← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، وكذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له، نعم روى الطبري عن ابن عباس قال: "كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد" (١)، وهذا يؤيد القول (٢). والثالث: وذهب بعض الدَّارسين إلى أنَّها كلمة يونانية الأصل هي (ديا بولس)، جرى عليها بعضُ التغيير والتحريف حتى صارت كذلك (٣). والراجح عندي أنها مشتقة من أبلس الرجل: إذا انقطع، والله تعالى أعلم. الشيطان وإبليس اصطلاحًا: تردد لفظ (إبليس) و (الشيطان) في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فقد ورد لفظ إبليس في أحد عشر موضعاً، ولم يرد هذا اللفظ إلا مفرداً في هذه المواضع جميعاً. أما لفظ الشيطان فقد جاء مفرداً ومجموعاً، فقد ورد مفرداً في سبعين موضعاً، وأما بلفظ الجمع فقد ورد في ثمانية عشر موضعاً، عدا من المواضيع التي ورد فيها لفظ الجن والجِنَّة، التي يراد في كثير منها الشيطان مفرداً ومجموعاً. الشيطان: في الإصطلاح هو: كلِّ متمرِّد من الجنِّ والإنس والدواب (٤)، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله، وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] " (٥). وقد يطلق لفظ الشيطان كذلك على المتميز بالخبث والأذى من الحيوان، فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "ركب عمر برذوناً، فجعل يتبختر به، فضربه فلم يزدد إلا تبختراً، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، لقد أنكرت نفسي (٦)، وعلى هذا فإن الشيطان إذا أريد به الجنس فله معنيان: معنى خاص، ومعنى عام. أولا: - المعنى الخاص: ويراد به إبليس وذريته المخلوقون من النار، والذين لهم القدرة على التشكل، وهم يتناكحون، ويتناسلون، ويأكلون، ويشربون، وهم محاسبون على أعمالهم في الآخرة، مطبوعون بفطرتهم على الوسوسة والإغواء، وهم بهذا عاملون على التفريق والخراب، جاهدون لفصل ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يفصل، وإبرام ما يجب فصمه، وفصم ما يجب إبرامه، فهم والملائكة على طرفي نقيض (٧). ثانيا: - المعنى العام:

стр. 177

وأما المعنى العام فيراد به كل مخلوق عات متمرد من الإنس، والجن، والدواب، فأما من جانب الجن والإنس فهو التمرد والعصيان لأمر الله، ومحاولة بذر الفساد في الأرض بشتى صوره وأشكاله قال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وأما من جانب الدواب فهو الخبث والأذى الذي تميزت به عن جنسها .. وأمَّا (إبليس): فهو ذلك المخلوق من النار، والذي كان يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، وقام بعمله ما شاء الله أن يقوم، ثمَّ نازع ربَّه الكبرياء والعظمة، فاستكبر عن طاعته، وعصى ربَّه، فطرده من رحمته ومن وظيفته، فهبط إلى الأرض، وأصبحت الشيطنة صفة له (١). أخرج الطبري بسنده الصحيح عن الإمام الفاروق عمر-﵁: " قال عمر بن الخطاب -رحمة الله عليه-، وركب بِرذَوْنًا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطانٍ! ما نزلت عنهُ حتى أنكرت نَفسي" (٢). وإبليس له ذريَّة بصريح القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠]، فإبليس من الجنِّ المخلوقين من نار السَّموم، وإنَّه ليرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، وقد فسَق عن أمر ربِّه، وهو رأس الشياطين والمتمرِّدين، وجمعه: أباليس وأبالسة (٣). إذًا، إبليس هو الاسم العَلَم لهذا المخلوق المتمرِّد، والشيطان صِفة له ولغيره. وكان إبليس يجالس الملائكة ويتعبد معهم، وليس من جنسهم كما سيأتي، فلما أمر الله ملائكته بالسجود لآدم خالف أمر ربه بتكبره على آدم لادعائه أن النار التي خلق منها خير من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، فكان جزاء هذه المخالفة أن طرده الله عن باب رحمته، ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد أبلس من الرحمة، وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض، فسأل الله النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى (٤)، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، وكما قال عنه: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢]، وهؤلاء هم المستثنون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٥]. وإبليس واحد من الجن، وهو أبو الشياطين والمحرك لهم لفتنة الناس وإغوائهم، وقد ذكره الله في قصة امتناعه من السجود لآدم وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقد أطلق عليه القرآن اسم الشيطان في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء

стр. 178

لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فالشيطان في هذه الآيات مراد به إبليس، لأن القرآن يتحدث عن قصة إغوائه لآدم وحواء ﵉. والذي يتأمل القرآن يرى أن إطلاق لفظ إبليس لم يرد إلا في معرض الحديث عن إباء إبليس من السجود لآدم، ولم يرد هذا الإطلاق خارج الحديث عن إبائه من السجود إلا في موضعين: الأول: في سورة الشعراء وهو قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥]، وفي هذا الموضع يكون مراداً به جمع إبليس وجنوده من الجن والإنس في نار جهنم، باعتبار الرئيس والأتباع. الثاني: في سورة سبأ في قوله تعالى ﴿: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]، وهذا هو الموضع الوحيد الذي ورد فيه لفظ إبليس في معرض الحديث عن ممارسة غوايته وإفساده للناس. قوله: (الرَّجِيمِ)، أي: " الملعون المشتوم" (١). قال الطبري: " وكل مشتوم بقولٍ رديء أو سبٍّ فهو مَرْجُوم. وأصل الرجم الرَّميُ، بقول كان أو بفعل. ومن الرجم بالقول قول أبي إبراهيم لإبراهيم -صلوات الله عليه-: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ﴾ [سورة مريم: ٤٦]. وقد يجوز أن يكون قِيل للشيطان «رجيم»، لأن الله جل ثناؤه طرَده من سَمواته، ورجمه بالشُّهب الثَّواقِب" (٢). و(الرجيم): صفة للشيطان، وهو مفعول في معناه على وزن فعيل، وفي سبب تسميته بذلك أقوال (٣): أحدها: أنه سُمِّي بالرجيم، لأنه أتى إبراهيم ﵇ وهاجر وإسماعيل في منى، فاستعطف إبراهيمَ حتى لا يذبح ولده، فقال: أعوذ بالله منك فرجمه، ثم استعطف هاجر على ولدها فقالت: أعوذ بالله منك فرجمته، ثم استعطف إسماعيل ﵇ على نفسه، فقال: أعوذ بالله منك فرجمه"، فصار الرجم من مناسك الحج إلى يوم القيامة. وعلى هذا القول فإن "الرجيم" بمعنى: المرجوم الملعون والملعون المطرود" (٤)، وهو مذهب أهل التفسير، والملعون عند العرب: المطرود، إذا قالت العرب: لعن الله فلانا، فمعناه: طرده الله. وكذلك: على الكافر لعنة الله، فمعناه: عليه طرد الله، قال الشماخ (٥): وماء قد وردت لوصل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين معناه: كالرجل المطرود (٦). والثاني: وقيل: سُمِّي بالرجيم، لأنه يسترق السمع في السماء فترجُمُه الملائكة، قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨].

стр. 179

وعلى هذا القول فإن معنى الرجيم: أي: المرجوم بالنجوم؛ فصرف عن المرجوم إلى الرجيم، كما تقول العرب: طبيخ وقدير، والأصل: مطبوخ ومقدور؛ وكذلك: جريح وقتيل، أصلهما: مقتول ومجروح، فصرفا من مفعول إلى فعيل. قال امرؤ القيس (١): فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل أراد: مقدور معجل، فصرف عن مفعول إلى فعيل" (٢). والثالث: وقيل: رجيم بمعنى راجم، لأنه يرجم الناس بالوساوس (٣). والرابع: وقيل: أن الرجيم: المرجوم، أي المشئوم المسبوب (٤)، فيكون من قول الله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦]، معناه: لأشتمنك ولأسبنك (٥). ومنه الحديث الذي يروى عن عبد الله بن مغفل أنه أوصى بنيه عند موته، فقال: "لا ترجموا قبري" (٦)، فمعناه: لا تنوحوا عند قبري. أي: لا تقولوا عنده كلاما سيئا سمجا (٧). وقيل: وُصف الشيطان بذلك لأن أتباعه يرجمونه في النار، والرجم أصله الرمي بالحجارة، والشيطان مرجوم بالقول وبالفعل: بالقول: بالسب والشتم والذم ويلحق به كل قول قبيح. وبالفعل: أن رجمه الله أي طرده وأبعده من رحمته، ويرجم بالشهب كما قال تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [٦ ـ ١٠ الصافات]. قال ابن كثير: "والأول أشهر وأصح" (٨). وفي حكم (الإستعاذة) قولان: أحدهما: أنها مستحبة: يرى أهل العلم بأن حكم الإستعاذة مستحبة قبل قراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. والثاني: أنها واجبة: وذلك، أخذًا بظاهر الأمر في الآية. عطاء بن أبي رباح، وابن حزم (٩). والصحيح أنها مستحبة، فلا يضر تركها في الصلاة عمداً أو نسيانياً، وهو قول جمهور العلماء (١٠). قال الشافعي: " وكان بعضهم يتعوذ حين يفتتح قبل أم القرآن، وبذلك أقول، وأحبّ أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وإذا استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وأي كلام استعاذ به، أجزأه، ويقوله في أول ركعة.

