٦ - أن لله ﵎ أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: أن يعذب ويغفر؛ لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: أن يُعذِّب من يستحق التعذيب؟ لأن الله تعالى لا يُعَذِّب أحدًا لا يستحق التعذيب كما قال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢].
٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله في جَعْل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب، ومغفور له، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شُرِعَ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.
٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة -أي مغفرة الله لمن شاء من عباده؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقد مر عليكم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة؛ فإنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يُتَّقَى به السهام، يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.
٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي العزة والحكم والحكمة.
فـ «العزيز»: هو المنيع الذي لا يغلب. والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه.
أحدها: بمعنى الغلبة، ومنه قولهم: من عز بز، أي: من غلب سلب، يقال منه: عز يعز -بضم العين- من يعز. ومنه قول الله سبحانه: ﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣].
والثاني: بمعنى الشدة والقوة. يقال منه: عز يعز -بفتح العين- من "يعز"، كقول الهذلي -يصف العقاب- (١):
стр. 3922
حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف
جعلها عزيزة، لأنها من أقوى جوارح الطير.
والوجة الثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر. يقال منه: عز الشيء يعز -بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير" (١).
و«الحكيم»: " ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١].
فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (٢).
القرآن
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩]
التفسير:
قال الله تعالى لعيسى ﵇ يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدهم ربهم، وانقيادهم لشرعه، وصدقهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، ﵃ فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه. ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " قال الله تعالى لعيسى ﵇ يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدهم ربهم، وانقيادهم لشرعه، وصدقهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم" (٣).
قال ابن عباس: " يقول: هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم" (٤).
قال الكلبي: " ينفع المؤمنين إيمانهم" (٥).
стр. 3923
قال السدي: " هذا فصل من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة" (١).
يعني: " أن قوله: ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾، إلى قوله: ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، من خبر الله عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه، وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة" (٢).
قال البيضاوي: " المعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع" (٣).
قال ابن كثير: " يقول تعالى مجيبًا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين، الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه، ، فعند ذلك يقول تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ " (٤).
قال الماوردي: " وإنما نفعهم الصدق في ذلك اليوم لوقوع الجزاء فيه وإن كان في كلِّ الأيام نافعاً" (٥).
وفي هذا «الصدق»، قولان (٦):
أحدهما: أن صدقهم الذي كان منهم في الدنيا نفعهم في الآخرة جُوزُوا عليه من الثواب.
فعلى هذا المراد بهذا الصدق وجهان محتملان:
أحدهما: أنه صدقهم في عهودهم.
والثاني: أنه تصديقهم لرسل الله وكتبه.
والقول الثاني: أنه صدق يكون منهم في الآخرة ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله.
فعلى هذا في المراد بهذا الصدق وجهان محتملان:
أحدهما: أنه صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ.
والثاني: صدقهم فيما شهدوا به على أنفسهم عن أعمالهم، ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم.
стр. 3924
قال السعدي: " والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم على الصراط المستقيم والهدي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق، إذا أحلهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر" (١).
قال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ينفع الصادقين صدقهم﴾؟ إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عمل، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه لأنه في معنى الشهادة لعيسى ﵇ بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟
قلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم" (٢).
قرأ نافع وحده: ﴿هذا يوم ينفع﴾ نصبا، وقرأ الباقون: ﴿هذا يوم ينفع﴾ رفعا (٣).
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار" (٤).
قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها" (٥).
قال عبدالله: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك" (٦).
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " ماكثين فيها أبدًا" (٧).
قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون" (٨).
عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها أبدا﴾: لا انقطاع له" (٩).
قال ابن كثير: ": ماكثين فيها لا يَحُولون ولا يزولون" (١٠).
قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " ﵃ فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه" (١١).
стр. 3925
قال الطبري: أي: " رَضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، ورضوا هم عن الله تعالى ذكره في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه فيما أمرهم ونهاهم، من جزيل ثوابه" (١).
قال النسفي: " ﴿﵃﴾ بالسعي المشكور، ﴿ورضوا عنه﴾ بالجزاء الموفور" (٢).
قال القرطبي: " ثم بين تعالى ثوابهم وأنه راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا، ﴿ورضوا عنه﴾، أي: عن الجزاء الذي أثابهم به" (٣).
