← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

والثاني: أنه رغبة منه إلى الله تعالى في إظهار صدقه لهم، وهذا قول من زعم أن السؤال قبل استحكام المعرفة. قال أبو بكر: واختلفوا في معنى «اللهم» على قولين: أحدهما: فقال أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء، وأبو العباس أحمد بن يحيى: معنى «اللهم»: يا الله أمنا بمغفرتك، فتركت العرب الهمزة: فاتصلت الميم بالهاء: وصارا كالحرف الواحد، واكتفي به من «يا»، فأسقطت (١). والدليل على صحة قول الفراء وأبي العباس إدخال العرب «يا» على «اللهم» (٢)، قال الفراء أنشدني الكسائي (٣): وما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو هللت يا اللهم أردد علينا شيخنا مسلما ... فإننا من خيره لن نعْدَما وأنشد قطرب (٤): إني إذا ما معظم ألما ... أقول يا اللهم يا اللهما فلأن ضرورة الشعر جوزته (٥). والثاني: وقال الخليل بن أحمد وعمرو بن عثمان سيبويه: «اللهم»، معناه: يا الله. قالا: فجعلت العرب الميم بدلا من «يا» (٦). قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " نتخذ يوم نزولها عيدًا لنا، نعظمه نحن ومَن بعدنا" (٧).

стр. 3887

قال السعدي: " أي: يكون وقت نزولها عيدا وموسما، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين، كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرا لآياته، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم" (١). قال السمعاني: " العيد: المراد به: يوم السرور لهم" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، ثلاثة تاويلات: أحدها: نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا قاله قتادة (٣)، والسدي (٤)، وابن جريج (٥). وقيل: إن المائدة أنزلت عليهم في يوم الأحد غداة وعشية، ولذلك جعلوا الأحد عيداً. قال سفيان: " ﴿تكون لنا عيدًا﴾، قالوا: نصلي فيه. نزلت مرتين" (٦). والثاني: معناه: عائدة من الله تعالى علينا، وبرهاناً لنا ولمن بعدنا. ذكره الطبري عن آخرين (٧). قال الثعلبي: " أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة، ويقال: لطيف الخيال عيد، قال الشاعر (٨): يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرَّ طيف من الأهوال طَراَّق" (٩). فإنه أراد الخيال الذي يعتاده. والثالث: يعني نأكل منها جميعاً، أولنا وآخرنا، قاله ابن عباس (١٠).

стр. 3888

قال الطبري: " وأولى الأقوال بالصواب، قولُ من قال: معناه: تكون لنا عيدًا، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه، ونصلي له فيه، كما يعبد الناس في أعيادهم، لأن المعروف من كلام الناس المستعمل بينهم في «العيد»، ما ذكرنا، دون القول الذي قاله من قال: معناه: عائدة من الله علينا، وتوجيه معاني كلام الله إلى المعروف من كلام من خوطب به، أولى من توجيهه إلى المجهول منه، ما وجد إليه السبيل. وأما قوله: ﴿لأولنا وآخرنا﴾، فإن الأولى من تأويله بالصواب، قولُ من قال: تأويله: للأحياء منا اليوم، ومن يجيء بعدنا منا، للعلة التي ذكرناها في قوله: ﴿تكون لنا عيدًا﴾، لأن ذلك هو الأغلب من معناه" (١). وقرأ عبد الله والأعمش: «تكن لنا»، بالجزم على جواب الدعاء (٢). قوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " وتكون المائدة علامة وحجة منك -يا ألله- على وحدانيتك وعلى صدق نبوتي" (٣). قال ابن كثير: " أي: دليلا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك " (٤). قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " وامنحنا من عطائك الجزيل" (٥). قال ابن كثير: " أي: من عندك رزقًا هنيئًا بلا كلفة ولا تعب" (٦). قال السعدي: " أي: اجعلها لنا رزقا، فسأل عيسى ﵇ نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقا" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤]، أي: " فإِنك خير من يعطي ويرزق" (٨). الفوائد:

стр. 3889

١ - أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يُطلَب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه. ٢ - ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين: الألوهية والربوبية؛ لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾؛ لأن هذا نوع من التوسل، يتوسل الإنسان بألوهية الله وربوبيته. ٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى ﵊ أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. ٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى، كلما جاء زمنها فهو عيد لهم. فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيداً؟ فالجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس، وهي كانت عيدًا بطلب من؟ بطلب نبيهم، بطلب نبيهم ﵊. ٥ - مشروعية الأعياد الدينية لعبادة الله بالصلاة والذكر شكراً لله تعالى وفي الإسلام عيدان: الأضحى والفطر. ٦ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء على خلاف المعهود، وكان خارقًا للعادة فهو آية؛ لقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾، ووجه هذا أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عِيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها -ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح- يكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة. ٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم مفتقِر إلى الله تعالى؛ إلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى أنه إله. ٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله ﵎ خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى: : ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فكل وصف كمال فلله منه الأعلى.

стр. 3890

٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الرزق على غير الله ، بمعنى أنه يصح أن نصف غير الله بأنه رازق؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ولكن الرزق الأكمل والأوفى هو رزق الله ﵎. ١٠ - أن من محاسن هذا الدعاء أنه أخر ذكر الفائدة المادية للمائدة عن ذكر فائدتها الدينية الروحية، بعكس ما فعله الحواريون، إذ قدموا الأكل على غيره من الفوائد الأخرى. القرآن ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ [المائدة: ١١٥] التفسير: قال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم، فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوة عيسى ﵇ بعد نزول المائدة فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين. قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥]، أي: " قال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم" (١). واختلفوا في نزول المائدة على ثلاثة أقاويل. أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى لخلقه، ينهاهم به عن مسألة الآيات لأنبيائه، قاله مجاهد (٢). والثاني: أنهم سألوا ووعدهم بالإِجابة، فلما قال لهم ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾، استعفوا منها فلم تنزل عليهم، قاله الحسن (٣)، وهو مري عن مجاهد ايضا (٤).