стр. 180

وقد قيل: إن قاله حين يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحَسَن، ولا آمر به في شيء من الصلاة، أمرتُ به في أول ركعة. وإن تركه – [قول: الاستعاذة]- ناسياً أو جاهلاً أو عامداً، لم يكن عليه إعادة، ولا سجود سهو. وأكره له تركه عامداً، وأحب إذا تركه في أول ركعة أن يقوله في غيرها [من الركعات]، وإنَّما منعني أن آمره أن يعيد؛ أن النبي ﷺ علم رجلاً ما يكفيه في الصلاة فقال: "كبر ثم اقرأ بأم القرآن" الحديث (١). قال الشَّافِعِي ﵀: ولم يُروَ عنه أنه ﷺ أمره بتعوذ ولا افتتاح. فدل على أن افتتاح رسول الله ﷺ اختيار، وأن التعوذ مما لا يفسد الصلاة إن تركه" (٢). قال ابن كثير: "وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة، يأثم تاركها، وقال النووي: ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها" (٣). ويدل على عدم الوجوب: أولا: حديث أنس قال النبي ﷺ "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفاً سُورَةٌ فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ: رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ " (٤)، ولم يذكر الاستعاذة. ثانيا: ولأن النبي ﷺ لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة (٥). قال الإمام الجصاص (٦): "والاستعاذة ليست بفرض، لأنَّ النبي ﷺ لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة، ولو كانت فرضًا لم يخله من تعليمها" (٧)، وقال الإمام ابن الجزري ﵀ (٨) -:

стр. 181

وَاسْتُحِبَّ تَعَوُّذٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبْ أخرج الطبري بسنده عن عبد الله بن عباس، قال: أول ما نزل جبريلُ على محمد قال: " يا محمد استعذ، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم "، ثم قال: قل: " بسم الله الرحمن الرحيم "، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل" (١). وللإستعاذة مجموعة صيغ، منها: الصيغة الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وعلى هذا اللفظ دل الكتاب والسنة. وسوف نسرد الأدلة في الترجيح. الصيغة الثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. يدل على هذا اللفظ، ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في دعاء الرسول ﷺ إذا قام إلى الصلاة في الليل، وفيه: ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم " (٢). كما استدل له بقوله - تعالى -: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وبقوله- تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [فصلت: ٤٦]. وهي اختيار طائفة من القراء (٣) منهم حمزة (٤)، وسهل بن أبي حاتم (٥)، وهي مروية عن عمر بن الخطاب ﵁ (٦) - وبها يقول الحسن البصري (٧).

стр. 182

ومحمد بن سيرين (١)، والحسن بن صالح (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد بن حنبل، في رواية النيسابوري (٤). الصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه. يدل على هذا اللفظ، ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه" (٥). الصيغة الرابعة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه. يدل على ما راوه عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه" (٦). وهي مروية عن بعض أهل العلم، منهم الحسن البصري (٧)، وإسحاق بن راهويه (٨). الصيغة الخامس: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (٩). جمعًا بين أدلة الصيغة الأولى، وأدلة الصيغة الثانية والثالثة. وبها قرأ نافع وابن عامر والكسائي (١٠)، وهي مروية عن حمزة وعن أبي عمرو (١١) وقد رُويت عن عمر بن الخطاب ﵁ ومحمد بن سيرين (١٢). وهي اختيار سفيان الثوري (١٣)، والأوزاعي (١٤)، ومسلم بن يسار (١٥)، وأحمد في رواية، اختارها القاضي أبو يعلى، وابن عقيل (١٦).

стр. 183

الصيغة السادسة: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" (١). وهناك ألفاظ أخرى (٢)، واللفظ الأول مقدم واختار هذه الصيغة أكثر العلماء، لثلاثة أسباب: أحدها: لأنها الصيغة التي جاءت بالقرآن (٣). والثاني: وهو الذي ورد في السنة كما في حديث سليمان بن صُرد قال "اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ،

стр. 184

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " (١). والثالث: أن هذه الصيغة هي المختارة عند أكثر القراء (٢)، منهم: أبو عمرو البصري، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وعبد الله ابن كثير المكي (٣) وبها كان يتعوذ جمهور السلف من الصحابة والتابعين منهم: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر (٤) ﵄، وهي اختيار: أبي حنيفة (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد بن حنبل (٧) ﵏. قال ابن عطية: "وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس، هو لفظ كتاب الله تعالى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) " (٨). قال مكي: " الذي عليه العمل وهو الاختيار أن يقول القراء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. للآية" (٩). ويُسَرُّ بالاستعاذة في الحالات الآتية: ١ - عند القراءة سرًّا، سواء كان القاراء منفردا أم في مجلس. وعند القراءة خاليًا، سواء أَقَرَأَ القارئ سرًّا أم جهرًا. ٢ - وفي الصلاة سريةً كانت أم جهرية. ٣ - وإن كان القارئ وسط قوم يتدارسون القرآن ولم يكن القارئُ المبتدئَ بالقراءة. ويستحب الجهر بالاستعاذة إذا كان القارئ يقرأ جهرًا، وكان هناك من يستمع إليه، وفي حالة التعليم والمدارسة عندما يكون القارئ المبتدئَ بالقراءة (١٠). وتشرع الاستعاذة في مواضع، منها: ١ - عند قراءة القرآن: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. ٢ - عند حصول نزغ من الشيطان ووسوسة. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. ٣ - عند ما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه.

стр. 185

لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله" (١). وقال رسول الله ﷺ : " يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول: الله، - ثم ذكر بمثله - وزاد: " ورسله ". وقال رسول الله ﷺ : " يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له من خلق ربَّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته ". وقال رسول الله ﷺ : " يأتي العبد الشيطان فيقول من خلق كذا وكذا؟ " (٢). ٤ - ومنها: عند ما يُلبس الشيطان على الإنسان في صلاته. لحديث عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي ﷺ فقال: " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا" قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي " (٣). ٥ - ومنها: عند الغضب. لحديث سليمان بن صُرد قال "اسْتَبَّ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ، مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " (٤). ٦ - ومنها: عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها. لحديث أبي قتادة. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول "الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ " (٥). ٧ - ومنها: عند نزول منزل. لحديث خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ " (٦). ٨ - ومنها: عند دخول الخلاء. لحديث أنس "أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا دخل الخلاء، قال: اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من الخُبُثِ" (٧). وأما الحكمة من الاستعاذة قبل القراءة، فنقول (٨): أولاً: أن القرآن شفاء لما في الصدور يُذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات.

стр. 186

ثانياً: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته، والشيطان ضد الملك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه. ثالثاً: أن الشيطان يُجلب بخيله ورجله على القارئ حتى يشغله عن المقصود بالقرآن. رابعاً: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل فيه. الفوائد: ١ - مشروعية الاستعاذة دائماً من الشيطان. ٢ - فيه دليل على أن الإنسان ينبغي أن يطلب العون من الله على الطاعة وعلى مجاهدة عدوه ٣ - وفيه دليل على اعتراف العبد بالعجز وقدرة الرب. ٤ - وفيه أنه لا وسيلة إلى القرب من الله إلا بالعجز والانكسار. ٥ - وفيه الإقرار بالفقر التام للعبد، والغنى التام لله . القرآن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة: ١] التفسير: أبتدئ قراءة القرآن باسم الله مستعينا به، اللهِ علم على الرب ﵎ المعبود بحق دون سواه، وهو أخص أسماء الله تعالى، ولا يسمى به غيره سبحانه. الرَّحْمَنِ ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، الرَّحِيمِ بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله. قال الماوردي: " أجمعوا أنها من القرآن في سورة النمل، وإنما اختلفوا في إثباتها في فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة، فأثبتها الشافعي في طائفة (١)، ونفاها أبو حنيفة في آخرين" (٢). قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة: ١]، أي: " أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء" (٣). قال الثعلبي: " وفي الكلام إضمار واختصار تقديره: قل، أو ابدأ بسم الله" (٤). قال ابن عباس: " أوّل ما نزل جبريل على محمد ﷺ قال: يا محمد، قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ". قال ابن عباس: " ﴿بسم الله﴾، يقول له جبريلُ: يا محمد، اقرأ بذكر الله ربِّك، وقم واقعد بذكر الله " (٥). واختُلِفَ في قوله تعالى: ﴿بِسْم﴾ [الفاتحة: ١]، على قولين (٦): القول الأول: أنها صلة زائدة، وأن الاسم هو المسمى، وإنما هو: اللهُ الرحمنُ الرحيمُ، قاله أبو عبيدة (٧) وآخرون (٨)، واستشهدوا بقول لبيد (٩):