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثم تجلى لهم الرب ﵎ فيقول: سلوني، سلوني أعطكم قال: فيسألونه الرضى. فيقول: رضاي أحلكم داري وأنا لكم كرامتي فاسألونى أعطكم، فيسألونه الرضى قال: فيشهدهم أنه قد رضي عنهم" (٤).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم" (٥).
قال سعيد بن جبير: " يعني: ذلك الثواب الفوز العظيم" (٦).
قال النسفي: " لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باق" (٧).
стр. 3926
قال ابن كثير: " أي: هذا هو الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، وكما قال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] " (١).
قال القرطبي: " أي الظفر ﴿العظيم﴾، أي: الذي عظم خيره وكثر، وارتفعت منزلة صاحبه وشرف" (٢).
الفوائد:
١ - فضيلة الصدق وأنه نافع في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: "عليكم بالصدق ٣ فإنه يدعو إلى البر وأن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً" (٣).
٢ - ومن فوائدها: الحث على الصدق والترغيب فيه؛ لأن ذكر كونه نافعًا في ذلك الوقت الحرج يدل على الترغيب فيه والحث عليه، وقد حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا» (٤).
стр. 3927
والصدِّيقيَّة أعلى مراتب البشر بعد النبوة، ويكفيك اقتناعًا بفائدته وثمرته ما حصل للثلاثة الذين خُلِّفُوا؛ أي خُلِّفَ أمرُهم ولم يُقْضَ فيه بشيء حتى جاء الوحي، وهم: كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع، هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، ولما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها جاء المعذِّرون يعتذرون إلى الرسول صلى الله ﵊، وقد أخبر الله عنهم قبل وصول النبي ﷺ إلى المدينة وقال: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
أما الثلاثة فصدقوا وأخبروا بالصدق، وأنزل الله فيهم آيات تُتْلَى في الصلاة وخارج الصلاة، ويُثاب على قراءتها، وحثَّ على أن نكون مثلهم؛ فقال بعد ذكر الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الثواب بالجنة؛ لقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾، وهذا أمر معتقد عند جميع الطوائف المسلمة.
٤ - ومن فوائد الآية: أن هذا الثواب يختص به الصادقون، لأن تقديم الخبر في قوله: : ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ أفاد الحصر.
٥ - ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الجنات بأن الأنهار المطردة تجري من تحت الأشجار والقصور، وما أجمله من منظر وما ألذَّه من مَخْبَر، اللهم اجعلنا منهم.
٦ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها أبدًا؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وهل هي موجودة الآن.
стр. 3928
٧ - في السماوات؛ قال الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والإعداد يكون مهيَّأ لأهله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخلها حين عُرِجَ به ورأى فيها ما رأى (١)، ومَثُلَت له حين قام يصلي صلاة الكسوف (٢) هي والنار.
٨ - من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رضا الله ؛ لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والرضا صفة فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي فعلية.
٩ - رضا أهل الصدق عن الله ، وهذا فيه شيء من الإشكال؛ هل للإنسان أن يرضى عن الله أو لا يرضى، أو الواجب الرضا بقضاء الله مطلقًا؟ الثاني، الواجب رضا الإنسان عن ربه مطلقًا لا بد أن يقول: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فهل نقول: إن هذا من باب المشاكلة في اللفظ؛ لما قال: ﴿﵃﴾ قال: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أو نقول: إن الرضا هنا ليس المراد مقابل الغضب؛ لأنه إذا ثبت الرضا ثبت الرضا، إذا لم يثبت فضده الكراهة والسخط والغضب، أو عدم الرضا بدون كراهة ولا سخط ولا غضب؟ فلا يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان له الخيار بين أن يرضى بقضاء الله وقدره وألَّا يرضى، بل نقول: إن الواجب أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره؛ لأن هذا من تمام الرضا بالله ربًّا، لكن رضاهم عنه إما من باب مقابلة اللفظ بمثله، وإلَّا أن المراد برضاهم أنهم فرحوا بذلك واستبشروا به، ولم يبغوا عنه حِوَلًا، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٧، ١٠٨].
стр. 3929
١٠ - أن أن الفوز حقيقة ليس بالربح، بربح الدينار والدرهم، وإنما الربح العظيم أو الفوز العظيم هو فوز الإنسان بجنات النعيم -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الفائزين بها- ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
القرآن
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠]
التفسير:
لله وحده لا شريك له ملك السموات والأرض وما فيهن، وهو -سبحانه- على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾ [المائدة: ١٢٠]، أي: " لله وحده لا شريك له ملك السموات والأرض وما فيهن" (١).