стр. 3891

قال ابن كثير: " وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم. ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير (١) " (٢). والثالث: أنهم سألوا فأجابهم، ولم يستعفوا، لأنه ما حكى الاستعفاء عنهم، ثم أنزلها عليهم، لأنه قد وعدهم، ولا يجوز أن يخلف وعده. ومن قال بهذا اختلفوا في الذي كان عليها حين نزلت على أقوال: أحدها: أنه كان عليها ثمار الجنة، قاله قتادة (٣). والثاني: أنه كان عيها خبز ولحم، قاله عمار بن ياسر (٤). وروي عمار بن ياسر قال رسول الله ﷺ : "نزلت المائدة خبزًا ولحمًا، وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا ولا يرفعوا لغدٍ، فخانوا وادّخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير" (٥). والثالث: أنه كان عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات، يأكلون منها ما شاؤوا. قال: فسرق بعضهم منها وقال: " لعلها لا تنزل غدًا! "، فرفعت. قاله إسحاق بن عبد الله (٦). والرابع: كان عليها سمكة فيها طعم كل الطعام، قاله عطاء، وعطية (٧). والخامس: أنه كان خبزا وسمكا. قاله ابن عباس (٨)، وأبو عبدالرحمن السلمي (٩).

стр. 3892

والسادس: كان عليها كل طعام إلا اللحم، قاله ميسرة (١)، وزادان (٢). والسابع: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات. قاله مهب بن منبه (٣). والثامن: أنه الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا. قاله مجاهد (٤)، وهو مريو عن ابن عباس في رواية عكرمة (٥). والتاسع: رغيفان وحوتان، أكلو منها أربعين يوماً في سفرة، وكانوا ومن معهم نحو خمسة آلاف، قاله جويبر. وأُمِرُوا أن يأكلوا منها ولا يخونوا ولا يدخروا، فخانوا وادخروا فَرُفِعَتْ (٦). قال الطبري: " والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على الذين سألوا عيسى مسألتَه ذلك ربَّه، وإنما قلنا ذلك، للخبر الذي روينا بذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه وأهل التأويل من بعدهم، غير من انفرد بما ذكرنا عنه. وبعدُ، فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعدَه، ولا يقع في خبره الْخُلف، وقد قال تعالى ذكره مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى ﷺ حين سأله ما سأله من ذلك: ﴿إني منزلها عليكم﴾، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره: ﴿إني منزلها عليكم﴾، ثم لا ينزلها، لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر، ولا يكون منه خلاف ما يخبر. ولو جاز أن يقول: ﴿إني منزلها عليكم﴾، ثم لا ينزلها عليهم، جاز أن يقول: ﴿فمن يكفر بعد منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين﴾، ثم يكفر منهم بعد ذلك، فلا يعذّبه، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا تعالى ذكره بذلك" (٧).

стр. 3893

قال ابن كثير: " وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم. وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس وتعجبوا منها كثيرًا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة. ويقال إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود، ﵉، فالله أعلم" (١). قال البغوي: " والصحيح الذي عليه الأكثرون: أنها نزلت، لقوله تعالى: ﴿إني منزلها عليكم﴾، ولا خلف في خبره، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين" (٢). قرأ نافع وعاصم وابن عامر: ﴿إني منزلها﴾ مشددة، " لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى" (٣). وقرأ الباقون ﴿منزلها﴾ خفيفة (٤). قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥]، أي: " فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوة عيسى ﵇" (٥). قال السدي: " بعد ما جاءته المائدة" (٦). قال ابن كثير: " أي: فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها " (٧). قال البغوي: " أي: بعد نزول المائدة" (٨). قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، أي: " فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين" (٩).

стр. 3894

قال السدي: " يقول: أعذبه عذابا لا يعذب به أحد من العالمين غير أهل المائدة" (١). قال ابن كثير: " أي: من عالمي زمانكم، كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وكقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] " (٢). قال السمعاني: " أي: جنس عذاب لم أعذب به أحدا" (٣). قال السعدي: " لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد" (٤). وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، يحتمل وجهين: أحدهما: يعني من عالمي زمانهم. وهذا قول أبو العالية (٥)، وقتادة (٦)، ومجاهد (٧)، وابن زيد (٨). قال أبو العالية: " فإن لكل زمان عالما" (٩). والثاني: من سائر العالمين كلهم. ذكره الماوردي (١٠). قال الزمخشري: العالمين: أي: " الجم الغفير من الناس" (١١). وفيهم قولان: أحدهما: هو أن يمسخهم قردة، قاله عمار بن ياسر (١٢)، وسلمان الخير (١٣). عن سلمان الخير: " فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات" (١٤).

стр. 3895

والثاني: أنه جنس من العذاب لا يعذب به غيرهم لأنهم كفروا بعد أن رأوا من الآيات ما لم يره غيرهم، فكانوا أعظم كفراً فصاروا أعظم عذاباً (١). قال عبدالله بن عمر: "إن أشدّ الناس عذابًا ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون" (٢).

стр. 3896

أخرج ابن ابي حاتم عن سلمان الخير؛ أنه قال: "لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدا وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بَوَارهم فيها. فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك قالوا: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الآية. فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائمًا مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سُفْرَة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشروط التي أتخذها الله عليهم - فيها: أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين - وهو يدعو الله من مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شَكَّارين، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبًا وجزاء، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة.

стр. 3897

فما زال يدعو حتى استقرت السُّفْرة بين يدي عيسى، والحواريين وأصحابه حوله، يَجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخَرَّ عيسى والحواريون لله سجدًا شكرًا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًا، ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى. والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى. قال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه؟ فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا. فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنها. فقام عيسى، ﵇، واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا. ثم انصرف فجلس إلى السفرة وتناول المنديل، وقال: "باسم الله خير الرازقين"، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات.

