وإنما سميت هذه الاستعارة مكنية: لأنه لم يصرح فيها بالمشبه به، وإنما كنى عنه بذكر لازمه.
قرينتها: قرينة الاستعارة المكنية هي: "إثبات لازم المشبه به المحذوف للمشبه المذكور" وذلك كإثبات الأظفار للمنية في بيت أبي ذؤيب، فهذا الإثبات دليل على أن الكلام استعارة بالكناية، وهو عند البلاغيين يسمى: "استعارة تخييليه".
أما أنه استعارة: فلأن اللازم المذكور - وهو الأمر المختص بالمشبه به- استعير للمشبه واستعمل معه.
وأما أن هذه الاستعارة تخبيليه: فلأن ذلك اللازم لما نقل استعمل مع المشبه خيل للسامع أن المشبه من جنس المشبه به.
ومن هنا يتبين لك أمران:
أولهما: أن قرينة الاستعارة المكنية استعارة "تخبيليه" دائما، لأنها إثبات لازم المشبه به للمشبه، وأنهما متلازمان، فلا توجد إحداهما بدون الأخرى.
والأخر: هو أن طرفي الاستعارة التخيلية مستعملان في معنييهما الحقيقيين فالأظفار والمنية في بيت أبي ذؤيب - مثلاً- كل منهما مستعمل في المعني الموضوع له، والتجوز إنما هو في إثبات الأظفار للمنية.
стр. 352
المجاز المركب
هو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعني المجازي، مع قرينة مانعة من إرادة المعني الحقيقي.
وهو باعتبار علاقته يتنوع إلى نوعين، لأن العلاقة إما أن تكون المشابهة، وإما أن تكون غيرها، فإن كانت العلاقة هي المشابهة كان المجاز المركب مجازاً مرسلا.
(أ) فأما الاستعارة التمثيلية: فهي اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة.
وقد أسلفنا لك القول في التشبيهات المركبة، أي في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة ويمكنك أن تستعير فيها لفظ المشبه به للمشبه " كما في قولهم لمن تردد في فعل شيء وتركه: "أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى".
فإذا ما عدنا بهذا التركيب المجازي إلى حقيقته قلنا: إن المعني: أراك متحيراً في أمرك متردداً.
وإذا ما أجرينا الاستعارة فيه قلنا: شبهت هيئة المتردد في أمره بين الإقدام والإحجام بهيئة رجل قام ليذهب إلى جهة فتارة يعقد النية على الذهاب فيقدم رجلاً، وتارة يعدل فيؤخر أخرى، والجامع: هي الهيئة الحاصلة من إقدام تارة، وإحجام أخرى، ثم استعير لفظ المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية، والقرينة حالية.
وسميت الاستعارة في المركب تمثيلية لجريان التشبيه فيه بين الهيئات المركبة كما رأيت-.
على أن الاستعارة التمثيلية إذا شاع استعمالها، فإنها تسمى: "مثلا"، ولهذا فإن الأمثال السائرة كلها من قبيل الاستعارة التمثيلية.
والمثل يراعي فيه المعنى الذي ورد فيه أولاً، ولهذا فإنك تخاطب به المفرد والمثنى والجمع مذكراً كان أو مؤنثاً، دون أن تغير عبارته التي ورد بها، كما في قولهم: "الصيف ضيعت اللبن" بكسر تاء الفاعل، لأنه ورد في امرأة، ولكنه لما شاع استعماله
стр. 353
أصبح مثلا يضرب لمن طلب شيئاً يعد أن فرط فيه وضيعه، ففاتت فرصته.
وأصل هذا المثل: أن امرأة شابة تدعى "دسوس" بنت لقيط بن زرارة، كانت تحت شيخ يدعى "عمرو بن عويس" وكان طاعناً في السن ذا ثروة، فزهدت فيه وكرهت معاشرته لضعفه وكبره، ورجته أن يتركها قلبي طلبها، وكان ذلك زمن الصيف، ثم تزوجت من بعده من شاب فقير يدعى: "عمرو بن معبد بن زرارة" ثم احتاجت إلى اللبن زمن الشتاء، فجاءت إلى زوجها الأول تطلب منه لبناً، فلم يحبها إلى طلبها، وقال لها: "الصيف ضيعت اللبن" فذهبت مثلاً.
