: "كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد" (١)، وهذا يؤيد القول (٢). والثالث: وذهب بعض الدَّارسين إلى أنَّها كلمة يونانية الأصل هي (ديا بولس)، جرى عليها بعضُ التغيير والتحريف حتى صارت كذلك (٣). والراجح عندي أنها مشتقة من أبلس الرجل: إذا انقطع، والله تعالى أعلم. الشيطان وإبليس اصطلاحًا: تردد لفظ (إبليس) و (الشيطان) في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فقد ورد لفظ إبليس في أحد عشر موضعاً، ولم يرد هذا اللفظ إلا مفرداً في هذه المواضع جميعاً. أما لفظ الشيطان فقد جاء مفرداً ومجموعاً، فقد ورد مفرداً في سبعين موضعاً، وأما بلفظ الجمع فقد ورد في ثمانية عشر موضعاً، عدا من المواضيع التي ورد فيها لفظ الجن والجِنَّة، التي يراد في كثير منها الشيطان مفرداً ومجموعاً. الشيطان: في الإصطلاح هو: كلِّ متمرِّد من الجنِّ والإنس والدواب (٤)، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] " (٥). وقد يطلق لفظ الشيطان كذلك على المتميز بالخبث والأذى من الحيوان، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "ركب عمر برذوناً، فجعل يتبختر به، فضربه فلم يزدد إلا تبختراً، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، لقد أنكرت نفسي (٦)، وعلى هذا فإن الشيطان إذا أريد به الجنس فله معنيان: معنى خاص، ومعنى عام. أولا: - المعنى الخاص: ويراد به إبليس وذريته المخلوقون من النار، والذين لهم القدرة على التشكل، وهم يتناكحون، ويتناسلون، ويأكلون، ويشربون، وهم محاسبون على أعمالهم في الآخرة، مطبوعون بفطرتهم على الوسوسة والإغواء، وهم بهذا عاملون على التفريق والخراب، جاهدون لفصل ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يفصل، وإبرام ما يجب فصمه، وفصم ما يجب إبرامه، فهم والملائكة على طرفي نقيض (٧). ثانيا: - المعنى العام:

стр. 177

وأما المعنى العام فيراد به كل مخلوق عات متمرد من الإنس، والجن، والدواب، فأما من جانب الجن والإنس فهو التمرد والعصيان لأمر الله، ومحاولة بذر الفساد في الأرض بشتى صوره وأشكاله قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وأما من جانب الدواب فهو الخبث والأذى الذي تميزت به عن جنسها .. وأمَّا (إبليس): فهو ذلك المخلوق من النار، والذي كان يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، وقام بعمله ما شاء الله أن يقوم، ثمَّ نازع ربَّه الكبرياء والعظمة، فاستكبر عن طاعته، وعصى ربَّه، فطرده من رحمته ومن وظيفته، فهبط إلى الأرض، وأصبحت الشيطنة صفة له (١). أخرج الطبري بسنده الصحيح عن الإمام الفاروق عمر-﵁: " قال عمر بن الخطاب -رحمة الله عليه-، وركب بِرذَوْنًا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطانٍ! ما نزلت عنهُ حتى أنكرت نَفسي" (٢). وإبليس له ذريَّة بصريح القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، فإبليس من الجنِّ المخلوقين من نار السَّموم، وإنَّه ليرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، وقد فسَق عن أمر ربِّه، وهو رأس الشياطين والمتمرِّدين، وجمعه: أباليس وأبالسة (٣). إذًا، إبليس هو الاسم العَلَم لهذا المخلوق المتمرِّد، والشيطان صِفة له ولغيره. وكان إبليس يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، فلما أمر الله ملائكته بالسجود لآدم خالف أمر ربه بتكبره على آدم لادعائه أن النار التي خلق منها خير من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، فكان جزاء هذه المخالفة أن طرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى (٤)، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، وكما قال عنه: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]، وهؤلاء هم المستثنون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٥]. وإبليس واحد من الجن، وهو أبو الشياطين والمحرك لهم لفتنة الناس وإغوائهم، وقد ذكره الله في قصة امتناعه من السجود لآدم وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقد أطلق عليه القرآن اسم الشيطان في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء

стр. 178

لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فالشيطان في هذه الآيات مراد به إبليس، لأن القرآن يتحدث عن قصة إغوائه لآدم وحواء ﵉. والذي يتأمل القرآن يرى أن إطلاق لفظ إبليس لم يرد إلا في معرض الحديث عن إباء إبليس من السجود لآدم، ولم يرد هذا الإطلاق خارج الحديث عن إبائه من السجود إلا في موضعين: الأول: في سورة الشعراء وهو قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]، وفي هذا الموضع يكون مراداً به جمع إبليس وجنوده من الجن والإنس في نار جهنم، باعتبار الرئيس والأتباع. الثاني: في سورة سبأ في قوله تعالى ﴿: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]، وهذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ إبليس في معرض الحديث عن ممارسة غوايته وإفساده للناس. قوله: (الرَّجِيمِ)، أي: " الملعون المشتوم" (١). قال الطبري: " وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم. وأصل الرجم الرَّميُ، بقول كان أو بفعل. ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم -صلوات الله عليه-: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ [سورة مريم: ٤٦]. وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان «رجيم»، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب" (٢). و(الرجيم): صفة للشيطان، وهو مفعول في معناه على وزن فعيل، وفي سبب تسميته بذلك أقوال (٣): أحدها: أنه سُمِّي بالرجيم، لأنه أتى إبراهيم ﵇ وهاجر وإسماعيل في منى، فاستعطف إبراهيمَ حتى لا يذبح ولده، فقال: أعوذ بالله منك فرجمه، ثم استعطف هاجر على ولدها فقالت: أعوذ بالله منك فرجمته، ثم استعطف إسماعيل ﵇ على نفسه، فقال: أعوذ بالله منك فرجمه"، فصار الرجم من مناسك الحج إلى يوم القيامة. وعلى هذا القول فإن "الرجيم" بمعنى: المرجوم الملعون والملعون المطرود" (٤)، وهو مذهب أهل التفسير، والملعون عند العرب: المطرود، إذا قالت العرب: لعن الله فلانا، فمعناه: طرده الله. وكذلك: على الكافر لعنة الله، فمعناه: عليه طرد الله، قال الشماخ (٥): وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين معناه: كالرجل المطرود (٦). والثاني: وقيل: سُمِّي بالرجيم، لأنه يسترق السمع في السماء فترجُمُه الملائكة، قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨].

стр. 179

وعلى هذا القول فإن معنى الرجيم: أي: المرجوم بالنجوم؛ فصرف عن المرجوم إلى الرجيم، كما تقول العرب: طبيخ وقدير، والأصل: مطبوخ ومقدور؛ وكذلك: جريح وقتيل، أصلهما: مقتول ومجروح، فصرفا من مفعول إلى فعيل. قال امرؤ القيس (١): فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل أراد: مقدور معجل، فصرف عن مفعول إلى فعيل" (٢). والثالث: وقيل: رجيم بمعنى راجم، لأنه يرجم الناس بالوساوس (٣). والرابع: وقيل: أن الرجيم: المرجوم، أي المشئوم المسبوب (٤)، فيكون من قول الله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦]، معناه: لأشتمنك ولأسبنك (٥). ومنه الحديث الذي يروى عن عبد الله بن مغفل أنه أوصى بنيه عند موته، فقال: "لا ترجموا قبري" (٦)، فمعناه: لا تنوحوا عند قبري. أي: لا تقولوا عنده كلاما سيئا سمجا (٧). وقيل: وُصف الشيطان بذلك لأن أتباعه يرجمونه في النار، والرجم أصله الرمي بالحجارة، والشيطان مرجوم بالقول وبالفعل: بالقول: بالسب والشتم والذم ويلحق به كل قول قبيح. وبالفعل: أن رجمه الله أي طرده وأبعده من رحمته، ويرجم بالشهب كما قال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [٦ ـ ١٠ الصافات]. قال ابن كثير: "والأول أشهر وأصح" (٨). وفي حكم (الإستعاذة) قولان: أحدهما: أنها مستحبة: يرى أهل العلم بأن حكم الإستعاذة مستحبة قبل قراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. والثاني: أنها واجبة: وذلك، أخذًا بظاهر الأمر في الآية. عطاء بن أبي رباح، وابن حزم (٩). والصحيح أنها مستحبة، فلا يضر تركها في الصلاة عمداً أو نسيانياً، وهو قول جمهور العلماء (١٠). قال الشافعي: " وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح قبل أم القرآن، وبذلك أقول، وأحبّ أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وإذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به، أجزأه، ويقوله في أول ركعة.

стр. 180

وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحَسَن، ولا آمر به في شيء من الصلاة، أمرتُ به في أول ركعة. وإن تركه – [قول: الاستعاذة]- ناسياً أو جاهلاً أو عامداً، لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو. وأكره له تركه عامداً، وأحب إذا تركه في أول ركعة أن يقوله في غيرها [من الركعات]، وإنَّما منعني أن آمره أن يعيد؛ أن النبي ﷺ علم رجلاً ما يكفيه في الصلاة فقال: "كبر ثم اقرأ بأم القرآن" الحديث (١). قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يُروَ عنه أنه ﷺ أمره بتعوذ ولا افتتاح. فدل على أن افتتاح رسول الله ﷺ اختيار، وأن التعوذ مما لا يفسد الصلاة إن تركه" (٢). قال ابن كثير: "وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة، يأثم تاركها، وقال النووي: ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها" (٣). ويدل على عدم الوجوب: أولا: حديث أنس قال النبي ﷺ "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ " (٤)، ولم يذكر الاستعاذة. ثانيا: ولأن النبي ﷺ لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة (٥). قال الإمام الجصاص (٦): "والاستعاذة ليست بفرض، لأنَّ النبي ﷺ لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة، ولو كانت فرضًا لم يخله من تعليمها" (٧)، وقال الإمام ابن الجزري ﵀ (٨) -:
следующие страницы →