стр. 187

إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرْ فذكر اسم السلام زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما. قال الثعلبي: " والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧]، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال: ﴿يا يَحْيى﴾ [مريم ١٣]، فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى، وقوله تعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٨]، وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، و ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقوله ﷺ : "لتضربنّ مضر عباد الله حتّى لا يعبد له اسم" (١). أي حتى لا يعبد هو" (٢). واختلف من قال بهذا في معنى زيادته على قولين (٣): أحدهما: لإجلال ذكره وتعظيمه، ليقع الفرق به بين ذكره وذكر غيره من المخلوقين، وهذا قول قطرب. والثاني: ليخرج به من حكم القسم إلى قصد التبرُّك، وهذا قول الأخفش. والقول الثاني: وذهب الجمهور إلى أن (بسم) أصل مقصود، واختلفوا في معنى دخول الباء عليه، فهل دخلت على معنى الأمر أو على معنى الخبر على قولين: أحدهما: دخلت على معنى الأمر وتقديره: ابدؤوا بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا قول الفراء (٤). والثاني: على معنى الإخبار وتقديره: بدأت بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا قولُ الزجَّاج (٥). والصحيح من القولين: أنه لا يقال: الاسم هو المسمى ولا غيره، بل قد يكون هو المسمى في موضع وغيره في موضع آخر. وقد أوضح العلامة ابن أبي العزّ في شرح "العقيدة الطحاوية" المنهج الصحيح في هذا حيث، فقال: "قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله

стр. 188

كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا هو المراد لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال .. " (١). وقد ذكر ابن عطية في "تفسيره" أن مالكا ﵀ سئل عن الاسم أهو المسمى؟ فقال: "ليس به ولا غيره، قال ابن عطية: يريد دائما في كل موضع" (٢). و(الاسم): "كلمة تدل على المسمى دلالة إشارةٍ، والصفة كلمة تدل على الموصُوف دلالة إفادة، فإن جعلت الصفة اسماً، دلَّت على الأمرين: على الإشارة والإفادة" (٣). قال الماوردي: " وزعم قوم أن الاسم ذاتُ المسمى، واللفظ هو التسمية دون الاسم، وهذا فاسد، لأنه لو كان أسماءُ الذواتِ هي الذواتُ، لكان أسماءُ الأفعال هي الأفعال، وهذا ممتنع في الأفعال فامتنع في الذوات" (٤). واختلفوا في اشتقاق (الاسم) على وجهين (٥): أحدهما: أنه مشتق من السمة، وهي العلامة، لما في الاسم من تمييز المسمى، وهذا قول الفرَّاء (٦). والثاني: أنه مشتق من (السمو)، وهي الرفعة لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه من غيره، وهذا قول الخليل والزجَّاج (٧). وأنشد قول عمرو بن معدي كرب (٨): إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْراً فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ وَصِلْهُ بِالدُّعَاءِ فَكُلُّ أَمْرٍ ... سَمَا لَكَ أَوْ سَمَوْتَ لَهُ وُلُوعُ ثم ذكروا في سبب اشتقاق (الاسم) من (السمو)، قولين (٩): أحدهما: أنه مشتق من السمو، لأنه يعلو المسمى، فالاسم: ما علا وظهر، فصار علما للدلالة على ما تحته من المعنى. قاله الزجاج (١٠). والثاني: وقال بعضهم: العلة في اشتقاقه من السمو أن الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف، فالاسم يصح أن يكون خبرا ويخبر عنه، والفعل يكون خبرا ولا يخبر عنه، والحرف لا يكون خبرا ولا

стр. 189

يخبر عنه، فلما كان للاسم مزية على النوعين الآخرين وجب أن يشتق مما ينبئ عن هذِه المزية، فاشتق من السمو ليدل على علوه وارتفاعه (١). قال الواحدي: "وعند المتكلمين أنه اشتق من (السمو)؛ لأنه سما عن حد العدم إلى الوجود (٢)، وقالوا: أصله (سِمْو)، [أو ((سُمو) بالضم] وجمعه (أسماء) مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء فحذفت الواو استثقالًا، ولم تحذف من نظائره؛ لأنها لم تكثر كثرته، ثم سكنوا السين استخفافًا لكثرة ما تجري على لسانهم، واجتلبت ألف الوصل ليمكن الابتداء به، وكان هذا أخف عليهم من ترك الحرف متحركا، لأن الألف تسقط في الإدراج، وكان إثبات الحرف الذي يسقط كثيرا أخف من حركة السين التي تلزم أبدا" (٣). قال الماوردي: " وحُذِفت ألف الوصل، بالإلصاق في اللفظ والخط، لكثرة الاستعمال كما حُذفت من الرحمن، ولم تحذف من الخط في قوله: ﴿إِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذَّي خَلَقَ﴾ [العلق: آية ١] لقلَّة استعماله " (٤). وتكلف من رَاعَى معاني الحروف ببسم الله تأويلاً، أجرى عليه أحكام الحروف المعنوية، حتى صار مقصوداً عند ذكر الله في كل تسمية، ولهم فيه ثلاثة أقاويل (٥): أحدها: أن الباء بهاؤه وبركته، وبره وبصيرته، والسين سناؤه وسموُّه وسيادته، والميم مجده ومملكته ومَنُّه، وهذا قول الكلبي (٦)، والضحاك (٧). قال ابن كثير: " هذا غريب جدا" (٨). والثاني: أن الباء بريء من الأولاد، والسين سميع الأصوات والميم مجيب الدعوات، وهذا قول سليمان بن يسار. والثالث: أن الباء بارئ الخلق، والسين ساتر العيوب، والميم المنان، وهذا قول أبي روق. قال الماوردي: " ولو أن هذا الاستنباط يحكي عمَّن يُقْتدى به في علم التفسير لرغب عن ذكره، لخروجه عما اختص الله تعالى به من أسمائه، لكن قاله متبوع فذكرتُهُ مَعَ بُعْدِهِ حاكياً، لا محققاً ليكون الكتاب جامعاً لما قيل" (٩). ويقال لمن قال: بسم الله: بَسْمَلَ، على لُغَةٍ مُوَلَّدَةٍ (١٠)، وقد جاءت في الشعر، قال عمر بن أبي ربيعة (١١): لَقَدْ بَسْمَلَتْ لَيْلَى غَدَاةَ لَقِيتُهَا ... فَيَا حَبَّذا ذَاكَ الْحَبِيبُ المُبَسْمِلُ

стр. 190

وأما قوله: ﴿الله﴾، فهو أخص أسمائه به، لأنه لم يتسَمَّ باسمه الذي هو (الله) غيره. وحُكي عن أبي حنيفة أنه الاسم الأعظم من أسمائه تعالى، لأن غيره لا يشاركه فيه (١). واختلفوا في هذا الاسم ﴿الله﴾، هل هو اسم عَلَمٍ للذات أو اسم مُشْتَقٌّ من صفةٍ، على قولين (٢): أحدهما: أنه اسم علم لذاته، غير مشتق من صفاته، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات، فلم يكن بُدٌّ من أن يختص باسم ذاتٍ، يكون علماً لتكون أسماء الصفات والنعوت تبعاً، تفرد به الباري ، يجري في وصفه مجرى الأسماء الأعلام، لا يشركه فيه أحد، قال الله : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وهذا مذهب الخليل (٣)، وابن كيسان (٤)، وأبي بكر القفال (٥)، والحسين بن الفضل (٦) (٧). والقول الثاني: أنه مشتق من (أَلَهَ)، صار باشتقاقه عند حذف همزِهِ، وتفخيم لفظه الله. أخرج ابن ابي حاتم بسنده عن أبي الشعثاء جابر بن زيد في قوله: ﴿بسم الله﴾، قال: اسم الله الأعظم هو «الله». ألا ترى أنه في جميع القرآن يبدأ به قبل كل اسم" (٨). واختلفوا فيما اشْتُقَ منه إله على قولين (٩): أحدهما: أنه مشتق من الَولَه، وفي سبب اشتقاقه من ذلك، أقوال: أحدها: لأن العباد يألهون إليه، أي يفزعون إليه في أمورهم، فقيل للمألوه إليه: (إله)، كما قيل للمؤتمِّ به: (إمام).