فإذا ما أردنا إجراء الاستعارة فيه قلنا: شبهت هيئة من فرط في شيء في وقت إمكان تحصيله ثم طلبه في وقت يتعذر الحصول عليه فيه، بهيئة امرأة تركت زوجها صاحب اللبن الوفير، ثم أتت إليه بعد فراقها له تطلب منه اللبن، والجامع: هو الهيئة الحاصلة من التفريط في الشيء في وقت إمكانية، ثم طلبه وقت تعذره ثم استعير اللفظ المركب الموضوع للمشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التمثيلية.
(ب) وأما المجاز المركب المرسل: فهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة غير المشابهة، مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ومثال ذلك: الجملة الخبرية المستعملة في الإنشاء لأغراض لم يوضع لها الخبر، وذلك كإظهار التحسر، أو الضعف، أو السرور، أو الشماتة أو نحو ذلك.
فمثال استعمال الخبر في الإنشاء لغرض التحسر قول الشاعر، متحسراً على ذهاب شبابه:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام!
فقد استعمل الخبر في إنشاء التحسر والتحزين على فوات الشباب وذهاب أيامه العذاب، والعلاقة فيه هي اللزوم، إذ يلزم من الإخبار بذهاب الصبا وتولى أيامه الباسمة التحسر والأسى على فواته، بقرينة قوله: "فعلى الصبا وعلى الزمان سلام".
ومنه قول محمود غنيم، يتحسر على ذهاب شبابه:
مشيت على الأرض الهوني كأنما ... أبي لي وقاري أن يراني عادياً
стр. 354
وما بي - لعمرى - من وقار، وإنما ... هو العجز لولاه سبقت خياليا ...
وعززت ساقي اللتين تراخياً ... بثالثة لم تجر فيها دمائياً! ! ...
فلفظ الأبيات الثلاثة خبر، ولكنه أراد إنشاء التحسر على ذهاب الشباب.
متى تحسن الاستعارة ؟
يرى البلاغيون أن من شروط حسن الاستعارة ما يلي:
أولاً: رعاية جهات حسن التشبيه، أي مراعاة أسباب حسنه لأنها مبنية عليه، فتحسن بحسنه، وتقبح بقبحه.
فمن جهات حسن التشبيه: أن يكون وافياً بالغرض منه، وأن يكون وجه الشبه فيه غير مبتذل، فإذا أردت- مثلاً- تزيين المشبه، كوجه أسود، فقلت: "رأيت مقلة ظبي" حسنت الاستعارة، لوفاء التشبيه بالغرض فإذا قلت- وأنت تريد تزيين المشبه - "رأيت فحما"، وأردت وجها أسود لم تحسن الاستعارة لعدم حسن التشبيه، لأنه لم يفت بغرضك وهو التزيين.
ثانياً: أن يزداد بعدها عن الحقيقة بالترشيح، ولهذا كانت الاستعارة المرشحة أكثر قبولاً في ذوق البلغاء من أختيها.
ثالثاً: ألا يشتم فيها رائحة التشبيه لفظاً، ومعنى ذلك ألا يذكر في الكلام لفظ يدل على المشبه، كما في قولك: "زارني بدر في منزلي"، إذ ليس في العبارة ما يدل على المشبه:
أما قول الشاعر:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زر أزراره على القمر
فالاستعارة هنا: قليلة الحسن، لأن معها ما يدل على المشبه، وهو: الضمير في قوله: "غلالته" وفي قوله "أزراره".
رابعاً: ألا يكون وجه الشبه خفياً جداً بحيث لا يدرك بغير تأمل ونظر، فلا تحسن استعارة لفظ "أسد" للرجل الأبخر، وهو ذو الفم النتن لخفاء وجه الشبه.
стр. 355
تمرينات
على الاستعارة
١ - أجر الاستعارة بين نوعها وقرينتها في كل مما يأتي: ...