стр. 3898

فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية! فقال شمعون: وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصِّدِّيقة. فقال عيسى، ﵇: ليس شيء مما ترون من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية القاهرة، فقال له: كن. فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم يُمدكم منه ويَزدكم، فإنه بديع قادر شاكر. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن تُرينا آية في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله! أما اكتفيتم بما رأيتم في هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟ ثم أقبل عيسى، ﵇، على السمكة، فقال: يا سمكة، عودي بإذن الله حية كما كنت. فأحياها الله بقدرته، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية، تَلَمَّظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها. ففزع القوم منها وانحازوا. فلما رأى عيسى ذلك منهم قال: ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون! يا سمكة، عودي بإذن الله كما كنت. فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول.

стр. 3899

فقالوا لعيسى: كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها، ثم نحن بعد فقال عيسى: معاذ الله من ذلك! يبدأ بالأكل من طلبها. فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها، خافوا أن يكون نزولها سَخْطة وفي أكلها مَثُلةً، فتحاموها. فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزَّمْنى، وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون مَهْنَؤُها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء، لم ينتقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زَمِنٍ أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صِحَاحًا حتى خرجوا من الدنيا. وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة، سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات، قال: فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضًا: الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضًا. فلما رأى ذلك جعلها نوائب، تنزل يومًا ولا تنزل يومًا. فلبثوا في ذلك أربعين يومًا، تنزل عليهم غِبًّا عند ارتفاع الضُحَى فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قاموا ارتفعت عنهم. بإذن الله إلى جو السماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم.

стр. 3900

قال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى، ﵇، أن اجعل رزقي المائدة لليتامى والفقراء والزَّمنَى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس، وغَمطُوا ذلك، حتى شَكُّوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة، ونزولها من السماء أحق، فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير؟ فقال عيسى، ﵇: هلكتم وإله المسيح! طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا، وأراكم فيها الآيات والعبَر كذَّبْتم بها، وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله. وأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات" (١). قال ابن كثير: "هذا أثر غريب جدًا. قَطَّعَه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا له ليكون سياقه أتم وأكمل، والله أعلم. وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل، أيام عيسى ابن مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ الآية" (٢). الفوائد: ١ - أن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة آل فرعون والمنافقون ومن كفر من أهل المائدة.

стр. 3901

٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر طلب الآيات من الأمم، وأنه إذا جاءت الآيات المطلوبة فقد عرضوا أنفسهم للهلاك، وقد ذكر أهل العلم ﵏ أنه متى طلبت الأمة آية معينة وحصلت لهم حق عليهم العذاب. فإن قال قائل: هذه القاعدة تنتقض بما تواتر عن انشقاق القمر؛ أن قريشًا طلبوا من النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر (١)؟ فالجواب عن هذا: أن قريشًا لم يطلبوا آية معينة، وإنما طلبوا آية فقط، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي عينها، أراهم انشقاق القمر.

стр. 3902

٣ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن العذاب له أعلى وله أدنى؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا دليل على أن العذاب يتفاوت من شخص لآخر، وتفاوت العذاب أسبابه كثيرة؛ منها: قلة الداعي إلى الذنب، فإن قلة الداعي إلى الذنب توجب شدة العقوبة عليه، وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» وهم «أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ» (١). الشاهد الأول والثاني: أشيمط وزانٍ، يعني رجلًا شمطه الشيب، وهذا يدل على ضعف قوته في طلب النكاح. وصغّره بقوله «أُشَيْمِطٌ» تحقيرًا له، إذن زنا الشيخ أعظم عقوبة من زنا الشاب؛ لأن الداعي في الشيخ أقل. «عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»، عائل يعني: فقير، مستكبر، الفقير يجب أن يعرف نفسه وقدره فكيف يستكبر، الاستكبار من الغني أهون بلا شك ومتوقَّع؛ كما قال : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧] أي استغنى عن غيره، وهذا عائل فيستكبر! فلذلك اشتدت عقوبته، فكلما قوي السبب في طلب المعصية صارت العقوبة عليها أهون، وكلما ضعف الطلب صارت العقوبة عليها أشد، هنا بين الله أنه لا يعذبه أحدا من العالمين. ٤ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفر من رأوا الآيات ليس ككفر من لم يروها، لأن من رأى الآيات فقد رآها علم اليقين، بل عين اليقين، ومن نقلت إليه فقد علمها علم اليقين، أي: بواسطة. القرآن

стр. 3903

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ [المائدة: ١١٦] التفسير: واذكر إذ قال الله تعالى يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اجعلوني وأمي معبودين من دون الله؟ فأجاب عيسى -منزِّهًا الله تعالى-: ما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق. إن كنتُ قلتُ هذا فقد علمتَه; لأنه لا يخفى عليك شيء، تعلم ما تضمره نفسي، ولا أعلم أنا ما في نفسك. إنك أنت عالمٌ بكل شيء مما خفي أو ظهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: " واذكر إذ قال الله تعالى يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اجعلوني وأمي معبودين من دون الله؟ " (١). قال الطبري: أي: " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي معبودين تعبدونهما من دون الله" (٢). قال ابن كثير: " هذا أيضًا مما يخاطب الله تعالى به عبده ورسوله عيسى ابن مريم، ﵇، قائلا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد" (٣). قال السعدي: " وهذا توبيخ للنصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة" (٤).