قال السعدي: " لأنه الخالق لهما والمدبر لذلك بحكمه القدري، وحكمه الشرعي، وحكمه الجزائي" (٢).
قال النسفي: " عظم نفسه عما قالت النصارى أن معه إلها آخر" (٣).
قال ابن كثير: " أي: هو الخالق للأشياء، المالك لها، المتصرف فيها القادر عليها، فالجميع ملْكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير، ولا عديل، ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، فلا إله غيره ولا رب سواه" (٤).
قال الطبري: " يقول: له سلطان السموات والأرض، ﴿وما فيهن﴾، دون عيسى الذين تزعمون أنه إلهكم، ودون أمه، ودون جميع من في السموات ومن في الأرض، فإن السموات والأرض خلق من خلقه وما فيهن، وعيسى وأمُّه من بعض ذلك بالحلول والانتقال، يدلان بكونهما في المكان الذي هما فيه بالحلول فيه والانتقال، أنهما عبدان مملوكان لمن له ملك السموات والأرض وما فيهن. ينبِّههم وجميعَ خلقه على موضع حجته عليهم، ليدَّبروه ويعتبروه فيعقلوا عنه" (٥).
قال الزمخشري: " فإن قلت: في السموات والأرض العقلاء وغيرهم، فهلا غلب العقلاء، فقيل: ومن فيهن؟
стр. 3930
قلت: «ما» يتناول الأجناس كلها تناولا عاما. ألا تراك تقول إذا رأيت شبحا من بعيد: ما هو؟ قبل أن تعرف أعاقل هو أم غيره، فكان أولى بإرادة العموم" (١).
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠]، أي: " وهو -سبحانه- على كل شيء قدير لا يعجزه شيء" (٢).
قال النسفي: أي: " من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء" (٣).
قال السعدي: " فلا يعجزه شيء، بل جميع الأشياء منقادة لمشيئته، ومسخرة بأمره" (٤).
قال الطبري: أي: " الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن، قادرٌ على إفنائهن وعلى إهلاكهن، وإهلاك عيسى وأمه ومن في الأرض جميعًا كما ابتدأ خلقهم، لا يعجزه ذلك ولا شيء أراده، لأن قدرته القدرةُ التي لا تشبهها قدرة، وسلطانه السلطان الذي لا يشبهه سلطان ولا مملكة" (٥).
قال محمد بن إسحاق: " ﴿إن الله على كل شيء﴾ ما أراد بعباده من نقمة أو عفو فهو ﴿قدير﴾ " (٦).
قال البيضاوي: هذه الآية" تنبيه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح وأمه، وإنما لم يقل: ﴿ومن فيهن﴾ تغليبا للعقلاء، وقال: ﴿وما فيهن﴾، اتباعا لهم غير أولي العقل إعلاما بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية، وإهانة لهم وتنبيها على المجانسة المنافية للألوهية، ولأن ما يطلق متناولا للأجناس كلها فهو أولى بإرادة العموم" (٧).
قال ابن وَهْب: "سمعت حُيَيّ بن عبد الله يحدث، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عَمْرو قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة" (٨).
الفوائد:
стр. 3931
١ - من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله للسماوات والأرض، يؤخذ من الإضافة ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمفرد المضاف يفيد العموم، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد، ولا يحتاج إلى عدد لو أخذنا بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾.
٢ - أن سؤال غير الله شيئاً ضرب من الباطل والشرك، لأن غير الله لا يملك شيئاً، ومن لا يملك كيف يعطي ومن أين يعطي؟
٣ - أن السماوات جمع عدد، وقد بين الله تعالى في كتابه أنها سبع سماوات، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] إذن فالسماوات سبع، وهي طباق كما قال الله تعالى عن نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥] أي: متطابقة بعضها فوق بعض.
٤ - عموم قدرة الله على كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
نسأله أن يوفقنا لمرضاته ويجعلنا من الفائزين بجناته، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
انتهى المجلد الثامن من التفسير بفضل من الله وإحسان، ويليه المجلد التاسع بإذن الله تعالى وبدايته تفسير الآية (١) من سورة «الأنعام».