(أ) قال الشريف الرضى في الشيب:
ضوء تشعشع في سواد ذوائبي ... لا أمضي به ولا أستصبح
بعت الشباب به على مقه له ... ... بيع العليم بأنه لا يربح! ...
(ب) وقال التهامي في رثاء ابنه:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره ... ... وكذاك عمر كواكب الأسحار!
(جـ) وقال ابن الرومي: ...
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب اللهو وهو جديد
(د) وقال ابن الرومي- أيضاً-:
حيتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنة نفحت روحا وريحاناً
هبت سحيراً، فناجي الغصن صاحبه ... سرا بها وتداعي الطير إعلاناً
(هـ) وقال مهيار:
ما لساري اللهو في ليل الصبا ... ضل في فجر برأسي وضحاً؟
(و) وقال السري الرفاء يصف شعره:
إذا ما صافح الأسماع يوماً ... تبسمت الضمائر والقلوب
(ز) وقال أخر في وصف روضة:
وأعطاف الغصون لها نشاط ... وأنفاس النسيم بها فتور
(ح) وقال غيره:
يضاحكها الضحى طوراً وطوراً ... عليها الغيث ينسجم انسجاماً
стр. 356
(ط) إن أمطرت عيناي سحا فعن ... بوارق في مفوفي تلمع (١)
(ى) إن التباعد لا يضر ... إذا تقاربت القلوب
(ك) قال السري الرفاء في وصف دولاب:
فمن جنان تريك النور مبتسماً ... في غير إبانه والماء منسكباً
كان دولابها - إذ أن - مغترب ... نأي فحن إلى أوطانه طرباً
باك إذا عق زهر الروض والده ... من الغمام غدا فيه أبا حدباً
مشمر في مسير ليس يبعده ... عن المحل ولا يبدى له تبعا
ما زال يطلب رفد البحر مجتهداً ... للبر حتى ارتدى النوار والعشبات
(٢) بين نوع الاستعارة في كل مما يأتي وعين ما بها ترشيح أو تجريد أو إطلاق.
(أ) قال السرى الرفاء:
وقد كتبت أيدي الربيع صحائفا ... كأن سطور السرو حسنا سطورها
(ب) وقال المتنبي:
وغيبت النوى الظبيات عنى ... فساعدت البراقع والحجال
(جـ) وقال يخاطب ممدوحة:
يا بدر يا بحر يا غمامة ... يا ليث الشرى يا حمام يا رجل
(د) وقال بدر الدين يوسف الذهبي:
هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدا همه
نسيمها بعثر في ذيله ... وزهرها يضحك في كمه
(هـ) وقال سعيد بن حميد:
وعد البدر بالزيارة ليلاً ... فإذا ما وفي قضيت نذوري
стр. 357
(و) وقال أبو تمام مادحاً:
نال الجزيرة إمحال فقتل لهم ... شيموا نداء إذا ما البرق لم يشم
(ز) وقال عبد الله بن المعتز:
ما ترى نعمة السماء على الأر ... ض وشكر الرياض للأمطار؟
(ح) وقال التهامي يعتذر لحساده:
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنما برقعت وجه نهار!
(ط) وقال أبو الطيب المتنبي:
في الخد إن عزم الخليط رحيلا ... مطر تزيد به الخدود محولاً
٣ - بين نوع كل استعارة من الاستعارات التالية وأجرها:
(أ) قال أبو الطيب المتنبي مخاطباً سيف الدولة:
ألا أيها السيف الذي ليس مغمد ... ولا فيه مرتاب ول امنه عاصم
(أ) وقال البحتري:
إذا ما الجرح رم على فساد ... تبين فيه إهمال الطبيب!
(جـ) وقال أخر:
ومن ملك البلاد بغير حرب ... يهون عليه تسليم البلاد
(د) وقال المتنبي:
إليك فإني لست ممن إذا اتقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
(هـ) لا يضر السحاب نبح الكلاب!
(و) قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين﴾.
(ز) وقال تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم﴾.