стр. 3904

اختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على ثلاثة اقوال (١): أحدها: أنه تعالى سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادعى ذلك عليه، ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ فى التكذيب وأشد فى التوبيخ والتقريع. والثاني: أنه قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه وبدّلوا دينهم بعده، وادعوا عليه ما لم يقله. والثالث: تحذير عيسى عن قيل ذلك ونهيُه، كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا؟ مما يعلم المقولُ له ذلك أن القائل يستعظم فعل ما قال له: أفعلته، على وجه النهي عن فعله، والتهديد له فيه. أفاده الطبري (٢). فإن قيل: "فالنصارى لم تتخذ مريم إلهاً، فكيف قال تعالى فيهم ذلك؟ قيل: لما كان من قولهم أنها لم تلد بشراً وإنما ولدت إِلَهاً لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضي بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك كالقائلين له" (٣). وفي زمان هذا السؤال قولان: أحدهما: أن الله تعالى قال ذلك لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا، قاله السدي (٤). والثاني: أن الله تعالى يقول له ذلك يوم القيامة، قاله ابن جريج (٥)، وقتادة (٦)، وميسرة (٧). قال الماوردي: "والثاني أصح القولين" (٨). قال السمعاني: " والصحيح أنه يكون في القيامة، والقيامة وإن لم تكن بعد، ولكنها في علم الله، فلما كانت كائنة لا محالة فهي كالكائنة؛ فصح قوله: ﴿وإذ قال الله﴾ " (٩).

стр. 3905

قال ابن كثير: " والذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم: أن ذلك كائن يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة" (١). ورجّح قال الإمام الطبري قول السدي، واحتج على ذلك بمعنيين (٢): إحداهما: أن ﴿إذْ﴾ إنما تصاحب في الأغلب من كلام العرب المستعمل بينها الماضيَ من الفعل، وإن كانت قد تدخلها أحيانًا في موضع الخبر عما يحدث، إذا عرف السامعون معناها. وذلك غير فاشٍ، ولا فصيح في كلامهم، وتوجيه معاني كلام الله تعالى إلى الأشهر الأعرف ما وجد إليه السبيل، أولى من توجيهها إلى الأجهل الأنكر. والثاني: أن عيسى لم يشك هو ولا أحد من الأنبياء، أن الله لا يغفر لمشرك مات على شركه، فيجوز أن يُتَوهم على عيسى أن يقول في الآخرة مجيبًا لربه تعالى ذكره: إن تعذّب من اتخذني وأمي إلهين من دونك فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. قال ابن كثير: " وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي، ليدل على الوقوع والثبوت" (٣). قال السمعاني: " قال قائل: هم لم يتخذوا أمه إليها؛ فما معنى قوله: ﴿اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾؟ قيل: إنه - جل وعز - لما أراد ذكر عيسى مع أمه، قال: إلهين، وهذا كما يقال عند ذكر أبي بكر وعمر معا: عمران، وقالوا: هذا سنة عمرين، ويقال للشمس والقمر: قمران، قال الفرزدق (٤): [أخَذْنا بآفاقِ السَّمَاءِ عَلَيْكُمُ] ... لنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوَالِعُ يعني: الشمس والقمر، وقيل: إن عيسى كان بعضا لمريم، فلما اتخذوه إلها؛ فكأنهم اتخذوا أمه إلها؛ فقال: ﴿إلهين من دون الله﴾ " (٥).

стр. 3906

وروي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة دعي بالأنبياء وأممهم، ثم يُدْعَى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه، فيقِر بها، فيقولُ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٠] ثم يقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون، فيقولون: نعم، هو أمرنا بذلك، قال: فيطول شعر عيسى، ﵇، فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده. فيجاثيهم بين يدي الله، ، مقدار ألف عام، حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار" (١). قال ابن كثير: "وهذا حديث غريب عزيز" (٢). وفتح أبو عمر وابن عامر وعاصم في رواية حفص: ﴿وأمي إلهين﴾ (٣). قوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: " أنزهك عما لا يليق بك يا رب فما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق" (٤). قال الزمخشري: أي: " سبحانك من أن يكون لك شريك ما يكون لي ما ينبغي لي أن أقول قولا لا يحق لي أن أقوله" (٥). قال السعدي: " يقول: ﴿سبحانك﴾ عن هذا الكلام القبيح، وعما لا يليق بك، ما ينبغي لي، ولا يليق أن أقول شيئا ليس من أوصافي ولا من حقوقي، فإنه ليس أحد من المخلوقين، لا الملائكة المقربون ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية وإنما الجميع عباد، مدبرون، وخلق مسخرون، وفقراء عاجزون" (٦).

стр. 3907

قال ابن كثير: " هذا توفيق للتأدب في الجواب الكامل " (١). قال الطبري: أي: " تنزيهًا لك يا رب وتعظيمًا أن أفعل ذلك أو أتكلم به ما يكون لي أن أقول ما ليس لي أن أقول ذلك، لأني عبد مخلوق، وأمي أمَةٌ لك، وكيف يكون للعبد والأمة ادّعاء ربوبية؟ " (٢). قال الماوردي: " أي: أدعي لنفسي ما ليس من شأنها، يعني أنني مربوب ولست برب، وعابد ولست بمعبود وبدأ بالتسبيح قبل الجواب لأمرين: أحدهما: تنزيهاً له عما أضيف إليه. الثاني: خضوعاً لعزته وخوفاً من سطوته" (٣). قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: " إن كنتُ قلتُ هذا فقد علمتَه; لأنه لا يخفى عليك شيء" (٤). قال الطبري: " يقول: إنك لا يخفى عليك شيء، وأنت عالم أني لم أقل ذلك ولم آمُرهم به" (٥). قال ابن كثير: " أي: إن كان صَدَرَ مني هذا فقد علمته يا رب" (٦). قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: " تعلم ما تضمره نفسي، ولا أعلم أنا ما في نفسك" (٧). قال الطبري: " يقول: إنك، يا رب، لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطق به ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما قد نطقتُ به وأظهرته بجوارحي؟ يقول: لو كنت قد قلت للناس: ﴿اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾، كنت قد علمته، لأنك تعلم ضمائر النفوس مما لم تنطق به، فكيف بما قد نطقت به؟ ولا أعلم أنا ما أخفيته عني فلم تطلعني عليه، لأني إنما أعلم من الأشياء ما أعلمتنيه" (٨). قال ابن كثير: أي: "فإنه لا يخفى عليك شيء مما قلته ولا أردته في نفسي ولا أضمرته" (٩).