стр. 191

قال أبو الهيثم: " وأصل (إلاه) (ولاه) فقلبت الواو همزة، كما قالوا: للوشاح: إشاح، ولِلْوِجَاح: إِجَاح، ومعنى وِلاه: أن الخلق يَوْلَهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما ينوبهم، ويفزعون إليه في كل ما يصيبهم كما يَوْلَه كل طفل إلى أمه" (١). والثاني: وحكي عن أبي عمرو بن العلاء أنه مشتق من: أَلِهْت في الشيء آلَهُ إلها إذا تحيرت فيه (٢)، وتسمى المفازة ميلها، وقال الأعشى (٣) (٤): وَبَهْمَاءَ تِيهٍ تَأْلهَ العَيْنُ وَسْطَهَا ... وَتَلْقَى بِهَا بَيْضَ النَّعَام تَرَائِكَا ومعناه: أن العقول تتحير في كنه صفته وعظمته (٥). والثالث: وقال المبرّد: "هو من قول العرب: (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، قال الشاعر (٦): أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ وقال الشَّاعِرُ (٧): أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، قال الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] " (٨). والرابع: وعند الأشاعرة: "أن (الإله) من (الإلَهية)، و (الإلَهِية): القدرة على اختراع الأعيان (٩). والخامس: وقال الحسن علي بن عبد الرحيم القناد: " من (الوله)، وهو ذهاب العقل لفقدان من يعزّ عليك، وأصله (أله) - بالهمزة- فأبدل من الألف واو فقيل الوله، مثل (إشاح، ووشاح) و (وكاف، وإكاف) و (أرّخت الكتاب، وورّخته) و (ووقّتت، وأقّتت). قال الكميت (١٠): ولهت نفسي الطروب إليهم ... ولها حال دون طعم الطعام فكأنه سمّي بذلك لأن القلوب تولّه لمحبّته وتضطرب وتشتاق عند ذكره" (١١).

стр. 192

والسادس: وقيل: معناه: محتجب لأن العرب إذا عرفت شيئا، ثم حجب عن أبصارها سمّته إلها، قال: لاهت العروس تلوه لوها، إذ حجبت. قال الشاعر (١): لاهت فما عرفت يوما بخارجة ... يا ليتها خرجت حتّى رأيناها والله تعالى هو الظاهر بالربوبيّة [بالدلائل والأعلام] وهو المحتجب من جهة الكيفيّة عن الأوهام (٢). والسابع: وقيل: معناه المتعالي، يقال: (لاه) أي: ارتفع (٣). والثامن: وقد قيل: من [إلا هتك]، فهو كما قال الشاعر (٤): تروّحنا من اللعباء قصرا (٥) ... وأعجلنا الألاهة أن تؤوبا (٦) والتاسع: وقيل: هو مأخوذ من قول العرب: ألهت بالمكان، إذا أقمت فيه، قال الشاعر: ألهنا بدار ما تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد فكأن معناه: الدائم الثابت الباقي (٧). والقول الثاني: أن لفظ الجلالة (الله) مشتق من (الألوهية)، وهي العبادة، من قولهم: فلان يتألَّه، أي يتعبد. قال أبو زيد (٨): "تَأله الرجل، إذا نسك" (٩)، وأنشد (١٠): لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ المُدَّهِ ... لَمَّا رَأَيْنَ خَلِقَ الْمُمَوَّهِ سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألهِي أي من تعبد (١١). وقد رُوي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وءالِهَتَكَ﴾، قال: "معناه: عبادتك" (١٢). وروي عن مجاهد مثل ذلك (١٣).

стр. 193

وروي عن ابن عباس أيضا، قال: " الله: ذو الألوهية والمَعْبودية على خلقه أجمعين" (١). وعن ابن عباس كذلك: " ﴿وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَك﴾، قال: إنما كان فرعونُ يُعبَد ولا يَعبُد" (٢). قال الطبري: "وكذلك كان عبدُ الله يقرؤها ومجاهد" (٣). وقد سَمَّت العرب الشمس لما عبدت (إِلاهَةَ)، و (الإلاهة) قال عتيبة بن الحارث اليربوعي (٤): تَرَوَّحْنَا مِنَ اللعْبَاءِ أَرْضًا ... وأَعْجَلْنَا الإلاهَةَ أَنْ تَؤُوبَا وإنما سموها (الإلاهَة)، على نحو تعظيمهم لها وعبادتهم إياها كفرا، وعلى ذلك نهاهم الله وأمرهم بالتوجه في العبادة إليه في قوله جل وعلا: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ [فصلت: ٣٧] [فصلت: ٣٧] الآية، وكذلك أيضًا كانوا يدعون معبوداتهم من الأصنام والأوثان (آلهة)، وهي جمع (إلاه) كإزار وآزرة، وإناء وآنية، قال الله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، وهي أصنام كان يعبدها قوم فرعون معه، وعلى هذا قال قائلهم (٥): كَحَلْفَةٍ مِنْ أَبِي رِيَاحٍ ... يَسْمَعُهَا لاهُهُ الكُبارُ يريد: الصنم، وهذا البيت حجة لمن يقول يأن أصل (الله) من (لاه). ثم اختلفوا، هل اشتق اسم (الإله) من فعل العبادة، أو من استحقاقها، على قولين (٦): أحدهما: أنه مشتق من فعل العبادة، فعلى هذا، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته، لحدوث عبادته بعد خلق خلقه، ومن قال بهذا، منع من أن يكون الله تعالى إلهاً لم يزل، لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود. والقول الثاني: أنه مشتق من استحقاق العبادة، فعلى هذا يكون ذلك صفة لازمة لذاته، لأنه لم يزل مستحقّاً للعبادة، فلم يزل إلهاً (٧).

стр. 194

قال الماوردي: " وهذا أصح القولين، لأنه لو كان مشتقّاً من فعل العبادة لا من استحقاقها، للزم تسمية عيسى ﵇ إلهاً، لعبادة النصارى له، وتسمية الأصنام آلهة، لعبادة أهلها لها، وفي بطلان هذا دليل، على اشتقاقه من استحقاق العبادة، لا من فعلها، فصار قولنا (إله) على هذا القول صفة من صفات الذات، وعلى القول الأول من صفات الفعل" (١). قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ [الفاتحة: ١]، أي: " ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق" (٢). قال ابن عباس: " الرحمن: الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب ... «الرحمن»: الرقيق الرفيق لمن أحب أن يرحمه" (٣). وعن ابن عباس أيضا، "أن عثمان بن عفان سأل رسول الله- ﷺ عن «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال: هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم «الله» إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب" (٤). وروي عن الحسن قال: " الرحمن: اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎" (٥). وعن أبي سعيد الخدريّ، قال: "قال رسول الله ﷺ : «إنّ عيسى ابن مريم قال: الرحمن: رَحمنُ الآخرة والدنيا» " (٦). وقال العَرْزَمي: "الرحمن: بجميع الخلق " (٧). قوله تعالى: ﴿الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، أي: "الرحيم بالمؤمنين" (٨). قال ابن عباس: " الرحيم: البعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه العذاب" (٩). وقال العَرْزَمي: " الرّحيم: بالمؤمنين " (١٠). وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الرحيم: رحيمُ الآخرة» " (١١). وأخرج البهقي عن ابن عباس ﵄، قال: "الرحمن: وهو الرقيق , الرحيم: وهو العاطف على خلقه بالرزق , وهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر" (١٢). قال الطبري: " أنّ المعنى الذي في تسمية الله بالرحمن، دون الذي في تسميته بالرحيم: هو أنه بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميعَ خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعضَ خلقه، إما في كل الأحوال، وإما في بعض الأحوال. فلا شك - إذا كان

стр. 195

ذلك كذلك - أنّ ذلك الخصوص الذي في وصفه بالرحيم لا يستحيل عن معناه، في الدنيا كان ذلك أو في الآخرة، أو فيهما جميعًا" (١). وقال عطاء الخراساني: ": كان الرحمن، فلما اختزلَ الرحمن من اسمه كان الرحمنَ الرحيمَ" (٢). أراد عطاء أنه لما تسمَّى به الكذابُ مسيلمة - وهو اختزاله إياه، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه - أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه " الرحمنُ الرحيمُ " ليفصِل بذلك لعباده اسمَهُ من اسم من قد تسمَّى بأسمائه، إذ كان لا يسمَّى أحد " الرحمن الرحيم "، فيجمع له هذان الاسمان، غيره جلّ ذكره. وإنما يتسمَّى بعضُ خَلْقه إما رحيما، أو يتسمَّى رَحمن. فأما " رحمن رحيم "، فلم يجتمعا قطّ لأحد سواهُ، ولا يجمعان لأحد غيره، فكأنّ معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنما فَصَل بتكرير الرحيم على الرحمن، بين اسمه واسم غيره من خلقِه، اختلف معناهما أو اتفقا. والذي قال عطاءٌ من ذلك غيرُ فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معًا مجتمعين، إبانةً لها من خلقه، ليعرف عبادُه بذكرهما مجموعينِ أنه المقصود بذكرهما دون مَنْ سواه من خلقه، مع مَا في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما (٣). الفوائد: ١ - إثبات اسم من أسماء الله وهو الرحمن المتضمن للرحمة الواسعة: كما قال تعالى ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧]. وقال تعالى ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ٢ - رحمته سبقت غضبه: كما قال ﷺ : "إن الله كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" (٤). ٣ - والله أرحم بعباده من الأم بولدها. كما في حديث عمر أنه قال: "قُدِم رسول الله ﷺ بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى، إذْ وجدت صبيًّا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحةً ولدها في النار؟ ، قلنا: لا والله، فقال: (الله أرحم بعباده من هذه بولدها" (٥). ٤ - وقد ذهب أكثر العلماء إلى استحبابها قبل الأقوال والأفعال، فبِها بدأ الله كلامه، وكان يبدأ بها النبي ﷺ قبل أكله وشربه وجِماعه ودخوله إلى الخلاء ودخوله إلى البيت وخروجه منه، وغير ذلك.