(ح) وقال الشاعر:
стр. 358
ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهرات
(ط) وقال المتنبي:
غاض الوفاء فما تلقاه في غدة ... وأعوز الصدق في الأخبار والقسم
(ى) وقال الشاعر:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظلم الجزع ثاقبه
(ك) وقال البارودي:
في لجة البحر ما يغنى عن الوشل
* * * *
стр. 359
الكناية
تعريفها:
هي: (لفظ أطلق وأريد به لازم معناه الحقيقي، لقرينة لا تمنع من إرادة هذا المعنى مع المعنى المراد)
وهي واسطة بين الحقيقة والمجاز، فهي ليست حقيقة لأن اللفظ لم يرد به معناه الحقيقي بل أريد به لازم هذا المعنى، وليست مجازاً لأن المجاز لابد له من قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي.
ومثالها قول الشاعر:
طويل نجاد السيف شهم كأنما ... يصول إذا استخدمته بقبيل
فقوله: (طويل نجاد السيف) معناه الحقيقي: أن الممدوح نجاده طويلة، ولكن هذا المعنى ليس مراداً، وإنما المراد: لازم هذا المعنى، وهو أنه طويل القامة، وذلك لأنه يلزم من طول النجاد أن تكون القامة طويلة، ومع هذا يصح أن يراد المعنى الحقيقي، بأن يراد المعنيان معاً: طول النجاد، وطول القامة.
وهنا يجب أن تعلم ما يلي:
أولاً: أنه لا يلزم - في الكناية أن يكون المعنى الحقيقي للفظ متحققا في الواقع، إذ يصح أن تقول: (محمد طويل النجاد) كناية عن طوله، وإن لم يكن له نجاد أصلاً.
ثانياً: أن الفرق بين المجاز والكناية، هو: وجوب وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ في المجاز، بخلاف الكناية، فإن القرينة فيها لا تمنع من إرادة المعنى الحقيقي للفظ.
أقسامها
تنقسم الكناية- باعتبار المكنى عنه- إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: كناية عن صفة ، وهي: ما صرح فيها بالموصوف، وبالنسبة إليه، ولم يصرح فيها بالصفة المطلوب نسبتها وإثباتها، ولكن ذكر مكانها صفة تستلزمها
стр. 360
كما في المثال السابق، وكما في قولهم: "فلاتة نئوم الضحى" كناية عن أنها مترفة مخدومة، فقد صرح بالموصوف- وهو فلاتة - كما صرح بالنسبة، وهي إسناد النوم في الضحى إليها، ولم يصرح بالصفة المطلوب نسبتها، وهي: "الترف والنعمة" ولكن ذكر مكانها صفة تستلزمها، وهي: النوم إلى الضحى.
وهي نوعان: قريبة، وبعيدة:
(أ) فالقريبة هي: "ما ينتقل فيها الذهن من المعنى الأصلي إلى المعنى المقصود بلا واسطة بين المنقول عنه والمنقول إليه" كما في قولك: "فلان طويل النجاد".
فالمطلوب بقولك: "طويل النجاد" صفة هي: "طول القامة"، وليس بين طول النجاد وطول القامة واسطة، وإنما ينتقل الذهن من طول النجاد إلى طول القامة مباشرة.
والقريبة نوعان: واضحة، وخفية:
١ - فالواضحة: ما يفهم منها المقصود لأول وهلة لوضوح اللزوم بين المكنى والمكنى عنه، كما سبق في قولك: "فلان طويل النجاد".
ومنه قول الشاعر:
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
فقد كنى عن كبر عجيزة المرأة وتهود جدييها، بارتفاع قمصها عن أن تمس منها بطناً، أو ظهرا، وهي واضحة - كما ترى-.
٢ - والخفية: مالاً يفهم منها المقصود إلا مع شيء من التأمل والتفكير لخفاء اللزوم بين المكنى عنه والمكني به، كما في قولهم: " فلان عريض القفا" كناية عن غبائه، فإن عرض القفا مما يدل على البلاهة والبلادة، إلا أن فهم ذلك يتوقف على إعمال فكر وروية، لخفاء اللزوم بين المعنيين، لأنه لا يدركه كل أحد.