стр. 3908

قال الزمخشري: " ﴿في نفسي﴾، أي: في قلبي: والمعنى: تعلم معلومى ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل في نفسك لقوله في نفسي" (١). قال السعدي: " وهذا من كمال أدب المسيح ﵊ في خطابه لربه، فلم يقل ﵇: "لم أقل شيئا من ذلك" وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف، وأن هذا من الأمور المحالة، ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وجوه: أحدها: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، حكاه البغوي عن ابن عباس (٣). والثاني: تعلم سري ولا أعلم سرك (٤). والثالث: تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة. قاله أبو روق (٥). والرابع: أن النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته، يقول: تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك، وما عندي علمه. وهذا قول الزجاج (٦). قال الزجاج: " فإنما هو راجع إلى الفائدة في المعلوم والتوكيد أن الغيب لا يعلمه إلا الله جل ثناؤه" (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦]، أي: " إنك أنت عالمٌ بكل شيء مما خفي أو ظهر" (٨). قال البغوي: أي: " ما كان وما يكون" (٩). قال الطبري: " يقول: إنك أنت العالم بخفيّات الأمور التي لا يطلع عليها سواك، ولا يعلمها غيرك" (١٠).

стр. 3909

قال الزمخشري: قوله: " ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾، تقرير للجملتين معا، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب، ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهى إليه علم أحد" (١). وفي الفرق بين «العالم» و «العلام»، وجهان (٢): أحدهما: أن العلام الذي تقدم علمه، والعالم الذي حدث علمه. والثاني: أن العلام الذي يعلم ما كان وما يكون، والعالم الذي يعلم ما كان ولا يعلم ما يكون. الفوائد: ١ - توبيخ النصارى في عرصات القيامة على تأليه عيسى ووالدته ﵉. ٢ - براءة عيسى ﵇ مِنْ مشركي النصارى وأهل الكتاب. ٣ - من فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ الذين اتخذوا عيسى إلهًا وأمه؛ لقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنه سبق أن المراد من هذا الاستفهام هو توبيخ الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين. ٤ - ومن فوائد الآية الكريمة: بُعد الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الشرك، لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وهذا أمر مسلم؛ لأن أصل بعثة الرسل من أجل تحقيق التوحيد. ٥ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله ﵎ أن يكون له شريك؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بك، والمقام الآن باتخاذ شريك، فيكون معناه تنزيه الله عن كل شريك. ٦ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف عيسى ﵊ بما لا يستحق؛ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ وهكذا إخوانه من الرسل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لما قال له رجل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ. قال له: أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» (٣)، فكل الرسل يعرفون قدر أنفسهم، فلا يمكن أن يقروا ما لا يستحقونه.

стр. 3910

٧ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الألوهية حق خاص لله؛ لقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وإذا كان الرسل، بل خلاصة الرسل، ليس لهم في الألوهية، فمن دونهم من باب أولى، فلا أحد يستحق أن يكون إلهًا، ولا أحد يستحق أن نعبده من دون الله . ٨ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يعلم ما يصدر من الإنسان من قول؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾. ٩ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع ربهم جل وعلا؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، وإذا كنت علمته فإنه صادر عن علم من عندك يا رب، وعن قضاء وقدر، ولا يخفى عليك. ١٠ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق النفس على الذات، بل إن بعض العلماء يقول: إن إطلاق الذات على النفس غلط، وإن أصل ذات بمعنى صاحبة، فلا تقال إلا مضافة، كما قال : ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي صاحبة البروج، وإن إطلاق الذات على النفس من الكلمات المحدثة، وقد صرح بهذا شيخ الإسلام ﵀ وقال: إنها ليست من كلام العرب العرباء -أي إطلاق الذات على النفس- وإنما يعبر عن الذات بالنفس، يعني بمعنى أن ذات الرجل هي نفسه، ولكن الاصطلاح شيء آخر واللغة العربية الفصحى شيء آخر. ١١ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله بما في نفس الإنسان؛ لقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، فالله يعلم ما في قلبك، احذر أن يكون في قلبك ما يخالف أمر الله .

стр. 3911

١٢ - ومن هنا نأخذ فائدة ثانية وهي: وجوب الخشوع في الصلاة؛ لأنك إذا غفلت وفكرت في غير ما يتعلق بالصلاة فقد أعرضت عن الله ، هكذا قرره بعض أهل العلم، ولكن في مسألة وجوب الخشوع في الصلاة فيها نظر؛ لأن النبي ﵌ أخبر أنه «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا انْتَهَتِ الْإِقَامَةُ جَاءَ إِلَى الْمُصَلِّي وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ حَتَّى يَقُولَ: اذْكُرْ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا» (١). القرآن ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧)﴾ [المائدة: ١١٧] التفسير: قال عيسى ﵇: يا ربِّ ما قلتُ لهم إلا ما أوحيته إليَّ، وأمرتني بتبليغه من إفرادك بالتوحيد والعبادة، وكنتُ على ما يفعلونه -وأنا بين أظهرهم- شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم، فلما وفيتني أجلي على الأرض، ورفعتني إلى السماء حيًّا، كنت أنت المطَّلِع على سرائرهم، وأنت على كل شيء شهيد، لا تخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء. قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: " قال عيسى ﵇: يا ربِّ ما قلتُ لهم إلا ما أوحيته إليَّ، وأمرتني بتبليغه من إفرادك بالتوحيد والعبادة" (٢). قال ابن عباس: " سيدي وسيدكم" (٣).