стр. 196

قال الطبري: "إن الله تعالى ذكره وتقدَّست أسماؤه أدّب نبيه محمدًا ﷺ بتعليمه تقديمَ ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وتقدَّم إليه في وَصفه بها قبل جميع مُهمَّاته، وجعل ما أدّبه به من ذلك وعلَّمه إياه، منه لجميع خلقه سُنَّةً يستَنُّون بها، وسبيلا يتَّبعونه عليها، فبه افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: " بسم الله "، على من بطن من مراده الذي هو محذوف" (١). ٥ - واتفق العلماء أنها جزء آية من سورة النمل: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٢٩ - ٣٠]، وأنها ليست في أول سورة التوبة التي فُضح فيها المنافقون ووُعدوا فيها بأشد العذاب، فلا يليق أن تُبدأ برحمة الله. ٦ - ومنها أن لفظ الجلالة ﴿الله﴾: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له، قد ورد في اسم الله الأعظم من الأحاديث والآثار والأقوال، نذطر منها (٢): ١ - لاوجود لاسم الله الأعظم لأن اسماءه تعالى كلها عظيمة: يرى البعض أنه لا وجود لاسم الله الأعظم، بمعنى أن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض، ذهب إلى ذلك قوم منهم أبو جعفر الطبري (٣) وأبو الحسن الأشعري وأبو حاتم [بن حبان (٤) والقاضي أبو بكر الباقلاني، ونحوه قول مالك وغيره، لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض وحمل هؤلاء ما ورد من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم (٥)، وعبارة الطبري اختلفت الآثار في تعيين الاسم الأعظم. ويرى الامام السيوطي أن الأقوال كلها صحيحة إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه فكأنه تعالى يقول [كل اسم من أسمائي يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم (٦). وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب الداعي والقارئ (٧).

стр. 197

٢ - لم يطلع عليه أحد: ويرى آخرون أنه مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه كما قبل بذلك في ليلة القدر وفي ساعة الإجابة وفي الصلاة الوسطى (١). ٣ - (هو): وقيل أن (هو) هو اسم الله الأعظم، نقله الإمام فخر الدين عن بعض أهل الكشف واحتج له بأن من أراد أن يعبر عن كلام عظيم بحضرته لم يقل أنت قلت كذا وإنما يقول هو تأدبا معه (٢). ٤ - (الله) وقيل أن (الله) هو اسم الله الأعظم، لأنه اسم لم يطلق على غيره ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى ومن ثم أضيفت إليه (٣) قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي رجاء حدثني رجل عن جابر بن عبد الله بن زيد أنه قال: اسم الله الأعظم هو الله ألم تسمع أنه يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الدعاء حدثنا إسحاق بن إسماعيل عن سفيان بن عيينة عن مسعر قال قال الشعبي اسم الله الأعظم يا الله (٤). ٥ - (الله الرحمن الرحيم): قال الحافظ ابن حجر (٥) في شرح البخاري (٦) ولعل مستنده ما أخرجه ابن ماجه (٧) عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ أن يعلمها الاسم الأعظم، فلم يفعل فصلت ودعت اللهم إني أدعوك الله وأدعوك الرحمن وأدعوك الرحيم، وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم- الحديث، وفيه أنه ﷺ قال لها إنه لفيٍ الأسماء التي دعوت بها. قال وسنده ضعيف وفي الاستدلال به نظر انتهى، قلت أقوى منه في الاستدلال ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله

стр. 198

عليه وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال هو اسم من أسماء الله تعالى وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب (١)، وفي الفردوس للديلمي من حديث ابن عباس مرفوعا اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر (٢). ٦ - [الرحمن الرحيم] (٣) وقيل أن (الحي القيوم) هو اسم الله الأعظم، ولك لحديث الترمذي وغيره عن أسماء بنت يزيد أنه ﵇ قال اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢]، وفاتحه سورة آل عمران ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] (٤). ٧ - (الحي القيوم)، وذلك لحديث ابن ماجه والحاكم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه رفعه الاسم الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه، قال القاسم الراوي عن أبي أمامه التمسته فيها فعرفت أنه الحي القيوم، وقواه الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان على صفات العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما (٥). ٨ - (الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام) وذلك لحديث أحمد وأبي داود وابن حبان والحاكم عن أنس "أنه كان مع رسول الله- ﷺ -جالسا ورجل يصلي ثم دعا اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم، فقال- ﷺ لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى" (٦). ٩ - (بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام) أخرج أبو يعلى من طريق السرى بن يحيى عن رجل من طيء وأثنى عليه خيرا قال كنت أسال الله تعالى أن يريني الاسم الأعظم فرأيت مكتوبا في الكواكب في السماء يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام" (٧). ١٠ - (ذو الجلال والإكرام)

стр. 199

وذلك لحديث الترمذي عن معاذ سمع النبي- ﷺ رجلا يقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال قد استجيب لك فسل (١)، وأخرج ابن جرير في تفسير سورة النمل عن مجاهد قال: الاسم الذي إذا دعى به أجاب يا ذا الجلال والإكرام (٢) واحتج له الفخر الرازي بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية، لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب وفي الإكرام إشارة إلى جميع الإضافات (٣). ١١ - (الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) وذلك بدليل حديث أبي داود والترمذي وابن حبانوالحاكم عن بريدة: "أن رسول الله- ﷺ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال: لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" (٤)، وفي لفظ عند أبي داود: "لقد سألت الله باسمه الأعظم"، قال الحافظ ابن حجر: وهو أرجح من حديث السند [عن] جميع ما ورد في ذلك (٥). ١٢ - (ربّ ربّ) أخرج الحاكم عن أبي الدر داء وابن عباس قالا: اسم الله الأكبر رب رب (٦)، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة مرفوعا وموقوفا إذا قال العبد: "يا رب يا رب" قال الله: "تعالى لبيك عبدي سل تعط" (٧). ١٣ - وقد قيل (مالك الملك) أخرج الطبراني في الكبير بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﷺ " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء) إلى قوله: (وترزق من تشاء بغير حساب" (٨). ١٤ - (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)

стр. 200

قال المناوي: اسم الله الاعظم الذي إذا دعي به أجاب ... دعوة يونس بن متي (١)، وذلك لحديث النسائي والحاكم عن فضالة بن عبيد رفعه "دعوة ذي النون في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له" (٢)، أخرج ابن جرير من حديث معبد مرفوعا "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى" (٣)، أخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا" ألا أدلكم على اسم الله الأعظم دعاء يونس فقال: رجل هل كانت ليونس خاصة؟ فقال ألا تسمع قوله: (ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) " (٤) وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير ابن سعيد معبد قال سألت الحسن عن اسم الله الأعظم قال: أما تقرأ القرآن؟ قول ذي النون (٥): [لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين] (٦). ١٥ - (كلمة التوحيد: لا إلاه إلا الله) قال به القاضي عياض (٧) (٨). ١٦ - (الله. الله .. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) ما نقله الفخر الرازي عن زين العابدين أنه سأل الله أن يعلمه الاسم الأعظم فرأى في النوم هو الله. الله .. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (٩). ١٧ - وقيل هو مخفي في الأسماء الحسنى ويؤيده حديث عائشة المتقدم لما دعت ببعض الأسماء وبالأسماء الحسنى فقال لها" إنه لفي الأسماء التي دعوت بها" (١٠). ١٨ - أنه كل اسم من أسمائه تعالى دعا به العبد مستغرقا

стр. 201

وقيل أنه كل اسم من أسمائه تعالى دعا العبد به ربه مستغرقا بحيث لا يكون في فكره حالة إذ غير الله فإن من دعا الله تعالى بهذه الحالة كان قريب الإجابة وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي يزيد البسطامي (١) أنه سأله رجل عن الاسم الأعظم فقال: ليس له حد محدود إنما هو فراغ قلبك بوحدانيته [فإذا كنت كذلك فافرغ إلى أي اسم شئت فإنك تسير به إلى المشرق والمغرب (٢). وأخرج أبو نعيم أيضا عن أبي سليمان الداراني (٣) قال: سألت بعض المشايخ عن اسم الله الأعظم قال: تعرف قلبك قلت نعم قال فإذا رأيته قد أقبل ورق فسل الله حاجتك فذاك اسم الله الأعظم (٤). وأخرج أبو نعيم أيضا عن ابن الربيع السائح أن رجلا قال: له علمني الاسم الأعظم فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أطع الله [يطعك كل شيء. ١٩ - (اللهمّ) حكاه الزركشي في شرح جمع الجوامع (٥) واستدل لذلك بأن الله دال على الذات والميم دالة على الصفات التسعة والتسعين ذكره أبو المظفر وهذا قال الحسن البصري اللهم مجمع الدعاء (٦) وقال النصر بن شميلمن قال اللهم فقد دعا الله بجميع أسمائه. ٢٠ - (ألم) أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (آلم) اسم من أسماء الله الأعظم (٧)، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال (آلم) قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى (٨). مسألة: اختلف العلماء هل البسملة آية قرآنية؟ وهل تقرأ في الصلاة؟ ، وفي ذلك أقوال: أحدها: ذهب مالك والأوزاعي إلى أنها ليست من القرآن، ومنعا من قراءتها في الفرائض مطلقاً، وأجازا قراءتها في النافلة" (٩).