(ب) والبعيدة: ما ينتقل الذهن فيها من المعنى الأصلي إلى المعنى المراد بواسطة،
كما في قول الشاعر:
стр. 361
وما بك من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل
فقد كنى عن جودة وكثرة قراء للأضياف بجبن الكلب وهزال الفصيل، إذا الذهن ينتقل من جبن الكلب إلى تأديبه، ومنه إلى استمرار ما يوجب نباحه وهو مشاهدته وجوهاً إثر وجوه، ثم ينتقل من هذا إلى كون صاحبه مقصد الذاتي والقاصي، ومن هذا إلى أنه يقري الأضياف، ومن قرى الأضياف إلى صفة الجود وكذلك ينتقل الذهن من هزال الفصيل إلى فقد أمه ينحرها، ومنه إلى قوة الداعي إلى نحرها، ومنه ينتقل الذهن إلى إعدادها للطبخ، ومنه إلى أنه مضياف كريم.
والقسم الثاني: كناية عن موصوف ، وهي: ما صرح فيها بالصفة وبالنسبة ولم يصرح فيها بالموصوف المطلوب النسبة إليه، ولكن ذكر مكانه صفة أو أوصاف تختص به، كما في قولك: "فلان صفا لي مجمع ليه" كناية عن قلبه، فقد صرح فيها بالصفة، وهي: "مجمع اللب" كما صرح فيها بالنسبة، وهي: إسناد الصفاء إليها، ولم يصرح فيها بالموصوف المطلوب ونسبة الصفاء إليه، وهو: "القلب"، ولكن ذكر مكانه وصف خاص به، وهو: كونه مجمع اللب.
وهي نوعان:
أولهما: ما تكون الكناية فيه معنى واحداً، كما في المثال السابق، وكما في قول الشاعر:
الضاربين بكل أبيض مخذم ... والطاعنين مجامع الأضغان
فقد كنى بمجامع الأضغان -وهو معنى واحد -عن القلوب.
ومنه قوله أبي الطيب المتنبئ يذكر وقيعة سيف الدولة ببني كلاب:
فمساهم وسطهم حرير ... وصبحهم وبسطهم تراب
ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب
فقد كنى "بمن في كفه قناة" عن الرجل، وكنى "بمن في كفه خضاب" عن المرأة.
стр. 362
وثانيهما: ما تكون الكناية في مجموع معان مختلفة يضم بعضها إلى بعض لتكون جملتها مختصة بالموصوف، كما يقال في الإنسان: "حي، مستوى القامة، عريض الأظفار"، فالكتابة مجموع هذه المعاني من الحياة، واستواء القامة وعرض الأظفار، لا كل واحد، وهذه المعاني مجتمعة، وصف خاص بالإنسان.
والقسم الثالث: كناية عن نسبة ، وهي: ما صرح فيها بالموصوف وبالصفة ولم يصرح فيها بالنسبة بينهما، ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى تستلزمها؛ سواء أكانت النسبة إثباتاً أو نفياً.
فمثالها في الإثبات قولهم: "المجد بين برديه"، كناية عن إثبات المجد للممدوح، فقد صرح في هذه الكناية بالموصوف، وهي ضمير الممدوح، كما صرح بالصفة، وهي: "المجد" ولكن لم يصرح فيها بنسبة المجد إليه، وإنما ذكر مكانها نسبة المجد إلى بردية إثباتاً، وهي تستلزم نسبة المجد إليه.
ومنه قول الشاعر:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج
فقد كنى عن إثبات هذه الصفات الثلاثة: السماحة، والمروءة، والندى للممدوح بإثباتها لقبة ضربت عليه، لأنه إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبت له، لاستحالة قيام الأمر بنفسه، ووجوب قيامه بمحل صالح له.