стр. 3912

قال الطبري: " يقول: ما قلت لهم إلا الذي أمرتني به من القول أن أقوله لهم، وهو أن قلت لهم: ﴿اعبدوا الله ربي وربكم﴾ " (١). قال ابن كثير: "أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ أي: هذا هو الذي قلت لهم" (٢). قال السعدي: أي: "فأنا عبد متبع لأمرك، لا متجرئ على عظمتك، ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده وإخلاص الدين له، المتضمن للنهي عن اتخاذي وأمي إلهين من دون الله، وبيان أني عبد مربوب، فكما أنه ربكم فهو ربي" (٣). قال الماوردي: " لم يذكر عيسى ذلك على وجه الإِخبار به لأن الله عالم به، ويحتمل وجهين: أحدهما: تكذيباً لمن اتخذ إلهاً معبوداً. والثاني: الشهادة بذلك على أمته فيما أمرهم به من عبادة ربه" (٤). قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: " وكنتُ على ما يفعلونه -وأنا بين أظهرهم- شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم" (٥). قال البغوي: ﴿ما دمت﴾، أي: "أقمت" (٦). قال الطبري: " يقول: وكنت على ما يفعلونه وأنا بين أظهرهم شاهدًا عليهم وعلى أفعالهم وأقوالهم " (٧). قال ابن كثير: " أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم" (٨). قال السعدي: أي: " أشهد على من قام بهذا الأمر، ممن لم يقم به" (٩). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: " فلما وفيتني أجلي على الأرض، ورفعتني إلى السماء حيًّا، كنت أنت المطَّلِع على سرائرهم" (١٠).

стр. 3913

قال السعدي: أي: " أي: المطلع على سرائرهم وضمائرهم" (١). قال البغوي: أي: فلما" قبضتني ورفعتني إليك، ﴿كنت انت﴾ الحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم" (٢). قال الطبري: " يقول: فلما قبضتني إليك، كنت أنت الحفيظ عليهم دوني، لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم. وفي هذا تبيانُ أن الله تعالى ذكره إنما عرّفه أفعالَ القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه وتوفاه بقوله: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ " (٣). قال السدي (٤) وابن جريج (٥): " أما ﴿الرقيب﴾، فهو الحفيظ". عن ميسرة قال: "قال الله تعالى ذكره: ﴿يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾؟ قال: فأُرعدت مفاصله، وخشى أن يكون قد قالها، فقال: ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب﴾ " (٦). قال طاوس: ": احتج عيسى، والله وقّفه" (٧). قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]، أي: " وأنت المطّلع على كل شيء لا يخفى عليك شيء" (٨). قال الطبري: " يقول: وأنت تشهد على كل شيء، لأنه لا يخفى عليك شيء، وأما أنا، فإنما شهدت بعض الأشياء، وذلك ما عاينت وأنا مقيم بين أظهر القوم، فإنما أنا أشهد على ذلك الذي عاينت ورأيتُ وشهدت" (٩). قال السعدي: أي: " علما وسمعا وبصرا، فعلمك قد أحاط بالمعلومات، وسمعك بالمسموعات، وبصرك بالمبصرات، فأنت الذي تجازي عبادك بما تعلمه فيهم من خير وشر" (١٠).

стр. 3914

عن ابن عباس قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله، ، حفاة عراة غُرْلا كما بدأنا أول خلق نعيده، وإن أول الخلائق يُكْسى إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم" (١). الفوائد: ١ - أن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بالرسالة أمرًا من الله؛ لقوله: ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة، مثل قول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. ٢ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حُسْن أدب الرسل مع الله ؛ حيث قال: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ وجه ذلك: أنه يُشعِر بأن عيسى رسولٌ مأمور مكلَّف بالأمر. ٣ - ومن فوائدها: أن عيسى ﵊ أُمِر أن يبلِّغ الناس بأنه عبد والله تعالى رب؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ والرب مقابله العبد. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حق لعيسى في الألوهية ولا الربوبية؛ لقوله: ﴿رَبِّي﴾، ومَنْ ليس له ربوبية ليس له ألوهية.

стр. 3915

فإن قال قائل: أليس يُحْيِي الموتى ويُبْرِئ الأكْمَه والأبرص؟ فالجواب: بلى ولكن بإذن الله. ٤ - من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام شهداء على أمتهم ما داموا فيهم؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، ومع ذلك هم شهداء على ما يَرَوْن أو يسمعون، وليسوا شهداء على غائبٍ بعيد لا يرونه ولا يسمعونه؛ لأن الرسل لا يعلمون الغيب. ٥ - ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى ﵊ قد تَوفَّاه الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾، وقد جاء في ذلك آيات منها قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران ٥٥] إلى آخره، فأثبت أنه متوفيه. ٦ - إحاطة علم الله ﵎ ورقابته؛ لقوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾. ٧ - إثبات أن الله تعالى شهيد على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وهذا يستلزم فائدة أخرى وهي: أنه يجب على العبد كمال مراقبة الله ﵎؛ حيث لا يفقده عند أمره ولا يجده عند نهيه؛ لأن الله رقيب عليك، فلا بد أن تتحاشى هذه الرقابة، وألَّا يفقدَك الله تعالى حيث أمرك ولا يجدَك على ما نهاك. القرآن ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] التفسير: إنك يا ألله إن تعذبهم فإنهم عبادك -وأنت أعلم بأحوالهم-، تفعل بهم ما تشاء بعدلك، وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة، فإنك أنت العزيز الذي لا يغالَبُ، الحكيم في تدبيره وأمره. قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، أي: " إنك يا ألله إن تعذبهم فإنهم عبادك -وأنت أعلم بأحوالهم-، تفعل بهم ما تشاء بعدلك" (١).