стр. 202

والثاني: أما أبو حنيفة والثوري وأتباعهم فقرأوها في افتتاح "الحمد" ولكن أوجبوا إخفاتها. والثالث: في حين أن الإمام الشافعي قرأها في الجهريات جهراً وفي الإخفاتيات إخفاتاً، وعدها آية من "الفاتحة"، وهذا هو قول أحمد بن حنبل أيضاً، واختلف المنقول عن الشافعي في أنها آية من كل سورة أم أنها ليست باية في غير "الفاتحة" (١). ويترتب على القول بأن البسملة آية من الفاتحة أو ليست آية منها من حيث قراءة البسملة في الصلاة: أن من يقول أن البسملة آية من الفاتحة يقول بوجوب ويترتب على القول قرائتها في الصلاة (٢)، ولا تصح الصلاة إلا بقرائتها؛ لأنها من الفاتحة؛ لقوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " (٣)؛ ومن يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله يقول قرائتها جائزة (٤)، ومن يقول ليست البسملة من الفاتحة ولا من غيرها يقول تكره قراءة البسملة في الصلاة فلا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سرا ولا جهرا (٥)، ويترتب على كون البسملة آية أو بعض آية حرمة مس المحدث حدثا أكبر أو أصغر ورقة مكتوب فيها البسملة عند القائلين بحرمة مس المحدث المصحف، وهم جهور العلماء؛ لأن البسملة ما دامت آية أو بعض آية فهي من المصحف فتأخذ حكمه. والنصوص في ذلك متواترة، أما عن طريق العامة فهنالك روايات كثيرة تدل على ذلك: ١. عن ابن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي)، قال: " فاتحة الكتاب (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) " - وقرأ السورة، قال ابن جريح: "فقلت لأبي: لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) آية؟ " قال: "نعم" (٦). ٢. ما صحَّ عن ابن عباس أيضاً قال: "إن النبي ﵌ كان إذا جاءه جبرائيل فقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، علم أنها سورة" (٧). ٣. ما صح عن ابن عباس أيضاً قال: "كان النبيُّ ﵌ لا يعلم ختم السورة حتى تنزل (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) " (٨). ٤. ما صح عنه أيضاً قال: "كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، فإذا نزلت (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) علموا أن السورة قد انقضت." (٩). ٥. ما صح عن أم سلمة قالت: "كان النبي ﵌ يقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ .. ) إلى آخرها - يقطعها حرفاً حرفاً" (١٠).

стр. 203

وعن أم سلمة من طريق آخر إن رسول الله ﵌ قرأ في الصلاة (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وعدها آية، (الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) آيتين، (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ثلاث آيات ... " الحديث (١). ٦. ما صح عن نعيم المجمر قال: "كنت وراء أبي هريرة فقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ثم قرأ بأم الكتاب حتى بلغ (وَلا الضَّالِّينَ)، قال: 'آمين'، فقال الناس: 'آمين'، فلما سلم قال: 'والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﵌" (٢). وعن أبي هريرة أيضاً، قال: "كان رسول الله ﵌ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم" (٣). ٧. ما صح عن أنس بن مالك قال: "صلى معاوية بالمدينة فجهر فيها بالقراءة، فقرأ فيها (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) لأم القرآن، ولم يقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان: 'يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ ' فلما صلى بعد ذلك قرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) للسورة التي بعد أم القرآن." أخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك وصححه على شرط مسلم (٤)، وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد كالشافعي في مسنده (٥)، وعلق على ذلك بقوله: "إن معاوية كان سلطاناً عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالبسملة كان كالأمر المقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية" (٦). ٨. ما صح - أيضاً - عن أنس بن، قال: "سمعت رسول الله ﵌ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم" (٧). ٩. ما صح عن محمد بن السري العسقلاني، قال: "صليت خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب، فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها للسورة. وسمعت المعتمر يقول: 'ما آلوا أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلوا أن أقتدي بصلاة أنس بن مالك.' وقال أنس بن مالك: 'ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﵌ " (٨).

стр. 204

وعن قتادة قال: "سئل أنس بن مالك كيف كانت قراءة رسول الله ﵌؟ قال: 'كانت مداً ثم قرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) يمد الرحمن ويمد الرحيم، " (١). وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: "صليت خلف النبي وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) " (٢). ١٠. وقد ذكر الرازي أن البيهقي روى الجهر بالبسملة في سننه عن عمر بن الخطاب وابن عمر وابن الزبير ثم قال الرازي: "وأما علي بن أبي طالب ﵁ كان يجهر بالبسملة فقد ثبت بالتواتر ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قول رسول الله ﵌: 'اللهم أدر الحق مع علي حيث دار" (٣). وهنالك حجة أخرى على أن البسملة آية في كل سورة وهي أن الصحابة كافة ومن بعدهم إلى يومنا هذا أجمعوا إجماعاً عملياً على كتابة البسملة في بداية كل سورة عدا سورة براءة، كما كتبوا سائر الآيات بلا ميزة مع أنهم مطبقون على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن إلا بميزة عنه حرصاً منهم على أن لا يختلط فيه شيء من غيره، وقلَّ أن تجتمع الأمة على أمر كاجتماعها على ذلك، وهذا دليل على أن البسملة أية مستقلة في بداية كل سورة. دليل آخر: من المشهور المأثور عن رسول الله ﵌ قوله: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع (٤) أو أبتر أو أجذم" (٥) فهل يمكن أن يكون

стр. 205

القرآن وهو أفضل ما أوحاه الله إلى أنبيائه أقطع؟ وهل يمكن أن تكون الصلاة وهي خير العمل بتراء جذماء؟ نستنتج مما سبق بأنه قد اختلف في العلماء في البسملة فذهب البعض إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن والتبرك. وذهب البعض إلى أنها من الفاتحة وليست من سائر السور، وذهب آخرون إلى أنها آية مستقلة، وهذا هو الراجح لجمعه بين النصوص التي تثبتأن البسملة من كتاب الله وبين الأدلة التي تثبت أن البسملة ليست من السور إلا أنها بعض آية من سورة النمل. والله أعلم. القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] التفسير: الثناء على الله بصفاته التي كلُّها أوصاف كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وفي ضمنه أَمْرٌ لعباده أن يحمدوه، فهو المستحق له وحده، وهو سبحانه المنشئ للخلق، القائم بأمورهم، المربي لجميع خلقه بنعمه، ولأوليائه بالإيمان والعمل الصالح. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، أي: " الشكر خالصًا لله" (١). قال الصابوني: " أي: قولوا يا عبادي إذا أردتم شكري وثنائي الحمدلله" (٢). قال القاسمي: " أي: الثناء بالجميل، والمدح بالكمال ثابت لله دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه" (٣). قال مقاتل بن سليمان: " يعني الشكر للَّه" (٤). قال الواحدي: أي: " الثَّناء لله والشُّكرُ له بإنعامه" (٥). قال النسفي: أي: " الوصف بالجميل على جهة التفضيل واجب لله" (٦). قال السعدي: أي: " الثناء على الله بصفات الكمال، وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل، فله الحمد الكامل، بجميع الوجوه" (٧).

стр. 206

قال ابن عباس: " ﴿الحمد لله﴾: كلمة الشكر، وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي" (١). وعن ابن عباس أيضا: " ﴿الحمد لله﴾: هو الشكر لله، والاستخذاء لله، والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه، وغير ذلك" (٢). قال كعب: " ﴿الحمد لله﴾: ثناء على الله" (٣). قال علي: " كلمة رضيها الله لنفسه" (٤). قال الأخفش: أي: "الشكر لله، والحمد أيضًا: الثناء" (٥). قال ابن عثيمين: " ﴿الحمد﴾ وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله" (٦). وفي نوع الالف واللام في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثلاثة أقوال (٧): أحدهما: للعَهدِ، أي: الحمدُ المعهودُ. والثاني: لتعريف الجنس، أي: مُطلقُ الحمد، قال ابن رجب: "وهو ضعيفٌ" (٨). والثالث: للاستغراق، قاله أبو جَعفر الباقِرُ (٩) وغيره. والقول الأخير هو الأصحُّ، أي: استغراق جميع أجناس الحمد وثبوتها لله تعالى تعظيما وتمجيدا" (١٠)، وفي الأثر: "اللهمّ لك الحمدُ كلُّه" (١١)، وفي دُعاءِ القنوت: "ونثني عليك الخيرَ كلَّه" (١٢)، وقوله: "لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسك" (١٣). و(الحمد) في اللغة: حمِدَ يَحمَد، حَمْدًا، فهو حامد، والمفعول مَحْمود وحَميد، حمِد الشَّيءَ: رضي عنه وارتاح إليه، وحمِد اللهَ: أثنى عليه وشكرَ نعمتَه قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الفاتحة: ٢) قال الله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ) (التوبة: ١١٢)، أي: الرَّاضون بقضاء الله، الشَّاكرون لأنعمه، ويقال حمِد فلانًا على أمر أي: أثنى عليه، وعكسه ذمَّه (١٤).