ومثالها في النفي قول الشنفري، يصف امرأة بالعفة والنزاهة:
ببيت بمنجاة من اللوم بيتها ... إذا ما بيوت بالملامة حلت
فقد صرح بالموصوف، وهو: الضمير في "بيتها" وصرح بالصفة، وهي اللوم المنفي في قوله: "بمنجاة من اللوم"، ولكن لم يصرح بنسبة نفي اللوم عنها، ولكن ذكر مكانها نسبة أخرى وهي نفي اللوم عن بيت يحتويها، وهو يستلزم نفي اللوم عنها.
هذا وقد سمى السكاكي بعض أنواع الكناية بأسماء تختلف باختلاف الاعتبارات وهي عنده أربع أنواع: تعريض، وتلويح، ورمز، وإيماءة أو إشارة
стр. 363
والتعريض في اللغة: خلاف التصريح.
واصطلاحاً: إمالة الكلام إلى عرض يدل على المقصود، أي: توجيه الكلام إلى جانب يفهم منه المعني المراد.
نقول النبي ﷺ : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" إذ قصد منه مشخص معين، كان من قبيل التعريض، لأن معناه: حصر الإسلام في غير المؤذى، ويلزمه: نفى الإسلام عن كل مؤذ، وهو المعنى الكنائى، وبالتعريض تستطيع النيل من الخصم والتنديد به، بما لا يخرج عن حدود الأدب، ولا يجعل له عليك سبيلاً، وتلك ميزة عظيمة للتعريض، فالتعريض إذن ليس من قبيل الحقيقة، ولا من قبيل المجاز، ولا من قبيل الكناية، لأن الحقيقة هي اللفظ المستعمل في معناه الأصلي، والمجاز هو: اللفظ المستعمل في لازم معناه فقط، والكناية: هي اللفظ المستعمل في اللازم ح جواز إرادة الأهل.
والتعريض: هو أن تفهم من اللفظ معنى بالسياق أو القرائن.
وأما التلويح: فهو كناية كثرت فيها الوسائط بين اللازم والملزوم.
وأما الرمز: فهر كناية عدمت فيها الوسائط أو قلت مع خفاء اللزوم، وأما الإيماء أو الإشارة: فهو كناية عدمت وسائطها، أو قلت مع وضوح اللزوم.
مقارنة بين الحقيقة والمجاز والكناية
أجمع البلاغيون على أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الكناية أبلغ من التصريح، وأن الاستعارة أبلغ من التشبيه ومن الحجاز المرسل والكناية.
والسر في أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأن الكناية أبلغ من التصريح هو: أن كلا عن المجاز والكناية كدعوى الشيء ببينة.
وذلك لأنك هين تقول - مثلاً - في الاستعارة: "رأيت أسداً يمتطي صهوة جواده" إنما تريد أن تقول: رأيت رجلاً شجاعا يمتطى صهوة جواده، وهذه دعوى قام عليها دليلها وهو: إثبات معنى الأسد له، لأنه يلزم من كونه أسداً أن يكون شجاعاً للزوم الشجاعة للأسد.
стр. 364
ولأنك حين تقول صلا: على طويل النجاد فإنما تريد أن تقول: على طويل القامة، فهي أيضاً - دعوى قام عليها دليلها - وهو: أنه طويل النجاد؛ لأنه يلزم من كونه طويل النجاد، أن يكون طويل القامة، فكأنك قلت فيهما: رأيت رجلاً شجاعاً يمتطى مهرة جواد لأنه أسد، وعلى طويل القامة، لأنه طويل النجاد.
ولكنك إذا جئت إلى الحقيقة في كل منهما، فقلت: "رأيت رجلاً شجاعاً يمتطي صهوة جواده"، و "على طويل القامة" اا كنت قد أتت في كل متهما بد عوى لم يقم عليها دليل، وما كان مؤيدا بالدليل أبلغ وآكد مما لم يقم عليه دليل.
والسر في أن الاستعارة أبلغ من التشبيه هو أن الاستعارة نوع من المجاز المبني على دعوى اتحاد المشبه والمشبه به، والتشبيه نوع من الحقيقة، والمجاز أبلغ من الحقيقة كما عرفت.