стр. 3916

قال السدي: " يقول: إن تعذبهم تميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك" (١). قال الطبري: " إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها ﴿فإنهم عبادك﴾، مستسلمون لك، لا يمتنعون مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به" (٢). قال ابن كثير: " ومعنى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية: التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات" (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، يحتمل وجهين (٤): أحدهما: أنه قاله على وجه الاستعطاف لهم والرأفة بهم كما يستعطف العبد سيده. والثاني: أنه قاله على وجه التسليم لأمر ربه والاستجارة من عذابه. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، أي: " وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة، فإنك أنت العزيز الذي لا يغالَبُ، الحكيم في تدبيره وأمره" (٥). قال السدي: " ﴿وإن تغفر لهم﴾، فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام فإنك أنت العزيز الحكيم. هذا قول عيسى ﵇ في الدنيا" (٦). قال الطبري: أي: " بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم ﴿فإنك أنت العزيز﴾ في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه، ﴿الحكيم﴾، في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة، وتوفيقه من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب " (٧).

стр. 3917

قال السدي: " ﴿وإن تغفر لهم﴾، فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام، ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، وهذا قول عيسى في الدنيا" (١). قال ابن كثير: " وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله، ، فإنه الفعال لما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله، وعلى رسوله، وجعلوا لله ندًا وصاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث: أن رسول الله ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها" (٢). ذكر السمعاني والبغوي في الآية وجوه (٣): أحدها: فإن قال قائل: كيف طلب المغفرة لهم، وهم كفار؟ قيل: إن معنى قوله: ﴿وإن تغفر لهم﴾، يعني: بعد الإيمان، وهذا إنما يستقيم على قول السدي؛ لأن الإيمان لا ينفع في القيامة، والصحيح آخر القولين، قال بعضهم: هذا في فريقين منهم فقوله: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ يعني: من كفر منهم ﴿وإن تغفر لهم﴾ يعني: من آمن منهم. وقال أهل المعاني من أرباب النحو: ليس هذا على وجه طلب المغفرة، وإنما هذا على تسليم الأمر إليه، وتفويضه إلى مراده؛ ألا تراه يقول: " فإنك أنت العزيز الحكيم " ولو كان على وجه طلب المغفرة لقال: " فإنك أنت الغفور الرحيم ". وأما السؤال الثاني: وكيف قال: ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة؟

стр. 3918

قيل: اعلم أن في مصحف ابن مسعود: ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم﴾ وكان ابن شنبوذ يقرأ كذلك زمانا ببغداد؛ فمنع عنه، وفيه قصة، وقيل: فيه تقديم وتأخير، وتقدير الآية: إن تغفر لهم فإنهم عبادك، وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم. وقيل: معناه: إن تغفر لهم لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك شيء، ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره. قال الزمخشري: " فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: ﴿وإن تغفر لهم﴾؟ قلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول. بل متى كان الجرم أعظم جرما كان العفو عنه أحسن" (١). عن أبي ذر، ﵁، قال: "صلى رسول الله ﷺ ليلة فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: إني سألت ربي، ، الشفاعة لأمتي، فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا" (٢).

стр. 3919

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ "أن النبي ﷺ : تلا قول الله في إبراهيم: ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وقال عيسى ﵇: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى، فقال الله : «يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ » فأتاه جبريل ﵊، فسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك" (١). وعن حذيفة بن اليمان قال: "غاب عنا رسول الله ﷺ يومًا فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نَفْسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: "إن ربي، ، استشارني في أمتي: ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثانية، فقلت له كذلك، فقال: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفا، ليس عليهم حساب، ثم أرسل إليّ فقال: ادع تُجب، وسل تُعْطَ". فقلت لرسوله: أومعطي ربي سؤلي؟ قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حيًا صحيحًا، وأعطاني ألا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيّب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرًا مما شُدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج" (٢).

стр. 3920

الفوائد: ١ - أن هذه الآية ثناء على الله -تعالى- بحكمته وعدله، وكمال علمه. ٢ - أن تعذيب المشركين وتنعيم الموحدين قائم على مبدأ الحكمة الإلهية. ٣ - أن عيسى ﵇ -وهو أحد أولو العزم من الرسل- يفوض الأمر إلى الله؛ حيث قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وهكذا يجب علينا نحن أن نفوض الأمر إلى الله فيما يفعله ولا نعترض عليه، فالله يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لكمال حكمته، ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنهم عابدون لله عز. ٤ - تسليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفويض الأمر إلى الله ؛ لأن هذا من عيسى ﵊ وهو أحد الأنبياء أولي العزم. ٥ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق العبودية على مَنِ استحق التعذيب، والعبودية نوعان: خاصة، وعامة، والخاصة نوعان: أخص، وأعم؛ العامة: هي عبودية القدر؛ يعني عبودية التكوين، هذه عامَّة لكل أحد؛ قال الله : ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، ولا يشذ عن هذه العبودية أحد، ولا يمكن أن يعارض هذه العبودية أحد، كل الخلق، لا يستطيع أكفر عباد الله أن يمنع قدر الله فيه، وهذه عامة للمسلم والكافر، والبَّر والفاجر. والثاني خاصة: وهي العبودية للشرع؛ العبودية لشريعة الله أن يتذلل الإنسان لشريعة الله ، وهذه خاصَّة بمن؟ بمن أسلم وجه لله، فيَخْرج منها الكافر؛ فليس بعبد لله بهذا المعنى.