стр. 207

قال أحمد بن فارس في معجم مقاييس اللغة: (حمد) الحاء والميم والدال كلمة واحدة وأصل واحد يدلّ على خلاف الذم، يقال حمدت فلاناً أحمده، ورجل محمود ومحمد، إذا كثرت خصاله المحمودة غير المذمومة (١). ويُعرّف (الحمد) في الاصطلاح بأنه: الثناء بالفضيلة (٢)، فيُقال: حمدتُ الرّجل، أي بمعنى: أثنيتُ عليه بفعلٍ جميلٍ قام به اختياره (٣)، وقيل إنّ الحمد هو: ثناء على المحمود لكمال ذاته وصفاته، والحمد المطلق لا يكون إلاّ لله (٤). و(الحَمْدُ لِله)، فيه إخبارٌ من الله – تعالى - لعباده بأسمائه الحُسنى وصفاته العلا، وإرشادٌ لهم بأن يُثنوا عليه بها ثناءً يليق بجلاله – جلّ في علاه – كما أثنى - سبحانه - على نفسه، فهو حميد يحب الحمد، ويحبّ من يحمده، ويثني عليه، عن الأسوَد بن سريع ﵁ قال: "كنت شاعِرًا، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني مدحت ربي بمحامِد"، قال: "أما إن ربك يحب الحمد" (٥). وقيل يُعرّف الحمد بأنه: الوصف بالجميل الاختياري على المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد أو غيره (٦)، مثاله القول: بأنّ فلان كريم أو شجاع، (على المنعم): الذي أعطى النعمة، وهو الله . يعّرف الحمد عند الأصوليين وغيرهم بأنه: ليس قول القائل: الحمد لله، إنما هو فعلٌ يُشعر بتعظيم المنعم، بسبب كونه منعماً، وذلك الفعل إما فعل اعتقاد بصفات الجلال والكمال، أو فعل لسان ذَكَر ما يذكره القلب، أو فعل جوارح بالإتيان بأفعال دالة عليه (٧). و(الشكر) لغةً: الاعتراف بالإحسان، ونشره، وحمد موليه، وهو الشكور أيضاً (٨) وقيل: الشين والكاف والراء أصول أربعة متباينة بعيدة القياس. فالأول: الشكر: الثناء على الإنسان بمعروف يوليكه. ويقال: إن حقيقة الشكر الرضا باليسير، والأصل الثاني: الامتلاء والغزر في الشيء، الأصل الثالث: الشكير من النبات، وهو الذي ينبت من ساق الشجرة، الأصل الرابع: الشكر، وهو النكاح (٩) والشكر يكون على ثلاث منازل (١٠): الأول: شكر القلب. قال الواحدي: " وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] " (١١).

стр. 208

الثاني: شكر اللسان، ويكون بإظهار النّعمة بالذكر لها والحديث عنها، والثناء على من أسداها، قال : ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. الثالث: شكر العمل، وهو إخضاع النّفس بالطّاعة (١) قال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [السبأ: ١٣]، وفي الحديث: "قام النبيُّ ﷺ حتى تورَّمَتْ قدَماه، فقيل له: غفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذَنْبِك وما تأخَّر، قال: أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا" (٢). وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال (٣): أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ منِّى ثلاثةً ... يَدِي ولِسَانِى والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا وأما (الحمد): فيكون باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر (٤). واختلف العلماء في الفرق بين الحمد والشكر، على أقوال: أحدها: أنّ لفظ الحمد يُطلقُ للثناء على المحمود بجميل ما فيه من صفات وأفعال ونعم، أمّا الشكر فهو ثناء العبد على المحمود بنعمه فقط. وعلى هذا القول فالحمد أعمّ من الشكر، فكلّ شكر هو حمد، وليس كلّ حمد يُعتَبر شكراً، ولذلك ورد حمد الله سبحانه نفسه ولم يرد شكره، وهو كما الحال في حالة التفرقة بين الحمد والمدح، فالمدحُ أعم من الحمد ذلك أنّ المدح يكون للعاقل ولغير العاقل، ولا يلزم في المدح كون الممدوح مُختاراً، ومن هنا كان وصف اللؤلؤة بصفائها ونقائها مدحاً لا حمداً، أما الحمد فإنّه لا يُطلَق إلا للفاعل المُختار على اعتبار كون الصفات المُتّصف فيها والمحمودة له صفات كمال، ويكون الحمد صادراً عن عِلم وليس عن ظنّ، فيمكن القول بأن: المدح يكون أعمّ من الحمد، والحمد يكون أعمّ من الشكر (٥). والثاني: أن الحمد يكون أعمّ فيما يقع عليه، فالحمد يقع على الصّفات اللازمة والصّفات المُتعدّية، فيُقال: حمد فلانٌ فلاناً لفروسيته وشجاعته ولكرمه. فالحمد وصف المحمود بصفات الكمال اللازمة والمُتعدّية مع المحبة وتعظيم المحمود في القلب، ولا يخفى أنّ مدار الأعمال صلاحاً أو فساداً ينبني على القلب. قال رسول الله ﵊: "إنّما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيُبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه" (٦) قال ﵊: "إنَّ الحَلالَ بيِّنٌ وإنَّ الحَرامَ بيِّنٌ وبينَهمَا مشْتَبَهَاتٌ لا يعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من الناسِ، فمنْ اتَّقَى الشبهَاتِ استَبرَأَ لدينِهِ وعِرضِهِ، ومن وقعَ في الشبهَاتِ وقعَ في الحرامِ، كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيهِ، ألا وإنَّ لكلِ ملِكٍ حِمً، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محَارِمُهُ، ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذَا فَسَدَتْ، فسدَ الجَسدُ كُلُّهُ، ألا وهِيَ القَلبُ" (٧).

стр. 209

قال شيخ الإسلام ﵀: "الحمد يكون بالقلب واللسان، وأما الشكر فهو أخص من حيث الوقوع، فالشكر لا يكون إلا مع الصفات المُتعدّية. يُقال: شكر فلاناً لكرمه، ولا يُقال: شكره لفروسيته وشجاعته، . فالشّكر يكون جزاءً على نعمة انتفع بها، بينما يأتي الحمد جزاءً كالشكر، ويأتي ابتداءً" (١). والثالث: أن الحمد ثناء العبد على الممدوح بصفاته من أن يسبق إحسان الممدوح، وأمّا الشكر فهو ثناء على المشكور بما قدّم وأجزل من الإحسان، وعلى هذا القول قال علماء الإسلام: الحمد أعم من الشكر. قال أحمد بن محمد الخطابي البستي: "الحمد نوع والشكر جنس، وكل حمد شكر، وليس كل شكر حمدا" (٢). والرابع: وهناك من يقول بأنّ الحمد والشكر مُتَقاربان، والحمد أعَمُّ، لأنَّ العبد حمَد الممدوح على صِفاته الذاتيَّة وعلى كثرة عطائه، ولا تَشْكُره بالتالي على صِفاته (٣). ويقال: " شكرته وشكرت له وباللام أفصح" (٤) المشهور باللام وهو الأكثر استعمالاً، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ويأتي متعدياً بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ﴾ [النحل: ١١٤]. وفي قول الشاعر (٥): شَكرْتكَ إنَّ الشُّكْرَ حبلٌ من التقي ... وما كُلُّ من أوليته نعمةً يقضي فقال شكرتك، مع أن الغالب في الاستعمال أن يقول: شكرت لك. أما المدح: "فهو أعم من الحمد، لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضاً، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضاً فهو أعم" (٦). وللحمد صيغ، منها: ١ - الحمد لله: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي (٧) مما طلعت عليه الشمس" (٨).

стр. 210

قال العلماء ﵏ تعالى -: افتتحَ اللهُ كتابهُ العزيز بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فاختار لفظ الجلالة (الله) ولم يقل: (الْحَمْدُ للكريم) ولا (للعظيم) وهو وإن كان حمداً للعظيم والكريم، إلا أن تخصيص الاسم الدالّ على الذات أبلغ فيالحمد والثناء من ذكر الوصف، لأنك لو قلت: الحمدُ للكريم، لأشْعَرَ أنكَ حَمَدْتَهُ مِن أجْلِ كَرَمِه، فإن قلت: الحُمْدُ لله، أثبَتَّ لَهُ الحَمْدَ لذاته – كان ذلك أبلغ. ٢ - الحمد لله رب العالمين: قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، وقوله - تعالى ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ١٨٢]. وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن الله - تعالى - اصطفى من الكلام أربعا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال سبحان الله كتبت له عشرون حسنة وحطت عنه عشرون سيئة، ومن قال الله أكبر مثل ذلك، ومن قال لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قالالحمد لله رب العالمين من قبل نفسه كتبت له ثلاثون حسنة وحط عنه ثلاثون خطيئة" (١). ٣ - لربي الحمد: عن حذيفة ﵁ أنه: "صلى مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فسمعه حين كبر، قال: الله أكبرُ ذا الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وكان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم، وإذا رفع رأسه من الركوع قال: لربي الحمد، لربي الحمد، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وبين السجدتين رب اغفر، لي رب اغفر لي، وكان قيامه وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده، وما بين السجدتين قريبا من السواء" (٢).