والسر في أنها أبلغ من المجاز المرسل: هو أن فيها دعوى اتحاد المشبه والمشبه به لفظاً ومعنى، أما المجاز المرسل في نحو قولك: أمطرت السماء نباتاً، فقيه دعوى الاتحاد لفظاً فقط، حيث أطلق اللفظ على المعني المجازى، ولكن الاتحاد في المعني غير موجود، لأنه ليس بين الماء والنبات تشابه حق يدعى اتحادهما.
والسر في أنها أبلغ من الكناية هو ما يلي:
أولا: أن الاستعارة فيها جمع بين الكناية والاستعارة من حيث أن الذهن فيها ينتقل من الملزوم كالأسد إلى اللازم كالرجل الشجاع، كما ينتقل - في الكناية - من الملزوم كطول النجاد إلى اللازم كطول القامة، ومن حيث أن فيها استعمالاً للفظ في غير معناه الذي وصوله لعلاقة المشابهة.
ثانيا: أن الاستعارة مجاز بالقطع، بينما الكناية - كما يقول البلاغيون - واسطة بين الحقيقة والمجاز.
هذا والاستعارة التمثيلية أبلغ أنواع الاستعارة، لأنها توجد في الهيئات المنتزعة من أمور متعددة، ففيها اعتبارات وملاحظات تحتاج إلى حسن روية وبعد نظر ويلي هذه الاستعارة في الأبلغية: الاستعارة المكنية، لأنها تشتمل على المجاز العقلي في قرينتها.
أما الاستعارة التصريحة فهي في المرتبة الثالثة.
وبعد، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 365
تمرينات
على الكناية
١ - بين الكناية، ونوعها في كل مما يأتي:
(أ) قال أبو الطيب المتنبي - في وقيعة سيف الدولة ببني كلاب -.
فمساهم وبسطهم حرير ... ... وصحبهم وبسطهم تراب
ومن في كفه منهم قناة ... ... كمن ني كفه منهم خضاب
ب- وقالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:
طويل النجاد رفيع العماد ... ... كثير الرَّماد إذا ما شتا
ج- وقال آخر - في وصف امرأة-:
بعيدة مهوى القرط إمَّا لنوفل ... أبوها وإمَّا عبد شمس وهاشم
د- وقال آخر:
الضاربين بكل أبيض مخذم ... ... والطاعنين مجامع الاضغان
هـ- وقال أبو نواس في الخمر:
ولما شريناها ودب دبيبها ... ... إلى موطن الأسرار قلت لها: قفي
و- وقال أبو العلاء المعرى في السيف:
سليل النهار دقَّ ورق حتى ... ... كان أباه أورثه السلالا
ز- وقال آخر:
اليسمن يتبع ظلَّه ... ... والمجدُ يمشى في ركابه
٢ - وضح الكناية في كل مما يأتي مبينا منها ما يصح فيه إرادة المعني الحقيقي للفظ، وما لا يصح فيه ذلك:
стр. 366
أ- تقول العرب فيمن يجاهر غيره بالعداوة:
لبس لهُ جلد النمر، وجلد الأرقم، وقلب له ظهر المجنِّ.
ب- وقال يزيد بن الحكم في مدح المهلب:
أصبح في قيدك السماحةُ والمجدُ ... وفضل الملاح والحسب
جـ- وقال أبو نواس في المدح:
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
د- وقال آخر:
وكلبك آنسٌ بالزاَّئرين ... ... من الأمِّ بابنتها الزائرة
هـ- وقال آخر مفتخراً:
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
و- وقال آخر:
تجولُ خلاخيلُ النساء ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
ز- وقال آخر:
مطبخ داوود في نظافته ... ... أشبه شيء بعرش بقليس
ثيابُ طباخة إذا اتسخت ... ... أنقى بياضاً من القراطيس!
ح- وقال آخر:
فتى مُختصر المأكو ... ... ل والمشروب والعطر
نفى الكأس والقصعة ... ... والمنديل والقدر
ط- وقال آخر:
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً ... يكلمه من حبه وهو أعجمُ!
стр. 367
ى- وقال آخر:
أكلتُ دما إن لم أُرعكِ بضرةٍ ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
ك- وقال آخر:
وإذا الكريم أضاع مطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب
* * * * *