стр. 3921

٦ - أن لله ﵎ أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: أن يعذب ويغفر؛ لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: أن يُعذِّب من يستحق التعذيب؟ لأن الله تعالى لا يُعَذِّب أحدًا لا يستحق التعذيب كما قال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. ٧ - ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله في جَعْل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب، ومغفور له، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شُرِعَ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين. ٨ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة -أي مغفرة الله لمن شاء من عباده؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقد مر عليكم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة؛ فإنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يُتَّقَى به السهام، يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ. ٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي العزة والحكم والحكمة. فـ «العزيز»: هو المنيع الذي لا يغلب. والعز في كلام العرب على ثلاثة أوجه. أحدها: بمعنى الغلبة، ومنه قولهم: من عز بز، أي: من غلب سلب، يقال منه: عز يعز -بضم العين- من يعز. ومنه قول الله سبحانه: ﴿وعزني في الخطاب﴾ [ص: ٢٣]. والثاني: بمعنى الشدة والقوة. يقال منه: عز يعز -بفتح العين- من "يعز"، كقول الهذلي -يصف العقاب- (١):

стр. 3922

حتى انتهيت إلى فراش عزيزة ... سوداء روثة أنفها كالمخصف جعلها عزيزة، لأنها من أقوى جوارح الطير. والوجة الثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر. يقال منه: عز الشيء يعز -بكسر العين- من يعز، فيتأول معنى العزيز على هذا، أنه الذي لا يعادله شيء، وأنه لا مثل له، ولا نظير" (١). و«الحكيم»: " ﴿آلر، تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١] وقال في موضع آخر: ﴿كتاب أحكمت آياته﴾ [هود: ١]. فدل على أن المراد بـ «الحكيم» هنا، الذي أحكمت آياته، صرف عن مفعل إلى فعيل، ومعنى الإحكام لخلق الأشياء، إنما ينصرف إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها (٢). القرآن ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩] التفسير: قال الله تعالى لعيسى ﵇ يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدهم ربهم، وانقيادهم لشرعه، وصدقهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم، لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، ﵃ فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه. ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم. قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " قال الله تعالى لعيسى ﵇ يوم القيامة: هذا يوم الجزاء الذي ينفع الموحدين توحيدهم ربهم، وانقيادهم لشرعه، وصدقهم في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم" (٣). قال ابن عباس: " يقول: هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم" (٤). قال الكلبي: " ينفع المؤمنين إيمانهم" (٥).

стр. 3923

قال السدي: " هذا فصل من كلام عيسى، وهذا يوم القيامة" (١). يعني: " أن قوله: ﴿سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾، إلى قوله: ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾، من خبر الله عن عيسى أنه قاله في الدنيا بعد أن رفعه إليه، وأن ما بعد ذلك من كلام الله لعباده يوم القيامة" (٢). قال البيضاوي: " المعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع" (٣). قال ابن كثير: " يقول تعالى مجيبًا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم فيما أنهاه إليه من التبري من النصارى الملحدين، الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه، ، فعند ذلك يقول تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ " (٤). قال الماوردي: " وإنما نفعهم الصدق في ذلك اليوم لوقوع الجزاء فيه وإن كان في كلِّ الأيام نافعاً" (٥). وفي هذا «الصدق»، قولان (٦): أحدهما: أن صدقهم الذي كان منهم في الدنيا نفعهم في الآخرة جُوزُوا عليه من الثواب. فعلى هذا المراد بهذا الصدق وجهان محتملان: أحدهما: أنه صدقهم في عهودهم. والثاني: أنه تصديقهم لرسل الله وكتبه. والقول الثاني: أنه صدق يكون منهم في الآخرة ينفعهم لقيامهم فيه بحق الله. فعلى هذا في المراد بهذا الصدق وجهان محتملان: أحدهما: أنه صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ. والثاني: صدقهم فيما شهدوا به على أنفسهم عن أعمالهم، ويكون وجه النفع فيه أن يكفوا المؤاخذة بتركهم كتم الشهادة، فيغفر لهم بإقرارهم لأنبيائهم وعلى أنفسهم.

стр. 3924

قال السعدي: " والصادقون هم الذين استقامت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم على الصراط المستقيم والهدي القويم، فيوم القيامة يجدون ثمرة ذلك الصدق، إذا أحلهم الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر" (١). قال الزمخشري: " فإن قلت: ما معنى قوله ﴿ينفع الصادقين صدقهم﴾؟ إن أريد صدقهم في الآخرة فليست الآخرة بدار عمل، وإن أريد صدقهم في الدنيا فليس بمطابق لما ورد فيه لأنه في معنى الشهادة لعيسى ﵇ بالصدق فيما يجيب به يوم القيامة؟ قلت: معناه الصدق المستمر بالصادقين في دنياهم وآخرتهم" (٢). قرأ نافع وحده: ﴿هذا يوم ينفع﴾ نصبا، وقرأ الباقون: ﴿هذا يوم ينفع﴾ رفعا (٣). قوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار" (٤). قال أبو مالك: " يعني: المساكن تجري أسفلها أنهارها" (٥). قال عبدالله: " أنهار الجنة تفجر من جبل مسك" (٦). قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " ماكثين فيها أبدًا" (٧). قال سعيد بن جبير: " يعني: لا يموتون" (٨). عن ابن عباس: ﴿خالدين فيها أبدا﴾: لا انقطاع له" (٩). قال ابن كثير: ": ماكثين فيها لا يَحُولون ولا يزولون" (١٠). قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " ﵃ فقبل حسناتهم، ورضوا عنه بما أعطاهم من جزيل ثوابه" (١١).

стр. 3925

قال الطبري: أي: " رَضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له بما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، ورضوا هم عن الله تعالى ذكره في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه فيما أمرهم ونهاهم، من جزيل ثوابه" (١). قال النسفي: " ﴿﵃﴾ بالسعي المشكور، ﴿ورضوا عنه﴾ بالجزاء الموفور" (٢). قال القرطبي: " ثم بين تعالى ثوابهم وأنه راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا، ﴿ورضوا عنه﴾، أي: عن الجزاء الذي أثابهم به" (٣). عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ثم تجلى لهم الرب ﵎ فيقول: سلوني، سلوني أعطكم قال: فيسألونه الرضى. فيقول: رضاي أحلكم داري وأنا لكم كرامتي فاسألونى أعطكم، فيسألونه الرضى قال: فيشهدهم أنه قد رضي عنهم" (٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: " ذلك الجزاء والرضا منه عليهم هو الفوز العظيم" (٥). قال سعيد بن جبير: " يعني: ذلك الثواب الفوز العظيم" (٦). قال النسفي: " لأنه باق بخلاف الفوز في الدنيا فهو غير باق" (٧).
следующие страницы →