стр. 211

٤ - له الحمد: اقتران الحمد بالكلمة الطيبة: شهادة التوحيد: عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشرا، كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل" (١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل عملا أكثر من ذلك) (٢). ٥ - لك الحمد: عن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله ﷺ جالسا يعني ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد وتشهد دعا فقال في دعائه اللهم اني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم إني أسألك فقال النبي ﷺ لأصحابه تدرون بما دعا قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه العظيم، الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" (٣). وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الحمد عن الرسول ﵊، منها: - روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ، ثقيلتانِ في الميزانِ، حبيبتانِ إلى الرحمنِ: سبحانَ اللهِ وبحمدِه، سبحانَ اللهِ العظيمِ" (٤). - عن أبي مالك الأشعري قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الطَّهورُ شطرُ الإيمانِ، والحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ، وسبحان اللهِ والحمدُ للهِ تملآنِ [أو تملأُ] ما بين السماواتِ والأرضِ، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ، كل الناسِ يغدُو فبايِعٌ نفسَه فمُعْتِقُها أو مُوبِقُها" (٥). - قال رسول الله ﵊: "إنَّ اللهَ اصطفى مِنَ الكلامِ أربعًا: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبَرُ، فمَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً، ومَن قال اللهُ أكبَرُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ مِن قِبَلِ نفسِه كُتِبَتْ له ثلاثون حسنةً وحُطَّتْ عنه ثلاثون سيِّئةً، وفي روايةٍ: مَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً مِن غيرِ شكٍّ. وفي روايةٍ: فمَن قال سبحانَ اللهِ كُتِبَتْ له عشرون حسنةً وحُطَّتْ عنه عشرون سيِّئةً، ومَن قال الحمدُ للهِ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال لا إلهَ إلَّا اللهُ فمِثْلُ ذلك، ومَن قال اللهُ أكبَرُ مِن قِبَلِ نفسِه كُتِبَ له ثلاثون حسنةً وحُطَّتْ عنه ثلاثون سيِّئةً" (٦).

стр. 212

وفي رواية: ن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "أحب الكلام (١) إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لا يضرك بأيِّهن بدأت (٢)، ولا تسمين غلامك يسارًا ولا رباحًا ولا نجيحًا ولا أفلح، فإنك تقول: أثَمَّ هو؟ فلا يكون فيقول: لا، إنما هن أربع فلا تزيدن عليَّ" (٣). وقد ثبت فضل الشكر في الشريعة من أوجهٍ كثيرةٍ، منها: (٤) ١ - إنَّ الله أثنى في كتابه العزيزعلى أهل الشكر، ووصف أفضل خلقه بذلك، فقال عن نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]. ٢ - إنَّ الله جعل الهدف من الشكّر تفضله بالنعم، قال : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. ٣ - إنَّ الله وعد الشاكرين من عباده بأحسن الجزاء، فقال: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. ٤ - إنَّ الله قد سمّى نفسه شاكراً شكوراً، وذلك بأن يقبل العمل القليل من العبد ويثني على فاعله، قال : ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ٥ - قول الله : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي أنّ الله أمر عباده المؤمنين بذكره وشكره، ونهاهم عن نسيانه وكفره، فذِكْر الله تعالى بأسمائه وصفاته من موجبات محبة الله للعبد، وفي شكره بإقامة الصلاة وأداء العبادات من مقتضيات رحمته وفضله (٥). ٦ - قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [ابراهيم: ٧] فقد وعد الله تعالى لمن يشكر نعمه بزيادة تلك النعم (٦) ٧ - عن أبي موسى الأشعري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ولدُ العبدِ المؤمنِ قال اللهُ للملائكةِ: قبَضْتُم ولَد عبدي؟ قالوا: نَعم قال: قبَضْتُم ثمرةَ فؤادِه؟ قالوا: نَعم قال: فما قال؟ قالوا: استرجَع وحمِدك قال: ابنوا له بيتًا في الجنَّةِ وسمُّوه بيتَ الحمدِ" (٧).

стр. 213

٨ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اللهَ ليرضى عن العبدِ أن يأكلَ الأكلةَ فيحمدَه عليها. أو يشربَ الشربةَ فيحمدَه عليها" (١). ٩ - عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبدَأُ بالحمد للَّهِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: بالحمدِ فَهوَ أقطعُ، وفي روايةٍ: كل كلامٍ لا يُبدَأُ فيهِ بالحمد للَّهِ فَهوَ أجذَمُ، وفي رواية: كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يبدأُ فيهِ ببسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ فَهوَ أقطعُ" (٢). قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، أي: " مالك العالمين" (٣). قال الواحدي: أي: " مالك المخلوقات كلها" (٤). قال التستري: أي: " سيد الخلق المربي لهم، والقائم بأمرهم، المصلح المدبر لهم قبل كونهم، وكون فعلهم المتصرف بهم لسابق علمه فيهم، كيف شاء لما شاء، وأراد وحكم وقدر من أمر ونهي، لا رب لهم غيره" (٥). و(الرب): " هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور" (٦). قال السعدي: " (الرب): هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة، فمنه تعالى، وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة" (٧). و﴿العالمين﴾: "كل ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم ؛ ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق: على قدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته" (٨). قال مقاتل: " ﴿الْعَالَمِينَ﴾: " عني: الجن والإنس مثل قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١] " (٩). واختُلف في اشتقاق (الرب) على أقوال (١٠):

стр. 214

أحدها: أنه مشتق من المالك، كما يقال رب الدار أي مالكها، ومنه قول صفوان بن أمية (١): " لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن، يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني" (٢). ومن ملك شيئا فهو ربّه، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة (٣)، وقال النبي ﷺ لرجل: "أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ " (٤)، وقال النابغة (٥): فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا فـ (الرب) (٦): بمعنى المالك للشيء، والأمثلة عليه كثيرة، نذكر منها قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، فهو سبحانه مالك كل شيء، ونحو هذا قوله : ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]، أي: إنه سبحانه هو مالك السماوات السبع والعرش العظيم وسيدهما، فلا مالك لهما سواه، ولا سيد لهما غيره. ونحوه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، قال القرطبي: أي: "مالكه" (٧). والثاني: أنه مشتق من السيد، لأن السيد يسمى ربّاً، قال تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: ٤١] يعني سيده، وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. ومنه لَبِيد بن ربيعة (٨): وأَهْلكْنَ يومًا ربَّ كِنْدَة وابنَه ... ورَبَّ مَعدٍّ، بين خَبْتٍ وعَرْعَرِ يعني بربِّ كندة: سيِّد كندة. ومنه قول نابغة بني ذُبيان (٩): تَخُبُّ إلى النُّعْمَانِ حَتَّى تَنالَهُ ... فِدًى لكَ من رَبٍّ طَرِيفِي وَتَالِدِي

стр. 215

فـ (الرب): بمعنى السيد المطاع، والرئيس وصاحب السلطة النافذ الحكم، والمعترف له بالرفعة والسيادة، والمالك لصلاحيات التصرف، ومنهقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقوله تعالى: [اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ] [يوسف: ٤٢] (١)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠]، و (الربّ) بمعنى الملك والسيد، قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] (٢). وذهب ابن عاشور إلى أن "الأكثر في كلام العرب ورود (الرب) بمعنى المالك والسيد (٣). والثالث: أنه مشتق من (الصلح)، لأن الرجل المصلح للشيء يُدعى ربًّا، ومنه قول الفرزدق بن غالب (٤): كانُوا كَسَالِئَةٍ حَمْقَاءَ إذْ حَقَنتْ ... سِلاءَها فِي أدِيم غَيْرِ مَرْبُوبِ يعني بذلك: في أديم غير مُصلَحٍ. ومن ذلك قيل: إن فلانًا يَرُبُّ صنيعته عند فلان؛ إذا كان يحاول إصلاحها وإدامتها، ومن ذلك قول علقمة بن عَبَدة (٥): فكُنْتَ امرَأً أَفْضَتْ إليك رِبَابَتي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْني، فَضِعْتُ رُبُوبُ يعنى بقوله: أفضتْ إليك، أي وصلتْ إليك رِبَابتي، فصرتَ أنت الذي ترُبُّ أمري فتصلحه (٦).
следующие страницы →